342 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد قال: «أَما وَاللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُد قْتُمْ: أَتَيْتَنا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْناكَ، وَمَُْذُولاً فَنَصَِْناكَ، وَطَريدًا فَآوَيْناكَ، وَعَائِلاً فَآسَيْناكَ، أَوَجَدْتُمْ عَليََّ يا مَعشَََ الأَنْصارِ في أَنْفُسِكُمْ فيِ لُعَاعةٍ مِنَ الدُّنْيا، تَأَلَّفْتُ بهِا قَوْمًا لِيُسْلِموا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلى إِسْلامِكُمْ؟! أَلاَ تَرْضَوْنَ يا مَعْشَََ الأَنْصارِ أَنْ يَذْهَبَ الناسُ بِالشاةِ وَالبَعيرِ، وَتَرْجِعونَ بِرَسولِ اللهِ إِلىَ رِحالِكُمْ، فَوالَّذِي نَفْسُ محَُمَّدٍ بِيَدِهِ، لمَا تَنْقَلِبونَ بِهِ خَيرٌْ ممَِّا يَنْقَلِبونَ بِهِ، وَلَوْلا الهِْجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَ ًا مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ سَلَكَ الناسُ شِعْبًا وَوَادِيًا، وَسَلَكَ تِ الأَنْصارُ شِعْبًا وَوادِيًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصارِ وَوَادِيََا، الأَْنْصارُ شِعارٌ وَالناسُ دِثارٌ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصارَ، وَأَبْناءَ الأَنْصارِ، وَأَبْناءَ أَبْناءِ الأَنْصار ِ»، قال فبكَى القومُ حتَّى أَخضَلوا لحِاهُم. وقالوا: رَضِينا ب رسولِ الله ﷺ قَسْماً وحظًّا، ثُم انصرَفَ رسولُ الله ﷺ وتَفرَّقوا (1). فصل وقَدِمَ وفدُ هوازن على رسولِ الله ﷺ، وهم أربعةُ عشرَ رجلاً، ورأسُهم زهيرُ بنُ صرد، وفيهم أبو برقان عمُّ رسولِ الله ﷺ من الرضاعةِ، فسألوه أن يمنَّ عليهم بالسبي والأموالِ، فقال: «إن معي مَن ترون، وإن أحبَّ الحديث إلََّ أصدقُه، فأبناؤُكم ونساؤُكم أحبُّ إليكم، أم أموالُكم »؟ قالوا: ما كنَّا نعدلُ بالأحسابِ شيئًا، فقال: «إذا صليتُ الغداةَ فقوموا فقولوا: إنا نستشفعُ برسولِ ا ﷺ إلى المؤمنين ونستشفعُ بالمؤمنين إلى رسولِ الله ﷺ أن يردُّوا علينا سبيَنا». (1) أخرجه مسلم2506.)
عدد الصفحات ٣٤٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |343 فلما صلىَّ الغداةَ قاموا فقالوا ذلك، فقال رسولُ ا ﷺ: «أما ما كان ولبني عبدِ المطلب فهو لكم، وسأسألُ لكم الناسَ »، فقال المهاجرون والأنصار ما كان لنا فهو لرسولِ الله ﷺ، فقال الأقرعُ بنُ حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباسُ بنُ مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسولِ الله ﷺ، فقال العباسُ بنُ مرداس: وهيتموني! فقال رسولُ الله ﷺ: «إن هؤلاء القومَ قد جاءوا مسلمين، وقد كنتُ استأنيتُ بسبيِهم، وقد خيرتُُم فلم يعدلوا بالأبناءِ والنساءِ شيئًا، ف من كان عنده منهن شيءٌ فطابت نفسُ ه بأن يردَّه فسبيلُ ذلك، ومَن أحبَّ أن يستمسكَ بحق ه فليردَّ عليهم وله بكل فريضةٍ ستُ فرائضَ مِن أولِ ما يفيء الله علينا »، فقال الناسُ: قد طيبنا لرسول الله ﷺ. فقال: «إنا لا نعرفُ مَن رَضِِ منكم ممن لم يرضَ، فارجعوا حتى يرفعَ إلينا عرفاؤُكم أمرَكم ». فردُّوا عليهم نساءَهم وأبناءَهم،وكسا رسولُ الله ﷺ السبيَ قبطيةً قبطيةً. 29- فصل في الإشارةِ إلى بنعضِ ما تَ ضدَّ نَته هذه الغزوةُ من المسائلِ الفِ قهم ِ والنرتِ الحردم ِ كان اللهُ قد وعدَ رسولَه وهو صادقُ الوَعدِ، أنه إذا فتحَ مكةَ دخلَ الناسُ في دينِه أفواجًا، ودانَتْ له العربُ بأَسرْها، فلماَّ تمَّ له الفتحُ المُبينُ اقتَضَت حِكمتُه تعالى أن أَمسكَ قُلوبَ هوازنَ ومَن تبِعَها عنِ الإسلامِ، وأن يجُمعوا ويَتألَّبوا لحربِ رسولِ الله ﷺ والمُسلِمين؛ ليَظهَر أمرُ الله وتمَامُ إعزازِه لرسولِه ونصرِه لدِينِه؛ ولتَكون غَنائِمُهم شُكرانًا لأهلِ الفتحِ؛ وليُظهرَ اللهُ سبحانه رسولَه
عدد الصفحات ٣٤٤344 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وعِبادَه، وقهرَه لهذِهِ الشوكةِ العَظيمةِ الَّتي لم يَلقَ المُسلِمون مِثلَها، فلا يُقاوِمُهم بعدُ أحَدٌ منَ العر بِ، ولغيرِ ذلك من الحِكَم الباهرةِ الَّتي تَلوح للمُتأمِّلين، وتَبدو للمُتوسِّمين. واقتضَتْ حِكمتُه سبحانه أن أَذاقَ المُسلِمين أوَّلاً مَرارةَ الهزيمةِ والكَسرةِ معَ كثرةِ عددِهم وعُدَدِهم، وقُوَّةِ شوكتِهم ليُطامِن رُؤوسًا رُفِعت بالفتحِ، ولم تَدخُل بلَده وحرَمَه كما دخلَه رسولُ الله ﷺ واضِعًا رأسَه مُنحنيًا على فرسِه، حتَّى إن ذقنَه تَكادُ أن تمسَّ سرجَه تَواضُعًا لربِّه وخُضوعًا لعظمتِه، واستِكانةً لعِزَّتِه، أن أحلَّ له حَرَمه وبلَدَه، ولم يحلَّه لأحدٍ قبلَه ولا لأحدٍ بعدَه؛ وليُبينِّ الله سبحانه لمَنْ قال: لن نُغلَبَ اليومَ عن قِلَّةٍ. أن النصرَ إنما هو مِن عِندِه، وأنه مَن يَنصرُه فلا غالبَ له، ومَن يخَذُله فلا ناصرَ له غيرُه، وأنه سبحانه هو الَّذي تَولىَّ نصرَ رسولِه ودِينِه، لا كَثرتُكم الَّتي أَعجبَتْكُم، فإنها لم تُغنِ عنكم شيئًا، فولَّيْتم مُدبِر ين، فلماَّ انكسرََت قُلوبهُم أُرسِلت إليها خلعَ الجبرِ معَ بَريدِ النصرِ ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ [26]، وقدِ اقتَضَتْ حِكمتُه أن خلَعَ النصرَ وجوائِزَه إنما تَفيضُ على أهلِ الانكِسارِ، ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [5- 6]. ومِنها: أن اللهَ سبحانه لمَّا منعَ الجيشَ غنائمَ مكةَ، فلم يَغنَموا منها ذهبًا، ولا فضةً، ولا مَتاعًا، ولا سبيًا، ولا أرضًا، وفيهم حاجةٌ إلى ما يحَتاجُ إليه الجيشُ من أسبابِ القوةِ، فحرَّك سبحانه قُلوبَ المُشرِكين لغَزْوهم، وقذفَ في قُلوبهِم إخراجَ أموالهِم ونَعْمهم وشائِهم وسَبيِهم معَهُم نُزُلاً وضيافةً وكرامةً لحزبِه وجُندِه، وتمََّم
عدد الصفحات ٣٤٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |345 تَقديرَه سبحانه بأن أَطمَعَهم في الظفرِ، وأَلاحَ لهم مَبادئَ النصرِ ليَقضَِِ اللهُ أمرًا كانَ مَفعولاً. ومِنها: أن اللهَ سبحانه افتتحَ غزْوَ العربِ بغَزوةِ بدرٍ، وختَ مَ غزوَهُم بغزاةِ حُنينٍ، ولهَِذا يُقرَن بين هاتينِ الغَزاتينِ بالذِّكْر، فيُقالُ: بَدْر وحُنينٌ. وإن كان بينهما سَبعُ سِنينَ، والملائكةُ قاتَلَت بأَنفسِها مع المُسلِمين في هاتينِ الغَزاتَينْ، والنبيُّ ﷺ رمَى وُجوهَ المُشرِكين بالحصباءِ فيهما، وبهاتينِ الغَ زاتينِ طُفِئَت جمرةُ العربِ لغَزوِ رَسولِ الله ﷺ والمُسلِمين، فالأُولى: خوفَّتهم وكسرََت من حَدِّهم، والثانيةُ: استَفرَغَت قُواهُم، واستَنْفَدَت سِهامَهم، وأذَلَّت جمَْعَهم، حتَّى لم يجَِدوا بُدًّا منَ الدخولِ في دِينِ الله. ومِنها: أن اللهَ سبحانه جبرََ بها أهل مكةَ، وفرَّحَهم بما نالوه من النصرِ والمَغنمِ، فكانت كالدَّواءِ لما نالهَُم من كَسرْهم، وإن كان عينََّ جَبرْهم وعرَّفهم تمَامَ نعمتِه عليهم بما صرَفَ عنهم من شرِّ هوازنَ. وفيها منَ الفِقهِ: أن الإمامَ يَنبَغي له أن يَبعثَ العُيونَ، ومَن يَدخلُ بين عدوِّه ليَأتيَه بخبرَِهم، وأن الإمامَ إذا سمعَ بقصدِ عَدوِّه له وفي جيشِه قُوة ومنَعة، لا يَقعُد يَنتَظِرهم، بل يَسيرُ إليهم، كما سارَ رسولُ الله ﷺ إلى هوازن، حتى لقيَهم بحُنين. ومنها: أن الإمامَ يجوز له أن يَستَعيرَ سِلاحَ المُشرِكين وعُدَّتهم؛ لقِتالِ عَ دوِّه، كما استعارَ رسولُ الله أدراعَ صفوانَ، وهو يومئذٍ مشركٌ.
عدد الصفحات ٣٤٦346 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومنها: أن مِن تمَامِ التَّوكُّلِ استِعمالَ الأسبابِ الَّتي نصَبَها اللهُ لمُسبباتهِا قدَرًا وشرعًا، ودخَلَ رسولُ الله ﷺ مكةَ والبيضةُ على رأسِه، وقد أَنزلَ الله عليه ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﴾ [67]. وفيها: عَفوُ رسولِ الله ﷺ عمَّن همَّ بقتلِه، ولم يُعاجِلْه، بل دَعا له، ومسَحَ صدرَه حتَّى عاد كأنَّه وليٌّ حميمٌ. ومنها: جوازُ انتظارِ الإمامِ بقَسمِ الغنائمِ إسلامَ الكفارِ ودُخولهَم في الطاعةِ، فيرَُدُّ عليهِم غنائِمهم وسَبيَهم. وفيها: أن النبيَّ ﷺ، قال: «مَنْ لمَْ يُطَي بْ نَفْسَهُ، فَلَهُ بِكُل فَرِيضَةٍ سِتُّ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا »، ففي هذا دليلٌ على جوازِ بيعِ الرقيقِ بلِ الحيوانِ بعضِه ببعضٍ نَساءً ومُتفاضِلاً. 31- فصل في غزوةِ الطائفِ في شَ وَّالٍ سن َ ثمانٍ . قال ابنُ سعد: قالوا: ولمَّا أرادَ رسولُ اللهِ ﷺ المسيرَ إلى الطائفِ، بعثَ الطُّفيلَ بنَ عمرٍو إلى ذِي الكَفَّينْ صنَمِ عمرِو بنِ حممةَ الدوسيِّ يهَدِمه، وأمرَه أن يَستمِدَّ قومَه ويُوافِيَه بالطائفِ، فخرجَ سريعًا إلى قومِه، فهدمَ ذا الكفَّينْ، وجعلَ يحَشُّ النارَ في وجهِه ويحُرِقه ويَقول: يا ذا الكَفَّينِْ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَ ـا مِيلادُنا أَقْدَمُ مِنْ مِيلادِكَ ــــــا أنا حَشَشْتُ النارَ في فُؤادِكَ ــــا
عدد الصفحات ٣٤٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |347 وانحدَرَ معه من قومِه أربعُمِئة سراعًا، فوافَوُا النبي ﷺ بالطائفِ بعدَ مَقدَمه بأربعةِ أيَّامٍ، وقدِمَ بدَبَّابةٍ ومَنجنيقٍ (1). قال ابنُ سعد: ولمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ من حُنينٍ يُريدُ الطائفَ، قدِمَ خالدُ بنُ الوليدِ على مُقدِّمته، وكانت ثَقيفٌ قد رمُّوا حصنَهم، وأَدخَلوا فيه ما يَصلُح لهم لسَنةٍ، فلماَّ انهزَموا من أَوطاسٍ، دخَلوا حِصنَهم وأَغلَقوه عليهم وتهَيَّئوا للقتالِ وسارَ رسولُ الله ﷺ فنزلَ قريبًا من حِصنِ الطائفِ، وعَسكرَ هناكَ، فرمَوُا المُسلِمين بالنَّبْلِ رميًا شديدًا، كأنه رِجلُ جَرادٍ، حتَّى أُصيب ناسٌ من المُسلِمين بجِراحةٍ، وقُتِلَ منهمُ اثنا عشرَ رجلاً، فارتَفَع رسولُ الله ﷺ إلى مَوضِعِ مسجِدِ الطائفِ اليومَ، وكان معَه م ن نِسائِه أُمُّ سلَمةَ وزينبُ، فضَْب لهما قُبَّتَينْ، وكان يُصليِّ بين القُبَّتَينْ مُدةَ حِصارِ الطائفِ، فحاصرََهم ثمانيةَ عشرَ يومًا (2). ونصبَ عليهم المَنجنيقَ، وهو أوَّلُ ما رُميَ به في الإسلامِ قال ابنُ إسحاق: حتَّى إذا كان يومُ الشدخةِ عند جِدارِ الط ائفِ، دخلَ نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ تحتَ دبَّابةٍ، ثُم دخَلوا بها إلى جِدارِ الطائفِ ليَخرِقوه، فأَرسَلت عليهم ثَقيفٌ سِككَ الحَديدِ محُماةً بالنار، فخرَجوا من تحتها، فرمَتْهم ثَقيفٌ بالنبلِ، فقَتَلوا منهم رِجالاً، فأمرَ رسولُ الله ﷺ بقَطعِ أعنابِ ثقيفٍ ، فوقَعَ الناسُ فيها يَقطَعون (3). (1) الطبقات الكبرى لابن سعد2/120. (2) السابق (3) انظر: سيرة ابن هشام2/483.
عدد الصفحات ٣٤٨348 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد قال ابنُ سعد: فسأَلوه أن يَدعَها للهِ وللرحمِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «فَإِ أَدَعُهَا للهِ وَلِلرَّحِمِ »، فنادى مُنادِي رَسولِ ا ﷺ، أيُّما عبدٍ نزلَ من الحِصنِ وخرَج إلينا فهو حُرٌّ، فخرجَ منهم بِضعةَ عشرَ رجلاً، فيهم أبو بَكرةَ، فأَعتَقَهم رسولُ الله ﷺ، ودفعَ كلَّ رجلٍ منهم إلى رجُل من المُسلِمين يَمونه، فشَقَّ ذلك على أهلِ الطائفِ مَشقَّةً شديدةً. ولم يُؤذَن لرسولِ الله ﷺ في فتحِ الطائِفِ، فأمرَ رسولُ الله ﷺ عُمرَ بنَ الخطَّابِ، فأذَّنَ في الناس بالرحيلِ، فضجَّ الناسُ من ذلك وقالوا: نَرحَل ولم يُفتَح علينا الطائفُ؟ فقال رَسولُ الله ﷺ: «فَاغْدُوا عَلىَ الْقِتَالِ »، فغدَوْا، فأَصابَتِ المُسلِمين جِراحاتٌ، فقال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ »، فسرُُّوا بذلك وأَذعَنوا، وجعَلوا يَرحَلون ورسولُ الله ﷺ يَضحَك (1). وقيل: يا رسول الله، ادعُ الله على ثقيفٍ، فقال «اللهُمَّ اهدِ ثقيفًا وائتِ بهم»(2). واستشُهِدَ مع رسولِ ا ﷺ بالطائفِ جماعةٌ، ثم خرَجَ رسولُ الله ﷺ من الطائفِ الجعرانةِ، ثم دخل منها محرمًا بعمرةٍ، فقضَ عمرتَ ه، ثم رَجَعَ إلى المدينةِ. (1) أخرجه البخاري4325.) (2) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد2/121.
عدد الصفحات ٣٤٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |349 فصل وقدمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ من تَبوكَ في رمضانَ، وقدمَ عليه في ذلك الشهرِ وفدُ ثقيفٍ. وكان من حديثِهم أن رسولَ الله ﷺ لما انصرَفَ عنهم اتبعَ أثرَه عروةُ بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخلَ المدينةَ، فأسلَمَ، وسأله أن يرجعَ إلى قومِه بالإسلامِ، فلما أشرَفَ لهم على عُلية له وقد دعاهم إلى الإسلامِ وأظهرَ لهم دينَه رمَوه بالنبلِ مِن كل وجهٍ، فأصابه سهمٌ فقتله. ثم أقامت ثقيفٌ بعدَ قتلِ عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقةَ لهم بحربِ مَن حولهم مِن العربِ، وقد بايعوا وأسلموا. وأَجمعوا أن يرسِلوا إلى رسولِ الله ﷺ رجلاً كما أرسلوا عروةَ، فكلَّموا عبدَ ياليل بن عمرو، وكان في سن عروةَ بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك، فأبى أن يفعلَ، وخَشَِِ أن يُصنعَ به كما صُنِعَ بعروةَ، فقال: لستُ فاعلا حتى ترسلوا معي رجالاً، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلَينْ من الأحلافِ، وثلاثةً من بني مالكٍ، فيكونون ستة، فخرج بهم، فلما قَدِموا على رس ولِ الله ﷺ ضَِبَ عليهم قبةً في ناحيةِ مسجدِه كما يزعمون. وكان خالدُ بنُ سعيد بن العاص هو الذي يمشِ بينَهم وبينَ رسولِ الله حتى اكتتبوا كتابهَم، وكان خالدٌ هو الذي كتبَه، وكانوا لا يأكلون طعامًا مما يأتيهم من عندِ رسولِ الله ﷺ حتى يأكلَ منه خالدٌ حتى أسلموا.
عدد الصفحات ٣٥٠351 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدعَ لهم الطاغيةَ -وهي اللاتُ - لا يهدمها ثلاثَ سنين، فأبى رسولُ الله ﷺ عليهم، فما برحوا يسألونه سنةً سنةً ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرًا واحدًا بعدَ قدومِهم، فأبى عليهم أن يدعَها شيئًا مسمًّ ى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يَسلموا بتركِها من سفهائِهم ونسائِهم وذرارِيهم، ويكرهون أن يروعوا قومَهم بهدمِها، حتى يدخلَهم الإسلامُ، فأبى رسولُ الله إلا أن يبعثَ أبا سفيانَ بنِ حرب والمغيرةَ بن شعبة يهدمانها، وقد كانوا سألوه مع تركِ الطاغيةِ أن يعف يَهم من الصلاةِ، وألاَّ يَكسروا أوثانهَم بأيديهم، فقال رسولُ الله ﷺ: «أمَّا كسُِ أوثانِكم بأيديكم فسنُعفيكم منه، وأمَّا الصلاةُ ف خيرَ في دينٍ لا صلاةَ فيه ». فلما أسلموا وكتب لهم رسول ا ﷺ كتابا، أَمَّرَ عليهم عثمانَ بنَ أبي العاص، وكان من أحدثِهم سنًّ ا، وذلك أنه كان مِن أحرصِهم على التفقهِ في الإسلامِ وتعلُّمِ القرآنِ. [فصل] فنقول فيها منَ الفِقهِ: جَوازُ القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، ونَسخُ تحَريمِ ذلك ومِنها: جوازُ غزوِ الرجلِ وأهلُه معَه، فإن النبيَّ ﷺ كان معَهُ في هذِهِ الغَزاةِ أُمُّ سلَمةَ وزينبُ. ومِنها: جوازُ نصبِ المَنجنيقِ على الكفارِ ورَميِهم به، وإن أفضََ إلى قتلِ مَن لم يُقاتِل من النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ.
عدد الصفحات ٣٥١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |350 ومِنها: جوازُ قطعِ شجرِ الكُفارِ، إذا كان ذلكَ يُضعِفهم ويغيظُهم وهو أَنكَى فيهم. ومِنها: أن العبدَ إذا أبَقَ منَ المُشرِكين ولحِقَ بالمُسلِمين صار حُرًّا. ومِنها: أن الإمامَ إذا حاصرَ حِصنًا، ولم يُفتَحْ عليه ورأى مصلحةَ المُسلِمين في الرحيلِ عنه لم يَلزَمْه مُصابرتُه. ومنها: أنه أَحرمَ منَ الجِعرانةِ بعمرةٍ، وكان داخلاً إلى مكةَ، وهذه هي ال سنةُ لمَِن دخَلَها من طريقِ الطائفِ وما يَليهِ. ومِنها: استجابةُ اللهِ لرسولِه ﷺ دُعاءَه لثَقيفٍ أن يهَديهَم ويَأتيَ بهم وقد حارَبوه وقاتَلوه، وقتَلوا جماعةً من أصحابِه، وقتَلوا رسولَ رسولِه الَّذي أرسلَه إليهم يَدعوهم إلى اللهِ، ومع هذا كلِّه دعا لهم ولم يَدْعُ عليهم، وهذا من كَمالِ رَحمتِه ورأفتِه ونَصيحتِه صلواتُ الله وسلامُه عليه. ومِنها: كمالُ محبَّةِ الصِّدِّيقِ له، وقصدُه التقرُّبَ إليه والتَّحبُّب بكلِّ ما يُمكِنه؛ ولهذا ناشَدَ المُغيرةَ أن يَدَعَه هو يُبشرِّ النبيَّ ﷺ بقُدومِ وفدِ الطائفِ؛ ليكونَ ه و الَّذي بشرَه وفرحَه بذلك، وهذا يَدلُّ على أنه يجَوزُ للرجلِ أن يَسألَ أخاه أن يُؤثِره بقُربةٍ منَ القُربِ. ومنها: أنه لا يجَوزُ إبقاءُ مواضعِ الشرِّكِ والطواغيتِ بعد القُدرةِ على هدمِها وإبطالهِا يومًا واحدًا، فإنها شعائرُ الكُفرِ والشركِ. ولمَّا قدمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ ودخلَتْ سنةُ تِسعٍ بعثَ المُصدِّقين يَأخُذون الصدقاتِ منَ الأعرابِ.
عدد الصفحات ٣٥٢352 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 31- فصل في غَ زوةِ تبوكَ وكانت في شهرِ رجبٍ سنةَ تِسعٍ، قال ابن إسحاق: وكانت في زمنِ عُسرةٍ منَ الناسِ وجدبٍ منَ البلادِ، وحين طابَتِ الثمارُ والناسُ يحُبُّون المقامَ في ثِمارِهم وظِلالهِم، ويَكرهون شُخوصَهم على تلكَ الحالِ، وكان رسولُ الله ﷺ قلَّما يخَرجُ في غزوةٍ إلاَّ كنَّى عنه ا وورَّى بغَيرْها، إلاَّ ما كانَ من غزوةِ تبوكَ لبُعدِ الشقةِ وشِدِّةِ الزمانِ. وقال قومٌ منَ المُنافِقين بعضُهم لبعضٍ: لا تَنفِروا في الحرِّ، فأنزلَ اللهُ فيهم: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾ [81]. ثُم إن رسولَ ا ﷺ جدَّ في سفرِه وأمرَ الناسَ بالجهازِ، وحضَّ أهلَ الغِنَى على النفقةِ والحملانِ في سبيلِ الله، فحملَ رجالٌ من أهلِ الغِنى واحتَسَبوا، وأنفقَ عُثمانُ بنُ عفانَ في ذلك نفَقةً عظيمةً لم يُنفِقْ أحدٌ مثلَها (1). وذكر ابن سعد قال: بلَغَ رسولَ الله ﷺ أن الرومَ قد جمعَتْ جموعًا كثيرةً بالشام، وأن هرقلَ قد رَزَقَ أصحابَه لسنةٍ، وأجلبت معه لخمٌ، وجذامُ، وعاملةُ، وغسانُ، وقدموا مقدَّماتهِم إلى البلقاءِ. وجاءَ المُعذِّرون منَ الأعرابِ ليُؤذَن لهم فلم يَعذِرهم، قال ابنُ سعد: هم اثنانِ وثمانون رجلاً. (1) انظر: سيرة ابن هشام2/515-518.
عدد الصفحات ٣٥٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |353 فل سارَ رسولُ الله ﷺ تخلفَ عبدُ الله بنُ أبيٍّ ومَن كان معَه، وتخلَّفَ نفرٌ منَ المُسلِمين من غير شكٍّ ولا ارتيابٍ، منهم كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الربيعِ، وأبو خَيثمةَ السالميُّ، وأبو ذرٍّ، ثُم لحِقَه أبو خيثمةَ وأبو ذرٍّ. وشهِدها رسولُ الله ﷺ في ثلاثين ألفًا من الناسِ، والخيلُ عشرَةُ آلافِ فرسٍ، وأقامَ بها عِشرين ليلةً يَقصرُ الصلاةَ، وهرقلُ يومئِذٍ بحِمصَ (1). قال ابنُ هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرَّ رسولُ ا بالحجرِ سجَّى ثوبَه على وجهِه واستحثَّ راحلتَه ثم قال: « لاتَدخلوا بيوتَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا وأنتم باكون؛ خوفًا أن يصيبَكم ما أصابهَم »(2). قال ابنُ إسحاق: وأصبحَ الناسُ ولا ماءَ معهم، فشكَوا ذلك إلى رسولِ ا ﷺ، فدعا رسولُ الله ﷺ فأرسَلَ الله سبحانه سحابةً فأمطرَتْ حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتَهم من الماءِ (3). ثم مَضََ رسولُ ا ﷺ، فجعل يتخلَّفُ عنه الرجلُ فيقولون: تخلَّف فلانٌ، فيقول: «دعوه؛ فإن يكُ فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غير ذلك فقد أراحَكم الله منه ». وقد كانَ رهطٌ منَ المُنافقين، منهم وَديعةُ بنُ ثابتٍ أخو بني عَمرِو بنِ عوفٍ، ومِنهم رجلٌ من أَشجعَ حليفٌ لبني سلِمةَ يُقالُ له: مخَشُِّ بنُ حميرٍ. قال بعضُهم لبعضٍ: أَتحَسَبون جِلادَ بني الأصفرِ كقِتالِ العربِ بعضِهم لبعضٍ؟! والله لكأنَّا (1) الطبقات الكبرى لابن سعد2/125. (2) سيرة ابن هشام2/522. (3) السابق
عدد الصفحات ٣٥٤354 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد بكُم غدًا مُقرَّنين في الحبالِ؛ -إرجافًا وتَرهيبًا للمُؤمِنين - فقال مخَشُِّ بنُ حميرٍ: واللهِ لودِدْت أني أُقاضىَ على أن يُضَْب كلٌّ مِنَّا مِئةَ جلدةٍ، وإنا نَنفلِت أن يَنزِل فينا قرآنٌ لمَقالتِكم هذه. وقال رسولُ الله ﷺ لعمارِ بنِ ياسرٍ: «أَدْرِكِ الْقَوْمَ فَإِنهَُّمْ قَدِ احْترََقُوا فَسَلْهُمْ عَماَّ قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا »، فانطلَقَ إليهم عمارٌ فقال ذلك لهم، فأَتَوْا رسولَ الله ﷺ يَعتذِرون إليه، فقال وديعةُ بنُ ثابتٍ: كنَّا نَخوضُ ونلعبُ، فأَنزلَ اللهُ فيهم: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ [65]، فقال مخَشُِّ بنُ حميرٍ: يا رسولَ اللهِ، قعَد بي اسمي واسمُ أبي. فكان الَّذي عُفِيَ عنه في هذه الآيةِ، وتَسمَّى عبدَ الرحمن، وسألَ اللهَ أن يُقتَل شهيدًا لا يُعلَم بمكانِه، فقُتِلَ يومَ اليمامةِ فلم يُوجَد له أثرٌ. ولمَّا انتَهَى رسولُ الله ﷺ إلى تَبوكَ أَتاه صاحبُ أَيلةَ، فصالحََه وأعطاهُ الجِزيةَ، وأَتاه أهلُ جربا وأَذرُحَ فأَعطو ه الجِزيةَ، وكتبَ لهم رسولُ الله ﷺ كتابًا فهو عِندَهم. قال ابنُ إسحاق: ثُم إن رسولَ الله ﷺ بعثَ خالدَ بنَ الوليدِ إلى أُكيدر دُومةَ، وهو أُكيدرُ بنُ عبدِ الملكِ، رجلٌ من كِندةَ كان نصرانيًّا، وكان ملِكًا عليها، فقال رسولُ الله ﷺ لخالدٍ: «إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ »، فخرجَ خالدٌ حتَّى إذا كان من حِصنِه بمَنظر العَينْ، وفي ليلةٍ مُقمِرةٍ صائِفة وهو على سطحٍ له ومعه امرأتُه، فباتتِ البقرَ تحُكُّ بقُرونهِا بابَ القصرِ، فقالت له امرأتُه: هل رأيتَ مثلَ هذا قطُّ؟ قال: لا واللهِ. قالت: فمَنْ يَترُك هذه؟ ق ال: لا أحَدَ.
عدد الصفحات ٣٥٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |355 فنزلَ فأمرَ بفرَسِه فأُسرجَ له، وركبَ معه نفرٌ من أهلِ بيتِه، فيهم أخٌ له يُقال له: حسانُ. فركبَ وخرَجوا معه بمَطارِدهم، فلماَّ خرَجوا تَلقَّتْهم خيلُ رسولِ الله ﷺ فأخَذَتْه وقتَلوا أخاهُ، وقد كان عليه قباءٌ من دِيباجٍ مخوصٌ بالذهبِ، فاستَلَبَ ه خالدٌ فبعثَ به إلى رسولِ الله ﷺ قبلَ قدومِه عليه، ثُم إن خالدًا قدمَ بأُكيدر على رسولِ الله ﷺ فحقَنَ له دمَه وصالحَه على الجِزيةِ، ثُم خلىَّ سبيلَه فرجعَ إلى قريتِه(1). قال ابنُ إسحاق: فأَقامَ رسولُ ا ﷺ بتَبوكَ بِضعَ عشرةَ ليلةً لم يجُاوِزْها، ثُم انصرَفَ قافِلاً إلى المدينةِ (2). وقال رسولُ ا ﷺ مَرجِعَه من غَزوةِ تبوكَ: «إِنَّ بِالمَْدِينَةِ لأََقْوَامًا مَا سرِْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ »،قالوا: يا رسولَ اللهِ وه م بالمَدينةِ؟ قال: «نَعَمْ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ »(3). 32- فصل في بمرِ مسجدِ الضِّ رارِ الَّ ذي نَ هَى اللهُ رَسولَ ه بن يَ قومَ فمه فهدَ مَه ﷺ وأَقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ من تَبوكَ، حتى نزلَ بذي أوانٍ، وبينها وبين المدينةِ ساعةٌ، وكانَ أصحابُ مسجدِ الضِّْارِ أَتَوْه وهو يَتجهَّز إلى تبوكَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا قد بنَيْنا مسجدًا لذي العلةِ والحاجةِ والليلةِ المَطيرةِ الشاتيةِ، وإنَّا نحبُّ أن تَأتيَنا فتُصليِّ لنا فيه. فقال: «إِني عَلىَ جَنَاحِ سَفَرٍ وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ لأََتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ ». (1) انظر: سيرة ابن هشام2/526. (2) السابق (3) أخرجه البخاري2839)، ومسلم1911.)
عدد الصفحات ٣٥٦356 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فلماَّ نزلَ بذي أوانٍ جاءَهُ خبرُ المسجدِ من السماءِ، فدعا مالكَ بنَ الدُّخشمِ أخا بني سلِمةَ بن عوفٍ، ومَعْنَ بنَ عديٍّ العجلانيَّ، فقال: «انْطَلِقَا إِلىَ هَذَا المَسْجِدِ الظَّالمِِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَ ر قَاهُ »، فخرَجا سريعين، حتى أتَيا بني سالمِ بنِ عوفٍ، وهم رهطُ مالكِ بنِ الدُّخشمِ، فقال مالكٌ لمَعْنٍ: أَنظِرْني حتى أَخرُج إليك بنارٍ من أَهلي. ودخَل إلى أهله فأخذَ سعفًا من النخلِ فأَشعلَ فيه نارًا، ثُم خرَجا يَشتدَّانِ حتى دخَلاه -وفيه أهلُه- فحرَّق اه وهدَماه، فتفرَّقوا عنه، فأنزلَ اللهُ سبحانه فيه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [107]، إ آخرِ القِصَّةِ. فصل فلما دنا رسولُ الله ﷺ من المدينةِ خرَجَ الناسُ لتلقيه، وخرَجَ النساءُ والصبيان والولائدُ يقُلْن: طلـــــــع البـــــــدر علينـــــــا ** مــــــن ثنيــــــات الــــــوداع وجـــــب الشـــــكر علينـــــا ** مـــــــــــا دعـــــــــــا لله داع فصل ولمَّا دخلَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ بدأَ بالمسجدِ، فصلىَّ فيه ركعتَينْ، ثُم جلسَ للناسِ، فجاءَهُ المُخلَّفون، فطفِقوا يَعتذِرون إليهِ ويحَلِفون له، وكانوا بِضعةً وثمانين رجلاً، فقبِلَ منهم رسولُ الله ﷺ علانيتَهَم ، وبايعَهم واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائِرَهم إلى اللهِ وجاءَه كعبُ بنُ مالكٍ، فلماَّ سلمَ عليه تَبسَّمَ تَبسُّمَ المُغضَبِ، ثُم
عدد الصفحات ٣٥٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |357 قال له«تَعَالَ»، قال: فجئتُ أَمشِ حتَّى جلَسْت بين يدَيْه، فقال «مَا خَلَّفَكَ، أَلمَْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ » فقلتُ: بلى، إني واللهِ لو جلَسْت عندَ غيرِكَ من أهلِ الدُّنيا لرأيتُ أن سأخرجُ من سخطِه بعُذرٍ، ولقَدْ أُعطيتُ جدَلاً، ولكني واللهِ لقد علمتُ إن حدَّثْتُك اليومَ حديثَ كذِبٍ تَرضىَ به عليَّ ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديثَ صدقٍ تِ دُ فيه عليَّ إني لأَرجو فيه عفوَ اللهِ، لا واللهِ ما كان لي من عُذرٍ، واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوَى ولا أيسرََ مِنِّي حين تخلَّفْت عنكَ. فقال رسولُ الله ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَِ اللهُ فِيكَ ». فقمتُ، وثار رجالٌ من بني سلِمةَ فاتَّب عوني يُؤنِّبوني، ثُم قلتُ لهم: هل لقِيَ هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعَمْ رجُلانِ، قالا مِثلَ ما قلتَ، فقيل لهما مثلُ ما قيلَ لك. فقُلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ الربيعِ العامريُّ وهلالُ بنُ أميَّةَ الواقفيُّ، فذكَروا لي رجُلين صالحَِينْ شهِدا بدرًا فيهما أُس وةٌ، فمضَيْت حين ذكَروهما لي. ونهََى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كَلامِنا -أيهُّا الثلاثةُ - من بين مَن تخلَّفَ عنه، فاجتَنَبَنا الناسُ وتَغيرَّوا لنا، حتى تَنكَّرَت لي الأرضُ. فلماَّ صلَّيْت صلاةَ الفجرِ صُبحَ خمسينَ ليلةً على ظهرِ بيتٍ من بيوتِنا، سمِعْت صوتَ صارخٍ أَوفىَ على جبَلِ سَلعٍ بأعلى صوتِه: يا كعبَ بنَ مالِكٍ أبشرِْ، فخرَرْتُ ساجدًا، وعرَفْت أن قد جاء فرجٌ منَ اللهِ، وآذَن رسولُ اللهِ ﷺ بتوبةِ اللهِ علينا حين صلىَّ الفجرَ.
عدد الصفحات ٣٥٨