358 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 33- فصل في الإشارةِ إلى بنعضِ ما تَ ضدَّ نته هذه الغزوةُ من الفِ قهِ والفوائدِ : فمِنها: جوازُ القِتالِ في الشهرِ الحرامِ. ومِنها: تصريحُ الإمامِ للرعيةِ وإعلامُهم بالأمرِ الَّذي يَضُُّْهم سَترُه وإخفاؤُه؛ ليَتأهَّبوا له. ومنها: أن الإمامَ إذا استَنفَر الجيشَ لزِمَهم النفيرُ، ولم يجَُزْ لأحَدٍ التَّخلُّفُ إلاَّ بإذنِه. ومنها: وُجوبُ الجهادِ بالمالِ كما يجَِب بالنفسِ. ومنها: ما برَزَ به عثمانُ بنُ عفَّانَ من النفَقةِ العظيمةِ في هذه الغزوةِ، وسبَقَ به الناسَ، فقال رسول الله ﷺ: «مَا ضَََّ عُثْماَنَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ »(1)، وكان قد أنفقَ ألفَ دينارٍ وثلاثَمِئةِ بعيرٍ بعُدَّتها وأحلاسِها وأقتابهِا. ومنها: أن العاجزَ بمالِه لا يُعذَر حتى يَبذُل جهدَه ويَتحقَّق عجزُه. ومنها: استِخلافُ الإمامِ إذا سافرَ رجلاً من الرعيةِ على الضعفاءِ والمَعذورِين والنساءِ والذُّرِّيَّةِ. ومنها: أن الماءَ الَّذي بآبار ثَمودَ لا يجَوزُ شرُبُه، ولا الطب خُ به، ولا العجينُ به، ولا الطهارةُ به، ويجَوزُ أن يُسقَى البهائمَ إلاَّ ما كانَ من بِئرِ الناقةِ. ومِنها: أن مَن مرَّ بديارِ المَغضوبِ عليهم والمُعذَّبين لم يَنبغِ له أن يَدخُلها ولا يُقيم بها، بل يُسرِع السير ويَتقنَّع بثوبه حتى يجُاوِزها، ولا يَدخُل علي هم إلاَّ باكيًا معتبرًا. (1) أخرجه الترمذي3701.)
عدد الصفحات ٣٥٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |359 ومنها: أن النبيَّ ﷺ كان يجَمَع بين الصلاتَينْ في السفرِ. ومِنها: أنه ﷺ أَقام بتَبوكَ عِشرينَ يومًا يَقصرُُ الصلاةَ. ومنها: تَركُه قتلَ المُنافِقين، وقد بلَغه عنهمُ الكُفرُ الصريحُ. ومِنها: قولُه ﷺ: «إِنَّ بِالمَْدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سرِْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ »، فهذه المعيةُ هي بقُلوبهِم وهمَِمهم، لا كما يَظُنُّه طائِفةٌ من الجُهَّال أنهم معَهم بأبدانهِم. ومِنها: تحريقُ أَمكنةِ المعصيةِ الَّتي يُعصىَ اللهُ ورسولُه فيها وهَدمُها، كما حرَّق رسولُ اللهِ ﷺ مسجِدَ الضِّْارِ. ومنها: جوازُ إنشادِ الشعرِ للقادمِ؛ فرحًا وسرورًا به، ما لم يكن معه محرمٌ من لهوٍ كمزمارٍ وشبَّابةٍ وعودٍ، ولم يكن غناءٌ يتضمَّنُ رقيةَ الفواحش وما حرَّم الله. ومنها: ما اشتملَتْ عليه قصةُ الثلاثةِ الذين خلِّفوا من الحِكمِ وال فوائدِ الجمَّةِ، فنشيرُ إلى بعضِها: فمنها: جوازُ إخبارِ الرجُلِ عن تَفريطِه وتَقصيرِه في طاعةِ اللهِ ورسولِه، وعن سببِ ذلكَ، وما آلَ إليه أمرُه. ومنها: أن الرجلَ إذا حضََْت له فُرصةُ القُربةِ والطاعةِ فالحزمُ كلُّ الحزمِ في انتهازِها والمبادرةِ إليها، والع جزُ في تَأخيرِها والتسويفِ بها. ومنها: أنه لم يَكُن يَتخلَّف عن رسولِ الله ﷺ إلاَّ أحدُ رجالٍ ثلاثةٍ؛ إمَّا مَغموصٌ عليه في النفاقِ، أو رجُل من أهلِ الأعذارِ، أو مَن خَلَّفه رسولُ الله ﷺ واستَعمَله على المدينةِ، أو خلَّفه لمَصلَحةٍ.
عدد الصفحات ٣٦٠361 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومِنها: أن السُّنَّةَ ل لقادمِ من السفرِ أن يَدخُل البلدَ على وُضوءٍ، وأن يَبدَأ ببَيْت الله قبلَ بيتِه، فيُصليِّ فيه ركعتَينْ. ومِنها: أن رسولَ الله ﷺ كان يَقبَل علانيةَ مَن أَظهَر الإسلامَ مِن المُنافِقين، ويَكِلُ سرَيرتَه إلى اللهِ، ويجُرِي عليه حكمَ الظاهرِ، ولا يُعاقِبه بما يَعلَم مِن سرِِّه . ومِنها: تركُ الإمامِ والحاكمِ ردَّ السلامِ على مَن أَحدَث حدَثًا؛ تأديبًا له وزجرًا لغَيرْه. ومِنها: أن التَّبسُّمَ قد يَكونُ عن الغضبِ كما يَكونُ عن التعجبِ والسرورِ. فصل وفي نهَيِ النبيِّ ﷺ عن كلامِ هَؤلاءِ الثلاثةِ من بين سائرِ مَن تخَلَّف عنه دليلٌ على صدقِهم وكذِبِ الباقِينَ، فأَراد هجرَ الصادِقين وتَأديبَهم على هذا الذنبِ، وأمَّا المُنافِقون فجُرْمُهم أعظمُ من أن يُقابلَ بالهجرِ، فدواءُ هذا المرضِ لا يَعملُ في مرضِ النِّفاقِ، ولا فائدةَ فيه، وهكذا يَفعلُ الربُّ سبحانه بعِبادِه في عُقوباتِ جرائِمِهم، فيُؤدِّب عبدَه المؤمنَ الَّذي يحُبُّه وهو كريمٌ عندَه بأدنَى زلةٍ وهَفوةٍ، فلا يَزالُ مُستَيقظًا حذِرًا، وأمَّا مَن سقَطَ من عَيْنه وهانَ عليه، فإنه يخُليِّ بينَه وبين معاصيهِ، وكلَّما أحدَثَ ذنبًا أحدَثَ له نعمةً، والمغرورُ يظنُّ أن ذلك من كرامتِه عليه، ولا يعلمُ أن ذلك عينُ الإهانةِ، وأنه يُريدُ به العذابَ الشديدَ والعقوبةَ التي لا عاقبةَ معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أَرادَ الله بعبدٍ خيرًا عجَّل له عقوبتَه في الدنيا، وإذا أَرادَ بعبدٍ شًِ ا أَمسكَ عنه عقوبتَه في الدنيا، فيرَِدُ يومَ القيامةِ بذنوبِه »(1). (1) أخرجه الترمذي2396.)
عدد الصفحات ٣٦١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |360 فصل ومنها: عِظمُ مِقدارِ الصِّدقِ، وتعليقُ سعادةِ الدنيا والآخرةِ، والنجاةِ من شرِّهما به، فما أَنجَى اللهُ من أَنجاهُ إلاَّ بالصدقِ، ولا أهلكَ مَن أَهلَكه إلاَّ بالكذبِ، وقد أمرَ اللهُ سبحانه عبادَه المُؤمِنين أن يَكونوا مع الصادِقينَ، فقال: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [119]. 34- فصل في حَ ج ِ ببن بنَ ررٍ الصِّ دِّيقِ سَن َ تسعٍ بنعدَ مَقدَ مه من تَ بوكَ قال ابنُ إسحاق: ثُم أَقامَ رسولُ الله ﷺ مُنصرَفه من تَبوكَ بقيةَ رمضانَ وشوالاً وذا القَعدةِ، ثُم بعَث أبا بَكرٍ أميرًا على الحجِّ سنةَ تِسعٍ ليُقيم للمؤمنين حَجَّهم، والناسُ من أهلِ الشرِّكِ على منازِلهِم من حَجِّهم، فخرجَ أبو بَكرٍ والمُؤمِنون (1). قال ابن سعد: فخرَجَ في ثلاثِمئة رجلٍ من المدينةِ، وبعَثَ معه رسولُ ا ﷺ بعشرين بدنةً قلَّدها وأشعَرَها بيدِه، وساق أبو بكرٍ خمسَ بدناتٍ (2). قال ابنُ إسحاق: فنزَلَت ﴿ﭑ﴾ في نقضِ ما بين رَسولِ الله ﷺ وبين المُشرِكين من العهدِ الَّذي كانوا عليه، فخرجَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ على ناقةِ رسولِ الله ﷺ العَضباءِ (3). (1) انظر: سيرة ابن هشام2/543. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد2/127. (3) انظر: سيرة ابن هشام2/545-546.
عدد الصفحات ٣٦٢362 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقال ابن سعد: فقال له أبو بَكرٍ قال: أَستَعمَلَكَ رسولُ اللهِ ﷺ على الحجِّ؟ قال: لا، ولكِنْ بعثَني أقرَأُ ﴿ﭑ﴾ على الناسِ، وأَنبِذ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهدَه (1). فأَقامَ وأَقامَ أبو بَكرٍ للناسِ حجَّهم، حتَّى إذا كان يومُ النَّحرِ قام عليُّ بنُ أ طالِبٍ فأذَّن في الناسِ عندَ الجَمرةِ بالَّذي أمرَه رسولُ الله ﷺ ونبذَ إلى كلِّ ذِي عهدٍ عهدَه، وقال: أيهُّا الناسُ! لا يَ دخُلُ الجَنَّةَ كافرٌ، ولا يحَُجُّ بعد العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفُ بالبيت عُريان، ومَن كان له عهدٌ عندَ رسولِ الله ﷺ فهو إلى مُدَّته. 35- فصل في قدومِ وُفودِ العرَ ِ وغيرِ ه على النبيِّ ﷺ فقَدِمَ عليه وفدُ ثقيفٍ، وقد تقدَّم مع سياقِ غزوة الطائف (2). وفي قِصةِهذا الوفدِ منَ الفِقهِ: جوازُ إنزالِ المُشركِ في المَسجدِ، ولا سِيَّما إذا كان يَرجو إسلامَه، وتمَكينَه من سَماعِ القرآنِ، ومُشاهدةِ أهلِ الإسلامِ وعِبادتهِم. ومِنها: أن المُستحقَّ لإمرةِ القومِ وإمامتِهم أفضلُهم وأعلمُهم بكِتابِ اللهِ، وأَفقهُهم في دِينِه. ومِنها: هدمُ مواضعِ الشركِ الَّتي تُتَّخذُ بيوتًا للطواغيتِ، وهدمُها أحبُّ إلى اللهِ ورسولِه، وأنفعُ للإسلامِ والمُسلِمين من هدمِ الحاناتِ والمواخيرِ، وهذا حالُ المَشاهدِ المَبنيَّةِ على القبورِ الَّتي تُعبَدُ من دونِ اللهِ، ويُشرَك بأربابهِا مع اللهِ ، لا يحَلُّ إبقاؤُها في الإسلامِ. (1) الطبقات الكبرى لابن سعد2/128. (2) انظر (ص349.)
عدد الصفحات ٣٦٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |363 ومِنها: استحبابُ اتخاذِ المساجِدِ مكانَ بيوتِ الطواغيتِ، فيُعبَد اللهُ وحدَه لا يُشركُ به شيئًا في الأَمكنةِ الَّتي كان يُشرَك به فيها. فصل قال ابنُ إسحاق: ولما افتتَحَ رسولُ الله ﷺ مكةَ وفرَغَ من تبوكٍ، وأسلمَتْ ثقيفٌ وبايَعَتْ، ضََِبَتْ إليه وفودُ العربِ مِن كلِّ وجهٍ، فدخلوا في دينِ الله أفواجًا يضْبون إليه مِن كلِّ وجهٍ (1). (1) انظر: سيرة ابن هشام2/559-560.
عدد الصفحات ٣٦٤364 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد
عدد الصفحات ٣٦٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |365 [
عدد الصفحات ٣٦٦366 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد
عدد الصفحات ٣٦٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |367 1- فصل في هَ دْيِه ﷺ في الطِّ بِّ المرَضُ نَوْعان: مرَض القُلوب، ومرَض الأَبْدان، وهمُا مَذْكوران في القُرآن. ومرَضُ القُلوب نَوْعانِ: مرَض شُبْهة وشكٍّ، ومرَضُ شَهْوة وغَيٍّ، وكِلاهمُا في القُرآن. قال تعالى في مرَض الشُّبْهة: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [ 10]، وقال تعا﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾ [31]، وقال تعالى في حَقِّ مَن دُعِيَ إلى تحَكيم القُرآن والسُّنَّة فأَبَى وأَعرَض: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [48 - 50] فهذا مرَض الشُّبُهات والشُّكوك وأمَّا مرَض الشهَواتِ، فقال تعالى: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ [32]، فهذا مرَضُ شَهوةِ الزِّنا، واللهُ أعلَمُ. وأمَّا مرَض الأَبدان، فقال تعالى: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [61]. وذكَر مرَض البدَن في الحَجِّ والصَّوْم والوُضوء لسرٍِّ بَديع يُبينِّ لكَ عظَمة القُرآن، والاستِغْناء به لمَِن فهِمَه وعقَلَه عن سِواهُ، وذلك أن قَواعِد طِبِّ الأبدان ثلاثةٌ: حِفْظ الصِّحَّة، والحمية عنِ المُؤذِي، واستِفْراغ الموادِّ الفاسِدة، فذكَرَ سبحانه وتعالى هذه الأصولَ الثلاثةَ في هذه المَواضِعِ الثلاثة.
عدد الصفحات ٣٦٨368 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فقال في آية الصَّوْم: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴾ [184]، فأَباح الفِطْر للمَريض لعُذْر المرَض، وللمُسافِر طلَبًا لحِفْظ صِحَّته وقُوَّته؛ لئَلاَّ يُذهِبها الصومُ في السفَر لاجتِماعِ شِدَّة الحرَكة، وما يُوجِبه من التَّحليل، وعدَم الغِذاء الَّذي يخُلِّف ما تحَلَّل، فتَخور القُوَّة، وتَضعُف، فأَباح للمُسافِر الفِطْر حِفظًا لصِحَّته وقُوَّته عماَّ يُضعِفها. وقال في آية الحَجِّ: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ [196]، فأَباحَ للمَريض، ومَن به أذًى من رَأْسه من قَمْل أو حِكَّة أو غيرِهما أن يحَلِق رَأْسه في الإحرام استِفْراغًا لمادَّة الأَبخِرة الرَّديئة التي أَوجَبَت له الأَذَى في رَأْسه باحتِقانها تحت الشَّ عْر، فإذا حلَق رَأْسه، تَفتَّحَتِ المسامُّ، فخرَجَت تِلكَ الأَبخِرةُ منها، فهذا الاستِفراغُ يُقاس عليه كلُّ استِفْراغ يُؤذِي انحِباسُه. والأشياءُ الَّتي يُؤذِي انحِباسُها ومُدافعتُها عَشرَة: الدمُ إذا هاجَ، والمَنيُّ إذا تَبَيَّغ(1)، والبولُ، والغائِط، و الرِّيح، والقَيْء، والعُطاس، والنَّوْم، والجُوع، والعَطَش، وكلُّ واحِد من هذه العشرَةِ يُوجِب حَبسُه داءً من الأدواءِ بحَسَبه. وأمَّا الحمية: فقال تعالى في آية الوُضوءِ: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ [ 43]، فأَباحَ للمَريض العُدول عن الماءِ إلى الترُّاب حمية له أن يُصيب جسَده ما يُؤذِيه، وهذا تَنبيهٌ على الحمية عن كلِّ مُؤذٍ له من داخِل أو خارِج. (1) (تَبَيَّغ): هاج
عدد الصفحات ٣٦٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |369 فأمَّا طبُّ القلوبِ، فمسلَّمٌ إلى الرسلِ صلوات الله عليهم وسلامه، و سبيلَ إلى حصولِه إلا من جهتِهم وعلى أيدِيهم، فإن صلاحَ القلوبِ أن تكونَ عارفةً بربهِّا، وفاطرِها، وبأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، وأحكامِه، وأن تكونَ مؤثرةً لمرضاتِه ولمحابِّه، متجنبةً لمناهيه ومساخطِه، ولا صحةَ لها ولا حياةَ البتة إلا بذلك. وأمَّا طِبُّ الأَبْدان: فإنه نَوْعان: نَوْع قد فَطَر اللهُ عليه الحَيوان ناطِقَه وبهَي مَه، فهذا لا يحَتاج فيه إلى مُعالجَة طَبيب، كطِبِّ الجوع، والعطَش، والبرَْد، والتعَب، بأَضدادِها وما يُزيلها. والثاني: ما يحَتاج إلى فِكْر وتَأمُّل كدَفْع الأمراض المُتَشابهِة الحادِثة في المِزاج بحيثُ يخُرَج بها عن الاعتِدال. 2- فصل [ فكان من هديِهﷺ فعلُ التداوي في نفسِه، والأمرُ به لمن أصابَه مرضٌ من أهله وأصحابِه، ولكن لم يكن من هديِه ولا هدي أصحابِه استعمالُ هذه الأدويةِ المُركَّبة، بل كان غالبُ أدويتهم بالمفردات، وربما أضافوا إلى المُفردِ ما يعاوِنه أو يكسرِ سَورَتَه. 3- فصل [إثباته ﷺ الأسبا والمسببات] روى مسلم«صحيحه»: عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النبي ﷺ، أنه قال: «لكل داءٍ دواءٌ، فإذا أصيب دواءُ الداء، برَأ بإذن ا »(1). (1) أخرجه مسلم2204.)
عدد الصفحات ٣٧٠371 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «ما أَنزلَ الله من داءٍ إلا أَنزلَ له شفاءً »(1). فقد تضمَّنت هذه الأحاديثُ إثباتَ الأسبابِ والمسبباتِ، وإبطالَ قولِ من أنكرَها، ويجوزُ أن يكونَ قولُه: «لكل داءٍ دواءٌ »، على عمومِه حتى يتناول الأدواءَ القاتلةَ، والأدواءَ التي لا يمكن يبرئَها، ويكون الله قد جعَلَ لها أدويةً تُبرئها، ولكن طو ى علمَها عن البشرِ، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً؛ لأنه لا علمَ للخلقِ إلا ما علَّمهم الله. وفي الأحاديثِ الصحيحةِ الأمرُ بالتداوي، وأنه لا يُنافي التوكلَ، كما لا يُنافيه دفعُ داءِ الجوعِ والعطشِ، والحرِّ والبردِ بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقةُ التوحيدِ إلا بمباشر ةِ الأسباب التي نصبَها الله مقتضيات لمسبباتهِا قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلَها يقدحُ في نفسِ التوكلِ. وفي قوله ﷺ: «لكل داءٍ دواءٌ »،تقويةٌ لنفسِ المريضِ والطبيبِ، وحثٌّ على طلبِ ذلك الدواءِ والتفتيشِ عليه. 4- فصل في هديِ ه ﷺ في الاحتِ داءِ من التُّ خ والزيادةِ في الأكلِ على قدرِ الحاج ، والقانونِ الذي ينبغ مراعاتُ ه في الأكلِ والشر ِ في «المسند» وغيرِه: عنه ﷺ أنه قال: «ما ملأ آدمي وعاءً شًِا من بطنٍ، بحسب ابنِ آدمَ لُقيمات يُقمن صُلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثُلثٌ لطعامِه، وثلث لشَابِه، وثلثٌ لنفسِه »(2). (1) أخرجه البخاري5678.) (2) أخرجه الترمذي2380)، وابن ماجه3349.)
عدد الصفحات ٣٧١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |370 فامتلاءُ البطن من الطعامِ مُضٌّْ للقلب والبدنِ، هذا إذا كان دائماً أو أكثريًّا، وأما إذا كان في الأحيانِ فلا بأسَ به، فقد شرِب أبو هريرةَ بحضْةِ النبيِّ ﷺ من اللبن حتى قال: والذي بعثَك بالحقِّ لا أجدُ له مسلكًا، وأكل الصحابةُ بحضْتِه مرارًا حتى شبِعوا. 5- فصل [ ﷺ في العلاج بنالأدوي الطبمع والإلهم والمركب منهدا وكان علاجُه ﷺ للمرض ثلاثةَ أنواعٍ: أحدُها : بالأدويةِ الطبيعيةِ. والثاني: بالأدويةِ الإلهيةِ. والثالث بالمُركَّب من الأمرينِ. ونحن نذكر الأنواعَ الثلاثةَ من هديِه ﷺ. [ العلاجُ بنالأدوي ِ الطبمعمَّ ِ 6- فصل في هديِ ه ﷺ في علاجِ الحُ دَّى ثبت في «الصحيح»: عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أن النبي ﷺ قال: «إنَّ الحُمَّى -أو شِدَّة الحمَّى - من فَيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماءِ »(1). قوله«الحُمَّى من فيحِ جهنمَ » هو شدةُ لهبِها، وانتشارُها، ونظيره قولُه «شدَّةُ الحر من فيح جهنَّمَ ». (1) أخرجه البخاري5723)، ومسلم2209.)
عدد الصفحات ٣٧٢372 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقولُه: «بالماء» فيه قولان أحدُهما : أنه كُلُّ ماء وهو الصحيحُ. والثاني: أنه ماءُ زمزمَ، واحتجَّ أصحابُ هذا القول بما رواه البخاريُّ في «صحيحه» عن أبي جمرةَ نصرِ بن عمرانَ الضُّبعيِّ، قال: كنت أجالسُ ابنَ عباس بمكةَ فأخذتني الحُمَّى، فقال: أبرِدْها عنك بماء زمزمَ، فإن رسولَ الله ﷺ قال: «إن الحُمَّى من فيحِ جهنَّم فأبردوها بالماءِ، أو قال: بماء زمزمَ »(1). وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزمَ به لكان أمرًا لأهل مكةَ بماء زمزمَ، إذ هو متيسرٌَّ عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماءِ. 7- فصل في هديِه ﷺ في علاجِ استطلاق البطنِ في «الصحيح»: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتك ي بطنَه، وفي رواية: استطلقَ بطنُ ه، فقال: «اسقِه عسلاً ». فذهب ثم رجعَ، فقال: قد سقيتُه، فلم يُغنِ عنه شيئًا، وفي لفظٍ: فلم يزدْه إلا استطلاقًا، مرَّتين أو ثلاثًا، كُلُّ ذلك يقول له: «اسقِه عسلاً »، فقال له في الثالثةِ أو الرابعة «صدق الله، وكذب بطنُ أخيك »(2). و«صحيح مسلم» في لفظٍ له: إن أخي عرِب بطنُه (3)،أي: فسد هضمُه، واعتلَّت معِدتُه، والاسم: العرَب بفتح الراءِ، والذرَب أيضًا. (1) أخرجه البخاري3261.) (2) أخرجه البخاري5684)، ومسلم2217.) (3) أخرجه مسلم2217.)
عدد الصفحات ٣٧٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |373 وفي قولِه ﷺ: «صدق الله وكذب بطنُ أخيك » إشارةٌ إلى تحقيق نفعِ هذا الدواء، وأن بقاءَ الداءِ ليس لقصورِ الدواء في نفسِه، ولكن لكذِب البطنِ، وكثرة المادَّةِ الفاسدةِ فيه، فأمره بتكرارِ الدواءِ لكثرةِ المادة. فصل وقد اختلف الناسُ في قولِه سبحانه وتعالى: (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ) [69]، هل الضميرُ(ﮥ) راجعٌ إلى الشرابِ، أو راجع إلى القرآنِ؟ على قولين، والصحيحُ رجوعه إلى الشرابِ. 6- فصلفي هديِ ه ﷺ في الطاعونِ وعلاجه والاحترازِ منه في «الصحيح» عن عامر بن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه، أنه سمِعه يسأل أسامةَ بنَ زيد: ماذا سمعتَ من رسولِ الله ﷺ في الطاعونِ؟ فقال أسامةُ: قال رسولُ الله ﷺ: «الطاعونُ رجزٌ أُرسل على طائفةٍ من بني إسرائيلَ، وعلى من كان قبلَكم، فإذا سمعتُم به بأرضٍ، فلا تدخلوا ع ليه، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرُجوا منها فرارًا منه »(1). و«الصحيح» أيضًا: عن حفصةَ بنت سِيرين، قالت: قال أنسُ بن مالكٍ: قال رسولُ الله ﷺ: «الطاعونُ شهادةٌ لكل مسلمٍ »(2). (1) أخرجه البخاري3473)، ومسلم2218.) (2) أخرجه البخاري5732)، ومسلم1916.)
عدد الصفحات ٣٧٤