301 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأَرسلَ اللهُ على المشرِكين جُندًا من الريحِ، فجعَلَت تُقوِّض خِيامَهم، ولا تدَعُ لهم قِدرًا إلاَّ كفَأَتهْا، ولا طُنْبًا (1) إلاَّ قَلَعْته، ولا يَقَرُّ لهم قَرارٌ، وجندًا من الملائكةِ يُزلزِلونهم، ويُلقون في قُلوبهم الرعبَ والخوفَ، وأرسلَ رسولُ الله ﷺ حُذيفةَ بنَ اليمانِ يَأتيه بخبرَِهم، فوجَدَهم على هذه الحالِ، وقد تهَيَّئوا للرحيلِ، فرجعَ إلى رسولِ الله ﷺ ليلا، فأَخبرََه برحيلِ القومِ، فأَصبحَ رسولُ الله ﷺ وقد رَدَّ اللهُ عدوَّه بغَيْظِهم لم يَنالوا خيرًا، وكفاهُ اللهُ قِتالهَم، فصدَقَ وعدَه، وأعزَّ جُندَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأَحزابَ وحدَه. فدخلَ المدينةَ، ووضعَ السِّلاحَ، فجاءَه جِبريلُ عليه السلام وهو يَغتسِلُ في بيتِ أُم سلَمةَ، فقالَ: أَوَضَعْتُمُ السِّ لاحَ! إن المَلائِكَةَ لم تَضَعْ بعدُ أَسْلِحَتَها، انهَضْ إلى هؤلاءِ -يَعنِي: بَني قُريظةَ - فنادَى رسولُ الله ﷺ: «مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَلاَ يُصَل ينََّ الْعَصَِْ إِلاَّ فيِ بَنِي قُرَيْظَةَ »(2)، فخرَج المُسلِمون سراعًا، فكان مِن أمرِهم وأمرِ ب ني قريظةَ ما قدَّمناه، واستُشهِدَ يومَ الخندق ويومَ قريظةَ نحو عشرةٍ مِن المسلمين. 15- فصل في قِ صَّ الحُ ديبم ِ كانت سنةَ ستٍّ في ذي القَعدةِ، وكانوا ألفًا وأربعَمئةٍ، فلماَّ كانوا بذِي الحُليفةِ قلَّد رسولُ الله ﷺ الهديَ وأَشعَرَه، وأحرَمَ بالعُمرةِ، وبعثَ بينَ يديه عينًا له من خُزاعةَ يخُبرِه عن قُريشٍ، حتى إذا كان قريبًا من عُسفانَ أَتاهُ عينُه فقال: إني ترَكْت (1) (الطُّنْب): حبل الخباء (2) أخرجه البخاري946)، ومسلم1770.)
عدد الصفحات ٣١١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |300 كعبَ بن لُؤيٍّ قد جمَعوا لك الأَحابيشَ، وجمَعوا لك جموعًا، وهم مُقاتِلوك وصادُّوكَ عن البيتِ ومانِعوكَ، فاستَشارَ النبيُّ ﷺ أصحابَه وقال: «أَتَرَوْنَ أَنْ نَميلَ إِلىَ ذَرارِي هَؤلاءِ الَّذينَ أَعانوهُمْ فَنُصيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدوا قَعَدوا مَوْتورينَ محَْروبينَ، وَإِنْ يََيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللهُ، أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ البَيْتَ، فمَنْ صَدَّ نا عَنْهُ قَاتَلْناهُ؟»، فقال أبو بَكْر : اللهُ ورسولُه أعلَمُ، إنَّا جِئْنا مُعتَمِرين ولم نَجئْ لقِتال أَحَد، ولكن مَن حال بينَنا وبين البيت قاتَلْناه، فقال النبيُّ ﷺ: «فَرُوحُوا إِذًا»، فراحوا حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ خالِدَ بنَ الوَليدِ بِالغَميمِ في جندٍ لقُرَيْشٍ طَليعَةً فَخُذوا ذاتَ اليَمِينِ »، فواللهِ ما شعَرَ بهم خالدٌ حتَّى إذا هو بقَ ترَ ةِ الجيشِ (1)، وانطلقَ يَركُضُ نَذيرًا لقريشٍ. وسار النبيُّ ﷺ حتَّى إذا كان بالثَّنيةِ الَّتي يهَبِط عليهم منها برَكَت به راحِلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ. فألحََّتْ، فقالوا: خَلأََتِ القَصواءُ، خلأََتِ القَصواءُ. فقال النبيُّ ﷺ: «ما خَلأََتِ القَصْواءُ، وَمَا ذَاكَ لهََا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ »، ثُم قال: «وَالَّذِي نَفْسُ محمدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلونيِ خُطَّةً يُعَظ مونَ فِيها حُرُماتِ اللهِ إِ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاها »، ثُم زجرَها فوثَبَت به، فعدلَ حتى نزَلَ بأَقصى الحُديبيةِ على ثَمد (2) قَليلِ الماءِ يَتَبرََّضُه (3) الناسُ تَبرُّضًا، فلم يَلبَث الناسُ أن نزَحوه، فشكَوْا إلى رسول الله ﷺ العطشَ، فانتزَعَ سهماً من كِنانتِه ثُم أمرَهُم أن يجَعَلوه فيه. قال: فواللهِ ما زال يجَيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صدَروا عنه. (1) (قَترَة الجيش): غبرته (2) (ثَمد): الماء القليل الذى لا مادة له (3) (يَتَبرََّضُ ): ماء بَرْضٌ قلِيل، وتَبرََّض الرجلُ حاجتَه أَخَذها قَلِيلاً قَلِيلاً.
عدد الصفحات ٣١٢302 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وفزِعَت قريشٌ لنُزولِه عليهم، فأحبَّ رسولُ الله ﷺ أن يَبعَث إليهم رجُلاً من أصحابِه، فأرسلَ عُثمانَ بنَ عفانَ فمرَّ على قُريش ببَلْدحٍ فقالوا: أين تُريدُ؟ فقال: بعثَني رسولُ الله ﷺ أَدعوكم إلى اللهِ وإلى الإسلامِ، وأُخبرُِكم أنَّا لم نَأتِ لقِتالٍ، وإنما جِئْنا عُماَّرًا. فقالوا: قد سمِعنا ما مقالتَك، فانفُذْ لحاجتكَ . وقام إليه أَبانُ بنُ سعيدِ بن العاصِ فرحَّب به وأَسرَج فرسَه، فحمَلَ عثمانَ على الفرسِ، وأَردَفَه أبانُ حتى جاء مكةَ. واختَلَط المُسلِمون بالمُشرِكين في أَمْر الصُّلْح، فرَمَى رجُل من أحَد الفَريقين رجلاً من الفَريق الآخَرِ، وكانت مَعركةً، وتَرامَوْا با لنبلِ والحِجارةِ، وصاح الفَريقان كِلاهمُا، وارتهََن كلُّ واحِد من الفَريقين بمَنْ فيهم، وبلغَ رسولَ الله ﷺ أن عُثمانَ قد قتِلَ، فدعا إلى البيعةِ، فثار المُسلِمون إلى رسولِ الله ﷺ وهو تحتَ الشجَرةِ فبايَعوه على ألاَّ يَفِرُّوا، فأخَذَ رسولُ الله ﷺ بيَدِ نَفْ سِه وقال: «هَذِهِ عَنْ عُثْماَنَ »(1)، ولمَّا تمَّتِ البيعةُ رجَع عُثمانُ فبينَما هم كذلك إذ جاء بُديلُ بنُ وَرقاءَ الخُزاعيُّ في نفَر من خُزاعةَ، وكانوا عيبةَ (2) نُصْحِ رسولِ ا ﷺ من أهلِ تهِامةَ، فقال: إني ترَكْت كعبَ بن لُؤيٍّ وعامرَ بنَ لُؤيٍّ قد نزَلوا أَعداد مِياه الحُديبيةِ معهم العُوذُ المَطافيلُ (3)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوكَ عن البيتِ، قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّا لمَْ نَجِئْ لِقِتالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا نهََكَتْهُمُ الحَرْبُ وَأَضَََّتْ بهِِمْ، فَإِنْ شاؤُوا مادَدْتُُُمْ وَيََُلُّوا (1) أخرجه البخاري3698.) (2) (عَيْبَة): أي: موضع سره (3) (العُوذ المَطَافِيل): الإبل مع أولادها، كناية عن خروج النساء والصبيان معهم
عدد الصفحات ٣١٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |303 بَيْني وبَينَْ الناسِ، وَإِنْ شاؤُوا أَنْ يَدْخُلوا فيما دَخَلَ فيهِ الناسُ فَعَلُوا وإِلاَّ فَقَدْ جمَُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا إِلاَّ القِتالَ فَوَالَّذِي نَفْسيِ بِيَدِهِ لأَُقَاتِلَنَّهُمْ عَلى أَمْرِي هَذا حَتَّى تَنفَرِدَ سالِفَتي أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ ». قال بُديلٌ: سأُبلِغهم ما تَقول، فانطلَقَ حتَّى أتَى قُريشًا، فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ. فقال عروةُ بنُ مسعود الثقفيُّ: إن هذا قد عرَضَ عليكم خطةَ رشدٍ فاقبلوها ودعوني آتِه، فقالوا: ائتِه، فأتاه فجعَلَ يُكلِّمه، فقال له النبي ﷺ نحوًا مِن قولِه لبُدَيل، فقال له عروةُ عندَ ذلك: أي محمدُ، أرأيتَ لو استأصلتَ قومَك، هل سمعتَ بأحدٍ من العربِ اجتاح أهلَه قبلَك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوباشًا من الناسِ خليقًا أن يفرُّوا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصُصْ بظرَ اللاَّت، أنحن نفرُّ عنه وندعه؟! قال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتُك. ثم إن عروةَ جعَلَ يرمقُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ بعينيه، فوالله ما تنخَّم النبيُّ ﷺ نخامةً إلا وقعَتْ في كفِّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهَه وجلَده، وإذا أمرهم بأمرٍ ابتدروا، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئِه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهَم عندَه، وما يحدون النظرَ إليه تعظيماً له، فرجع عروةُ إلى أ صحابِه فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوكِ على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيتُ ملكًا يعظِّمُه أصحابُه ما يعظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا، وقد عرَضَ عليكم خطةَ رشدٍ فاقبلوها. فقال رجُلٌ من بني كِنانةَ: دَعوني آتِهِ. فقالوا: ائْتِهِ. فلماَّ أَشرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال رسولُ الله ﷺ: «هَذا فُلانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظ مونَ البُدْنَ، فَابْعَثوها لَهُ ». فبَعَثوها له، واستَقبَلَه القومُ يُلبُّون، فلَماَّ رأَى ذلك قال: سُبحانَ الله، ما يَنبَغي
عدد الصفحات ٣١٤304 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد لهؤلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيتِ. فرجَع إلى أصحابِه فقال : رأَيْت البُدْن قد قُلِّدَت وأُشعِرَت، وما أَرَى أن يُصَدُّوا عن البيتِ. فقام مِكرَزُ بنُ حَفْص فقال: دَعوني آتِهِ. فقالوا: ائْتِهِ. فلماَّ أَشرَف عليهم قال النبيُّ ﷺ: «هَذَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ رَجُلٌ فاجِرٌ »، فجعَل يُكلِّم النبيﷺ، فبينا هو يُكلِّمه إذ جاءَه سهيلُ بنُ عَمرٍو، فقال النبيُّ ﷺ: «قَدْ سُه لَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ »، فقال: هاتِ، اكتُبْ بينَنا وبينَكم كِتابًا. فدعا الكاتبَ فقال: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ». فقال سُهيلٌ: أمَّا الرحمنُ فواللهِ ما نَدري ما هو، ولكِنِ اكتُ بْ: باسمِكَ اللهُمَّ كما كنتَ تَكتُب. فقال المُسلِمون: واللهِ، لا نَكتُبُها إلاَّ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. فقال النبيُّ ﷺ: «اكتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُم ». ثُم قال«اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضىَ عَلَيْهِ محَُمَّدٌ رَسُولُ اللهِ »، فقال سُهيلٌ: فواللهِ لو كُ نَّا نَعلَم أنك رسولُ الله ما صدَدْناكَ عنِ البيتِ ولا قاتَلْناكَ، ولكِنِ اكتُبْ: محُمَّد بنُ عبدِ الله. فقال رسول الله ﷺ: «إِني رَسولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمونيِ، اكْتُبْ: محَُمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ ». فقالَ النبي ﷺ: «عَلى أَنْ تخَُلُّوا بَيْنَنا وَبَ ينَْ البَيْتِ فَنَطوفَ بِهِ ». فقال سُهيلٌ واللهِ لا تَتحدَّث العربُ أنَّا أُخِذْنا ضَغطةً، ولكِنْ ذلك من العامِ المُقبِل. قال عمرُ بن الخطاب: والله ما شككتُ منذ أسلمتُ إلا يومئذٍ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رسولَ الله، ألستَ نبيَّ الله؟ قال: «ب». قلتُ: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطلِ؟ قال: «ب». فقلتُ: علامَ نُعطي الدنيَّةَ في ديننا إذًا ونرجعُ ولما يحكمُ الله بيننا وبينَ أعدائنا؟ فقال: «إني رسولُ الله، وهو ناصري، ولستُ أعصيه». قلتُ: أولستَ كنتَ تحُدثنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال «بلى، أفأخبَتُك أنك تأتيه العامَ؟ » قلتُ: لا. قال «فإنك آتيه وتطوفُ به » قال فأتيتُ أبا
عدد الصفحات ٣١٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |305 بكرٍ فقلتُ له كما قلتُ لرسول ا ﷺ، وردَّ عليَّ أبو بكرٍ كما ردَّ عليَّ رسولُ الله ﷺ سواء، وزاد: فاستمسك بغرزِه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحقِّ. قال عمرُ: فعملتُ لذلك أعمالاً. فلما فرغَ من قضيةِ الكتابِ قال رسول الله ﷺ: «قوموا، فانحَروا، ثم احلقوا». قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ واحدٌ حتى قال ثلاثَ مراتٍ، فلما لم يقُم منهم أحدٌ قام فدخل على أم سلمةَ، فذكر لها ما لَقِيَ من الناس، فقالت أمُّ سلمةَ: يا رسولَ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرُج، ثم لا تكلمُ أحدًا منهم كلمةً حتى تنحرَ بُدنَك وتدعو حالقَك فيحلقُ. فقام فخرَجَ فلم يكلِّم أحدًا منهم حتى فعَلَ ذلك: نحرَ بُدنِه ودعا حالقَه فحلقَه، فلما رأى الناسُ ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضُهم يحلقُ بعضًا حتى كاد بعضُهم يقتلُ بعضًا غماًّ. فصل وجرى الصُّلحُ بين المسلمين وأهلِ مكةَ على وضعِ الحربِ عشرَ سنينَ، وأن يأمنَ الناسُ بعضُهم من بعضٍ، وأن يرجعَ عنهم عامَه ذلك، حتى إذا كان العامُ المقبلُ قدمَها وخلَّوا بينه وبين مكةَ فأقام بها ثلاثًا، وألا يدخلَها إلا بسلاحِ الراكبِ والسيوف في القربِ، وأن مَن أ تانا مِن أصحابِك لم نردَّه عليك، ومَن أتاك مِن أصحابنا رددتَه علينا، وأن بينَنا وبينك عيبةً مكفوفةً، وأنه لا إسلالَ ولا إغلالَ (1)، فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم هذا؟ فقال «مَن أتاهم منا فأبعدَه الله، ومَن أتانا منهم فرددناه عليهم جعَلَ الله له فرجًا ومُرجً ا». (1) (لا إسلالَ ولا إغلالَ): لا سرقة ولا خيانة
عدد الصفحات ٣١٦306 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وفي قِصَّةِ الحُديبيةِ أنزلَ اللهُ فِديةَ الأَذى لمَِن حلَقَ رأسَه بالصيامِ أو الصدَقةِ أو النُّسكِ في شأنِ كَعبِ بنِ عُجرةَ. وفيها: دَعا رسولُ الله ﷺ للمُحلِّقين بالمَغفِرة ثلاثًا، وللمُقصرِّين مرَّةً. وفيها: نَحَروا البَدَنةَ عن سَبعةٍ، والبقَرةَ عن سبعةٍ. وفيها: أَهدَى رسولُ الله ﷺ في جملةِ هَدْيِه جملاً كان لأبي جَهْل كان في أَنْفه برةٌ من فِضَّة؛ ليَغيظ به المُشرِكين. وفيها: أُنزِلت سورةُ الفتحِ، ودخَلَت خُزاعةُ في عقدِ رَسولِ الله ﷺ وعهدِه، ودخَلَت بنو بَكرٍ في عَقد قُريشٍ وعهدِهِم. 16- فصل في بنعضِ ما في قِ ص ِ الحُ ديبم ِ منَ الفوائدِ الفِ قهم ِ فمنها: اعتِمارُ النبيِّ ﷺ في أَشهُر الحجِّ. ومِنها: أن الإحرامَ بالعُمرةِ منَ الميقاتِ أفضلُ. ومِنها: أن سَوْق الهديِ مَسنونٌ في العُمرةِ المُفردةِ كما هو مَسنونٌ في القِرانِ. ومِنها: أن إشعارَ الهَديِ سنةٌ لا مُثلةٌ مَنهيٌّ عنها. ومِنها: استِحْبابُ مُغايَظةِ أعداءِ اللهِ. ومِنها: أن أميرَ الجيش يَنبَغي له أن يَبعَث العيونَ أمامَه نحوَ العدوِّ. ومِنها: أن الاستعانةَ بالمُشرِك المَأمونِ في الجِهادِ جائِزةٌ عندَ الحاجةِ.
عدد الصفحات ٣١٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |307 ومنها: استِحبابُ مَشورةِ الإمامِ رعيتَه وجيشَه استِخراجًا لوجهِ الرأيِ واستِطابةً لنُفوسِهم، وأَمْنا لعَتْبِهم؛ لقولِه تعالى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ [ 159] وقد مدحَ سبحانه وتعالى عبادَه بقولِه ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾ [38] . ومِنها: جَوازُ سَبيِ ذَراريِّ المُشرِكين إذا انفَرَدوا عن رِجالهِم قبل مُقاتَلة الرِّجالِ. ومِنها: أن المُشرِكين وأهلَ البِدَع والفُجور والبُغاةَ والظلمةَ إذا طلَبوا أمرًا يُعظِّمون فيه حُرمةً من حُرماتِ الله تعالى، أُجيبوا إليه وأُعطوه وأُعينوا عليه. ومنها: استحبابُ الفألِ، وأنه ليس من الطيرةِ المكر وهةِ؛ لقوله لما جاء سهيلٌ: «سَهُلَ أمرُكم ». ومنها: أن مُصالحةَ المشرِكين ببعضِ ما فيه ضَيْم على المُسلِمين جائزةٌ للمَصلَحةِ الراجحةِ. ومنها: أن الحِلاقَ نُسُكٌ، وأنه أفضلُ من التَّقصيرِ، وأنه نُسُك في العُمرةِ كما هو نسُكٌ في الحجِّ. 17- فصل الإشارة إلى بنعض الحر التي تضدنتها هذه الهدن وهي أكثرُ وأجلُّ من أن يحيطَ بها إلا الله الذي أحكمَ أسبابهَا، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمتُه وحمدُه. فمنها: أن هذه الهدنةَ كانت من أعظمِ الفتوحِ؛ فإن الناسَ أَمِنَ بعضُهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفارِ، وبادءوهم بالدعوةِ وأسمعوهم القرآنَ،
عدد الصفحات ٣١٨308 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وناظروهم على الإسلامِ جهرةً آمنين، وظهر مَن كان مختفيًّا بالإسلام، ودخل فيه في مدةِ هذه الهدنةِ مَن شاء الله أن يدخلَ؛ ولهذا سماَّه الله فتحًا مبينًا. ومنها: ما سبَّبه الله سبحانه للمؤمنين مِن زيادةِ الإيمانِ والإذعانِ والانقيادِ على ما أحبوا وكرهوا، وما حصَلَ لهم في ذلك مِن الرضى بقضاءِ الله وتصديقِ موعودِه، وانتظارِ ما وُعِدوا به، وشهودِ منَّة الله ونعمتِه عليهم بالسكينةِ التي أنزلها في قلوبهِم أحوجَ ما كانوا إليها في تلك الحالِ التي تُزَعْزَعُ لها الجبالُ. 16- فصل في غَ زوةِ خمبرَ قال ابنُ إسحاق: انصرفَ رسولُ الله ﷺ عامَ الحُديبيةِ، فنزَلت عليه سورةُ الفتحِ فيما بين مكةَ والمَدينةِ، فأَعطاهُ اللهُ فيها خيبرَ ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ [20] خيبر، فقَدِم رسولُ ا ﷺ المدينةَ في ذي الحِجةِ، فأَقامَ بها حتَّى سارَ إلى خيبرَ في المحرَّمِ، فنزلَ رسولُ الله ﷺ بالرجيعِ وهو وادٍ بين خيبرَ وغطَفانَ، فتخوَّفَ أن تمدَّهم غطفانُ، فبات به حتى أصبحَ فغدا إليهم. انتهى. ولمَّا قدِمَ رسولُ الله ﷺ خيبرَ صلىَّ بها الصبحَ، وركِبَ المُس لمونَ، فخرجَ أهلُ خيبرَ بمَساحيهم ومَكاتِلِهم ولا يَشعُرون، بل خرَجوا لأرضِهم، فلماَّ رأَوُا الجيشَ قالوا: محُمَّد واللهِ، محمدٌ والخَميسُ. ثُم رجَعوا هارِبين إلى مدينتهم، فقال النبيُّ ﷺ: «اللهُ أَكبََُ، خَرِبَتْ خَيْبََُ، اللهُ أَكْبََُ، خَرِبَتْ خَيْبََُ، إِنَّا إِذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ »(1). (1) أخرجه البخاري371)، ومسلم1365.)
عدد الصفحات ٣١٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |309 ولمَّا كان ليلةُ الدخولِ قال «لأَُعْطِينََّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُُِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُُِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلىَ يَدَيْهِ »، فباتَ ال ناسُ يَدوكون أيهُّم يُعطاها، فلماَّ أَصبَح الناسُ غدَوْا على رسولِ الله ﷺ كلُّهم يَرجو أن يُعطاها، فقال: «أين عليُّ بنُ أبي طالِبٍ؟ » فقالوا: يا رَسولَ الله، هو يَشتَكي عينَيْه. قال «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ »، فأُتيَِ به، فبصَق رسولُ ا ﷺ في عينَيْه، ودعا له، فبرَأ حتَّى لم يكُنْ به وجَعٌ، فأَعطاهُ الرايةَ، فقال: يا رسولَ الله، أُقاتِلهم حتَّى يَكونوا مثلَنا؟ قال: «انْفُذْ عَ رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِ مْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلىَ الإِسْلامِ، وَأَخْبَِْهُمْ بِما يََِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَق اللهِ فِيهِ، فَوَاللهِ لأََنْ يََْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيرٌْ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حمُْرُ النَّعَمِ »(1). فخرَج مَرحَبٌ وهو يَقول أَنا الَّذي سَمَّتْني أُمِّ ي مَرحَبْ شاكِي السِّــــلاحِ بَطَلٌ مجَُرَّبْ إِذا الحُــــــوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبْ فبرَزَ إليه عليٌّ وهو يَقولُ: أَنا الَّذي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غاباتٍ كَريهِ المَ ـنْظَرَهْ أُوفِيهُمُ بالصاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ (1) أخرجه البخاري4210)، ومسلم2406.)
عدد الصفحات ٣٢٠321 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فضَْب مَرحبًا ففلَق هامَتَه، وكان الفتحُ (1). قال موسى بنُ عقبة: ثم دخل اليهودُ حصنًا لهم منيعًا يقال له: القَمُوص، فحاصرهم رسولُ الله ﷺ قريبًا من عشرين ليلةً، وكانت أرضًا وخمةً شديدةَ الحرِّ، فجهد المسلمون جهدًا شديدًا (2). قال الواقدي: وتحوَّلت اليهودُ إلى قلعةِ الزبيرِ - حصن منيع في رأس قلة - فأقام رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أيام، فجاء رجلٌ من اليهودِ يُقال له: عزال، فقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمتَ شهرًا ما بالوا، إن لهم شربًا وعيونًا تحت الأرض يخرجون بالليلِ فيشربون منها ثم يرج عون إلى قلعتِهم فيمتنعون منك، فإن قطعتَ مشربهَم عليهم أصحروا لك. فسار رسولُ الله ﷺ إلى مائِهم فقطعَه عليهم، فلما قطعَ عليهم خرجوا فقاتلوا أشدَّ القتالِ، وقُتل من المسلمين نفرٌ، وأُصِيب نحو العشرةِ من اليهودِ، وافتتحه رسولُ الله ﷺ(3). ثم تحوَّل رسولُ ا ﷺ إلى أهل الكتيبةِ والوطيحِ والسلالمِ حصنِ ابن أبي الحُقيق، فتحصَّن أهلُه أشدَّ التحصينِ، وجاءهم كلُّ من كان انهزم مِن النطاةِ والشق، فإن خيبرَ كانت جانبين: الجانب الأول: الشق والنطاة، وهو الذي افتتحه أولاً، والجانب الثاني: الكتيبةُ والوطيحُ والسلالمُ. فجعلوا لا يخرجون من حصونهِم حتى هَمَّ رسول الله ﷺ أن يَنصبَ عليهم المنجنيقَ، فلما أيقنوا بالهلكةِ وقد حصرَهم رسولُ الله ﷺ أربعةَ عشرَ يومًا، سألوا (1) أخرجه مسلم1807.) (2) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي2/239. (3) مغازي الواقدي2/666-667.
عدد الصفحات ٣٢١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |320 رسولَ ا ﷺ الصلحَ، وأرسل ابنُ أبي الحُقيق إلى رسولِ الله ﷺ: أَنْزِلُ فأكلِّمُك؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم»، فنزل ابنُ أبي الحقيق فصالَحَ رسولَ الله ﷺ على حقنِ دماءِ مَن في حصونهِم مِن المقاتلةِ وتركِ الذريةِ لهم، ويخرجون من خيبر وأرضِها بذراريهم، ويخلون بينَ رسولِ الله ﷺ وبينَ ما كان لهم من مالٍ وأرضٍ وعلى الصفراءِ والبيضاءِ والكراعِ والحلقةِ، إلا ثوبًا على ظهرِ إنسانٍ . فقال رسولُ الله ﷺ: «وبرِئَت منكم ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولِه إن كتمتموني شيئًا ». فصالحوه ع ذلك». 19- فصل [ وفي هذه الغَزاةِ سُمَّ رسولُ ا ﷺ، أَهدَت له زينبُ بنتُ الحارِث اليَهوديةُ امرأةُ سَلام بن مِشكَمٍ شاةً مشويةً قد سَمَّتها، وسألت: أيُّ اللحمِ أحبُّ إليه؟ فقالوا: الذِّراعُ. فأَكثَرَت من السَّمِّ في الذراعِ، فلما انتَهَش من ذِراعها أَخبرََه الذراعُ بأنه مَسموم، فلَفِظ الأكلةَ ثُم قال: «اجمَْ عُوا لَِ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْيَهُودِ »، فجمَعوا له، فقال لهم: «إِني سَائِلُكُمْ عَنْ شيَْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ فِيهِ؟ » قالوا: نعَمْ يا أبا القاسِمِ. فقال لهم رسولُ الله ﷺ: «مَنْ أَبُوكُمْ؟ » قالوا: أبونا فُلانٌ. قال «كذَبْتم، أَبوكُم فُلانٌ »، قالوا: صدَقْت وبرَرْتَ. قال: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شيَْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ »، قالوا: نعَمْ يا أبا القاسِمْ وإن كذَبْناك عرَفْت كذِبَنا كما عرَفْته أَبينا. فقال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ » فقالوا: نَكون فيها يسيرًا ثُم تخَلفُ ونَا فيها. فقال لهم رسولُ الله ﷺ: «اخْسَؤُوا فِيهَا، فَوَاللهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ». ثُم قال: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شيَْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ » قالوا: نعَمْ. قال «أَجَعَلْتُمْ فيِ
عدد الصفحات ٣٢٢322 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد هَذِهِ الشَّاةِ سَماً؟ » قالوا: نعَمْ. قال «فَماَ حمََلَكُمْ عَلىَ ذَلِكَ؟ » قالوا: أرَدْنا إن كنتَ كاذبًا نَستريح منكَ، وإن كنت نبيًّا لم يَضَُّْكَ (1). وقد اختُلِفَ: هل أكلَ النبيُّ منها أو لم يأكُل؟ وأكثرُ الروايات أنه أكَلَ منها وبَقِيَ بعدَ ذلك ثلاثَ سنين حتى قال في وجعِه الذي مات فيه: «ما زلتُ أجدُ مِن الأكلةِ التي أكلتُ مِن الشاةِ يومَ خيبَ، فهذا أوانُ انقطاعِ الأبهرِ مني »(2)، قال الزهري: فتوفي رسولُ الله ﷺ شهيدًا. 21- فصل فمدا كان في غَ زوةِ خمبرَ منَ الأحرامِ الفِ قهم ِ فمنها: محُاربةُ الكُفَّار ومُقاتَلتُهم في الأشهرِ الحُرمِ. ومِنها: أنه إذا لحَِقَ مدَدٌ بالجيشِ بعد تَقضِِّ الحربِ، فلا سهمَ له إلاَّ بإذنِ الجيشِ ورِضاهُم؛ فإن النبي ﷺ كلَّم أصحابَه في أهل السفينةِ حين قدموا عليه بخيبر - جعفر وأصحابه - أن يسهمَ لهم، فأسهمَ لهم. ومِنها: تحريمُ لحُومُ الحمرِ الإنسيةِ، صحَّ عنه تحريمُها ي ومَ خيبر، وصحَّ عنه تعليلُ التحريمِ بأنها رجسٌ. ومِنها: جَوازُ المُساقاةِ والمُزارعةِ بجُزْء ممَّا يخَرُج من الأرضِ، كما عامَلَ رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر على ذلك. (1) أخرجه البخاري5777.) (2) علقه البخاري4428)، وأخرجه البزار18/149 (115)، والحاكم3/60 (4393.)
عدد الصفحات ٣٢٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |323 ومِنها: جوازُ تعليقِ عَقْد الصُّلحِ والأمانِ بالشرطِ، كما عقَدَ لهم رسولُ الله ﷺ بشرط ألا يُغيِّبوا ولا يَكتموا. ومِنها: جَوازُ الأكلِ من ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ وحِلُّ طَعامِهم. ومِنها: قَبولُ هَديةِ الكافرِ. 21- فصلقص ِ وادي القرى وتَمداء وفَدك ثُم انصرفَ رسولُ الله ﷺ من خيبرَ إلى وادِي القُرى، وكان بها جماعةٌ منَ اليهودِ، وقدِ انضافَ إليهم جماعةٌ منَ العربِ، فلماَّ نزَلوا استَقبلَتهم يهَودُ بالرميِ وهم على غيرِ تَعبِئةٍ، فعبَّأ رَسولُ الله ﷺ أصحابَه للقِتالِ وصَفَّهم، ثُم دعاهُم إلى الإسلامِ، فبرَزَ رجُل منهم فبرََز إ ليه الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ فقتَلَه، ثُم برَزَ آخَرُ فقتَلَه، ثُم برَز آخرُ فبرَز إليه عليٌّ فقتَلَه، حتى قُتِل مِنهم أحدَ عشرَ رجُلاً، كلَّما قُتِل منهم رجُل دعا مَن بَقِيَ إلى الإسلامِ، وكانتِ الصلاةُ تحَضُْ ذلك اليومَ، فيُصليِّ بأصحابِه ثُم يَعود فيَدعوهم إلى الإسلامِ، وإلى اللهِ ورسولِه، فقاتَلَهم حتَّى أَمسَوْا وغَدَا عليهم فلم تَرتفِعِ الشمسُ قِيدَ رُمحٍ حتَّى أَعطَوْا ما بأيديهم وفتَحها عَنوةً. وانصرَفَ رسولُ الله ﷺ راجِعًا إلى المدينةِ. وأقام رسولُ الله ﷺ بوادي القرى أربعةَ أيام، وقسمَ ما أصاب على أصحابِه بوادي القرى، وتَرَكَ الأرضَ والنخلَ بأيدي اليهودِ، وعامَلَهم عليها، فلما بلغَ يهودَ تيماء ما واطأ عليه رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسولَ الله ﷺ وأقاموا بأموالهِم.
عدد الصفحات ٣٢٤324 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 22- فصلبنعثِ النبي ﷺ السَّ رايا أَقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في المَدينةِ بع د مَقدَمه من خيبرَ إلى شوَّالٍ، وبعَثَ في خِلالِ ذلك السرَّايا. 23- فصل في عُ درةِ القَ ضم ِ قال موسى بنُ عقبة: ثم خرج رسولُ الله ﷺ مِن العامِ المقبلِ مِن عام الحديبيةِ معتمرًا في ذي القعدة سنةَ سبع، وهو الشهرُ الذي صدَّه فيه المشركون عن المسجدِ الحرامِ، حتى إذا بلَغَ يأججَ وضَعَ الأداةَ كلَّها الحجف والمجان، والنبلَ، والرماحَ، ودخلوا بسلاحِ الراكب السيوفِ (1). فلماَّ قدِمَ رسولُ ا ﷺ أَمَر أَصحابَه، فقالَ: «اكْشِفُوا عَنِ المَْنَاكِبِ، وَاسْعَوْا فيِ الطَّوَافِ »؛ ليرََى المُشرِكون جلَدَهم وقُوَّتهم، وكان يُكايِدهم بكلِّ ما استَطاعَ، فوقَف أهلُ مكةَ: الرجالُ والنساءُ والصِّبيانُ يَنظُرون إلى رَسولِ الله ﷺ وأصحابِه وهم يَطوفون بالبيتِ. وتَغيَّب رجالٌ منَ المشرِكين كراهيةَ أن يَنظُروا إلى رسولِ الله ﷺ حنقًا وغيظًا، فأَقامَ رسولُ الله ﷺ بمكةَ ثلاثًا، فلماَّ أصبحَ من اليومِ الرابعِ أَتاهم سُهيلُ بنُ عمرٍو، وحُويطِب بنُ عبدِ العُزَّى، ورسولُ الله ﷺ في مجلسِ الأنصارِ يَتحدَّث مع سَعدِ بنِ عُ بادةَ، فصاح حُويطبٌ: نُناشِدُك اللهَ والعَقدَ لمَا خرَجْتَ من أَرْضنا، فقَدْ مضَتِ الثلاثُ. فأمرَ رسولُ الله ﷺ أبا رافِعٍ، فأَذَّنَ بالرَّحيلِ. (1) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة4/314 من طريق موسى بن عقبة
عدد الصفحات ٣٢٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |325 24- فصل في غَ زوةِ مُؤت َ وهي بأدنى البلقاءِ من أرضِ الشامِ، وكانت في جمُادَى الأُولى سنةَ ثمانٍ، وكان سببُها أن رسولَ الله ﷺ بعَث الحارثَ بن عُميرٍ الأزديَّ -أحدَ بني لهِبٍ - بكِتابِه إلى الشامِ، إلى ملِكِ الرومِ أو بُصرَى، فعرَض له شرُحبيلُ بنُ عَمرٍو الغسانيُّ، فأَوثَقه رباطًا، ثُ م قدَّمه فضْبَ عُنقَه، ولم يُقتَل لرَسولِ الله ﷺ رسولٌ غيرُه، فاشتدَّ ذلك عليهِ حين بلَغه الخبرُ، فبعَث البعوثَ، واستَعملَ عليهم زيدَ بنَ حارثةَ، وقال: «إِنْ أُصيبَ فَجَعْفَرُ بنُ أَبيِ طالِبٍ عَلى الناسِ، فَإِنْ أُصيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحةَ »(1). ثُم مضَوْا حتى نزَلوا مُعانَ، فبلَغَ الناسَ أن هرقلَ بالبَلقاءِ في مِئة أَلْف من الرومِ، وانضَمَّ إليهم من لخَْم وجُذام وبُلقين وبهَراءَ وبَلي، مِئةُ أَلْف، فلماَّ بلغَ ذلك المُسلِمين أَقاموا على مُعان ليلتَينْ يَنظُرون في أَمْرهم، وقالوا: نَكتُب إلى رَسولِ الله ﷺ فنُخبرُِه بعدَد عدوِّنا فإمَّا أن يَمُدَّنا بالرجالِ، وإمَّا أن يَأمُرنا بأمرِه فنَمضِ له، فشجَّع الناسَ عبدُ الله بنُ رواحةَ وقال: يا قومِ، واللهِ إن الَّذي تَكرهون للَّتي خرَجْتُم تَطلُبون: الشهادة، وما نُقاتِل الناسَ بعدَد ولا قوَّةٍ ولا كَثرةٍ ، ما نُقاتِلهم إلاَّ بهذا الدِّينِ الَّذي أَكرَمنا به اللهُ، فانطلِقوا فإنما هي إحدَى الحُسنَيَينْ: إمَّا ظَفر وإما شَهادة. فمضََ الناسُ حتَّى إذا كانوا بتُخوم البلقاءِ لقِيَتهم الجموعُ بقَريةٍ يُقالُ لها: مشارِفُ، فدَنا العدوُّ، وانحازَ المُسلِمون إلى مُؤ تةَ، فالْتَقى الناسُ عندها، فتَعبَّى (1) أخرجه البخاري4261.)
عدد الصفحات ٣٢٦