المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٢٥ من ٣٢

391 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 33- فصل في هديِه ﷺ في رُ قم اللديغِ بنالفاتح أخرجا في «الصحيح» من حديثِ أبي سعيدٍ الخدري ، قال انطلق نفرٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ في سَفرةٍ سافروها حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العربِ، فاستضافوهم فأبوا أن يُضيِّفوهم، فلُدغَ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فسعوا له بكُلِّ شيء لا ينفعُه شيءٌ. فقال بعضُهم: لو أتيتم هؤلاءِ الرهطَ الذين نزلوا لعلَّهم أن يكون عند بعضِهم شيءٌ، فأتوهم فقالوا: يا أيها الر هطُ إن سيدَنا لُدغ، وسعينا له بكل شيءٍ لا ينفعه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟ فقال بعضُهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تُضيِّفونا فما أنا براقٍ حتى تِعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيعٍ من الغنمِ، فانطلق يَتفُلُ عليه، ويقرأُ: (ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ )، فكأنما نشط من عِقالٍ، فانطلق يمشِ، وما به قَلَبَةٌ، قال: فأوفوهم جُعلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضُهم: اقتسِموا، فقال الذي رَقى: لا نفعلُ حتى نأتيَ النبيَّ ﷺ فنذكرَ له الذي كان، فننظرَ ما يأمرنا به، فقدِموا على رسولِ الله ﷺ، فذكروا له ذلك فقال: «وما يُدريك أنهارُقيةٌ؟! »، ثم قال: «قد أصبتُم، اقسِموا واضَِبوا معكم سهماً »(1). فما تضمَّنَتْه الفاتحةُ من إخلاصِ العبوديةِ، والثناءِ على الله تعالى، وتفويضِ الأمرِ كلِّه إليه، والاستعانةِ به، والتوكلِ عليه، وسؤالِه مجامعَ النعمِ كلِّها، وهي الهدايةُ التي تِلبُ النعمَ وتدفعُ النقمَ؛ من أعظمِ الأدويةِ الشافيةِ الكافيةِ. (1) أخرجه البخاري2276)، ومسلم2201 .)

عدد الصفحات ٣٩١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |390 34- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ لدغ ِ العقر بنالرقم ِ روى ابنُ أبي شيبةَ في «مسنده»، من حديثِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال «بينَا رسول الله يُصليِّ، إذ سجَدَ فلدغَتْه عقربٌ في أصبعِه، فانصرَفَ رسولُ الله وقال: لعَنَ الله العقربَ؛ ما تدع نبيًا ولا غيرَه ، قال: ثم دعا بإناءٍ فيه ماءٌ وملحٌ، فجعل يضعُ موضعَ اللدغةِ في الماءِ والملحِ، ويقرأ: (قل هو الله أحد ) والمعوذتين حتى سكنَتْ »(1). وقد روى مسلمٌ«صحيحه» عن أبي هريرةَ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحةَ! فقال: «أما لو قلتَ حين أمسيتَ: أعوذ بكلماتِ الله التامَّات من شِ ما خلق، لم تُضرَّك »(2). واعلم أن الأدويةَ الإلهيةَ تنفع من الداءِ بعد حصولِه، وتمنع من وقوعِه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضًّْا، فالرقى والعُوذُ تستعمل لحفظِ الصحة، ولإزالة المرضِ. 35- فصل هديه ﷺ في رقم الندل قد تقدَّم من حديث أنسٍ الذي في «صحيح مسلم »: أنه ﷺ رخَّص في الرقيةِ من الحمةِ والعينِ والنملةِ (3). (1) أخرجه ابن أبي شيبة عن ع 4/55 (23553)، وإنما رواه عن عبد الله بن مسعود ابن عدي في الكامل3/106. (2) أخرجه مسلم2709.) (3) أخرجه مسلم2196.)

عدد الصفحات ٣٩٢

392 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وفي «سنن أبي داود »، عن الشفاءِ بنتِ عبد الله: دخَلَ عليَّ رسولُ الله وأنا عندَ حفصةَ فقال: «أَلاَ تُعل مين هذه رقيةَ النملةِ كما عَلَّمْتيها الكتابةَ »(1). النملة: قروحٌ تخرجُ [ في داءٌ معروفٌ، وسمِّي نملةً لأن صاحبَه يحسُّ في مكانِه كأن نملةً تدبُّ عليه وتعضُّه. 36- فصل في هديه في رقم الحم قد تقدَّم قولُه: «لا رقيةَ إلا في عينٍ أو حمَُةٍ (2)»(3). و«سنن ابن ماجه» مِن حديثِ عائشةَ رضي الله عنها: رخَّص رسولُ ا في الرقيةِ من الحيةِ والعقربِ (4). 37- فصل في هديِه ﷺ في رُ قم القرح ِ واجوُ رح أخرجا في «الصحيح» عن عائشةَ قالت: كان رسولُ ا ﷺ إذا اشتكى الإنسانُ، أو كانت به قرحةٌ أو جرح، قال بأصبُعه: هكذا، ووضع سفيانُ سبَّابته بالأرضِ، ثم رفعها، وقال: «بسم الله، تربةُ أرضنا، بِريقَةِ بعضِنا، لِيُشفى سقيمُنا، بإذن رب نا »(5). (1) أخرجه أبو داود3887.) (2) (الحُمَة): سم العقرب ونحوها (3) أخرجه البخاري5705)، ومسلم220.) (4) أخرجه ابن ماجه3517.) (5) أخرجه البخاري5745)، ومسلم2194 .)

عدد الصفحات ٣٩٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |393 ومعنى الحديثِ: أنه يأخذ من ريقِ نفسِه على أُصبُعِه السبابةِ، ثم يضعها على الترابِ فيعلقُ بها منه شيءٌ، فيمسح به على الجُرحِ، ويقول هذا الكلامَ لما فيه من بَركةِ ذكر اسم الله، وتفويض الأمرِ إليه، والتوكُّلِ عليه، فينضم أحدُ العلاجين إلى الآخرِ، فيقوى التأثيرُ. 36- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ الوجع بنالرُّ قم ِ روى مسلم في «صحيحه» عن عثمانَ بن أبي العاصِ ، أنه شكى إ رسولِ الله ﷺ وجعًا يجَده في جسدِه منذ أسلمَ، فقال النبيُّ ﷺ: «ضع يدَك ع الذي تألمَّ من جسدِك، وقل: بسمِ الله ثلاثًا، وقل سبعَ مرَّاتٍ: أعوذ بعزة الله وقدرته من شِ ما أجد وأحاذرُ »(1). ففي هذا العلاجِ من ذكرِ اسم الله تعالى، والتفويضِ إليه، والاستعاذةِ بعزَّته وقدرتِه من شرِّ الألمِ ما يَذهبُ به، وتكرارُه ليكونَ أنجعَ وأبلغَ، كتكرارِ الدواءِ لإ خراجِ المادةِ، وفي السبعِ خاصيةٌ لا تُوجدُ في غيرِها. وفي «الصحيح»: أن النبي ﷺ كان يعوذُ بعضَ أهله، يمسحُ عليه بيده اليُمنى، ويقول: «اللهم ربَّ الناسِ أذهِب الباسَ، واشفِ أنت الشافي، لا شفاءَ إ شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً »(2). ففي هذه الرقيةِ توسلٌ إلى الله بكمالِ ربوبيتِه، وكمالِ رحمتِه بالشفاءِ، وأنه وحدَه الشافي، وأنه لا شفاءَ إلا شفاؤه، فتضمَّنت التوسلَ إليه بتوحيدِه وإحسانِه وربوبيتِه. (1) أخرجه مسلم2202.) (2) أخرجه البخاري5750)، ومسلم2191.)

عدد الصفحات ٣٩٤

394 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 39- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ حَرِّ المصمب وحُ زنِ ها قال تعالى: (ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) [155 - 157]. و«المسند» عنهﷺ أنه قال: «ما من أحدٍ تصيبه مُصيبةٌ فيقولُ إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أجرني في مُصيبتي وأخلِف لَ خيرًا منها؛ إلا أجاره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها »(1). وهذه الكلمةُ من أبلغ علاجِ المُصاب، وأنفعِه له في عاجلته وآجلتِه، فإنها تتضمن أصلينِ عظيمين إذا تحقَّقَ العبدُ بمعرفتهما تسلىَّ عن م صيبتِه: أحدُهما : أن العبدَ وأهله ومالَه مِلكٌ لله  حقيقةً، وقد جعله عند العبد عاريَّةً. والثاني: أن مصيرَ العبد ومرجِعَه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخُلِّف الدنيا وراء ظهرِه، فكيف يفرحُ بموجود أو يأسى على مفقودٍ، ففكرُه في مبدئه ومَعادِه من أعظم علاجِ هذا الداءِ. ومن علاجِه : أن يَعلم علمَ اليقين أن ما أصابه لم يكن ليُخطئَه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبَه. ومنه: أن ينظرَ إلى ما أُصيب به فيجد ربَّه قد أبقى عليه مثلَه، أو أفضلَ منه. (1) أخرجه مسلم (918.)

عدد الصفحات ٣٩٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |395 ومنه: أن يطفئَ نارَ مصيبتِه ببردِ التأسيِّ بأهل المصائبِ. ومنه: أن يعلم أن الجَزَع لا يردُّها، بل يضاعفُها. ومنه: أن يعلم أن فوتَ ثواب الصبرِ والتسليم -وهو الصلاةُ والرحمةُ والهدايةُ - أعظمُ من المصيبة في الحقيقةِ. ومنه: أن يعلم أن الجزعَ يشمِّت عدوَّه، ويسوءُ صديقَه، ويُغضب ربَّه. ومنه: أن يعلم أن ما يعقبه الصبرُ والاحتساب من اللذةِ والمسرة أضعافَ ما كان يحصل له ببقاءِ ما أُصيب به لو بقي عليه. ومنه: أن يروحَ قلبَه بروح رجاءِ الخُلفِ من الله تعالى. ومنه: أن يعلم أن حظَّه من المصيبةِ ما تحُدثه له، فمن رضي فله الرضى، ومن سخِط فله السُّخطُ. ومنه: أن يَعلم أنه وإن بلغ في الجَزعِ غايتَه، فآخرُ أمره إلى صبرِ الاضطرارِ. ومنه: أن يعلم أن أنفعَ الأدوية له موافقةُ ربِّه وإلهه فيما أحبَّه ورضيه له. ومنه: أن يعلمَ أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسلْ إليه البلاءَ ليُهلكَه به، وإنما ليمتحنَ صبرَه وليسمع تضُّْعَه وابتهاله. ومنه: أن يعلمَ أنه لولا محنُ الدنيا ومصائبُها لأصاب العبدَ من أدواءِ الكبرِ والعجب والفرعنةِ وقسوة القلبِ ما هو سبب هلاكِه. ومنه: أن يعلمَ أن مرارةَ الدنيا هي بعينها حلاوةُ الآخرة.

عدد الصفحات ٣٩٦

396 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 41- فصل في هديِ ه ﷺ في علاجِ الرر واله ِّ والغ والحزنِ في «الصحيح» من حديث ابن عباسٍ  أن رسولَ ا ﷺ كان يقول عند الكَربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات والأرضِ، ربُّ العرشِ الكريم »(1). و«سنن أبي داود» عن أبي بكرةَ، أن رسولَ ا ﷺ قال: «دعواتُ المكروبِ: اللهمَّ رحمتَك أرجو، فلا تَكِلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلِح لَ شأني كُلَّه، لا إله إلا أنت»(2). وفيها أيضًا عن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسولُ ا «أَلاَ أُعل مك كلماتٍ تقوليهن عندَ الكربِ، أو في الكربِ: الله ربي لا أُشِِكُ به شيئًا»(3). 41- فصل في هديه ﷺ في حفظ الصح ولما كانت الصحةُ والعافيةُ من أجلِّ نعم الله على عبدِه، وأجزلِ عطاياه، وأوفرِ منحِه، بل العافيةُ المطلقةُ أجلُّ النعمِ على الإطلاقِ، فحقيقٌ بمن رزق حظًّا من التوفيقِ مراعاتهُا وحفظُها وحمايتُها عما يضادها، وقد روى البخاري في «صحيحه» من حديثِ ابنِ عباس ر الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ »(4). (1) أخرجه البخاري6345)، ومسلم2730 .) (2) أخرجه أبو داود5090 .) (3) أخرجه أبو داود1525.) (4) أخرجه البخاري6412.)

عدد الصفحات ٣٩٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |397 وفي الترمذي وغيرِه من حديثِ عبيدِ الله بنِ محصن الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَن أصبحَ مُعافًً في جسدِه، آمنًا في سربِه، عندَه قوتُ يومِه، فكأن حِيزت له الدنيا»(1). وفي الترمذي أيضًا من حديثِ أبي هريرةً رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «أولُ ما يُسألُ عنه العبدُ يومَ القيامةِ من النعيم أن يُقالَ له: ألم نصحَّ لك جسمَك، ونُرو كَ من الماءِ الباردِ »(2)؟ ومن هاهنا قال مَن قال مِن السلفِ في قوله تعالى: ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴾ [8] ، قال: عن الصحةِ وإذا كان هذا شأنَ العافيةِ والصحةِ فنَذكرُ من هديِه ﷺ في مراعاةِ هذه الأمورِ ما يتبينَُّ لمن نظَرَ فيه أنه أكملُ هدي على الإطلاقِ ينال به حفظ صحةِ البدنِ والقلبِ، وحياة الدنيا والآخرةِ، والله المستعانُ، وعليه التكلانُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله. فصل فأمَّا المطعمُ والمشربُ، فلم يكن من عادتِه ﷺ حبسُ النفْسِ على نوع واحدٍ من الأغذيةِ لا يتعداهُ إلى ما سواه، فإن ذلك يضُّْ بالطبيعة جدًّا، وقد يتعذرُ عليها أحيانًا، فإن لم يتناول غيرَه ضعف أو هلك، وإن تناولَ غيرَه لم تقبله الطبيعةُ، بل كان يأكلُ ما جرت عادةُ أهل بلدِه بأكله. (1) أخرجه الترمذي2346)، وابن ماجه4141.) (2) أخرجه الترمذي3358.)

عدد الصفحات ٣٩٨

398 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان إذا عافت نفسُه الطعامَ لم يأكله، ولم يحمِلها إياه على كرهٍ، وهذا أصلٌ عظيمٌ في حفظِ الصحةِ، فمتى أكل الإنسانُ ما تعافه نفسُه ولا يشتهيه كان تضُّْره به أكثرَ من انتفاعه. قال أبو هريرةَ : ما عاب رسولُ ا ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكلَه، وإلا تركه ولم يأكلْ منه (1). وكان يحُبُّ اللحمَ، وأحبُّه إليه الذراعُ، ومُقدَّم الشاة، و «الصحيح» : أُتي رسولُ ا ﷺ بلحمٍ فرفع إليه الذراعَ، وكانت تعجبُه (2). وكان يحبُّ الحلواء والعسلَ، وهذه الثلاثةُ -أعني: اللحمَ والعسلَ والحلواءَ - من أفضلِ الأغذية، ولا ينفرُ منها إلا مَن به علةٌ وآفة. وكان يأكل الخبزَ مأدومًا ما وجد له إدامًا، فتارةً يَأدمه باللحمِ، وتارة بالخلِّ، ويقول: «نِعمَ الإدامُ الخل »(3)، وهذا ثناءٌ عليه بحسب مُقتضَ الحال الحاضِِ، تفضيل له على غيرِه. وكان يأكلُ من فاكهة بلدِه عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضًا من أكبرِ أسباب حفظِ الصحةِ، فإن الله سبحانه بحكمتِه جعل في كلِّ بلدٍ من الفاكهةِ ما ينتفعُ به أهلُها في وقتِه. (1) أخرجه البخاري5409)، ومسلم2064 .) (2) أخرجه البخاري3340)، ومسلم194.) (3) أخرجه مسلم2052.)

عدد الصفحات ٣٩٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |399 42- فصل في هديه ﷺ في همئ اجولوس للأكل صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «لا آكلُمتكئًا»(1). وقد فُسرَِّ الاتكاءُ بالتربعِ، وفُسرَِّ بالاتكاءِ على الشِءِ وهو الاعتمادُ عليه، وفُسرَِّ بالاتكاءِ على الجنبِ. والأنواعُ الثلاثةُ مِن الاتكاءِ. فصل وكان يأكلُ بأصابعِه الثلاث، وهذا أنفعُ ما يكون من الأكلاتِ. ولم يكن يأكلُ طعامًا في وقتِ شدة حرارته، ولا طبيخًا بائتا يُسخَّن له بالغدِ، ولا شيئًا من الأطعمة العفنةِ والمالحةِ. فصل وأمَّا هديُه في الشرابِ فمن أكملِ هدي يحُفظُ به الصحةُ. ولما كان الماءُ البائتُ أنفعَ من الذي يُشربُ وقتَ استقائِه، قال النبيُّ ﷺ وقد دخَلَ إلى حائطِ أبي الهيثم بن التيهان: «هل مِن ماءٍ بات في شنةٍ؟ فأتاه به، فشََِبَ منه »،رواه البخاري، ولفظه: «إن كان عندَك ماءٌ بات في شنةٍ وإ كَرَعْنا (2)»(3). (1) أخرجه البخاري5398.) (2) (الكَرَع): الشرب بالفم بغير كفيه أو إناء (3) أخرجه البخاري5613.)

عدد الصفحات ٤٠٠

411 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد قالت عائشة رضي الله عنها: «كان أحبُّ الشَابِ إلى رسولِ الله الحلوَ الباردَ »(1). فصل وكان من هديِه ﷺ الشرب قاعدًا، فهذا كان هديَه المعتادَ، وصحَّ عنه أنه أَمَرَ الذي شرَِبَ قائماً أن يستقيءَ، وصحَّ عنه أنه نهى عن الشربِ قائماً، وصحَّ عنه أنه شرب قائماً. قالت طائفةٌ: هذا ناسخٌ للنهي، وقالت طائفةٌ: بل مبينٌ أن النهيَ ليس للتحريمِ، بل للإرشادِ وتركِ الأولى، وقالت طائفةٌ: لا تعارضَ بينهما أصلاً، فإنه إنما شرِبَ قائماً للحاجةِ، فإنه جاء إلى زمزم، وهم يَستقُون منها، فاستقى فناولوه الدلوَ، فشرِبَ وهو قائمٌ، وهذا كان موضعَ حاجةٍ. فصل وفي «صحيح مسلم» من حديث أنسِ بن مالكٍ ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يتنفس في الشرابِ ثلاثًا، ويقول: «إنه أروى وأمرأُ وأبرأُ»(2). (1) أخرجه الترمذي1895.) (2) أخرجه مسلم2028.)

عدد الصفحات ٤٠١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |410 ومعنى تنفسِه في الشرابِ: إبانتُه القدحَ عن فِيه، وتنفسُه خارجه، ثم يعودُ إلى الشرابِ، كما جاء مصرَّحًا به في الحديثِ الآخرِ: «إذا شِِبَ أحدُكم فلا يتنفَّس في القدحِ »(1) ولكن«ليبِن الإناءَ عن فيه»(2). فأروى: أشدُّ رِيًّا، وأبرأ: أفعلُ من البرُءِ، وهو الشفاء، أي: يُبرئ من شدة العطشِ. وقولُه: «وأمرأُ»: هو أفعلُ من مَرئ الطعامُ والشرابُ في بدنِه، إذا دخله، وخالطه بسُهولةٍ ولذة ونفعٍ. فصل وقد روى مسلمٌ في «صحيحه»: من حديث جابرِ بن عبد ا  قال سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «غطُّوا الإناءَ، وأوكوا الس قاءَ، فإن في السنةِ ليلةً ينزل فيها وباءٌ لا يمرُّ بإناء ليس عليه غطاءٌ، أو سقاء ليس عليه وكاءٌ إلا وقع فيه من ذلك الداءِ »(3). وصح عنهﷺ: أنه أمر بتخميرِ الإناء ولو أن يَعرضَ عليه عودًا (4). وصحعنه: أنه أمر عند إيكاءِ الإناء بذكر اسمِ الله. (1) أخرجه البخاري153) بلفظ«الإناء» (2) أخرج الترمذي1887)، عن أبي سعيد الخدري، أن النبيﷺ نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: «أهرقها»، قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال«فأبن القدح إذن عن فيك» (3) أخرجه البخاري3280)، ومسلم2014.) (4) أخرجه البخاري5623)، ومسلم (2011.)

عدد الصفحات ٤٠٢

412 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وروى البخاريُّ في «صحيحه» من حديث ابنِ عباس  أن رسولَ الله ﷺ نهى عن الشرُّبِ مِن فيِ السِّقاء (1). فصل وفي «سنن أبي داود » من حديثِ أبي سعيد الخدري ، قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن الشرُّبِ من ثُلمة القدحِ، وأن يُنفخَ في الشراب (2)، وهذا من الآدابِ التي تتمُّ بها مصلحةُ الشارب، فإن الشربَ من ثلمةِ القدح فيه عدَّةُ مفاسدَ: أحدها: أن ما يكونُ على وجه الماءِ من قذًى أو غيرِه يجتمعُ إلى الثلمةِ، بخلاف الجانبِ الصحيح. الثاني: أنه ربما كان في الثلمةِ شقٌّ أو تحديدٌ يجرحُ فم الشاربِ. وأما النفخُ في الشرابِ، فإنه يكسبُه من فمِ النافخِ رائحةً كريهة يُعاف لأجلِها، ولا سيما إن كان متغيرَِّ الفم. وكان ﷺ يشرب اللبنَ خالصًا تارةً، ومشوبًا بالماء أخرى. وفي «جامع الترمذي» عنهﷺ: «إذا أَكَلَ أحدُكم طعامًا فليقل: اللهُمَّ بارِكْ لنا فيه، وأطعِمْنا خيرًا منه، وإذا سُقِيَ لبنًا فليقل: اللهُمَّ بارِكْ لنا فيه وزِدْنا منه، فإنه ليس شيءٌ يجُزِئ من الطعامِ والشرابِ إلا اللبنُ » قال الترمذي هذا حديثٌ حسنٌ (3). (1) أخرجه البخاري5629 .) (2) أخرجه أبو داود3722.) (3)أخرجه الترمذي3455)، وأبو داود3730)، وابن ماجه3322.)

عدد الصفحات ٤٠٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |413 فصل وثبت في «صحيح مسلم» أنهﷺ كان يُنبذُ له أولَ الليل، ويشربُه إذا أصبح يومَه ذلك والليلةَ التي تِيء والغَد والليلةَ الأخرى، والغَد إلى العصرِ، فإن بَقِيَ منه شيءٌ سقاه الخادمَ، أو أمر به فصُبَّ (1). وهذا النبيذ: هو ماء يُطرح فيه تمرٌ يحُلِّيه، وهو يدخل في الغذاءِ والشراب، وله نفعٌ عظيم في زيادةِ القوَّةِ، وحفظ الصحَّةِ، ولم يكن يشربُه بعد ثلاثٍ خوفًا من تغيرُِّه إلى الإسكارِ. 43- فصل في تدبنيرِ ه لأمر الملبسِ وكان من أتمِّ الهديِ، وأنفَعِه للبدن، وأخفِّه عليه، وأيسرِه لبسًا وخلعًا، وكان أكثر لُبسِه الأرديةَ والأُزرَ، وهي أخفُّ على البدن من غيرها، وكان يلبس القميصَ، بل كان أحبَّ الثياب إليه، لم يكن يُطيل أكمامَه ويوسِّعها، بل كانت كُمُّ قميصه إلى الرُّسغِ لا يجاوز اليدَ، وكان ذيلُ قميصه وإزارِه إلى أنصاف ال ساقين لم يتجاوزِ الكعبين، ولم تكن عمامتُه بالكبيرةِ ولا بالصغيرةِ، بل وسطًا وكان يدخلها تحت حنكِه. وكان يَلبس الخِفافَ في السفر دائماً، أو أغلبَ أحوالِه لحاجةِ الرجلين إلى ما يقيهما من الحرِّ والبردِ، وفي الحضِْ أحيانًا. وكان أحبُّ ألوانِ الثيابِ إليه البياضَ والحِبرَةَ. (1) أخرجه مسلم2004 .)

عدد الصفحات ٤٠٤

414 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 44- فصل في تدبنيرِ ه لأمر المَ سرنِ لما علِم ﷺ أنه على ظهرِ سير، وأن الدنيا مَرْحَلةُ مسافرٍ ينزل فيها مُدَّةَ عمرِه، ثم ينتقل عنها إلى الآخرةِ، لم يكن من هديِه الاعتناءُ بالمساكن وتشييدُها وتعليتُها وزخرفتُها وتوسيعُها، بل كانت من أحسنِ منازلِ المسافرِ تقي الحرَّ والبردَ، وتسترُ عن العيونِ، وتمنعُ من ولوجِ الدوابِّ، ولا تُعشِّش فيها الهوامُّ لسعتِها، ولا تعتورُ عليها الأهويةُ والرياحُ المؤذيةُ لارتفاعِها، وليست تحتَ الأرض فتُؤذِي ساكنَها، ولا في غايةِ الارتفاعِ عليها، بل وسطٌ. وتلك أعدلُ المساكنِ وأنفعُها، وأقلُّها حرًّا وبردًا، ولا تضيقُ عن ساكنِها فينحصرَ، ولا تفضلُ عنه بغير منفعةٍ ولا فائدةٍ، فتأويَ الهوامَّ في خلوِها، ولم يكن فيها مراحيض ولا كنفٌ تُؤذِي ساكنَها برائحتِها، بل رائحتها من أطيب الروائح؛ ولا ريبَ أن هذه مِن أعدلِ المساكنِ وأنفعِها وأوفقِها للبدنِ وحفظِ صحتِه. 45- فصل في تدبنيرِ ه ﷺ لأمر النومِ والمقظ ِ من تدبَّر نومَه ويقظتَه ﷺ وجدَه أعدلَ نومٍ، وأنفعَه للبدن والأعضاء والقوى، فإنه كان ينامُ أوَّلَ الليل، ويستيقظ في أولِ النصفِ الثاني، فيقوم ويستاك، ويتوضَّأُ ويصلي ما كتب الله له، فيأخذُ البدنُ والأعضاءُ والقوى حظَّها من النوم والراحة، وحظَّها من الرياضةِ مع وفورِ الأجرِ، وهذا غا يةُ صلاحِ القلبِ والبدنِ والدنيا والآخرةِ.

عدد الصفحات ٤٠٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |415 ولم يكن يأخذُ من النومِ فوقَ القدر المحتاجِ إليه، ولا يمنع نفسَه من القدر المحتاجِ إليه منه، وكان يفعلُه على أكملِ الوجوه، فينامُ إذا دعته الحاجةُ إلى النوم على شِقِّه الأيمن، ذاكرًا الله حتى تغلبَه عيناه، غيرَ ممتلئ البدنِ من الطعامِ والشرابِ، ولا مُباشرٍ بجنبِه الأرضَ، ولا مُتخذٍ للفرش المرتفعةِ، بل له ضِجاع من أَدَم حشوه ليفٌ، وكان يضطجعُ على الوسادة، ويضع يدَه تحت خدِّه أحيانًا. وفي «الصحيح» عن البراءِ بن عازب ، أن رسولَ ا ﷺ قال: «إذا أتيتَ مضجعَك فتوضأْ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجِعْ على شِق كَ الأيمن، ثم قل: اللهمَّ إني أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبة إليك، لا ملجأَ ولا منجَا منك إلا إليك، آمنت بكتابِك الذي أنزلت، ونبي ك الذي أرسلت، واجعلهن آخرَ كلامِك، فإن مت من ليلتك، مِتَّ على الفطرة »(1). فصل وأما هديُه في يقظتِه، فكان يستيقظُ إذا صاح الصارخُ وهو الديكُ، فيحمدُ الله تعالى ويكبرِّه ويهلِّله ويدعوه، ثم يستاكُ، ثم يقومُ إلى وضوئِه، ثم يقفُ للصلاةِ بين يدي ربِّه، مناجيًا له تعالى بكلامِه، مثنيًا عليه راجيًا له راغبًا راهبًا. فأيُّ حفظٍ لصحة القلبِ والبدنِ والروحِ والقوى ولنعيمِ الدنيا والآخرة فوقَ هذا. (1) أخرجه البخاري6311)، ومسلم2710.)

عدد الصفحات ٤٠٦