المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٢١ من ٣٢

326 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد المُسلمون، ثُم اقتَتَلوا والرايةُ في يدِ زيدِ بنِ حارثةَ، فلم يَزَلْ يُقاتِلْ بها حتى شاطَ في رماحِ القومِ، وخرَّ صريعًا، فأخَذَها جعفرٌ، فقاتلَ بها حتَّى إذا أَرهَقَه القتالُ اقتحَمَ عن فَرسِه فعقَرها، ثُم قاتلَ حتَّى قُتِل، فكان جعفرٌ أولَ مَن عقَر فرسَه في الإسلامِ عندَ القِتالِ، فقُطِعت يَمينُه، فأخَذَ الرايةَ بيَسارِه، فقُطِعت يَسارُه، فاحتَضَن الرايةَ، حتَّى قُتِل وله ثلاثٌ وثلاثون سَنةً. ثُم أخذَها عبدُ الله بنُ رواحةَ وتَقدَّم بها وهو على فرَسِه، فقاتلَ حتَّى قُتِ لَ، ثُم أخذَ الرايةَ ثابتُ بن أَقرَمَ أخو بَني عجلانِ، فقال: يا مَعشرَ المُسلِمين اصطَلِحوا على رجُلٍ منكم، قالوا: أنتَ. قال: ما أنا بفاعِل. فاصطَلَح الناسُ على خالدِ بنِ الوليدِ، فلماَّ أخذَ الرايةَ دافعَ القومَ وحاشَ بهم، ثُم انحازَ بالمُسلِمين وانصرفَ بالناسِ. وقد ذكر ابنُ سعد أن الهزيمةَ كانت على المسلمين (1)، والذي «صحيح البخاري» أن الهزيمةَ كانت على الرومِ (2). والصحيحُ ما ذكره ابنُ إسحاق أن كل فئةٍ انحازَتْ عن الأخرى (3). 25- فصل في الفتحِ الأعظ ِ الَّذي أعزَّ اللهُ به دينَه ورسولَه، وجُندَه وحِزبَه الأمينَ، واستنقذَ به بلدَه وبيتَه الَّذي جعلَه هدًى للعالمَِين من أيدي الكفَّارِ والمُشرِكين، وهو الفتحُ الَّذي استبشرََ (1) الطبقات الكبرى لابن سعد2/98. (2) أخرجه البخاري1246.) (3) انظر: سيرة ابن هشام2/380.

عدد الصفحات ٣٢٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |327 به أهلُ السماءِ، وضََِبت أطنابُ عزِّه على مناكِبِ الجَوزاءِ، ودخلَ الناسُ به في دِ ينَ الله أفواجًا، وأشرَقَ به وجهُ الدهر ضِياءً وابتهاجًا، خرجَ له رسولُ الله ﷺ بكتائِبِ الإِسلامِ، وجُنودِ الرحمنِ سنةَ ثمانٍ لعشرٍ مضَينْ من رمضانَ. لما كان صلحُ الحديبية بينَ يدي رسولِ الله ﷺ وبين قريشٍ، وقع الشرطُ أنه من أحبَّ أن يدخلَ في عقدِ رسولِ الله ﷺ وعهدِه فعَلَ، ومَن أحبَّ أن يدخلَ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم فعَلَ، فدخلَتْ بنو بكرٍ في عقدِ قريشٍ وعهدِهم، ودخلَتْ خزاعةُ في عقدِ رسولِ الله ﷺ وعهدِه، فلما استقرَّت الهدنةُ اغتنمها بنو بكرٍ مِن خزاعةَ، وأرادوا أن يصيبوا منهم الثأرَ القديمَ، فخرج نوفلُ بن م عاويةَ الديلي في جماعةٍ من بني بكر فبيَّت خزاعةَ وهم على ماء بأسفل مكة الوتيرِ، فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا، واقتتلوا، وأعانت قريشٌ بني بكر بالسلاحِ، وقاتل معهم مِن قريشٍ مَن قاتَلَ مستخفيًا ليلاً، فلما دخلَتْ خزاعةُ مكةَ لجأوا إلى دارِ بديلِ بن ورقاء الخزاعيِّ، ودارِ مولى لهم يُقال له: رافعٌ. ويخَرُج عمرُو بن سالمٍ الخُزاعيُّ حتى قدمَ على رسولِ الله ﷺ المدينةَ، فوقفَ عليه وهو جالِسٌ في المسجدِ بين ظهرانيَْ أصحابِه فقالَ: يا رَبِّ إنيِّ ناشِ ــــدٌ محُ ــمَّدَا حِلْفَ أبينا وأَبيهِ الأَتْل ــــدَا إن قُريشًا أَخْلَفوكَ المَوْعِ ــدَا ونَقَضوا مِيثاقَكَ المُؤكَّ ـــــدَا

عدد الصفحات ٣٢٨

328 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد يَقولُ: قُتِلنا وقد أَسلَمنا، فقال رسولُ الله ﷺ: «نُصِِْتَ يا عَمرَو بنَ سَالمٍِ »، ثم خرَجَ بديلُ بن ورقاء في نفرٍ من خزاعةَ حتى قدموا على رسولِ الله ﷺ فأخبروه بما أُصيب منهم وبمظاهرةِ قريشٍ بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكةَ، فقال رسولُ الله ﷺ للناسِ: «كأنكم بأبي سفيانَ وقد جاء ليشدَّ العقدَ ويزيدَ في المدةِ ». ومضَ بديلُ بن ورقاء في أصحابِه حتى لقوا أبا سفيانَ بن حرب بعسفانَ، وقد [ قريشٌ إلى رسولِ ا ﷺ ليشدَّ العقدَ ويزيدَ في المدةِ وقد رَهبوا الذي صَنعوا، فلما لَقِيَ أبو سفيان بديلَ بنَ ورقاء قال: من أين أقبلتَ يا بديلُ؟ فقال: سرتُ في خزاعةَ في هذا الساحلِ وفي بطن هذا الوادي، قال: أوما جئتَ محمدا؟ قال: لا، فلما راح بديلُ إلى مكةَ ، قال أبو سفيان: لئن كان جاءَ المدينةَ لقد علف بها النوى، فأتى مبركَ راحلتِه، فأخذ مِن بعرِها ففتَّه فرأى فيها النوى، فقال: أحلفُ بالله، لقد جاء بديلٌ محمدًا. ثُم خرجَ حتى أتَى رسولَ الله ﷺ فكلَّمه فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، ثُم ذهبَ إلى أبي بَكْر، فكلَّمه أن يُكلِّم له رسولَ الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعِلٍ. ثُم أتَى عمرَ بنَ الخطَّابِ فكلَّمه، فقال: أنا أَشفَعُ لكُم إلى رَسولِ الله ﷺ؟! فواللهِ لو لم أجِدْ إلاَّ الذَّرَّ لجاهَدْتُكم به. ثُم جاء فدخَل على عليِّ بنِ أبي طالِب وعِندَه فاطِمةُ وحسَنٌ غُلامٌ يدبُّ بين يديها فقال: يا عليُّ، إنكَ أمسُّ القومِ بي رحمًِا، وإني قد جِئتُ في حاجةٍ فلا أَرجِعَنَّ كما جئتُ خائبًا، اشفَعْ لي إلى محمَّدٍ. فقال: وَيحكَ يا أبا سُفيانَ، والله لقَدْ عزَم رسولُ الله ﷺ على أَمْر ما نَستَطيع أن نُكلِّمه فيه، فالتَفَتَ إلى فاطِمةَ فقال: ه ل لكِ أن تَأمُري ابنَكِ هذا فيُجير بين الناسِ، فيَكون سيِّدَ العربِ إلى آخِرِ الدهرِ؟ قالت: واللهِ ما يَبلُغ ابني ذاكَ أن يجُير بين الناسِ، وما يجُير أحَدٌ على رسولِ الله ﷺ.

عدد الصفحات ٣٢٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |329 قال: يا أبا الحسَنِ إني أَرى الأمورَ قدِ اشتَدَّت عليَّ فانصَحْني. قال: واللهِ، م ا أعلَمُ لكَ شيئًا يُغنِي عنكَ، ولكنَّكَ سيِّد بني كِنانةَ، فقُمْ وأَجِرْ بين الناسِ، ثُم الحَْقْ بأرضكَ. قال: أوَتَرَى ذلك مُغنيًا عنِّي شيئًا؟ قال: لا واللهِ ما أَظنُّه، ولكِنِّي ما أجِدُ لك غير ذلكَ، فقام أبو سُفيانَ في المسجدِ، فقال: أيهُّا الناسُ، إني قد أجَرتُ بين الناسِ، ثُم ركِبَ بعيرَه فانطلقَ. وأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ الناسَ بالجهازِ، وأمرَ أهلَه أن يجُهِّزوه، فدخلَ أبو بكرٍ على ابنتِه عائشةَ  وهي تحُرِّك بعضَ جهازِ رسولِ ا ﷺ فقال: أي بُنيَّة، أَمرَكُن رسولُ الله ﷺ بتَجهيزِه؟ قالت: نعَمْ. فتَجهَّز، قال: فأينَ تَرينَه يُريدُ؟ قالت: لا واللهِ ما أَدرِي. ثُم إن رسولَ الله ﷺ أَعلمَ الناسَ: «إني سائِرٌ إلى مكةَ » فأمَرَهم بالجِدِّ والتَّجهيزِ، وقال «اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَْخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فيِ بِلاَدِهَا » فتَجهَّز الناسُ ثُم مضََ حتَّى نزلَ مَرَّ الظهرانِ، وهو بطن مَرٍّ، ومعه عشرَةُ آلافٍ وعمَّى اللهُ الأخبارَ عن قُريشٍ فهم على وجَل وارتِقابٍ. فأمَرَ الجيشَ فأَوقَدوا النيرانَ، فأُوقِدَت أكثر من عشرةِ آلافِ نارٍ، وجعَلَ رسولُ الله ﷺ على الحرَسِ عمرَ بنَ الخ طاب . وركِب العباسُ بَغلةَ رسولِ ا ﷺ البيضاءَ وخرجَ يَلتمِس لعَلَّه يجَِد بعضَ الحطَّابة، أو أحدًا يخُبرِ قريشًا؛ ليَخرُجوا يَستَأمِنون رسولَ الله ﷺ قبلَ أن يَدخُلها عنوةً، قال: فواللهِ إني لأَسيرُ عليها إذ سمِعت كلام أبي سُفيانَ، وبُدَيْل بن وَرقاءَ وهمُا يَتراجَعان، وأبو سُفيانَ يقول: ما رأَيْت كالليلةِ نيرانًا قطُّ ولا عسكَرًا. قال:

عدد الصفحات ٣٣٠

331 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد يَقول بُديلٌ: هذه واللهِ خُزاعةُ حمَشَتْها الحربُ. فيَقول أبو سُفيانَ: خُزاعةُ أقلُّ وأذلُّ من أن تَكون هذه نِيرانهُا وعسكَرُها. قال: فعرَفْت صوتَه، فقلتُ: أبا حَنظلةَ، فعرَف صَوْتي. فقال: أبا الفَضْل؟ قلتُ: نعَمْ. قال: ما لكَ فداكَ أبي وأُمِّي؟ قال: قلتُ: هذا رَسولُ الله ﷺ في الناسِ، واصَباحَ قُريشٍ واللهِ. قال: فما الحيلةُ فداكَ أبي وأُمِّي؟ قلتُ: والله لئن ظفَرَ بك ليضْبنَّ عنقَك، فاركَب في عجزِ هذه البغلةِ حتى آتي بك رسولَ الله ﷺ فأستأمِنُه لك، فركبَ خلفي، ورجع صاحباه، قال: فجئتُ به، فكلما مررتُ بنارٍ من نيرانِ المسلمين قالوا: مَن هذا؟ فإذا رأَوا بغلةَ رسولِ الله ﷺ وأنا عليها، قالوا: عمُّ رسولِ الله ﷺ على بغلتِه، حتى مررتُ بنارِ عمرِ بن الخطاب، فقال: مَن هذا؟ وقام إليَّ ، فلما رأى أبا سفيانَ على عجزِ الدابةِ قال: أبو سفيان عدوُّ الله؟ الحمدُ لله الذي أمكنَ منك بغير عقدٍ ولا عهدٍ، ثم خرَجَ يشتدُّ نحو رسولِ الله ﷺ ورَكَضْتُ البغلةُ فسبقَت فاقتحمتُ عن البغلةِ، فدخلتُ على رسولِ الله ﷺ ودخل عليه عمرُ، فقال: يا رسولَ الله، هذا أبو سفيانَ فدعني أضِبُ عنقَه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله ﷺ إني قد أجرتُه، فقال رسول الله ﷺ: «اذهَب به يا عباسُ إلى رحلِك، فإذا أصبحتَ فأتِني به، فذهبتُ فلما أصبحتُ غدوتُ به إلى رسولِ الله ﷺ، فلما رآه رسولُ الله ﷺ قال: «ويُك يا أبا سفيان! ألم يَأَن لك أنتعلمَ أن لا إلهَ إلا الله »؟ قال: بأبي أنت وأُمِّي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك، لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى شيئًا بعدُ، قال: «ويُك يا أبا سفيان! ألم يَأَن لك أن تعلمَ أني رسولُ الله»؟ قال: بأبي أنت وأُمِّي ما أحلمَك وأكرمَك وأوصلَك، أمَّا ه ذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا، فقال له العباسُ: ويحك! أسلِم واشهَد أنَّ لا إلهَ إلا الله، وأن

عدد الصفحات ٣٣١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |330 محمدًا رسولُ الله، قبلَ أن يُضْبَ عنقُك، فأسلم وشَ هِ دَ شهادةَ الحقِّ، فقال العباسُ: يا رسولَ الله، إن أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ الفخرَ، فاجعل له شيئًا، قال: «نعم، مَن دخلَ دار أبي سفيانَ فهو آمنٌ، ومن أغلَقَ عليه بابَه فهو آمنٌ، ومَن دخَلَ المسجدَ الحرامَ فهو آمنٌ ». وأمر العباسَ أن يحبسَ أبا سفيانَ بمضيقِ الوادي عندَ خطمِ الجبل؛ حتى تمر به جنودُ الله فيراها، ففعل، فمرَّت القبائلُ على راياتها، كلما مرَّت قبيلةٌ قال: يا عباسُ، مَن هذه؟ فأقول: سليمٌ، قال: فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمرُّ القبيلةُ فيقول: يا عباسُ، مَن هؤلاء؟ ، فأقول: مزينةُ، فيقول: ما لي ولمزينةَ، حتى نفدَت القبائلُ، ما تمرُّ به قبيلةٌ إلا سألني عنها، فإذا أخبرتُه بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مرَّ به رسولُ الله ﷺ في كتيبتِه الخضْاءِ فيها المهاجرون والأنصارُ، لا يُرَى منهم إلا الحدقُ من الحديدِ، قال: سبحانَ الله يا عباسُ! مَن هؤلاء؟ قال: قلتُ: هذا رسولُ الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قبلٌ ولا طاقةٌ، ثم قال: والله يا أبا الفضلِ لقد أ صبحَ ملكُ ابن أخيك اليوم عظيماً، قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوةُ، قال: فنَعم إذًا، قال: قلتُ: النجاء إلى قومِك. ومضَ أبو سفيانَ حتى إذا جاءَ قريشًا صرَخَ بأعلى صوتِه: يا معشرَ قريشٍ، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قِبلَ لكم به، فمن دخلَ دار أبي سفيانَ فهو آمنٌ، قالوا: قاتلَك الله، وما تُغني عنا دارُك؟ قال: ومَن أغلقَ عليه بابَه فهو آمنٌ، ومن دخَلَ المسجدَ فهو آمنٌ، فتفرق الناسُ إلى دورِهم وإلى المسجدِ. وسارَ رسولُ الله ﷺ فدخلَ مكةَ من أَعلاها وضُِِبَت له هُنالكَ قُبَّةٌ، وأمَر رسولُ الله ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ أن يَدخُلها من أَسفَلِها، وكان على المَجنَبةِ اليُمنَى،

عدد الصفحات ٣٣٢

332 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان أبو عُبيدةَ على الرجَّالةِ والحُسرَّ، وهم الَّذين لا سِلاحَ معَهم، وقال لخالدٍ ومَن معه: «إِنْ عَرَضَ لَكُمْ أحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوافُونيِ عَلىَ الصَّفَا »، فما عرَضَ لهم أحدٌ إلاَّ أَناموه. ورُكِزت رايةُ رسولِ الله ﷺ بالحَجونِ عند مسجدِ الفتحِ. ثُم نهضَ رسولُ الله ﷺ والمُهاجِرون والأنصارُ بين يدَيْه وخلفَه وحولَه حتى دخلَ المسجدَ، فأَقبلَ إلى الحجَرِ الأسودِ، فاستَلَمَه ثُم طافَ بالبيتِ، وفي يدِه قوسٌ، وحولَ البيتِ وعليه ثلاثُمِئة وسِتُّون صنَماً، فجعلَ يَطعنُها بالقوسِ ويَقولُ: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ [81]،﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ [49]، والأصنامُ تَتساقطُ على وجوهِها. وكان طوافُه على راحلتِه، ولم يَكُن محُرمًا يومئِذٍ فاقتصرََ على الطوافِ فلماَّ أَكمَلَه، دعا عُثمانَ بن طلحةَ، فأخذَ منه مِفتاحَ الكعبةِ، فأمرَ بها ففُتِحَت فدخَلَها فرأَى فيها الصوَرَ ورأَى صُورةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ يَستَقْسِمان بالأزلامِ، فقال: «قَاتَلَهُمُ اللهُ؛ وَاللهِ إِنِ اسْتَقْسَماَ بهَِا قَطُّ »(1)، ورأى في الكعبةِ حمامةً من عيدان فكسرها بيدِه، وأَمَرَ بالصورِ فمُحيت. ثم أغلقَ عليه البابَ وعلى أسامةَ وبلالٍ، فاستقبل الجدارَ الذي يقابلُ البابَ، حتى إذا كان بينه وبينه قدرُ ثلاثةِ أذرعٍ، وقف وصلىَّ هناك، ثم دار في البيتِ، وكبرَّ في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتحَ البابَ وقريشٌ قد ملأت المسجدَ صفوفًا ينتظرون ماذا يصنعُ، فأَخَذَ بعضادتي البابِ وهم تحته، فقال: «لا إلهَ إلا ا (1) أخرجه البخاري (4288.)

عدد الصفحات ٣٣٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |333 وحدَه، لا شِيكَ له، صَدَقَ وعدَه، ونَصََِ عبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه، أَلاَ كل مأثرةٍ أو مالٍ أو دمٍ فهو تحت قدميَّ هاتين إلا سدانةَ البيت وسقايةَ الحاج، أَلاَ وقتلُ الخطإ شبهُ العمدِ السوط والعصا، فف يه الديةُ مغلظة، مئةٌ من الإبلِ أربعون منها في بطونهِا أولادُها. يا معشََ قريشٍ، إن الله قد أذهَبَ عنكم نخوةَ الجاهليةِ وتعظيمَها بالآباء، الناسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ ، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾ [13]، ثم قاليا معشََ قريشٍ، ما تَرون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيرًا أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، قال: فإني أقولُ لكم كما قال يوسفُ لإخوتِه: ﴿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓﯔ ﴾ [92]، اذهَبوا فأنتم الطلقاءُ ». 26- فصل [ ولمَّا استقرَّ الفتحُ أمَّن رسولُ ا ﷺ الناسَ كلَّهم إلاَّ تِسعةَ نفَرٍ، فإنه أمَرَ بقتلِهم وإن وُجِدوا تحتَ أستارِ الكعبةِ، وهم عبدُ الله بنُ سعدِ بن أبي سرَْح، وعِكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، وعبدُ العزى بن خطَلٍ، والحارثُ بنُ نُفيلِ بن وَهب، ومِقيَس بن صَبابةَ ، وهَبَّارُ بنُ الأسودِ، وقَيْنتانِ لابنِ خطَل، كانتا تُغنِيان بهجاءِ رَسولِ الله ﷺ وسارةُ مولاةٌ لبعضِ بني عبد المُطلبِ. فأمَّا ابنُ أبي سرَْح فأَسلَم فجاء به عُثمانُ بنُ عفانَ فاستَأمَن له رَسولَ الله ﷺ فقبِلَ منه. وأمَّا عِكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، فاستَأمَنَ ت له امرأتُه بعدَ أن فرَّ، فأمَّنَه النبيُّ ﷺ فقدِمَ وأسلَمَ وحسُنَ إسلامُه.

عدد الصفحات ٣٣٤

334 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأمَّا ابنُ خطَلٍ، والحارثُ، ومِقيَس، وإحدى القَيْنتَينْ فقتِلوا، وكان مِقيسٌ قد أسلمَ ثُم ارتَدَّ، وقتل ولحِقَ بالمُشرِكين، وأمَّا هَبارُ بنُ الأسودِ، فهو الَّذي عرَض لزينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ حين هاجَرَت، فنخَسَ بها حتى سقَطَت على صخرةٍ وأَسقَطَت جنينَها، ففَرَّ ثُم أسلَمَ وحسُن إسلامُه، واستُؤمِن رسولُ الله ﷺ لسارةَ ولإحدَى القَيْنتين فأَمَّنهما فأَسلَمتا. فلماَّ كان الغدُ من يومِ الفتحِ قامَ رسولُ الله ﷺ في الناسِ خطيبًا، فحمِد اللهَ، وأَثنى عليه، ومجََّدَه بما هو أهلُه، ثُم قال: «يا أَيَُّا الناسُ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ، فَهِيَ حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلاَ يَُِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَ نْ يَسْفِكَ فيها دَمًا، أَوْ يَعْضِدَ بهَِا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقولوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسولِهِ وَلمَْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّماَ أحِلَّتْ لَِ سَاعَةً مِنْ نهَارٍ، وَقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِ ها بِالأَْمْسِ، فَلْيُبْلِغِ الشاهِدُ الغائِبَ »(1). وبثَّ رسولُ اللهِ ﷺ سرَاياهُ إلى الأوثانِ الَّتي كانت حولَ الكَعبةِ، فكُسرَِت كلُّها، منها: اللات، والعُزى، ومَناةُ الثالثةُ الأُخرى، ونادى مُنادِيه بمكَّةَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَدَعْ فيِ بَيْتِهِ صَنَماً إِلاَّ كَسََِهُ ». 27- فصل في الإشارةِ إلى ما في هذه الغَ زوةِ منَ الفِ قهِ واللطائفِ كان صُلحُ الحُديبيةِ مُقدِّمةً وتَوطِئةً بين يدَيْ هذا الفتحِ العظيمِ، أمِن الناسُ به وكلَّم بعضُهم بعضًا وناظرَه في الإسلامِ وتمَكَّن مَنِ اختَفَى منَ المُسلمين بمكَّةَ من إظهار دِينه، والدعوةِ إليه، والمُناظرةِ عليه، ودخَل بسببِه بشرٌَ كثيرٌ في الإسلامِ؛ (1) أخرجه البخاري4295)، ومسلم1354.)

عدد الصفحات ٣٣٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |335 ولهذا سماَّه اللهُ فتحًا في قولِه ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [1]، نزَلت في شأنِ الحُديبيةِ، فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ أَوَفَتْحٌ هو؟ قال: «نَعَم ْ»(1). وأعادَ سبحانَه وتعالى ذِكْر كونِه فتحًا، فقال ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴾ [27] إلى قولِه﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ [27]، وهذا شأنُه سبحانَه أن يُقدِّم بين يدَيِ الأمورِ العَظيمةِ مُقدِّماتٍ تَكون كالمَدخَل إليها، المُنبِّهة عليها. فصل وفيها: أن أهلَ العهدِ إذا حارَبوا مَن هُم في ذِمَّةِ الإمامِ وجِوارِه وعهدِه صاروا حربًا له بذلكَ، ولم يَبقَ بينَهم وبينَه عهدٌ. وفيها: انتِقاضُ عهدِ جميعِهم بذلك، رِدْئهم ومُباشرِيهم إذا رَضُوا بذلك وأَقرُّوا عليه ولم يُنكِروه. وفيها: جوازُ صُلحِ أهلِ الحربِ على وضعِ القِتالِ عشرَ سنينَ. وفيها: أن الإمامَ وغيرَه إذا سئِلَ ما لا يجَوزُ بذلُه أو لا يجَِبُ، فسكَت عن بَذلِه، لم يَكُن سكوتُه بذلاً له. وفيها: أن رسولَ الكُفَّارِ لا يُقتَل. وفيها: جَوازُ تَبيِيتِ الكفارِ، ومغافضتِهم في ديارِهم إذا كانت قد بلَغَتْهمُ الدعوةُ. (1) أخرجه أبو داود2736.)

عدد الصفحات ٣٣٦

336 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وفيها: جوازُ قتلِ الجاسوسِ وإن كان مسلماً؛ لأن عمرَ  سأَل رَسولَ الله ﷺ قتلَ حاطبِ بنِ أبي بَلتعةَ لمَّا بعَث يخُبرِ أهلَ مكةَ بالخبرِ ولم يَقُلْ رسولُ الله ﷺ: لا يحَلُّ قتلُه إنه مُسلِمٌ. بل قال: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلوا ما شِئْتُمْ »(1) فأجابَ بأن فيه مانِعًا من قتلِه وهو شُهودُه بدرًا وفيها: أن الكبيرةَ العظيمةَ ممَّا دونَ الشركِ قد تُكفَّر بالحسنةِ الكبيرةِ الماحيةِ، كما وقعَ الجَسُّ من حاطبٍ مُكفَّرًا بشهودِه بدرًا. وفيها: جوازُ بلِ استحبابُ إظهارِ كثرةِ المُسلمين وقُوَّتهم وشَوْكتهم وهَيْئتهم لرسُلِ العدوِّ، إذا جاؤُوا إلى الإمامِ، كما يَفعلُ مُلوكُ الإسلامِ، كما أمرَ النبيُّ ﷺ بإيقادِ النيرانِ ليلةَ الدخولِ إلى مكةَ، وأمرَ العباسَ أن يحَبسَ أبا سُفيانَ عند خَطمِ الجبَلِ، وهو ما تَضايَقَ منه، حتى عُرِضَت عليه عساكرُ الإسلامِ. وفيها: جوازُ دخولِ مكةَ للقِتالِ المباحِ بغيرِ إحرامٍ. وفيها: البيانُ الصريح بأن مكةَ فُتِحَت عَنوةً، كما ذهبَ إليه جمهورُ أهلِ العلم، ولا يُعرف في ذلك خلافٌ إلا عن الشافعيِّ (2) وأحمدَ في أحد قولَيْه (3). وفيها شيءٌ آخر يمنعُ من قسمتِها ولو وجبَتْ قسمةُ ما عداها من القرى، وهي أنها لا تملك، فإنها دارُ النسكِ، ومتعبدُ ا لخلقِ، وحرمُ الربِّ تعالى، الذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه والبادِ، فهي وقفٌ من الله على العالمين، وهم فيها سواءٌ. (1) أخرجه البخاري3983)، ومسلم2494.) (2) الأم للشافعي9/258-259. (3) الأحكام السلطانية للفراء187.)

عدد الصفحات ٣٣٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |337 وفيها: تَعيِينُ قتلِ السابِّ لرسولِ الله ﷺ، وأن قتلَه حدٌّ لا بُدَّ من استيفائِه، فإن النبيَّ ﷺ لم يؤمِّن مقيسَ بنَ صبابة، وابنَ خطل، والجا ريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساءَ أهلِ الحربِ لا يُقتلن كما لا تُقتل الذريةُ. 26- فصلفي غَ زوةِ حُنينٍ وتُ سدَّ ى غَ زوةَ بَوْطاسٍ وهما مَوضِعانِ بين مكةَ والطائِفِ، فسُمِّيَت الغَزوةُ باسمِ مكانهِا، وتُسمَّى غَزوةَ هوازنَ؛ لأنهم الَّذين أتَوْا لقتالِ رسولِ الله ﷺ. قال ابنُ إسحاق: لمَّا سمِعت هوازنُ برسولِ الله ﷺ، وما فتحَ اللهُ عليه من مكَّةَ، جمَعَها مالكُ بنُ عوفٍ النَّصرْيُّ، فاجتَ مَع إليه مع هَوازنَ ثَقيفٌ كلُّها، واجتَمعَت إليه مُضُْ وجُشَمُ كلُّها، وسعدُ بنُ بكرٍ، وناسٌ من بني هلالٍ، وهم قليلٌ، ولم يَشهَدْها من قيسِ عيلانَ إلاَّ هَؤلاءِ، ولم يحَضُْْها من هوازنَ كعب، ولا كِلابٌ، وفي جشَمَ دريدُ بنُ الصِّمةِ شيخٌ كبيرٌ، وليس فيه إ لاَّ رأيُه ومَعرفتُه بالحربِ، وكان شجاعًا مجُربًا، وفي ثَقيف سيِّدانِ لهم، وفي الأحلافِ قاربُ بنُ الأسودِ، وفي بني مالكٍ سبيعُ بنُ الحارثِ وأخوه أحمرُ بنُ الحارثِ، وجماعُ أمرِ الناس إلى مالكِ بنِ عوفٍ النَّصريِّ. فلماَّ أجمعَ السيرَ إلى رسولِ الله ﷺ ساقَ م ع الناسِ أموالهَم ونِساءَهم وأبناءَهُم، فلماَّ نزلَ بأَوطاسٍ اجتَمَعَ إليه الناسُ وفيهم دريدُ بن الصمَّة، فقال: ما لي أسمعُ رغاءَ البعيرِ، ونهاقَ الحمير، وبكاءَ الصغير، ويعارَ الشاء؟ قال: ساق مالك بن عوف مع الناسِ نساءَهم وأموالهَم وأبناءَهم. قال: ولـمَ؟ ق ال: أردتُ أن أجعلَ خلفَ كلِّ رجلٍ أهلَه ومالَه ليقاتلَ عنهم. فقال: راعي ضأنٍ والله، وهل يردُّ

عدد الصفحات ٣٣٨

338 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد المنهزمَ شيءٌ، إنها إن كانت لك لم ينفَعك إلا رجلٌ بسيفِه ورمحِه، وإن كانت عليك فُضحتَ في أهلِك ومالِك، قال: إنك قد كبرتَ، وكبر عقلُك، والله لتطيعُنِّي يا معشرَ هو ازن، أو لأتكئنَّ على هذا السيفِ حتى يخرجَ من ظهري، وكَرِهَ أن يكونَ لدُريد فيها ذكرٌ ورأيٌ، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يومٌ لم أشهدَه ولم يَفتني. ثُم قال مالكٌ للناسِ: إذا رأيتُموهم فاكسرِوا جُفونَ سيوفِكُم، ثُم شُدُّوا شدةَ رجلٍ واحدٍ. ولمَّا سمِعَ بهم نبيُّ الله ﷺ بعثَ إليهم عبدَ الله بن أبي حَدردٍ الأسلميَّ، وأمرَه أن يدخلَ في الناسِ، فيُقيم فيهم حتَّى يَعلمَ عِلمَهم، ثُم يَأتيه بخبرِهم، فانطلقَ ابنُ أبي حَدردٍ فدخلَ فيهم حتى سمعَ وعلمَ ما قد جمَعوا له من حربِ رسولِ الله ﷺ، وسمعَ من ما لكٍ وأمرِ هوازنَ ما هم عليه، ثُم أقبلَ حتى أتَى رسولَ الله ﷺ فأَخبرََه الخبرَ. فلماَّ أجمعَ رسولُ الله ﷺ السيرَ إلى هوازنَ، ذُكِر له أن عندَ صفوانَ بنِ أميةَ أدراعًا وسلاحًا، فأرسلَ إليه -وهو يومئذٍ مُشركٌ - فقال: «يا أَبا أُمَيَّةَ أَعِرْنا سِلاحَكَ هَذَا نَلْقَى فِيهِ عَدُوَّنا غَدًا »، فقال صفوانُ: أغصبًا يا محُمَّدُ؟ قال «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَد يَََا إِلَيْكَ »(1)، فقال: ليس بهذا بأسٌ، فأعطاه مِئةَ درعٍ ب يَكفيها من السلاحِ (2). قال ابنُ إسحاق: عن جابرِ بنِ عبد اللهِ، قال: لمَّا استَقْبلنا واديَ حُنينٍ، انحَدَرْنا في وادٍ من أَوديةِ تهِامةَ أجوفَ حطوط، إنما نَنحدِر فيه انحدارًا. قال: وفي (1) أخرجه أبو داود3562.) (2) انظر: سيرة ابن هشام2/437-440.

عدد الصفحات ٣٣٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |339 عماية الصبحِ، وكان القومُ سبَقونا إلى الوادِي، فكَمنوا لنا في شعابِه وأحنائِه ومَضايِقه قد أَجمَ عوا وتهيَّئوا وأعدُّوا، فواللهِ ما راعَنا -ونحن مُنحَطُّون - إلاَّ الكتائبُ، قد شدُّوا علينا شدةَ رجُلٍ واحدٍ، وانشمرَ الناسُ راجِعين، لا يَلوِي أحَدٌ على أحَدٍ، وانحازَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ اليمينِ، ثُم قال: «إِلىَ أَيْنَ أَيََُّا النَّاسُ؟ هَلُم إِلَََّ، أَنَا رَسُولُ اللهِ، أَنَا محَُمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ »، وبقيَ مع رسولِ ا ﷺ نفرٌ منَ المهاجِرين والأنصارِ وأهلِ بيتِه، وفيمَن ثبَت معه من المُهاجِرين أبو بَكرٍ وعُمرُ، ومن أهلِ بيتِه عليٌّ والعباسُ، وأبو سُفيانَ بنُ الحارثِ وابنُه، والفضلُ بنُ العباسِ، وربيعةُ بنُ الحارثِ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وأيمنُ ابنُ أُمِّ أيمنَ، وقُتِلَ يومئذٍ (1). وقال ابنُ إسحاق: عنِ العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، قال: إني لمََعَ رسولِ ا ﷺ آخِذٌ بحَكمةِ بغلتِه البيضاءِ قد شجرتهُا بها، وكنتُ امر ءً ا جسيماً، شديدَ الصوتِ، قال: ورسولُ الله ﷺ يَقول حين رأَى ما رأَى من الناسِ: «إِلىَ أَيْنَ أَيََُّا النَّاسُ؟ » قال: فلَمْ أرَ الناسَ يَلوون على شيءٍ. فقال «يَا عَبَّاسُ، اصرُْخْ يَا مَعْشَََ الأَْنْصَارِ، يَا مَعْشَََ أَصْحَابِ السَّمُرَة ِ»، فأَجابوا: لَبيكَ لَبَّيكَ. قال: فيَذهَب الرجلُ ليَثنيَ بَعيرَه، فلا يَقدِر على ذلك، فيَأخذ دِرعَه فيَقذفها في عُنقه، ويَأخُذ سيفَه وقوسَه وتُرسَه، ويَقتحِم عن بَعيرِه ويخُلي سَبيلَه ويَؤمُّ الصوتَ، حتى يَنتهيَ إلى رسولِ الله ﷺ، حتى إذا اجتمعَ إليه منهم مِئةٌ، استَقبَل وا الناسَ، فاقتَتَلوا، فكانتِ الدعوةُ أوَّلَ ما كانت: يا للأَنصارِ. ثُم خلَصَت آخرًا: يا للخَزرجِ. وكانوا صُبرًا عند الحربِ، فأَشرفَ رسولُ الله ﷺ في رَكائبِه، فنظرَ إلى مجُتلدِ القومِ، وهم يجَتلِدون فقال: «الآْنَ حمَِيَ الْوَطِيسُ »(2) . (1) انظر: سيرة ابن هشام2/442-443. (2) انظر: سيرة ابن هشام2/444-445.

عدد الصفحات ٣٤٠

341 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وزاد غيرُه: أنا النَّبيُّ لا كَ ـــــذِبْ أَنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ (1) و«صحيحِ مسلمٍ »: ثُم أخذَ رسولُ ا ﷺ حصَياتٍ فرمَى بها في وجوهِ الكُفارِ، ثُم قال: «انهَْزَمُوا وَرَب محَُمَّدٍ »، فما هو إلاَّ أن رَماهُم، فما زِلتُ أرى حدَّهم كليلاً، وأمرَهُم مُدبرًا (2). قال ابنُ إسحاق (3): ولمَّا انهزَمَ المُشرِكون أتَوُا الطائفَ، ومعَهُم مالكُ بنُ عوفٍ، وعسكَرَ بعضُهم بأَوطاسٍ، وتَوجَّه بعضُهم نحوَ نخلةَ، وبعثَ رسولُ اللهِ ﷺ في آثارِ مَن توجَّهَ قِبَلَ أوطاسٍ أبا عامرٍ الأَشعريَّ، فأَدركَ من الناسِ بعضَ مَن انهزمَ فناوَشوهُ القتالَ، فرُمِيَ بسهمٍ فقُتِلَ، فأخذَ الرايةَ أبو مُوسَى الأشعريُّ، وهو ابنُ عمه، فقاتَلَ ففتحَ اللهُ عليه وهزمَهم اللهُ، وقتَلَ قاتلَ أبي عامِرٍ، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَ بيِ عَامِرٍ، وَاجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ »، واستغفرَ لأبي موسَى (4). ومضََ مالكُ بنُ عوفٍ حتى تحَصَّن بحِصنِ ثَقيفٍ، وأمرَ رسولُ ا ﷺ بالسبيِ والغَنائمِ أن تُِمَع، فجُمِع ذلك كلُّه، وصيرَّوه إلى الجِعرانةِ، وكان السبيُ ستةَ آلافِ رأسٍ، والإبلُ أربعةً وعِشرين ألفًا، والغنَمُ أكثرَ من أَربَعين ألفَ شاةٍ، (1) أخرجه البخاري2864)، ومسلم1776.) (2) أخرجه مسلم1775.) (3) انظر: سيرة ابن هشام2/453. (4) أخرجه البخاري4323)، ومسلم2498.)

عدد الصفحات ٣٤١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |340 وأربعةَ آلافِ أُوقيةٍ فِضَّة، فاستَأنَى بهم رَسولُ ا ﷺ أن يَقدَموا عليه مُسلِمين بِ ضعَ عشرةَ ليلةً، ثُم بدَأَ بالأموالِ فقسَمَها، وأَعطى المُؤلَّفةَ قلوبهُم أوَّلَ الناسِ. قال ابن إسحاق(1): عن أبي سعيد الخدري قال: ولمَّا أعطَى رسولُ ا ﷺ ما أَعطَى من تلكَ العَطايا في قريشٍ، وفي قبائلِ العربِ، ولم يَكُ في الأنصارِ منها شيءٌ، وجَدَ هذا الحيُّ من الأنصارِ في أنفسِهم حتَّى كثُرَت فيهم القالةُ، حتَّى قال قائِلُهم: لقِيَ واللهِ رسولُ الله ﷺ قومَه، فدخلَ عليه سعدُ بنُ عُبادةَ، فقال: يا رَسولَ الله، إن هذا الحيَّ من الأنصارِ قد وجَدوا عليكَ في أنفسِهم لمِا صنَعْت في هذا الفيءِ الَّذي أصَبْتَ، فقسَمْت في قومِكَ، وأَعطيتَ عَطايا عِظامًا في قبائلِ العربِ، ولم يَكُن في هذا الحيِّ منَ الأنصارِ منها شيءٌ. قال: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْد ُ؟»، قال: يا رسولَ اللهِ، ما أنا إلاَّ من قومي. قال «فَاجمَْعْ لَِ قَوْمَكَ فيِ هَذِهِ الحَْظِيرَةِ؟ » قال: فجاءَ رجالٌ منَ المُهاجِرين فترَكهم فدخَلوا، وجاءَ آخَرون فردَّهُم. فلماَّ اجتَمَعوا أتَى سعدٌ، فقال: قدِ اجتمعَ لكَ هذا الحيُّ منَ الأنصارِ. فأَتاهُم رَسولُ الله ﷺ، فحمِدَ اللهَ وأَثنى عليه بما هو أهلُه، ثُم قال: «يَا مَعْشَََ الأَنْصارِ، ما قالَةٌ بَ لَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُُوها في أَنْفُسِكُمْ؟ أَلمَْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَداكُمُ اللهُ بيِ، وَعَالةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بيِ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَينَْ قُلُوبِكُمْ؟! » قالوا: اللهُ ورسولُه أمن وأفضلُ. ثُم قال: «أَلاَ تُُِيبُونيِ يَا مَعْشَََ الأَْنْصارِ؟! » قالوا: بماذا نُجيبُكَ يا رسولَ الله، للهِ ولرسولِه المَنُّ والفضلُ. (1) انظر: سيرة ابن هشام2/498-500.

عدد الصفحات ٣٤٢