المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٢٤ من ٣٢

374 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد جمَعَ النبيُّ ﷺ للأمَّة في نهجِه عن الدخولِ إلى الأرضِ التي هو بها، ونهيه عن الخروجِ منها بعدَ وقوعِه، كمالَ التحرُّزِ منه، فإن في الدخولِ في الأرضِ التي هو بها تعرضًا للبلاءِ، وموافاةً له في محلِّ سلطانِه، وإعانة الإنسانِ على نفسِه، وهذا مخالفٌ للشرعِ والعقلِ، بل تِنبُه الدخولِ إلى أرضِه مِن بابِ الحميةِ التي أرشدَ الله سبحانه إليها، وهي حميةٌ عن الأمكنةِ، والأهويةِ المؤذيةِ. وأمَّا نهيُه عن الخروجِ من بلده ففيه حملُ النفوس على الثقةِ بالله، والتوكلِ عليه، والصبرِ على أقضيته، والرضا بها. 9- فصلفي هديِ ه ﷺ في داءِ الاستسقاءِ وعلاجِ ه في «الصحيح»: من حديث أنسِ بن مالكٍ  قال: قدم رهطٌ من عُرينةَ وعُكْلٍ على النبيِّ ﷺ فاجتووا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «لو خرجتُم إلى إبلِ الصدقةِ فشَبتُم من ألبانهِا وأبوالهِا » ففعلوا، فلما صَحوا عمدوا إ الرُّعاةِ فقتلوهم، واستاقوا الإبلَ، وحاربوا الله ورسولَه، فبعث رسولُ الله ﷺ في آثارهم فأُخِ ذوا فقطع أيديهَم وأرجُلَهم وسمَل أعيُنَهم وألقاهم في الشمسِ حتى ماتوا(1). والدليلُ على أن هذا المرضَ كان الاستسقاءَ، ما رواه مسلمٌ «صحيحه» في هذا الحديثِ أنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينةَ فعظُمت بطونُنا وارتهشَت أعضادنا وذكر تمامَ الحديث (2). (1) أخرجه البخاري6802)، ومسلم1671.) (2) أخرجهالبخاري (233)، ومسلم1671)، وأبو عوانة في المستخرج6096) واللفظ له

عدد الصفحات ٣٧٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |375 وفي القصةِ دليلٌ على التداوي والتَّطبُّبِ، وعلى طهارةِ بولِ مأكول اللحمِ، فإن التداوي بالمُحرَّمات غيرُ جائزٍ، ولم يؤمروا مع قربِ عهدِهم بالإسلام بغَسلِ أفواهِهم وما أصابته ثيابهُم من أبوالهِا للصلاة، وتأخيرُ البيان لا يجوز عن وقتِ الحاجةِ. 11- فصلفي هديِ ه ﷺ في علاجِ اجوُ رح في «الصحيح»: عن أبي حازمٍ أنه سمعَ سهلَ بنَ سعد يسألُ عما دُووي به جرحُ رسولِ الله ﷺ يومَ أحدٍ، فقال: جُرِح وجهُه، وكُسرت رَباعيته، وهُشِمت البيضةُ على رأسِه، وكانت فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ تغسِل الدمَ، وكان عليُّ بن أبي طالبٍ يسكُب عليها بالمِجنِّ، فلما رأت فاطمةُ الدمَ لا يزيد إلا كثرةً، أخذت قطعةَ حصيرٍ، فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألص قتْه بالجُرح فاستمسك الدمُ (1) برماد الحصيرِ المعمولِ من البردي 11- فصلفي هديِ ه ﷺ في العلاجِ بنشر العسلِ والحِ جام والرَ ِّ في «صحيح البخاري »: عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ قال: «الشفاءُ ثلاثٍ: شَِبةِ عسل، وشِطَةِ محِجم، وكيَّة نارٍ، وأنا أنهى أمَّتي عن الكي »(2). أما الحجامةُ: ففي «الصحيح» عن أنسٍ أن رسولَ ا ﷺ حجمَه أبو طيبةَ فأمر له بصاعين من طعامٍ، وكلَّم مواليه فخفَّفوا عنه من ضِيبتِه، وقال: «خيرُ ما تداويتُم به الحجامةُ »(3). (1) أخرجه البخاري2911)، ومسلم1790.) (2) أخرجه البخاري5680.) (3) أخرجه البخاري5696.)

عدد الصفحات ٣٧٦

376 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقال أنسٌ : كان رسولُ ا ﷺ يحتجِم في الأخدَعين والكاهِلِ (1). و«الصحيح» عنه أنه احتجمَ وهو محرم في رأسِه لصداعٍ كان به (2). و«سنن أبي داود» مِن حديثِ جابرٍ أنَّ النبي ﷺ: «احتجَمَ في وركِه مِن وَثْءٍ (3) كان به»(4). 12- فصل في هديه ﷺ في بوقات الحجام روى الترمذي في «جامعه»: من حديثِ ابن عباسٍ يرفعُه «إن خيرَ ما تحتجمون في يومِ سابعَ عشَةَ، أو تاسعَ عشَة،َ ويومِ إحدى وعشَين »(5). فصل وفي ضمنِ هذه الأحاديثِ المتقدمةِ: استحبابُ التداوي، واستحبابُ الحجامة، وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحالُ، وجوازُ احتجامِ المحرم، وإن آل إلى قطعِ شيءٍ من الشعرِ، فإن ذلك جائزٌ، وفي وجوبِ الفدية عليه نظرٌ، ولا يقوى الوجوبُ، وجوازُ احتجامِ الصائمِ، فإنَّ في «صحيح البخاري» أن رسولَ الله ﷺ احتجم وهو صائمٌ (6). ولكن هل يُفطر بذلك أم لا؟ مسألةٌ أخرى، الصوابُ: الفطر بالحِجامةِ، لصحَّته عن رسولِ الله ﷺ من غيرِ مُعارض. (1) أخرجه أبو داود3860)، والترمذي2051.) (2) أخرجه البخاري5699،5700،5701.) (3) (الوَثْء): أن يصيب العظمَ وصمٌ لا يبلغ الكسرَ (4) أخرجه أبو داود3863.) (5) أخرجه الترمذي2053.) (6) أخرجه البخاري5694.)

عدد الصفحات ٣٧٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |377 13- فصل في هديِه ﷺ في قطعِ العروق والر ِّ ثبت في «الصحيح» من حديثِ جابرِ بن عبدِ الله أن النبي ﷺ بعثَ إلى أبيِّ بن كعبٍ طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه (1). ولما رمي سعدُ بن معاذٍ في أكحَلِه حسَمه النبيُّ ﷺ ثم وَرمتْ، فحسَمه الثانيةَ (2). والحسمُ هو الكيُّ. و «صحيح البخاري» من حديثِ أنسٍ أنه كوي من ذات الجَ نْ بِ (3) والنبيﷺ حيٌّ (4) . وفي الحديثُ المتَّفق عليه «وما أحبُّ أن أكتويَ »(5)، وفي لفظٍ آخرَ «وأنا أنهى أمَّتي عن الكي »(6). وثبت «الصحيح» في حديثِ السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّةَ بغير حسابٍ أنهم «الذين لا يَسترقونَ ولا يَكتوون ولا يَتطيرَّون وعلى ربه م يتوكَّلون »(7). فقد تضمَّنت أحاديثُ الكي أربعةَ أنواع: أحدُها : فعلُه. والثاني: عدمُ محبَّته له. والثالث: الثناءُ على من تركه. (1) أخرجه مسلم2207.) (2) أخرجه مسلم2208.) (3) (ذات الجَنْبِ): التهاب غلاف الرئة فيحدث منه سعال وحمى ونخس في الجنب يزداد عند التنفس (4) أخرجه البخاري5719،5721.) (5) أخرجه البخاري5704)، ومسلم2205.) (6) أخرجه البخاري5680.) (7) أخرجه البخاري5752)، ومسلم220.)

عدد الصفحات ٣٧٨

378 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد والرابعُ : النهي عنه. ولا تعارُضَ بينها بحمدِ الله تعالى؛ فإن فعلَه يدلُّ على جوازِه، وعدمُ محبَّته له لا يدلُّ على المنع منه، وأما الثناءُ على تاركه فيدلُّ على أن تركَه أولى وأفضلُ، وأما النهي عنه فعلى سبيلِ الاختيارِ والكراهَةِ أو عن النوع الذي لا يحتاجُ إليه، بل يفعلُه خوفًا من حدوث الداءِ، والله أعلم. 14- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ الصرَ ع أخرجا في «الصحيح» من حديثِ عطاءِ بن أبي رباحٍ قال: قال ابنُ عباس: ألا أُريك امرأةً من أهل الجنَّةِ؟ قلتُ: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتت النبيَّ ﷺ فقالت: إني أُصرعُ، وإني أتكشَّف؛ فادعُ الله لي، فقال: «إن شئتِ صبَت ولك الجنَّةُ، وإن شئتِ دعوتُ الله لك أن يعافيَك » فقالت: أصبرُ. قالت: فإني أتكشَّفُ، فادعُ الله ألا أتكشفَ، فدعا لها (1). 15- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ عِرق النِّ سا روى ابنُ ماجه في «سننه» عن أنسِ بن مالكٍ  قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: «دواءُ عِرق النسا أليَةُ شاةٍ أعرابيَّةٍ، تُذاب، ثم تُُزَّأ ثلاثةَ أجزاء، ثم يُشَب على الريقِ في كل يوم جزءٌ »(2). وعِرق النِّساء: وجعٌ يبتدئ من مَفصِل الورِك وينزلُ من خلف على الفخِذ، وربما على الكعبِ، وكلما طالت مُدَّته زاد نزولُه وتهزلُ معه الرِّجل والفخذ. (1) أخرجه البخاري5652)، ومسلم2576.) (2) أخرجه ابن ماجه3463.)

عدد الصفحات ٣٧٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |379 وفي تعيين الشاةِ الأعرابية لقلَّةِ فضولها وصِغر مقدارِها ولُطفِ جوهرها، وخاصيةِ مَرعاها؛ لأنها ترعى أعشابَ البر الحارَّةِ كالشِّيح والقيصوم، ونحوهما. 16- فصل في هديه ﷺ في علاج يبس الطبع، واحتماجه إلى ما يمشمه ويلمنه في «سنن ابن ماجه»: عن عبد الله بن أم حرام، وكان قد صلىَّ مع رسول ا ﷺ القبلتين يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «عليكم بالسَّنا والسَّنُّوت (1)؛ فإن فيهما شفاءً مِن كل داءٍ، إلا السامَ. قيل: يا رسول الله، وما السام؟ قال: الموت» . 17- فصل في هديِه ﷺ في علاج حرَّ ِ اجوس وما يُ ولِّ د القدلَ في «الصحيح» عن أنسِ بن مالكٍ قال: رخَّص رسولُ ا ﷺ لعبد الرحمنِ بن عوفٍ والزبير بن العوَّام  في لُبس الحريرِ لحكَّةٍ كانت بهما. و رواية: أن عبدَ الرحمن بن عوفٍ والزبيرَ بن العوام ، شكوا القَملَ إلى النبي ﷺ في غَزاةٍ لهما، فرخَّص لهما في قُمصِ الحرير، ورأيتُه عليهما (2). وثيابُ الحريرِ أبعدُ عن قبولِ تولد القملِ فيها، إذ كان مِزاجها مخُالفًا لمزاجِ ما يتولَّد منه القملُ. (1) (السَّنَا): نبات معروف من الأدوية. و(السَّنُوت): قيل: العسل، وقيل: الكمون، وقيل غير ذلك (2) أخرجه البخاري2919 - 2922)، ومسلم2076.)

عدد الصفحات ٣٨٠

381 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 16- فصل في هديه ﷺ في علاج الصداع والشقمق في «الصحيح» أنه قال في مرض موتِه«وا رأساهُ»(1)، وكان يَعصبُ رأسَه في مرضِه، وعصبُ الرأس ينفع في وجعِ الشقيقةِ وغيرها من أوجاعِ الرأسِ. وقد روى البخاريُّ في «تاريخه» وأبو داودَ«السنن» أن رسولَ ا ﷺ ما شكى إليه أحدٌ وجعًا في رأسِه إلا قال له: «احتجِم » ولا شكى إليه وجعًا رجلَيه إلا قال له: «اختضِب بالحِنَّاء »(2). 19- فصل في هديهِ ﷺ في معاجو ِ المرضى بنتركِ إعطائِه ما يَررهونه من الطعامِ والشرا ِ، وبنه لا يُررهون على تناولِهدا روى الترمذي في «جامعه» وابن ماجه، عن عقبةَ بنِ عامر الجهني قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا تُكرِهوا مرضاكم على الطعامِ والشَابِ؛ فإن ا  يُطعِمُهم ويَسقِيهم »(3). 21- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ العُ ذرةِ وفي العلاج بنالسَّ عوطِ ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال «خيرُ ما تداويتُم به الحِجامةُ والقُسطُ البحريُّ، ولا تعذ بوا صبيانكم بالغَمزِ من العُذرة »(4). (1) أخرجه البخاري5666.) (2) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 1/411 (1310)، وأبو داود3858.) (3) أخرجه الترمذي2040)، وابن ماجه3444.) (4) أخرجه البخاري5696)، ومسلم1577.)

عدد الصفحات ٣٨١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |380 قال أبو عبيدٍ عن أبي عبيدةَ: العُذرةُ تهيج في الحلقِ من الدمِ، فإذا عُولج منه، قيل: قد عذرته، فهو معذورٌ. وقيل العذرةُ: قُرحة تخرجُ فيما بين الأذنِ والحلقِ، وتعرِض للصِّبيان غالبًا. والسعوط: ما يُصبُّ في الأنفِ، وذكر أبو داودَ في «سننه» أن النبي ﷺ استَعَ ط(1). 21- فصل في هديه ﷺ في الحدم والحميةُ: حميتانِ: حميةٌ عماَّ يجَلبُ المرضَ، وحميةٌ عما يزيده فيقفُ على حالِه، والأصلُ في الحميةِ قولُه تعالى: ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ [43] فحمى المريضَ من استعمالِ الماءِ؛ لأنه يضُّْه. وفي «سنن ابن ماجه » عن صهيبٍ قال: قدمتُ على النبي ﷺ وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال: «ادنُ فكُلْ » فأخذتُ تمرًا فأكلتُ، فقال «أتأكلُ تُرًا وبك رمدٌ ؟» فقلت: يا رسولَ الله، أمضغُ من الناحيةِ الأخرى، فتبسَّم رسولُ ا ﷺ(2). وفي حديثٍ محفوظٍ عنه ﷺ: «إن الله إذا أحبَّ عبدًا حماه من الدنيا، كما يَُمي أحدُكم مريضَه عن الطعامِ والشَابِ »(3). (1) أخرجه أبو داود3867.) (2) أخرجه ابن ماجه3443.) (3) أخرجه أحمد39/33 (23622) عن محمود بن لبيد، وابن أبي الدنيا في الزهد38)، والحاكم4/344 (7857) عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان، وأحمد في الزهد1832) عن بكر بن عبد الله المزني، وأبو يعلى في مسنده 12/278 (6865)، عن عقبة بن رافع

عدد الصفحات ٣٨٢

382 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 22- فصل في هديِه ﷺ في إصلاحِ الطعام الذي يقعُ فمه الذُّ بنا وإرشادِ ه إلى دفعِ مَضرَّ ات السدومِ بنأضدادِ ها في «الصحيح» من حديث أبي هريرةَ، أن رسولَ ا ﷺ قال: «إذا وقع الذُّبابُ في إناء أحدِكم فامقُلوهُ، فإن في أحَدِ جناحيه داءً وفي الآخرِ شفاءً »(1). فقال أبو عبيدٍ: معنى امقُلوه: اغمِسوه ليخرُج الشفاءُ منه، كما خرج الداءُ (2). 23- فصل في هديه ﷺ في علاج البَثرة ذكَر ابنُ السني في كتابه: «عن بعضِ أزواجِ النبيِّ قالت: دخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ وقد خرَجَ في أصبعي بثرةٌ، فقال: عندك ذريرة؟ قلتُ: نعم. قال: ضَعيها عليها، وقال: وقولَ: اللهُمَّ مصغ رَ الكبيرِ، ومكبَ َ الصغيرِ صغ ر ما بي »(3) . الذريرةُ: دواءٌ هنديٌّ يُتخذ من قصبِ الذريرةِ، وفي «الصحيح» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «طيبتُ رسولَ ا ﷺ بيدي بذريرةٍ في حجةِ الوداعِ للحلِّ والإحرامِ »(4). والبثرةُ: خراجٌ صغيرٌ 24- فصل في هديِه ﷺ في تغذي ِ المريض بنألطفِ ما اعتادَ ه من الأغذي ِ في «الصحيح» من حديث عُروةَ عن عائشةَ، أنها كانت إذا ماتَ الميِّتُ من أهلِها، اجتمع لذلك النساءُ ثم تفرَّقنَ إلى أهلهنَّ، أمرت ببرُمةٍ من تَلبينةٍ فطُبختْ، (1) أخرجه البخاري5782.) (2) غريب الحديث لأبي عبيد2/215. (3) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة635.) (4) أخرجه البخاري5930)، ومسلم1189.)

عدد الصفحات ٣٨٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |383 وصَنعت ثريدًا ثم صبَّت التلبينةَ عليه، ثم قالت: كُلوا منها فإني سمِعت رسولَ الله ﷺ يقول: «التلبينةُ مجَمَّةٌ لفؤ ادِ المريضِ تَذهب ببعض الحُزنِ »(1). وقولُهﷺ فيها: «مجَمَّةٌ لفؤاد المريضِ » معناه: أنها مُريحةٌ له 25- فصل في هديِه ﷺ في علاج السُّ ِّ الذي بصابنه بخَ مبرَ من المهودِ ذكُر عبدُ الرزاق عن عبدِ الرحمن بنِ كعبِ بن مالكٍ: أن امرأةً يهوديَّةً أهدت إلى النبيِّ ﷺ شاةً مَصليَّةً بخيبرَ، فقال: «ما هذه؟» قالت: هديةٌ وحذِرت أن تقولَ من الصَّدقةِ، فلا يأكلُ منها، فأكل النبيُّ ﷺ وأكل أصحابُه، ثم قال: «أمسِكوا »، ثم قال للمرأةِ: «هل سَممتِ هذه الشاةَ؟ » قالت: من أخبركَ بهذا؟ قال «هذا العظمُ لساقِها » -وهو في يده- قالت: نعم. قال: «ولِـمَ؟ » قالت: أردتُ إن كنت كاذبًا أن يستريحَ منك الناسُ، وإن كنت نبيًّا، لم يضَّْك، قال: فاحتجم النبيُّ ﷺ ثلاثةً على الكاهلِ، وأمر أصحابَه أن يحتَجِموا، فاحتجموا، فمات بعضُهم (2). ولما احتجم النبيﷺ احتجمَ في الكاهلِ، وهو أ قربُ المواضعِ التي يمكن فيها الحجامةُ إلى القلبِ، فخرجت المادَّةُ السُّميَّةُ مع الدمِ لا خروجًا كُليًّا، بل بقي أثرُها مع ضعفِه، فلما أراد الله إكرامَه بالشهادة، ظهر تأثيرُ ذلك الأثر الكامن من السُّمِّ، وظهَرَ سرُّ قولِه تعالى لأعدائِه من اليهود: ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [87] فجاء بلفظ﴿ﯢ﴾ (1) أخرجه البخاري5417)، ومسلم2216.) (2) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه6/65 (10019.)

عدد الصفحات ٣٨٤

384 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد بالماضي الذي قد وقع منه وتحقَّقَ، وجاء بلفظِ ﴿ ﯤ﴾ بالمستقبلِ الذي يتوقَّعونه وينتظرونه، والله أعلم. 26- فصل في هديِه ﷺ في علاج السحرِ الذي سحرتْ ه المهودُ بنه قد أنكَرَ هذا طائفةٌ من الناسِ وقالوا: لا يجوزُ هذا عليه، وظنُّوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمرُ كما زعموا، بل هو مِن جنسِ ما كان يعتريه ﷺ مِن الأسقامِ والأوجاعِ، وهو مرضٌ مِن الأمراضِ، وإصابتُه به كإصابتِه بالسمِّ لا فرقَ بينهما، وقد ثبَتَ في «الصحيح» عن عائشةَ ، أنها قالت: سُحر رسولُ ا ﷺ حتى إن كان ليُخيَّلُ إليه أنه يأتي نساءَه ولم يأتهنَّ، وذلك أشدُّ ما يكون من السِّحرِ (1). قال القاضي عياضٌ: والسحرُ مرض من الأمراضِ، وعارضٌ من العِلل، يجوز عليه ﷺ كأنواعِ الأمراض مما لا يُنكر، ولا يَقدح في نبوَّتِه، وأما كونُه يخُيَّلُ إليه أنه فعل الشِءَ ولم يفعلْه، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلةٌ في شيء من صِدقه، لقيام الدليلِ والإجماع على عصمتِه من هذا (2). والمقصودُ: ذِكرُ هديِه عليه الصلاة والسلام في علاج هذا ا لمرضِ، وهو استخراجُه وتبطيلُه، كما صحَّ عنه ﷺ أنه سأل ربَّه سبحانه في ذلك، فدُلَّ عليه فاستخرجه من بئرٍ، فكان في مشطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طلعةِ ذَكرٍ، فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشطَ من عِقالٍ. (1) أخرجه البخاري5765)، ومسلم2189.) (2) الشفا للقاضي عياض2/181.

عدد الصفحات ٣٨٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |385 فصل ومن أنفعِ علاجات السحرِ الأدويةُ الإلهيَّةُ، بل هي أدويتُه النافعةُ بالذات، فإنه من تأثيراتِ الأرواحِ الخَبيثةِ السُّفليةِ، ودفعُ تأثيرها يكون بما يعارضُها ويقاومُها من الأذكارِ والآيات والدَّعوات التي تُبطِل فعلَها وتأثيرَها، وكلما كانت أقوى وأشدَّ كانت أبلغَ في النُّشرةِ. 27- فصل في هديه ﷺ في تضدين من طبَّ الناسَ وهو جاهل بنالطب روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديثِ عمرِو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «من تطبَّب ولم يُعلم منه الطبُّ قبلَ ذلك فهو ضامنٌ »(1). 26- فصل في هديِه ﷺ في التحرُّ زِ من الأدواءِ المُ عديَ بنطبعِ ها وإرشادِ ه الأصحَّ اءَ إلى مُ جانب بهلِ ها ثبت في «صحيح مسلم » من حديثِ جابر بن عبد ا  أنه كان وفدِ ثقيفٍ رجل مجذومٌ فأرسل إليه النبيُّ ﷺ: «ارجعْ فقد بايعناكَ »(2). و«الصحيح» من حديثِ أبي هريرةَ قال: قال رسولُ ا ﷺ: « لا يُوردنَّ ممُْرضٌ على مُصِح »(3). (1) أخرجه أبو داود4586)، والنسائي4830)، وابن ماجه3644.) (2) أخرجه مسلم2231.) (3) أخرجه البخاري5771)، ومسلم2221.)

عدد الصفحات ٣٨٦

386 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 29- فصل في هديِه ﷺ في المنعِ من التداوي بنالمُ حرَّ مات ذكر البخاريُّ في «صحيحه» عن ابنِ مسعود: إن الله لم يجعل شفاءَكم في حرَّمَ عليكم (1). و«السنن» عن أبي هريرة، قال: نهَى رسولُ ا ﷺ عن الدواءِ الخبيثِ »(2). و«صحيح مسلم» عن طارق بن سويد الجعفي، أنه سأَلَ النبيَّ عن الخمرِ فنهاه، أو كَرِهَ أن يصنعَها، فقال: إنما أصنعُها للدواءِ، فقال: «إنه ليس بدواءٍ ولكنه داءٌ »(3). وها هنا سرٌّ لطيفٌ في كون المحرماتِ لا يُستشفى بها، فإن شرط الشفاءِ بالدواء تَلقِّيه بالقَبولِ، واعتقادُ منفعتِه، ومعلومٌ أن اعتقادَ المسلم تحريمَ هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقادِ بركتِها ومنفعتها، فإذا تناولها في هذه الحالِ كانت داءً له لا دواء. 31- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ القَ دلِ الذي في الربسِ وإزالته في «الصحيح» عن كعبِ بن عُجرةَ ، قال: كان بي أذًى من رأسيِ، فحُمِلت إلى رسولِ الله ﷺ والقَملُ يتناثرُ على وجهي، فقال: «ما كنتُ أرى الجَهدَ قد بلغ بك ما أرى» وفي روايةٍ: فأمره أن يحَلقَ رأسَه وأن يطعمَ فرقًا بينَ ستةٍ أو يهدِي شاةً أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ. (1) علقه البخاري جزمًا قبل حديث5614.) (2) أخرجه أبو داود3870)، والترمذي2045)، وابن ماجه3459.) (3) أخرجه مسلم1984.)

عدد الصفحات ٣٨٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |387 [فصولٌ هديُ ه ﷺ في العلاجِ بنالأدوي الرُّ وحانم ِ الإلهمَّ ِ المُ فردة والمركَّ ب ِ منها ومن الأدوي ِ الطبمعمَّ ِ 31- فصل في هديِ ه ﷺ في علاجِ المصا بنالعينِ روى مسلمٌ في «صحيحه» عن ابنِ عباس  قال: قال رسولُ ا ﷺ: «العينُ حق ولو كان شيءٌ سابق القدرِ لسبقته العينُ »(1). و«صحيحه» عن أنسٍ، أن النبيﷺ رخَّصَ في الرقيةِ من الحُمةِ والعين والنَّملةِ (2). و«سنن أبي داود» عن عائشةَ قالت: كان يُؤمر العائنُ فيتوضَّأُ، ثم يغتسل منه المَعينُ (3). وروى مالكٌ  عن ابنِ شهاب عن أبي أمامةَ بن سهل بن حنيف، قال: «رأى عامرُ بن ربيعة سهلَ بن حنيف يغتسلُ، فقال: والله ما رأيتُ كاليومِ، ولا جِلْدَ مخبَّأة، قال: فلُبِطَ (4) سهلٌ، فأتى رسولُ الله عامرًا فتغيَّظ عليه، وقال علامَ يقتلُ أحدُكم أخاه! ألا بَرَّكْتَ، اغتسِلْ له . فغسَلَ عامرٌ وجهَه ويديه ومرفقيه وركبتيه، وأطرافَ رجليه، وداخلةَ إزاره في قدح، ثم صُبَّ عليه فراح مع الناسِ »(5). (1) أخرجه مسلم2188.) (2) أخرجه البخاري5719)، ومسلم2196.) (3) أخرجه أبو داود3880 .) (4) (لُبِطَ): صرُِعَ (5) أخرجه مالك في الموطأ2/938 (1.)

عدد الصفحات ٣٨٨

388 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد والعينُ عينان: عينٌ إنسيَّةٌ، وعين جِنِّيَّةٌ، فقد صح عن أمِّ سلمةَ، أن النبيَّ ﷺ رأى في بيتِها جاريةً في وجهها سَفعةٌ، فقال: «استرقوا لها، فإن بها النظرةَ»(1). قال الفراءُ: وقولُه: «سفعةٌ» أي: نظرةٌ يعني: من الجِن فصل فمنَ التعوُّذات والرقى: الإكثارُ من قراءةِ المُعوِّذتين، وفاتحةِ الكتاب، وآيةِ الكرسيِّ، ومنها التعوذاتُ النبويَّةُ نحو: «أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة »(2)، ونحو «أعوذُ بكلماتِ ا التَّامَّات من شِ ما خلق»(3). ومَن جرَّبَ هذه الدعواتِ؛ عرَف مقدار منفعتِها، وشدَّةَ الحاجةِ إليها وهي تمنعُ وصول أثرِ العائن، وتدفعُه بعد وصولِه بحسب قوةِ إيمان قائلِها، وقوة نفْسِه، واستعداده، وقوةِ توكُّلِه، وثبات قلبِه، فإنها سلاحٌ، والسلاح بضاربِه. فصل وإذا كان العائنُ يخشى ضِرَ عينِه وإصابتِها للمَعين، فليدفع شرَّها بقولِه: اللهم بارِك عليه، كما قال النبيُّ ﷺ لعامرِ بن ربيعةَ، لما عان سهلَ بن حُنيفٍ: «أ بَرَّكْتَ » أي: قلتَ: اللهمَّ بارك عليه (1) أخرجه البخاري5739)، ومسلم2197.) (2) أخرجه البخاري3371.) (3) أخرجه مسلم2708،2709.)

عدد الصفحات ٣٨٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |389 ومنها: رُقية جبريلَ عليه السلامُ للنبي ﷺ التي رواها مسلمٌ في «صحيحه» : «باسم الله أرقيك، من كُل شيءٍ يؤذيك، من شِ كُل نفس أو عين حاسدٍ، ا يشفيك، باسم الله أرقيك»(1). ومن علاجِ ذلك أيضًا والاحترازِ منه: سترُ محاسنِ مَن يخُافُ عليه العينُ ب يردُّها عنه. 32- فصل في هديِه ﷺ في العلاجِ العام لرُ لِّ شروى بنالرقم ِ الإلهم ِ في «صحيح مسلم» عن أبي سعيدٍ الخدري : أن جبريلَ عليه السلام أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا محمدُ أشتكيتَ؟ فقال: «نعم» فقال: جبريلُ عليه السلامُ: باسم الله أرقيكَ، من كُلِّ داء يُؤذيك، ومن كل نفسٍ وعين، باسم الله أرقيك، والله يشفيك»(2). فإن قيل: فما تقولون في الحديثِ الذي رواه أبو داود «لا رقيةَ إلا في عينٍ أو حمةٍ »، والحمة: ذوات السموم كلها فالجواب: أنه ﷺ لم يُرِدْ به نفيَ جوازِ الرقيةِ في غيرِها، بل المرادُ به لا رقيةَ أولى وأنفعُ منها في العينِ والحمةِ، ويدلُّ عليه سياقُ الحديثِ وسا ئرُ أحاديثِ الرقى العامةِ والخاصةِ. (1) أخرجه مسلم2186.) (2) أخرجه مسلم2186.)

عدد الصفحات ٣٩٠