38 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 21- فصل فمدَ ن كان على نَ فَقاتِ ه وخاتَ دِه ونَ عْله وسِ واكِ ه ومَ ن كان يَ أذَ ن علمه كان بِلالٌ على نفَقاتِه، ومُعَيْقيبُ بن أبي فاطِمةَ الدَّوْسيُّ على خاتمَه، وابنُ مَسعود على سِواكه ونَعْله، وأذِنَ عليه رَباح الأَسوَد وأَنسةُ مَوْلَياه، وأنَسُ بنُ مالك، وأبو مُوسى الأشعريُّ. 21- فصل في شُ عَرائه وخُ طَبائِ ه ﷺ كان شُعَراؤه الذين يَذُبُّون عنِ الإسلام: كَعْب بن مالِك، وعبدُ الله بنُ رَواحةَ، وحسَّانُ بنُ ثابِت، وكان أشَدُّهم على الكُفَّار حسَّانَ بنَ ثابت، وكَعْب بن مالِك يُعيرِّهم بالكُفْر والشرِّْك، وكان خَطيبُه ثابتَ بنَ قيسِ بن شماسٍ. 22- فصل في حُ داتِ ه الَّ ذين كانوا يَ حْدون بنين يَ دَيْه ﷺ في السفَ ر مِنهم عبدُ الله بنُ رَواحةَ، وأَنجشةُ، وعامِرُ بن الأَكوَع، وعمه سلَمةُ بن الأَكوع، وفي صَحيح مُسلِم: كان لرَسولِ الله ﷺ حادٍ حسَنُ الصوت، فقال له رَسولُ الله ﷺ: «رُوَيْدًا يا أَنجَشةُ لا تَكسِِِ القَواريرَ » يَعنِي: ضَعَفة النِّساء (1). 23- فصل في غَ زَواته وبنُ عوثِ ه وسَ راياهُ ﷺ غَزواتُه كلُّها وبُعوثُه وسرَاياهُ كانت بعد الهِجْرة في مُدَّة عَشرْ سِنينَ، فالغزَوات سَبْع وعِشرْون. وقيلَ: تسعٌ وعشرون، وقيلَ غير ذلك. (1) أخرجه مسلم2323.)
عدد الصفحات ٣٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |39 قاتل منها في تسعٍ: بَدْر، وأُحُد، والخَندَق، وقريظةَ، والمصطلقِ، وخيبرَ، والفتحِ، وحنين، والطائفِ. وأمَّا سرَاياهُ وبُعوثُه، فقريب من سِتِّين، والغَزَواتُ الكِبار الأُمَّهاتُ سَبْع: بَدْر، وأُحُد، والخَندَق، وخَيبرُ، والفَتْحُ، وحُنَينٌْ، وتَبوكُ. وفي شَأْن هذه الغَزَواتِ نزَل القُرآن، فسُورة الأنفال: سُورة بَدْر، وفي أُحُد آخِر آل عِمرانَ من قوله: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﴾ [121] إلى قُبَيْل آخِرِها بيَسير، وفي قِصَّة الخَندَق، وقُرَيْظةُ صَدْر سورة الأحزاب، وُسورة الحَشرْ في بَني النَّضير، وفي قِصَّة الحُدَيْبية وخيبرَ سُورة الفتح وأُشيرَ فيها إلى الفَتْح، وذُكِر الفَتْحُ في سُورة النَّصرْ صرَيحًا. وجُرِحَ منها رسول الله ﷺ في غَزوةٍ واحِدة وهي أُحُد، وقاتَلَت معَه المَلائِكةُ مِنها في بَدْر وحُنينٍ، ونزَلَتِ المَلائِكةُ يومَ الخَندَق، فزَلْزَلَتِ المُشرِكين وهزَمَتْهم، ورَمَى منها بالحصى في وُجوه المُشرِكين فهَرَبوا، وكان الفتحُ في غَزْوتَينْ: بَدْر، وحُنينٍ. وقاتَلَ بالمَنجَنيق منها في غَزوة واحِدة، وهي الطائِف، وتحَصَّن بالخَندَق في واحِدة، وهي الأحزابُ أَشار عليه به سَلمانُ الفارِسيُّ . 24- فصل في ذِ كْر سِ لاحِ ه وبَ ثاثِ ه ﷺ كان له تِسْعةُ أَسْيافٍ: مَأْثور، وهو أوَّل سَيْف ملَكَه، ورِثَه من أَبيهِ.
عدد الصفحات ٤٠41 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد والعضب، وذو الفِقار -بكَسرْ الفاء وفَتْحها - وكان لا يَكاد يُفارِقه، وكانت قائِمتُه وقبيعته وحلقتُه وذُؤابتُه وبكراته ونَعْله من فِضَّة. والقلعي، والبَتَّار، والحَتْف والرُّسوب، والمخذم، والقَضيب، وكان نَعْل سَيْفه فِضَّة، وقبيعة سيفه فِضَّة، وما بين ذلك حل ق فِضَّة. وكان سَيْفه ذو الفَقار تَنفَّله يومَ بَدْر، وهو الَّذي أُرِيَ فيه الرُّؤيا، ودخَل يومَ الفَتح مكَّةَ وعلى سَيْفه ذهَب وفِضَّة. وكانت له سَبع أَدراع: ذات الفُضول: وهي الَّتي رهَنَها عِند أبي الشَّحْم اليَهوديِّ على شَعير لعِياله، وكانت ثلاثين صاعً ا، وكان الدَّيْن إلى سَنَة، وكانتِ الدِّرْع من حَديد. وذات الوِشاح، وذات الحَواشيِ، والسَّعْدية وفِضَّة، والبَتراء والخِرنِق. وكانت له سِتُّ قِسيٍّ: الزَّوْراء، والرَّوْحاء، والصَّفْراء، والبَيْضاء، والكَتوم، كُسرَِت يومَ أُحُد فأَخَذَها قَتادةُ بنُ النُّع مان، والسداد. وكانت له جُعبةٌ تُدعى: الكافورَ. وكان له تُرْس يُقال له: الزلوق، وتُرْس يُقال له: الفتق. قيل: وتُرْس أُهدِيَ إليه، فيه صورة تمِثال فوضَع يدَه عليه فأَذهَب اللهُ ذلك التِّمثالَ. وكانت له خمسةُ أَرماح، يُقال لأَحَدهم: المثوي، وللآخَر: المثني، وحَرْبة يُقال لها: النبعة. وأُخرى كَبيرة تُدعَى: البَيْضاء، وأُخرى صَغيرة شِبْه العُكاز يُقال لها: العَنَزة يُمشى بها بين يدَيْه في الأعياد، حتى تُركَز أمامه، فيَتَّخِذها سُترة يُصليِّ إليها، وكان يَمشِِ بها أحيانًا.
عدد الصفحات ٤١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |40 وكان له مِغفَر من حَديد يُقال له: المُو شَّح، وشِّح بشَبَه، ومِغفَر آخَرُ يُقال له: السَّبوغ، أو ذو السَّبوغ. وكان له ثَلاثُ جِبابٍ يَلبَسها في الحَرْب. وكانت له رايةٌ سَوداءُ يُقال لها: العُقاب. وكانت ألويتُه بيضاءُ، وربما جُعِلَ فيها الأسودُ. وكان له فِسطاطٌ يُسمَّى: الكنَّ، ومحِجَن قَدْر ذِراع أو أَطوَلُ يَمشِِ به ويَركَب به، ويُعلِّقه بين يديه على بَعيره، ومخِصرَة تُسمَّى: العُرجون، وقَضيب من الشوحط يُسمَّى: المَمْشوق. قيل: وهو الَّذي كان يَتَداوَله الخُلَفاء. وكان له قدَح يُسمَّى: الرَّيان، ويُسمَّى مُغيثًا، وقدَح آخَرُ مُضبَّب بسلسلة من فِضَّة. وكان له قدَح من قَواريرَ، وقدَح من عِيدان يُوضَع تحت سرَيره يَبول فيه باللَّيْل، ورَكوة تُسمَّى: الصادِر، ومخِضَب من شَبَه، وقِعْب يُسمَّى: السَّعة، ومُغتَسَل من صُفْر، ومَدهَن، ورَبْعة يجَعَل فيها المِرآة والمِشْط، ومُكحُلة يَكتَحِل منها عِند النوم ثلاثًا في كل عَينْ بالإِثمِد، وكان في الرَّبْعة المِقْراضان والسِّواك. وكانت له قَصعةٌ تُسمَّى: الغَرَّاء، وسرَير قَوائِمُه من ساجٍ، وفِراش من أَدَم حَشْوُه لِيف. وهذه الجملةُ قد رُويت مفرقةً في أحاديثَ.
عدد الصفحات ٤٢42 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 25- فصل في دَ وابنِّ ه ﷺ فمِنَ الخَيْل: السكب. قيل: وهو أوَّل فرَس مَلَكَه، وكان أغرَّ محُجَّلاً طَلْق اليَمين كُميتًا. والمُرتََِز، وكان أشهَبَ وهو الَّذي شهِد له فيه خُزَيمةُ بن ثابِت. واللَّحيف، واللَّزَّاز، والظَّرِب، وسُبْحة، والوَرْد. فهذه سَبعة مُتَّفَق عليها. وكان دفَّتَا سرَْجه من لِيف وكان له من ا لبِغال دُلدُل، وكانت شَهباءَ أَهداها له المُقوقِس. وبَغلة أُخْرى يُقال لها: فِضَّة. أَهداها له فَروةُ الجُذاميُّ، وبَغْلة شَهباءُ أَهداها له صاحِبُ أيلةَ، وأُخرى أَهداها له صاحِبُ دُومة الجَندَل. ومن الحَمير: عُفَيرْ وكان أشهبَ، أَهداه له المُقوقِس ملَك ال قِبْط، وحمِار آخَرُ أَهداهُ له فَروةُ الجُذاميُّ. ومِنَ الإِبِل: القَصواءُ، قيل: وهي الَّتي هاجَر علَيْها، والعَضباءُ، والجَدعاءُ، ولم يَكُن بهما عَضْب ولا جَدْع، وإنما سُمِّيَت بذلك، والعَضباء هي الَّتي كانت لا تُسبَق، ثُم جاء أعرابيٌّ على قَعود له فسبَقَ ها، فشَقَّ ذلك على المُسلِمين، فقال رسولُ الله ﷺ «إنَّ حَقًا على اللهِ أَلاَّ يَرفَعَ مِنَ الدُّنيا شَيئًا إلاَّ وَضَعَهُ »(1)، وغنِمَﷺ يومَ بَدْر جمََلاً مهريًّا لأبي جَهْل في أَنْفه برَّة من فِضَّة، فأَهداهُ يوم الحُدَيبية ليَغيظ بذلك المُشرِكين. (1) أخرجه البخاري6501.)
عدد الصفحات ٤٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |43 وكانت له خمَْس وأربَعون لِقحة، وكانت له مُهريةٌ أَرسَل بها إليه سَعدِ بن عُبادةَ من نعَم بَني عَقيل. وكانت له مِئة شاة وكان لا يُريد أن تَزيد، كلَّما وَلَّد الراعِي بهمة، ذَبَح مَكانها شاةً، وكانت له سَبْع أَعنُز مَنائِح تَرعاهُنَّ أمُّ أَيمنَ. 26- فصل في مَ لابنِ سه ﷺ كانت له ﷺ عِمامة تُسمَّى: السَّحاب كَساها عليًّا، وكان يَلبَسها تحَتها القُلُنسوة، وكان ﷺ يَلبَس القُلُنسوة بغَيرْ عِمامة، ويَلبَس العِمامة بغَيرْ قُلُنسوة. وكان إذا اعتَمَّ أَرخَى عِمامته بين كَتِفَيْه، كما روى مسلمٌ في صَحيحه عن عمرِو بن حُرَيْث قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ على المِنبرَ وعليه عِمامة سَوداءُ قد أَرخَى طرَفَيْها بين كتِفَيْه (1). وفي مُسلِم أيضًا عن جابِر بن عبد الله أن رَسول ا ﷺ دخَل مكَّةَ وعليه عِ مامةٌ سَوداءُ (2) ولم يَذكُر في حديث جابِر: ذُؤابة، فدَلَّ على أن الذُّؤابة لم يَكُن يُرخيها دائِماً بين كتِفَيْه. ولَبِسَ القَميص وكان أحَبَّ الثِّياب إليه، وكان كُمُّه إلى الرُّسْغ، ولبِس الجُبَّة والفُروج وهو شِبه القَبَاء، والفَرجية، ولَبِسَ القُباء أي ضًا، ولبِسَ في السفَر جُبَّة ضيِّقة الكُمَّينْ، ولبِسَ الإزار والرِّداء. (1) أخرجه مسلم1359.) (2) أخرجه مسلم1358.)
عدد الصفحات ٤٤44 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولبِسَ حُلَّة حمَراءَ، والحُلَّة إزار ورِداء، وغلط مَن ظنَّ أنها كانت حمراءَ بحتًا لا يخُالِطها غيره، وإنما الحُلَّة الحَمراء: بُردان يَمانِيان مَنسوجان بخُطوط حمُْر مع الأَسوَد، كسائِ ر البرُود اليَمنيَّة. ولبِسَ الخميصةَ المعلمةَ والسَّاذجةَ، ولبِسَ ثوبًا أسودَ، ولبِسَ الفروةَ المكفوفةَ بالسندسِ. واشترََى سرَاويلَ، والظاهِرُ أنه إنما اشترَاها لِيَلبَسها، وقد رُوِيَ في غير حَديث أنه لبِسَ السرَّاويلَ وكانوا يَلبَسون السرَّاويلاتِ بإِذْ نه. ولبِسَ الخُفَّينْ ولبِسَ النَّعْل الَّذي يُسمَّى التاسومة. ولبِسَ الخاتَمَ، واختلفَتْ الأحاديثُ: هل كان في يمناه أو يسراه؟ وكلُّها صحيحةُ السندِ. ولبِسَ البيضةَ التي تُسمَّى: الخوذةَ، ولبِسَ الدرعَ التي تُسمَّى: الزرديةَ، وظاهَرَ يومَ أحدٍ بينَ الدرعينِ. وفي صحيح مُسلِم عن أسماءَ بنتِ أبي بَكْر قالت: هَذه جُبَّة رَسولِ الله ﷺ. فأَخرَجَت جُبَّة طيالِسة كِسروانِية لها لَبنة دِيباج، وفَرْجاها مَكْفوفان بالدِّيباج، وقالت: هذه كانت عند عائِشةَ حتَّى قُبِضَت، فلماَّ قُبِضَت قبَضْتُها، وكان النبيُّ ﷺ يَلبَسها، فنحن نَغسِلها للمَرضىَ يُستَشْفَى بها (1). وكان له بُرْدانِ أَخضَْان وكِساء أسوَدُ وكِساءٌ أحمرُ مُلبَّد وكِساء من شَعْر (1) أخرجه مسلم2069.)
عدد الصفحات ٤٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |45 وكان قَميصُه من قُطْن، وكان قَصير الطول قَصير الكُم وكان أحبُّ الثِّياب إليه القميصَ والحِبرَة، وهي ضَِْب منَ البرُود فيه حمُْرة. وكان أحبُّ الألوان إليه البياضَ، وقال «هِيَ مِنْ خَيرِْ ثِيابِكُمْ فَالْبَسُوها وَكَف نُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ »(1)، وفي الصحيح: عن عائِشةَ أنهَّا أَخرَجَت كِساءً مُلبَّدًا وإِزارًا غَليظًا فقالَتْ: نُزِع رُوحُ النبيِّ ﷺ في هَذَيْن (2). وكان أغلبُ ما يَلبَسه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو وأَصحابُه ما نُسِج مِنَ القُطْن، ورُبَّما لبِسوا ما نُسِج من الصُّوف والكَتَّان. وكان إذا استَجَدَّ ثوبًا سماَّه باسمِه، وقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ كَسَوْتَنِي هَذا الْقَمِيصَ أَوِ الر دَاءَ أَوِ الْعِماَمَةَ، أَ سْأَلُكَ خَيرَْهُ وَخَيرَْ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَِ هِ وَشَِ مَا صُنِعَ لَهُ »(3). وكان إذا لبِسَ قَميصَه بدَأ بمَيامِنه، ولبِسَ الشعر الأسودَ، كما روى مُسلِم في صَحيحه عن عائِشةَ قالت: خرَج رَسولُ ا ﷺ وعليه مِرْط مُرحَّل من شَعر أسوَدَ (4). وفي الصحيحَينْ عن قَتادةَ: قُلْنا لأَنَس: أيُّ اللِّباس كان أحبَّ إلى رَسول ا ﷺ؟ قال الحِبرََةُ (5)، والحِبرَة بُرْد من بُرود اليَمن، فإن غالب لِباسِهم كان من نَسْج (1) أخرجه أبو داود4061)، والترمذي994)، وابن ماجه1472.) (2) أخرجه البخاري5818)، ومسلم2080.) (3) أخرجه أبو داود4020)، والترمذي1767.) (4) أخرجه مسلم2081.) (5) أخرجه البخاري5812)، ومسلم2079.)
عدد الصفحات ٤٦46 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد اليَمَن؛ لأنها قَريبة منهم، ورُبَّما لبِسوا ما يجُ لَب منَ الشام ومِصرَ كالقُباطيِّ المَنسوجة من الكَتَّان الَّتي كانت تَنسجُها القِبْط. وكانت مخِدَّته ﷺ من أَدَم حَشوُها لِيف. فالذين يَمتَنِعون عماَّ أَباح الله منَ المَلابِس والمَطاعِم والمَناكِح تَزهُّدًا وتَعبُّدًا بإِزائِهم طائِفة قابَلوهم، فلم يَلبَسوا إلاَّ أَشرَف الثِّياب، ولم يَأكُلوا إلاَّ أَلينَ الطَّعام، فلا يَرَوْن لُبْس الخشِن ولا أَكْله تَكبرًُّا وتَِبرًُّا، وكِلتا الطائِفتَينْ هَديُه مخُالِف لهَديِ النبيِّ ﷺ؛ ولهذا قال بعضُ السلَف: كانوا يَكرَهون الشُّهْرتين من الثِّياب العالي والمُنخَفِض. 27- فصلفي هَديه ﷺ في الطَّ عام وكذلك كان هَديُه ﷺ وسِيرته في الطَّعام لا يَرُدُّ مَوجودًا ولا يَتكلَّف مَفقودًا، فما قُرِّب إليه شيءٌ منَ الطَّيِّبات إلاَّ أَكَله، إلاَّ أن تَعافَه نفسُه فيَترُكه من غير تحَريم وما عابَ طعامًا قطُّ، إنِ اشتَهاه أَكَلَهُ وإلاَّ تَرَكَه. كان هَديُه أَكْل ما تَيسرَّ، فإن أَع وَزَه صبرَ حتَّى إنه ليرَبِط على بَطْنه الحجَر من الجُوع، ويُرَى الهِلال والهِلال والهِلال فلا يُوقَد في بيته نارٌ. وكان مُعظَم مَطعَمه يُوضَع على الأرض في السفرة وهي كانت مائِدته، وكان يَأكُل بأَصابعه الثَّلاث ويَلعَقها إذا فرَغ، وهو أشرفُ ما يَكون من الأ كلة، فإن المُتكبرِّ يَأكُل بأُصبُع واحِدة، والجَشِع الحَريص يَأكُل بالخَمس ويَدفَع بالراحة. وكان لا يَأكُل مُتَّكئًا.
عدد الصفحات ٤٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |47 وكان يُسمِّي الله تعالى على أوَّل طَعامه، ويحَمَده في آخِره فيَقول عِند انقِضائِه: «الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طي بًا مُبارَكًا فيه غير مَكْ فيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولاَ مُستَغْنًى عَنْهُ رَبَّنا »(1). وكان أكثرُ شربِه قاعدًا، بل زَجَرَ عن الشربِ قائماً، وشرَِبَ مرةً قائماً، والصحيحُ في هذه المسألةِ: النهيُ عن الشرب قائماً، وجوازُه لعذرٍ يمنعُ من القعودِ، وبهذا تِمتع الأحاديثُ، والله أعلم . وكان إذا شرَِبَ ناوَلَ مَ ن على يمينِه وإن كان مَن على يسارِه أكبرَ منه. 26- فصل في هَ ديه في النِّ راح ومُ عاشَ رته ﷺ بَهْلَه صَحَّ عنه ﷺ من حديثِ أنَس أنهﷺ قال: «حُب بَ إِلَََّ مِن دُنْياكُمُ الن ساءُ والط يبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني فيِ الصَّلاةِ »(2). وأَباحالله له من ذلك ما لم يُبِحْه لأحَد من أُمَّته. وكان ﷺ يَقسِم بينَهن في المَبيت والإيواءِ والنفَقةِ. وطلَّق ﷺ وراجَع، وآلىَ إيلاءً مُؤقَّتًا بشَهْر، ولم يُظاهِر أبَدًا. وكانت سِيرتُه مع أزواجه حُسْن المُعاشرَة وحُسْن الخُلُق. (1) أخرجه البخاري5458.) (2) أخرجه النسائي3939.)
عدد الصفحات ٤٨48 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يُسرِّب إلى عائِشةَ بَنا تِ الأنصار يَلعَبْن معَها، وكانت إذا هَوِيَت شيئًا لا محَذورَ فيه تابَعَها عليه، وكانت إذا شرِبَت منَ الإناءِ أخَذَه فوضَع فمَه على مَوضِع فمِها وشرَِب، وكان إذا تَعرَّقت عَرقًا -وهو العَظْم الذي عليه لحَْم - أخَذَه فوضَع فمَه مَوضِع فَمِها، وكان يَتَّكِئ في حَجْرها ويَقرَأ القُرآن ورَأسُه في حَجْرها وربما كانت حائِضًا، وكان يَأمُرها وهي حائِضٌ فتَتَّزِر ثُم يُباشرِها، وكان يُقبِّلها وهو صائِم، وكان ﷺ من لُطْفه وحُسْن خُلُقه مع أَهْله أنه يُمكِنها منَ اللعِب ويُريها الحبَشة وهم يَلعَبون في مَسجِده وهي مُتَّكِ ئة على مَنكِبه تَنظُر، وسابَقَها في السفَر على الأقدامِ مرَّتَينْ، وتَدافَعَا في خُروجِهما من المَنزِل مرَّةً. وكان إذا أَراد سفَرًا أَقرَع بين نِسائِه، فأَيَّتُهُن خرَج سَهمُها خرَجَ بها معه، ولم يَقضِ للبَواقِي شيئًا. وكان إذا صلىَّ العصرَ دار على نِسائ ه فدَنا مِنهُنَّ واستَقْرَأ أَحْوالهَُن، فإذا جاءَ الليلُ انقَلَب إلى بَيْت صاحِبة النَّوْبة فخَصَّها باللَّيْل. وكان ﷺ يَأتيِ أهلَه آخِر الليلِ وأوَّله، وإذا جامَع أوَّل الليل فكان ربما اغتَسَل ونام، وربما توضَّأَ ونامَ. وكان إذا سافَر وقدِمَ لم يَطرُق أه لَه ليلاً.
عدد الصفحات ٤٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |49 29- فصل في هَ دْيه وسِ يرته ﷺ في نَ وْمه وانتِ باهِ ه كان يَنام على الفِراش تارةً، وعلى النِّطعِ تارةً، وعلى الحَصير تارةً، وعلى الأرض تارةً، وعلى السرَّير تارةً بين رِماله، وتارةً على كِساء أسودَ. قال عَبَّاد بن تمَيم، ﷺ مُستَلقِيًا في المَسجِد واضِعًا إِحْدى رِجْليه على الأُخْرى (1). وكان إذا أَوَى إلى فراشِه للنومِ قال «باسمِكَ اللهُمَّ أَحْيَا وأَموتُ »(2). وكان يجَمَعُ كفَّيه ثُم ينفثُ فيهما، ويقرأُ فيه (قل هو الله أحد)، و(قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، ثُم يمسحُ بهما ما استطاعَ من جسدِه، يبدأُ بهما على رأسِه ووجهِه وما أَقبلَ من جسدِه، يفعلُ ذلك ثلاثَ مراتٍ (3). وكان ينامُ على شقِّه الأيمنِ ويضعُ يدَه اليمنى تحتَ خدِّه الأيمنِ ثُم يقولُ «اللهُمَّ قِن ي عذابَك يومَ تَبعثُ عبادَك »(4)، وكان يقولُ إذا أَوَى إلى فراشِه : «الحمدُ لله الذي أَطعمَنا وسَقانا وكَفانا وآوانا، فكَمْ ممَّن لا كافيَِ له ولا مُؤوِيَ » ذكره مسلم(5). (1) أخرجه البخاري475)، ومسلم2100.) (2) أخرجه البخاري6324.) (3) أخرجه البخاري5017.) (4) أخرجه أبو داود5045)، والنسائي2367.) (5) أخرجه مسلم2715.)
عدد الصفحات ٥٠51 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وذكر أيضًا أنه كان «اللهُمَّ ربَّ السمواتِ والأرضِ، وربَّ العرشِ العظيمِ، ربَّنا وربَّ كل شيءٍ، فالقَ الحب والنوَى، مُنزِلَ التوراةِ والإنجيلِ والقرآن، أعوذُ بك من شِ كل ذي شٍِّ أنت آخذٌ بناصيتِه، أنت الأولُ فليس قبلَك شيءٌ، وأنت الآخرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَك شيءٌ، وأنت الباطنُ فلي س دونَك شيءٌ، اقضِ عنا الدَّيْنَ وأَغنِنا من الفقرِ »(1). وكانﷺ إذا استيقظَ من الليل قال: «لا إلهَ إلا أنت سبحانَك، اللهُمَّ إ أَستغفرُك لذنبي، وأسألُك رحمتَك، اللهُمَّ زِدني علماً ولا تُزِغْ قلبي بعدَ إذ هديتَني، وهبْ لَ مِن لدنك رحمةً، إنك أنت الوهابُ »(2). وكان إذا انتبَه من نومِه قال «الحمدُ لله الذي أحيانا بعدَ ما أماتَنا وإليه النشورُ »(3)، ثُم يتسوَّك (4)، وربما قرَأ العشرَ الآيات من أواخر (آل عمران)، من قوله: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [190] إلى آخرها(5). وقال«اللهُمَّ لك الحمدُ أنت نورُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولك الحمدُ أنت قي مُ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولك الحمدُ أنت الحقُّ ووعدُك الحقُّ، ولقاؤُك حق ، والجنةُ حق ، والنارُ حق ، والنبيون حق ، ومحمدٌ حق ، والساعةُ حق ، اللهُمَّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك (1) أخرجه مسلم2713.) (2) أخرجه أبو داود5071.) (3) أخرجه البخاري6312.) (4) أخرجه البخاري245)، ومسلم255.) (5) أخرجه البخاري183)، ومسلم763.)
عدد الصفحات ٥١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |50 خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفِر لَ ما قدمتُ وما أخرتُ وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلهي، لا إلهَ إلا أنت »(1). وكان يَنام أوَّل اللَّيْل، ويَقوم آخِرَه، وربما سهِر أوَّل الليل في مَصالِح المُسلِمين، وكان ﷺ تَنام عَيناهُ ولا يَنام قَلبُه. وكان إذا نام لم يُوقِظوه حتَّى يَكون هو الَّذي يَستَيْقِظ. وكان إذا عرَّس بلَيْل اضطَجَع على شِقِّه الأَيمَن، وإذا عرَّس قُبَيْل الصُّبْح نصَب ذِراعَه ووضَع رَأْسه على كَفِّه. 31- فصل في هَ دْيه ﷺ في الرُّ كو ركِب ﷺ الخيلَ والإِبِل والبِغال والحَميرَ، وركِب الفرَسَ مُسرَجة تارةً وعرِيًّا أُخرى، وكان يجُريها في بعضِ الأَحيان، وكان يَركَب وحدَه وهو الأكثرُ، وربما أَردَف خَلفَه على البَعير، ورُبما أَردَف خَلفَه وأَركَب أَمامَه فكانوا ثلاثةً على البَعير، وأَردَف الرِّجال وأَردَف بعضَ نِسائِه، وكان أكثَرُ مَراكِبه الخَيْل والإِبِل. 31- فصل [ وباع رَسولُ ا ﷺ واشترََى، وكان شرِاؤُه بعد أن أَكرَمه الله تعالى برِسالتِه أكثَرَ من بَيْعه، وكذلك بعد الهِجْرة لا يَكاد يحُفَظ عنه البيعُ إلاَّ في قَضايا يَسيرة أكثَرُها لغَيرْه، كبَيْعه القَدَح والحلسِ فيمَن يَزيدُ، وبَيْعه يَعقوبَ المُدبَّر غَلامَ أبي مَذكورٍ، وبَيْعه عبدًا أسودَ بعَبْدين، وأمَّا شرِاؤه فكَثيرٌ. (1) أخرجه البخاري7499)، ومسلم769.)
عدد الصفحات ٥٢52 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأجر واستَأجَر، واستِئْجارُه أكثرُ من إيجارِه، وإنما يحُفَظ عنه أنه أجَّر نَفْسه قبل النُّبوَّة في رِعاية الغنَم، وأَجَّ ر نَفسَه من خَديجةَ في سفَره بمالهِا إلى الشام. وشارَك ﷺ، ولمََّا قدِم عليه شرَيكُه، قال: أمَا تَعرِفني؟ قال «كُنتَ شَِيكي؟ فنِعْمَ الشََّيكُ كنتَ، لا تُدارِئُ وَلا تُُارِي »(1). ووكَّل وتَوكَّل، وكان تَوكيلُه أكثَرَ من تَوكُّله وأُهدي إليه، وقبِلَ الهَدية، وأَثاب عليها، ووهَب واتهََّب، فقال لسلَمةَ بنِ الأَكوعِ، وقد وقَع في سَهْمه جاريةٌ: «هَبْها ». فوهَبَها له، ففادَى بها من أَهْل مكَّةَ أُسارَى من المُسلِمين (2). واستَدان برَهْن، وبغَيرْ رَهْن، واستَعار، واشترََى بالثمَن الحال والمُؤجَّل. وضمِن ضمانًا خاصًّا على رَبِّه على أعمالٍ مَن عمِلها كان مَضمونًا له بالجَنَّة، وضمن ضَمانًا عامًّا لدُيون مَن تُوفيَِّ من المُسلِمين ولم يَدَعْ وفاءً أنها عليه وهو يُوفِّيها. ووقفَ رسولُ الله ﷺ أرضًا كانت له جعلها صدقةً في سبيل الله. وتشفَّ عَ وشُفِعَ إليه، وردَّت بريرةُ شفاعتَه في مراجعتِها مُغيثًا، فلم يَغضَب عليها، ولا عَتبَ، وهو الأسوة والقدوةُ. (1) أخرجه أبو داود4836)، وابن ماجه2287.) (2) أخرجه مسلم1755.)
عدد الصفحات ٥٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |53 وحلَف في أكثَرَ من ثَمانينَ مَوضِعًا، وكان ﷺ يَستَثْني في يَمينه تارةً ويُكفِّرها تارةً ويَمضِِ فيها تارةً، والاستِثْناء يَمنَع عَقْد اليَمين، والكَفَّارة تحُِلُّها بعد عَقْدها؛ ولهَِذا سماَّها اللهُ تحَِلَّةً. وكان ﷺ يُمازِح ويَقول في مُزاحِه الحقَّ، ويُورِّي ولا يَقول في تَوْريتِه إلاَّ الحقَّ. وكان يُشيرُ ويَستشيرُ. وكان يَعود المَريض، ويَشهَد الجَنازةَ، ويجُيب الدَّعوة، ويَمشِِ مع الأَرمَلة والمِسكِين والضَّعيف في حَوائِجِهم، وسمِع مَديح الشعراء وأَثابَ عليه، ولكِنْ ما قيل فيه منَ المَديح فهو جُزْء يَسير جِدًّا من محَامِده، وأَثاب على الحَقِّ، وأ مَّا مَدْح غيره من الناس فأَكثَرُ ما يَكون بالكَذِب؛ فلِذلِكَ أمَرَ أن يحُثَى في وُجوهِ المَدَّاحينَ الترُّابَ (1). وسابَقَ رَسولُ ا ﷺ بنَفْسه على الأَقدام وصارَع، وخصَف نَعْلَه بيَدِه، ورقَع ثَوبَه بيَدِه، ورفَع دَلْوه وحلَبَ شاتَه وفلىَ ثَوْبه وخدَم أَ هْله ونَفْسه، وحمَلَ معهم اللبِنَ في بِناء المَسجِد، وربَط على بَطْنه الحجَرَ من الجوعِ تارةً وشبِعَ تارةً، وأَضاف وأُضيف، واحتَجَم في وسَط رَأْسه وعلى ظَهْر قدَمه، واحتَجَم في الأَخْدعين والكاهِل وهو ما بين الكَتِفين، وتَداوَى وكَوَى ولم يَكتوِ، ورَقَى ولم يَسترَقِ، وحمَى المَريض ممَِّا يُؤذِيه. (1) أخرجه مسلم3002.)
عدد الصفحات ٥٤