294 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد واستشار رسولُ الله ﷺ أصحابَه: أيخرجُ إليهم أم يمكثُ في المدينة؟ و كان رأيُه ألاَّ يخرجوا من المدينةِ، وأن يتحصَّنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواهِ الأزقةِ، والنساءُ من فوق البيوتِ، فبادَرَ جماعةٌ من فُضلاءِ الصحابةِ ممَِّن فاتَه الخروجُ يومَ بدرٍ، وأَشاروا عليه بالخروجِ، وأَلحَُّوا عليه في ذلك، فنهضَ ودخل بيتَ ه ولبسَ لأمتَه، وخرج عليهم وقد انثنى عزمُ أولئك، وقالوا: أكرَهْنا رسولَ الله ﷺ على الخروجِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إن أحببتَ أن تمكثَ في المدينة فافعل، فقال رسول الله ﷺ: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمتَه أن يضعَها حتى يُكمَ الله بينه وب عدو ه ». فخرَج رَسولُ ا ﷺ في أَلْف منَ الصحابةِ يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد انخزَل عبدُ الله بنُ أبيٍّ بنحوِ ثلُث العَسكَر، وسأَل قومٌ منَ الأنصارِ النبيَّ أن يَستَعينوا بحُلَفائهم من يهَودَ، فأَبَى. ونفَذ رسولُ الله ﷺ حتَّى نزلَ الشِّعبَ من أحُ د في عُدوة الوادِي، وجعَل ظَهرَه إلى أحُدٍ، ونهى الناسَ عنِ القِتالِ حتَّى يَأمُرَهم، فلماَّ أصبحَ يومَ السبتِ، تَعبَّى للقتالِ، وهو في سبعِمِئةٍ، فيهم خمَسون فارِسًا، واستعملَ على الرُّماةِ -وكانوا خمَسينَ - عبدَ الله بنَ جُبيرٍ، وأمَرَه وأصحابَه أن يَلزَم وا مَركزَهم، وألاَّ يُفارِقوه، ولو رأَى الطيرَ تَتخطَّف العسكرَ، وكانوا خلفَ الجيشِ، وأمَرَهُم أن يَنضَحوا المُشرِكين بالنبلِ؛ لئَلاَّ يَأتوا المُسلِمين من وَرائِهم. وظاهَرَ رَسولُ الله ﷺ بين دِرعَينْ يومئِذٍ، وأَعطى اللواءَ مُصعبَ بنَ عُميرٍ، وجعلَ على إح دى المَجنَبَتَينْ الزُّبيرَ بن العوَّامِ، وعلى الأُخْرى المُنذِر بنَ عمرٍو.
عدد الصفحات ٢٩٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |295 وتعَبَّتْ قُريشٌ للقتال، وهم في ثلاثةِ آلافٍ، وفيهم مِئتا فارِسٍ، فجعَلوا ع مَيمنتِهم خالدَ بنَ الوليدِ، وعلى المَيسرَةِ عِكرمةَ بن أبي جَهْل. ودفعَ رسولُ الله ﷺ سيفَه إلى أبي دُ جانةَ سِماكِ بنِ خرَشةَ، وكان شُجاعًا بطلاً يخَتالُ عند الحربِ، وكان شِعارُ المسلِمين يومئذٍ: أَمِت أَمِت. وأَبلى يومئِذٍ أبو دُجانةَ الأنصاريُّ، وطلحةُ بن عُبيد الله، وأسدُ الله وأسدُ رسولِه حمزةُ بنُ عبد المطلبِ، وعليُّ بن أبي طالِب، وأنسُ بنُ النضِْ، وس عدُ بنُ الربيعِ. وكانت الدولةُ أولَ النهارِ للمُسلمين على الكفارِ، فانهزمَ عدوُّ اللهِ، وولَّوْا مُدبرين حتى انتَهَوْا إلى نِسائهم، فلماَّ رأَى الرُّماةُ هزيمتَهم ترَكوا مَركزَهم الَّذي أمرَهم رسولُ الله ﷺ بحِفظِه، وقالوا: يا قوم الغَنيمةَ الغَنيمةَ. فذكَّ رَهم أميرُهم عهد رسولِ الله ﷺ إليهم، فلم يَسمَعوا، وظنُّوا أن ليس للمُشرِكين رجعةٌ، فذ هَبوا في طلب الغَنيمةِ، وأَخلَوا الثغرَ، وكرَّ فُرسانُ المُشركين، فوجَدوا الثغرَ خاليًا، قد خلا منَ الرماةِ، فجازوا منه، وتمَكَّنوا حتى أقبلَ آخرُهم، فأَحاطوا بالمُسلِمين ، فأكرمَ اللهُ من أكرمَ مِنهم بالشهادةِ، وهم سَبعونَ، وتولىَّ الصحابةُ، وخلَصَ المُشرِكون إلى رسولِ الله ﷺ فجَرَحوا وجهَه، وكسرَوا رَباعيَّته اليُمنَى، وكانتِ السفلىَ، وهشَموا البَيضةَ على رأسِه، ورمَوْه بالحِجارةِ حتى وقَعَ لشِقِّه، وسقطَ في حُفرةٍ من الح فرِ، فأخذَ عليٌّ بيَدِه، واحتَضَنَه طلحةُ بنُ عبيد الله، وكان الَّذي تَولىَّ أذاهُ صلوات الله وسلامه عليه عَمرَو بن قَمئةَ، وعُتبةَ بنَ أبي وقَّاص.
عدد الصفحات ٢٩٦296 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومرَّ أنسُ بنُ النضِْ بقوم منَ المُسلِمين قد ألقَوْا بأيديهم، فقال ما تَنتَظِرون؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ الله ﷺ. فقال: ما تَصنَعون في الحياةِ بعدَه؟ قوموا فمُوتوا على ما ماتَ عليه. ثُم استَقبَل الناسَ، ولقِيَ سعدَ بنَ مُعاذٍ فقال: يا سعدُ إني لأجِدُ ريحَ الجنَّةِ من دونِ أحُدٍ، فقاتَلَ حتَّى قُتِل، ووُجِد به سَبعون ضِبةً، وجُرِح يومئِذٍ عبدُ الرحمن بن عوفٍ نحوًا من عِشرين جِراحةً. وأَقبلَ رسولُ الله ﷺ نحوَ المسلمين فكان أولُ مَن عرَفه تحتَ المِغفَر كعبَ بن مالِك، فصاح بأعلى صوتِه يا مَعاشرَ المُسلِمين، أَبشرِ وا؛ هذا رسولُ الله ﷺ، فأَشارَ إليه أن اسكُتْ، واجتَمَع إليه المُسلِمون ونهَضوا معه إلى الشِّعْبِ الذي نزَل فيه. ولمَّا انقَضَتِ الحربُ أشرفَ أبو سُفيانَ على الجبلِ ونادى: أفيكُم محُمَّدٌ؟ فلم يجُيبوه، فقال: أَفيكُم ابنُ أبي قُحافةَ؟ فلم يجُيبوه. فقال: أفيكُ م ابنُ الخطَّاب؟ فلم يجُيبوه، ولم يَسأَل إلاَّ عن هَؤلاءِ الثلاثةِ لعِلْمه وعِلْم قومِه أن قِوام الإسلامِ بهم، فقال: أمَّا هؤلاءِ فقد كُفيتُموهم، فلم يَملِك عُمرُ نفسَه أن قال: يا عَدوَّ الله، إن الَّذين ذكَرْتهم أحياءٌ، وقد أَبقَى الله لك ما يَسوؤُكَ. فق ال: قد كان في القومِ مُثلةٌ لم آمُرْ بها، ولم تَسُؤْني. ثمَّ قال: اعلُ هُبلْ. فقال النبيُّ ﷺ: «أَلاَ تُُِيبُونَهُ؟ » فقالوا: ما نَقول؟ قال «قُولُوا: اللهُ أَعْلىَ وَأَجَل »، ثُم قال: لَنا العُزَّى ولا عُزَّى لكُم. قال: «أَلاَ تُُِيبُونَهُ؟ » قالوا: ما نَقولُ؟ قال: «قُولُوا: اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلىَ لَكُمْ »(1). (1) أخرجه البخاري4043.)
عدد الصفحات ٢٩٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |297 ثُم قال أبو سُفيانَ: يومٌ بيَوْم بَدْر، والحربُ سِجالٌ. فأجابَه عُمرُ، فقال سَواءً، قَتلانا في الجَنَّةِ، وقَتْلاكُمْ في النارِ. وقاتلتِ الملائكةُ يومَ أحُدٍ عن رسولِ الله ﷺ، ففي الصحيحَينْ: عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يومَ أحُدٍ ومعَهُ رجُلانِ يُقاتِلانِ عنه، علَيْهما ثيابٌ بِيضٌ كأشَدِّ القِتالِ، ما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ (1). 6- فصل فمدا اشتَ دَلَت علمه هذه الغَ زاةُ منَ الأَ حرامِ والفِ قْه مِنها: أن الجِهادَ يَلزَم بالشرُّوعِ فيه، حتَّى إن مَن لبِسَ لأَْمَته وشرَع في أسبابِه، وتَأهَّب للخروجِ، ليس له أن يَرجِع عن الخروجِ حتى يُقاتِل عدوَّه. ومِنها: أنه لا يجَِب على المُسلِمين إذا طرَقَهم عَدوُّهم في ديارِهم الخروجُ إليه، بل يجَوز لهم أن يَلزَموا دِيارَهم، ويُ قاتِلوهم فيها. ومِنها: جوازُ سُلوكِ الإمامِ بالعسكرِ في بعض أملاكِ رعيَّتِه. ومِنها: أنه لا يَأذَن لمَِن لا يُطيقُ القِتالَ من الصِّبيانِ غير البالِغين. ومِنها: جوازُ الغزوِ بالنِّساءِ، والاستعانةِ في الجهادِ بهن. ومِنها: جوازُ الانغماسِ في العَدوِّ، كما انغمَسَ أنسُ بن النضْ وغيرُه. ومِنها: أن الإمامَ إذا أصابَتْه جِراحةٌ صلىَّ بهم قاعدًا، وصلَّوْا وراءَه قعودًا، كما فعلَ رسولُ الله ﷺ في هذه الغزوةِ. (1) أخرجه البخاري4054)، ومسلم2306.)
عدد الصفحات ٢٩٨298 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومِنها: جوازُ دعاءِ الرجلِ أن يُقتَل في سَبيلِ الله، وتمَنِّيه ذلك، وليس هذا من تمَنِّي الموتِ المَنهيِّ عنه، كما قال عبدُ الله بن جحش: اللهُمَّ لقِّني من المشركين رجلاً عظيماً كفرُه، شديدًا حردُه (1)، فأقاتله فيقتلني فيك، ويسلبُني، ثم يجدعُ أنفي وأذني، فإذا لقيتُك، فقلتَ: يا عبدَ الله بن جحش، فيم جدعتَ؟ قلتُ: فيك يا رب. ومِنها: أن المُسلمَ إذا قَتَلَ نفسَه فه و من أهلِ النارِ؛ لقوله ﷺ في قزمان الذي أبلى يومَ أحدٍ بلاءً شديدًا، فلما اشتدَّت به الجراحُ نحرَ نف سَ ه، فقال ﷺ: «هو مِن أهلِ النَّارِ ». ومِنها: أن السنةَ في الشهيدِ أنه لا يُغسَّل، ولا يُصلىَّ عليه ولا يُكفَّن في غير ثِيابِه، بل يُدفَن فيها بدمِه. ومِنها: أنه إذا كانَ جنُبًا غسِّل كما غسَّلتِ المَلائكةُ حَنظلةَ بنَ أبي عامِرٍ. ومِنها: أن السُّنَّةَ في الشهداءِ أن يُدفَنوا في مَصارِعهم، ولا يُنقَلوا إلى مكانٍ آخرَ. ومِنها: جوازُ دَفْن الرجُلين أو الثلاثةِ في القبرِ الواحدِ، فإن رسولَ الله ﷺ كانَ يَدفِن الرجُ لين والثلاثةَ في القبرِ ويقول: «أيَُّم أكثرُ أخذًا للقرآنِ »؟ فإذا أشاروا إلى رجلٍ قدَّمه في اللحدِ. ومنها: أن شهيدَ المعركةِ لا يُصلىَّ عليه. (1) (شديدًا حردُه): شديد غضبه
عدد الصفحات ٢٩٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |299 ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنُّونه كافرًا، فعلى الإمامِ ديتُه من بيتِ المالِ؛ لأن رسولَ الله ﷺ أراد أن يديَ اليمانَ أبا حذيفةَ، فامتنع حذيفةُ مِن أخذِ الديةِ وتصدَّق بها على المسلمين. 9- فصل في ذِكرِ بنعض الحِرَ ِ والغايات المَحدودةِ التي كانت في وقع ِ بُحُدٍ وقد أشار الله سبحانَه وتعالى إلى أمهاتهِا وأصولهِا في سورة (آل عمران ) حيث افتتح القِصَّةَ بقوله: (ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ) [ عمران121]، إلى تمامِ ستِّين آيةً فمنها: تعريفُهم سوءَ عاقبة المعصيةِ والفشلِ والتنازعِ، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤمِ ذلك، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم كانوا بعد ذلك أشدَّ حذرًا ويقظةً وتحرزًا من أسبابِ الخذلانِ. ومنها: أن حكمةَ الله وسنَّتَه في رسلِه وأتباعهم جَرَت بأن يدالوا مرةً ويدالَ عليهم أخرى، لكن تكونُ لهم العاقبةُ؛ فإنهم لو انتصروا دائماً دَخَلَ معهم المؤمنون وغيرُهم، ولم يتميِّز الصادقُ مِن غيرِه، ولو انتُصرَِ عليهم دائماً لم يحصل المقصودُ مِن البعثةِ والرسالةِ . ومنها: أن يتميَّزَ المؤمنُ الصادق من المنافقِ الكاذب. ومنها: استخراجُ عبوديَّةِ أوليائه وحزبِه في السرَّاءِ والضْاءِ. ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائماً لطغت نفوسُهم. ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبَةِ ذلوا وانكسروا، فاستوجبوا منه العِزَّ والنصرَ.
عدد الصفحات ٣٠٠311 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومنها: أنه سبحانه هيَّأَ لعبادِه المؤمنين منازلَ في دار كرامَتِه لم تبلغْها أعمالهُم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاءِ. ومنها: أن الشهادةَ عنده من أعلى مراتبِ أوليائه، وهو سبحانَه يحُِبُّ أن يَتَّخذَ من عباده شهداءَ. ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهُلكَ أعداءه، قيَّضَ لهم الأسبابَ التي يستوجبون بها هلاكَهم، ومِن أعظمِها بعد كفرهم بغيُهم. ومنها: أن وقعةَ أُحُدٍ كانت مقدمةً وإرهاصًا بين يدي موت رسولِ الله ﷺ فأَنَّبَهُم ووبَّخهم على انقلابهِم على أعقابهِم إن مات رسولُ الله ﷺ أو قُتِلَ، فقال: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾ [144]. فصل ولما عزموا على الرجوعِ إلى مكةَ أشرفَ على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: موعدُكم الموسمُ ببدر، فقال النبي ﷺ: «قولوا: نَعَمْ، قَد فعَلْنا »، قال أبو سفيان «فذلكالموعدُ »، ثم انصرف هو وأصحابُه، فلما كان ببعضِ الطريق تلاوموا في بينهم، وقال بعضُهم لبعضٍ: لم تصنعوا شيئًا، أصَبتم شوكتَهم وحدَهم ثم تركتموهم وقد بَقِي منهم رءوسٌ يجتمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصِل شأفتَهم، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فنادى في الناسِ وندبهَم إلى المسيرِ إلى لقاء عدوِهم، وقال: «لا يَرجُ معنا إلا مَن شهدَ القتالَ »، فاستجاب له المسلمون ع ما بهم من القرحِ الشديدِ والخوفِ.
عدد الصفحات ٣٠١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |310 فسار رسولُ ا ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا حمراءَ الأسد، وأقبل معبدُ بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله ﷺ، فأسلم، فأمرَه أن يلحقَ بأبي سفيان فيخذِّله، فلَحِقه بالروحاءِ، ولم يَعلم بإسلامِه، فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمدٌ وأصحابُه قد تحرَّقوا عليكم، وخرجوا في جمعٍ لم يخَرجوا في مثلِه، وقد نَدِمَ مَن كان تخلَّف عنهم من أصحابهِم، فقال: ما تقولُ؟! فقال: ما أرى أن ترتحلَ حتى يطلع أو لُ الجيشِ من وراءِ هذه الأكمةِ، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرَّةَ عليهم لنستأصلَهم، قال: فلا تفعل فإني لك ناصحٌ، فرجعوا على أعقابهِم إلى مكةَ. 11- فصل في بنعث الرجمعِ فلماَّ كان صفَر قدِم عليه قومٌ من عَضل والقارةِ، وذكَروا أن فيهم إسلامًا، وسأَلوه أن يَبعَث معَهم مَن يُعلِّمهم الدِّين ويُقرِئهم القُرآنَ، فبعَث معهم سِتَّة نفَرٍ. فلماَّ كانوا بالرجيعِ، وهو ماءٌ لهُذيلٍ بناحِيةِ الحِجازِ غَدَروا بهم واستَصرَخوا عليهم هذيلاً، فجاؤُوا حتى أَحاطوا بهم، فقتَلوا عامَّتَهم واستَأْسرَوا خبُيبَ بنَ عديٍّ، وزيدَ بنَ الدثِنَّةِ، فذهَبوا بهما فباعوهما بمكةَ، وكانا قتلا من رءوسِهم يومَ بدرٍ فأمَّا خُبيبٌ فمكَث عِندهم مسجونًا، ثُم أَجمَعوا على قتلِه، فخرجوا به مِن الحرمِ إلى التنعيمِ، فلماَّ أجمعوا على صلبِه قال: دَعوني حتى أركع ركعتين، وفي «الصحيح»: أن خبيبًا أولُ مَ ن سنَّ الركعتين عندَ القتلِ (1). وأمَّا زيدُ بنُ الدثِنَّةِ فابتاعَه صَفوانُ بنُ أميَّةَ، فقتَلَه بأبيهِ. (1) أخرجه البخاري3045.)
عدد الصفحات ٣٠٢312 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 11- فصل في وقع بنِئرِ مَعون َ وفي هذا الشهرِ بعينِه وهو صفَرٌ من السنةِ الرابعةِ كانت وقعةُ بئرِ مَعونةَ، ومُلخَّصها أن أبا براءٍ عامرَ بنَ مالكِ المَدعو مُلاعِب الأسنةِ قدِم على رسولِ الله ﷺ المدينةَ، فدعاهُ إلى الإسلامِ، فلم يُسلِم، ولم يُبعِد، فقال: يا رَسولَ الله لو بَعَثْت أصحابكَ إلى أهلِ نجدٍ يَدعونهم إلى دِينكَ لرجَوْت أن يجُيبوهم. فقال: «إِ أَخافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ »، فقال أبو براءٍ: أنا جارٌ لهم فبعَثَ معه سَبعينَ وأمَّرَ عليهم المُنذرَ بنَ عَمرٍو -أحَدَ بني ساعِدةَ المُلقَّب بالمُعْنِق ليَموتَ - وكانوا من خِيارِ المسلِمين وفضلائِهم وساداتهِم وقرَّائِهم، فساروا حتى نزَلوا بِئرَ مَعونةَ، ثم بعثوا حرامَ بنَ مِلحان أخا أمِّ سليم بكتابِ رسولِ الله ﷺ إلى عدوِّ الله عامرِ بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنَه بالحربةِ مِن خلفِه، فلما أَنفَذها فيه ورأى الدمَ قال: «فزتُ وربِّ الكعبةِ »، ثم استنفَرَ عدوَّ الله لفورِه بني عامر إلى قتالِ الباقين، فلم يجيبوه لأجلِ جوارِ أبي براء، فاستَنفَر بني سليمٍ، فأَجابَ تْه عُصيةُ ورِعْل وذَكوانُ، فجاؤُوا حتى أَحاطوا بأصحابِ رَسولِ الله ﷺ، فقاتَلوا حتَّى قُتِلوا عن آخِرهم إلاَّ كعبَ بنَ زيد بن النجَّارِ، فإنه ارْتُثَّ (1) من بين القَتلى، فعاشَ حتى قُتِل يومَ الخندقِ وقنَتَ رسولُ الله ﷺ شهرًا يَدعو على الَّذين قتَلوا القُ رَّاءَ أصحابَ بِئرِ مَعونةَ بعدَ الركوعِ، ثُم ترَكَه لمَّا جاؤُوا تائِبين مُسلِمين (2). (1) (ارْتُثَّ): أي: حمُل من المعركة مثخنًا ضعيفًا (2) أخرجه البخاري1002)، ومسلم677.)
عدد الصفحات ٣٠٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |313 12- فصل [ وقد تقدَّم أن أبا سفيانَ قال عندَ انصرافِه مِن أحدٍ: موعدُكم وإيانا العامَ القابلَ بدرٌ، فلما كان شعبانُ من العامِ القابلِ خرَجَ رسول الله ﷺ لموعدِه في ألف وخمس مئة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءَه عليُّ بنُ أبي طالب، واستخلَفَ على المدينةِ عبدَ الله بنَ رواحة، فانتهى إلى بدرٍ، فأقام بها ثمانيةَ أيامٍ ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكةَ، وهم ألفانِ ومعهم خمسون فرسًا، فلما انتهَ وا إلى مر الظهران -مرحلةٍ من مكةَ - قال لهم أبو سفيان: إن العامَ عامُ جدبٍ، وقد رأيتُ أني أرجعُ بكم، فانصرفوا راجعين، وأخلفوا الموعدَ، فسُمِّيت هذه بدرَ الموعد، وتُسمَّى بدرَ الثانية. 13- فصل في غَ زوةِ المُ ريسمعِ وكانت في شَعبانَ سنةَ خمسٍ، وسببُها: أنه لما بلَغَه ﷺ أن الحارثَ بنَ أبي ضِِارٍ سيِّدَ بني المُصطلِقِ سار في قومِه ومَن قدَرَ عليه مِن العرَبِ يُريدون حربَ رسولِ الله ﷺ، فندبَ رسولُ الله ﷺ الناسَ، فأَسرَعوا في الخروجِ، وبلغَ الحارثَ بنَ أبي ضِارٍ ومن معَه مسيرُ رسولِ الله ﷺ وقَتْله عينَه الذي كان وجَّهَه ليَأتيَه بخبرَِه وخبرِ المُسلِمين، فخافوا خوفًا شديدًا، وتَفرَّق عنهم مَن كان معَهم من العربِ. ولم يَكُن بينهم قِتالٌ، وإنما أَغار عليهم على الماءِ، فسبَى ذَراريهَّم وأموالهَُم كما في الصحيح: أَغار رسولُ الله ﷺ على بني المُصطلِق وهم غارون... وذكَرَ الحديثَ (1). (1) أخرجه البخاري2541)، ومسلم1730.)
عدد الصفحات ٣٠٤314 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان من جمُلةِ السبيِ جُويريةُ بنتُ الحارثِ سيِّد القومِ، وقَعَت في سهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، فكاتَبَها، فأدَّى عنها رسولُ الله ﷺ وتزوَّجَها. وفي هذه الغزوةِ سقطَ عِقدٌ لعائشةَ فاحتُبِسوا على طلَبِه، وذلكَ أن عائشةَ كانت قد خرَجَ بها رسولُ الله ﷺ معه في هذه الغزوةِ بقُرعةٍ أصابَتْها، وكانت تلكَ عادتَه مع نسائِه، فلماَّ رجَعوا من الغزوةِ نزَلوا في بعض المنازلِ، فخرَجت عائشةُ لحاجتِها ثُم رجَعت، ففقَدَتْ عِقدًا لأختِها كانت أَعارَتهْا إيَّاه، فرجعَتْ تلتمِسُه في الموضعِ الذي فقَدَتْه فيه، فجاء النفرُ الذين كانوا يَرحَلون هودَجَها، فظنُّوها فيه، فحمَلوا الهودجَ ولا يُنكِرون خِفَّته؛ لأنها كانت فتيةَ السنِّ لم يغشَها اللحمُ، فرجَعت عائشةُ إلى مَنازلهِم وقد أَصابَت العِقدَ، فإذا ليس بها داعٍ ولا مجُيبٌ، فقعَدَتْ في المنزِلِ، وظنَّت أنهم سيَفقِدونها فيرَجِعون في طلَبها، فغلَبَتْها عَيناها، فنامت، فلم تَستَيْقِظ إلاَّ بقولِ صفوانَ بنِ المُعطِّ ل: إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجِعونَ، زوجةُ رَسولِ الله ﷺ! وكان صفوانُ قد عرَّس في أخريات الجيش؛ لأنه كان كثيرَ النوم، فلما رآها عرفها، وكان يراها قبلَ نزولِ الحجابِ، فاسترجع، وأناخَ راحلتَه، فقرَّبها إليها، فرَكِبَتْ وما كلَّمها كلمةً واحدةً، ولم تسمَع منه إلا استرجاعَه، ثم سار بها يقودُها حتى قَدِمَ بها، وقد نزلَ الجيشُ في نحرِ الظهيرةِ فلماَّ رأَى ذلكَ الناسُ تَكلَّم كلٌّ منهم بشاكِلته، وما يَليقُ به، ووجدَ الخبيثُ عدوُّ الله ابنُ أبيٍّ مُتنفَّسًا، فتنفَّس من كَرب النِّفاقِ والحسدِ الذي بين ضُلوعِه، فجعلَ يَستحكِي الإفكَ ويَستَوْشيه، ويُشيعه ويُذيعه، ويجَمَعه ويُفرِّقه، وكان أصحابُه يَتقرَّبون إليه به.
عدد الصفحات ٣٠٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |315 فلماَّ قدِموا المدينةَ أفاضَ أهلُ الإفكِ في الحديثِ، ورسولُ ا ﷺ ساكِتٌ لا يَتكلمُ، ثم استَشارَ أصحابَه في فراقِها، فأَشارَ عليه عليٌّ بأن يُفارِقها ويَ أخُذ غيرَها تَلويحًا لا تَصريحًا، وأَشارَ عليه أسامةُ وغيرُه بإِمساكِها، فعليٌّ لمَّا رأَى أن ما قيل مَشكوكٌ فيه أشارَ بترَْك الشكِّ والريبةِ إلى اليَقينِ، وأسامةُ لمَّا علمَ حُبَّ رسولِ الله ﷺ لها ولأبيها وعلِم مِن عِفَّتها وبَراءتهِا وحصانَتِها وديانتِها قال كما قال أبو أيُّوبَ وغيرُه من ساداتِ الصحابةِ لمَّا سمِعوا ذلك: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [16]، وتأمَّل ما في تسبيحِهم لله وتنزيهِهم له في هذا المقامِ من المعرفةِ به، وتنزيهِه عما لا يليقُ به أن يجعلَ لرسولِه وخليلِه وأكرمِ الخلق عليه امرأةً خبيثةً بغيًّا! فإن قيل: فما بالُ رسولِ الله ﷺ توقَّف في أمرِها، وسألَ عنها وبحثَ واستشارَ، وهو أعرفُ بالله وبمنزلتِه عندَه وبما يليقُ به، وهلاَّ قال: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [16]، كما قاله فضلاءُ الصحابةِ؟ فالجواب: أن الله سبحانه أحبَّ أن يُظهرَ منزلةَ رسولِه وأهلِ بيته عندَه وكرامتَهم عليه، وأن يخُرجَ رسولَه عن هذه القضيةِ ويتولىَّ هو بنفسه الدفاعَ والمنافحةَ عنه والردَّ على أعدائِه وذمَّهم وعيبَهم بأمرٍ لا يكونُ له فيه عملٌ ولا يُنسبُ إليه بل يكون هو وحدَه المتوليِّ لذلك الثائرَ لرسولِه وأهلِ بيتِه. وأيضًا فإن رسولَ الله ﷺ كان هو المقصودَ بالأذى والتي رُميت زوجتُه، فلم يكن يليقُ به أن يشهدَ ببراءتهِا مع علمِه أو ظنِّه الظنَ المقاربَ للعلمِ ببراءتها، ولم يظنَّ بها سوءًا قطُّ، وحاشاه وحاشاها؛ ولذلك لما استعذرَ مِن أهلِ الإفكِ قال : «مَن يعذِرني في رجلٍ بَلَغَني أذاه في أهلي، والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد
عدد الصفحات ٣٠٦316 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي »، وكان عندَه من القرائنِ التي تشهدُ ببراءة الصديقةِ أكثرُ مما عندَ المؤمنين، ولكن لكمالِ صبرِه وثباتِه ور فقِه وحسنِ ظنِّه بربِّه وثقتِه بِه، وفىَّ مقامَ الصبرِ والثباتِ وحسنِ الظنِّ بالله حقَّه حتى جاءه الوحيُ بما أقرَّ عينَه، وسرَّ قلبَه وعظَّم قدرَه، وظهر لأمتِه احتفاء ربِّه به واعتناؤُه بشأنِه. ولمَّا جاءَ الوحيُ ببرَاءتهِا أمرَ رسولُ الله ﷺ بمَن صرَّح بالإ فكِ، فحُدُّوا ثمانينَ ثمانينَ، ولم يحَُدَّ الخبيثَ عبدَ الله بن أبيٍّ مع أنه رأسُ أهلِ الإفكِ، فقيل: لأنَّ الحُدودَ تخَفيفٌ عن أهلِها وكفَّارةٌ، والخبيثُ ليس أهلاً لذلكَ، وقد وعَدَه اللهُ بالعذابِ العَظيمِ في الآخِرةِ، فيَكفيه ذلك عن الحدِّ. فجلَدَ مِسطَح بن أُثاثةَ، وحسَّانَ بنَ ثابت، وحمنةَ بنتَ جَحْش، وهؤلاءِ منَ المُؤمِنين الصادِقين تَطهيرًا لهم وتَكفيرًا. 14- فصل في غزوة الخَ ندَ ق وكانت في سنةِ خمسٍ من الهِجرةِ في شوَّالٍ، وكان سببُ غزوةِ الخندقِ أن اليهودَ لمَّا رأَوْا انتصارَ المُشرِكين على المُسلِمين يو مَ أحُدٍ، وعلِموا بميعاد أبي سُفيانَ لغزوِ المسلِمين، فخرجَ لذلكَ، ثُم رجعَ للعامِ المقبلِ خرجَ أشرافُهم كسلامِ بن أبي الحُقيقِ، وسلام بن مِشكَمٍ، وكِنانةَ بنِ الربيعِ، وغيرهم إلى قريشٍ بمكةَ يحُرِّضونهم على غزوِ رسولِ الله ﷺ ويُؤلِّبونهم عليه، ووعَدوهم من أنفُسِهم بالنصرِ لهم، فأَجابَتْهم قريشٌ، ثُم خرَجوا إلى غطَفانَ، فدعَوْهم، فاستجابوا لهم، ثُم طافوا في قبائلِ العربِ يَدعونهَم إلى ذلك، فاستجابَ لهم منِ استجابَ، فخرَجَت قريشٌ
عدد الصفحات ٣٠٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |317 وقائِدُهم أبو سُفيانَ في أربعةِ آلافٍ، ووافَتْهم بنو سليم بمرِّ الظهرانِ، وخرجَ تْ بنو أسد وفزارةُ وأشجعُ وبنو مرَّة، وجاءت غطفانُ وقائدُهم عيينةُ بن حصن، وكان مَن وافىَ الخَندَق من الكُفَّار عشرةُ آلافٍ. فلماَّ سمِعَ رسولُ الله ﷺ بمَسيرِهم إليه استَشارَ الصحابةَ، فأَشارَ عليه سَلمانُ الفارسيُّ بحفرِ خَندقٍ يحَولُ بين العدوِّ وبين المدينةِ، فأَمَرَ به رسولُ الله ﷺ، وخرجَ رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ آلافٍ من المُسلِمين، فتَحصَّن بالجبَلِ من خلفِه، وبالخندقِ أمامَه. وأمَرَ النبيُّ ﷺ بالنساءِ والذرارِيِّ فجُعِلوا في آطامِ المدينةِ، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ. وانطلَق حُييُّ بن أخطبَ إلى بَني قُريظةَ فدَنا من حِصنِهم، فأبَى كعبُ بن أسَدٍ أن يَفتَحَ له، فلم يَزَلْ يُكلِّمه حتى فتَحَ له، فلم يَزَلْ به حتَّى نقَضَ العهدَ الذي بينَه وبين رسولِ الله ﷺ، ودخلَ مع المُشرِكين في محُاربتِه، فسرَُّ بذلك المُشرِكون، وشرَطَ كعبٌ على حُيي أنه إن لم يظفروا بمحمدٍ أن يجيءَ حتى يدخل معه في حصنِه، فيُصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ذلك، ووفىَّ له به. وبلغَ رسولَ الله ﷺ خبرُ بني قُريظةَ ونَقْضُهم للع هدِ، فعظُمَ ذلك على المُسلِمين، فقال رسولُ الله ﷺ عِند ذلك: «اللهُ أَكْبََُ، أَبْشَُِوا يَا مَعْشَََ المُسْلِمِينَ »، واشتَدَّ البلاءُ، ونجَمَ النفاقُ (1)، واستأذنَ بعضُ بني حارثةَ رسولَ ا ﷺ في الذَّهابِ إلى المدينةِ، وقالوا: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾ [ 13]، وهَمَّ بنو سلمةَ بالفشلِ، ثم ثبَّتَ الله الطائفت (1) أي: ظهر وطلع
عدد الصفحات ٣٠٨318 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأقامَ المُشرِكون محُاصرِين رسولَ الله ﷺ شهرًا، ولم يَكُن بينهم قتالٌ لأجلِ ما حالَ الله به من الخَندقِ بينهم وبين المُسلِمين، إلاَّ أن فَوارسَ من قُريشٍ منهم عَمرُو بنُ عبدِ ودٍّ، وجماعة م عه أَقبَلوا نحوَ الخندقِ، فلماَّ وقَفوا عليه قالوا: إن هذه مَكيدةٌ ما كانت العربُ تَعرِفها، ثُم تَيمَّموا مكانًا ضيقًا من الخندقِ، فاقتَحَموه، وجالت بهم خيلُهم في السبخةِ بين الخَندقِ وسَلْعٍ، ودعَوْا إلى البرازِ، فانتدبَ لعَمرٍو عليُّ بن أبي طالبٍ ، فبارَزَه، فقتَلَه اللهُ على يدي عليٍّ، وكان من شُجعانِ المُشرِكين وأبطالهِم، وانهزَمَ الباقون إلى أَصحابهِم، وكان شِعارُ المُسلِمين يومئِذٍ: «حم لا يُنصرَون ». ولما طالَتْ هذه الحالُ على المسلمين أراد رسولُ الله ص ﷺ أن يصالحَ عيينةَ بنَ حصن والحارثَ بن عوف رئيسي غطفان، على ثلثِ ثمارِ المدينة، وينصرفا بقومِهما، وجرَت المراوضةُ على ذلك، فاستشار السعدَيْنِ في ذلك، فقالا: يا رسولَ الله إن كان الله أمرَك بهذا فسمعًا وطاعةً، وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجةَ لنا به، لقد كنا نحن وهؤلاء القومُ على الشركِ بالله و عبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلا قرًى أو بيعًا، فحين أكرَمَنا الله بالإسلامِ وهدانا له وأعزَّنا بك نُعطيهم أموالنا؟! والله لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّب رأيهَما، وقال: «إنما هو شيءٌ أصنعُه لكم؛ لما رأيتُ العربَ قد رمَتْكم عن قوسٍ واحدةٍ ». ثُم إن اللهَ -وله الحمدُ- صنَع أمرًا من عِندِه خذَلَ به العدوَّ، وهزَم به جمُوعَهم، وفلَّ حَدَّهم، فكان ممَِّا هيَّأ من ذلك أن رجُلاً من غطَفانَ يُقال له: نُعيمُ بنُ مسعودِ بنِ عامِرٍ جاء إلى رسولِ ا ﷺ، فقال: يا رَسولَ الله، إني
عدد الصفحات ٣٠٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |319 قد أَسلَمْت، فمُرْ ني بما شِئْت. فقال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّماَ أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذ لْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الحَْرْبَ خَدْعَةٌ »(1). فذهب مِن فورِه ذلك إلى بني قريظةَ، وكان عشيرًا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامِه، فقال: يا بني قريظةَ، إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصةً انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادِهم راجعين وتركوكم ومحمدًا، فانتقَمَ منكم، قالوا: فما ا لعملُ يا نعيمُ؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يُعطُوكم رهائنَ، قالوا: لقد أشرتَ بالرأي، ثم مضَ على وجهِه إلى قريشٍ، فقال لهم: تعلمون ودِّي ونصحِي لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهودَ قد ندمُوا على ما كان منهم من نقضِ عهدِ محمدٍ وأصحابِه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون م نكم رهائنَ يدفعونها إليه، ثم يُمالِئونه عليكم، فإن سألوكم رهائنَ فلا تُعطوهم، ثم ذهبَ إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فلما كانت ليلةُ السبتِ مِن شوالٍ بعثوا إلى اليهودِ: إنَّا لسنا بأرضِ مقامٍ، وقد هلكَ الكراعُ والخفُّ، [ بنا حتى نناجزَه، فأرس لوا إليهم: إن اليومَ يومُ السبت، وقد عَلِمتم ما أصاب مَن قبلنا حينَ أحدثوا فيه، ومع هذا فإنَّا لا نقاتلُ معكم حتى تَبعَثوا إلينا رهائنَ، فلما جاءَتهْم رسلُهم بذلك قالت قريشٌ: صدقَكم والله نُعيم، فبعثوا إلى يهود: إنَّا والله لا نرسلُ إليكم أحدًا، فاخرُجوا معنا حتى نناجز محمدًا، فقالت قريظُة: صدقَكم والله نُعيم، فتخاذَلَ الفريقانِ. (1) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية 2/229، وابن سعد في الطبقات 4/209، والطبري في تاريخه 2/577.
عدد الصفحات ٣١٠