278 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الله ﷺ وكبر أصحابُه، ونهضوا إليه، فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهِم يرمون بالنبلِ والحجارةِ، واعتزلَتْهم قريظةُ، وخانهم ابنُ أبيٍّ وحلفاؤُهم مِن غطفان. فحاصرََهم رسول الله ﷺ، وقطعَ نخلَهم وحرَّق ، فأرسلوا إليه: نحن نخرجُ عن المدينةِ، فأنزلهَم على أن يخَرجوا عنها بنفوسِهم وذراريهم، وأن لهم ما حملَتِ الإبلُ إلا السلاحَ، وقبض النبي ﷺ الأموالَ والحلقةَ. وكانت بنو النضير خالصةً لرسولِ الله ﷺ لنوائبِه ومصالحِ المسلمين، ولم يخمِّسها؛ لأن الله أفاَءها علي ه، ولم يُوجف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركابٍ. 33- فصل [ وأما قريظةُ فكانت أشدَّ اليهود عداوةً لرسولِ ا ﷺ، وأغلظَهم كفرًا؛ ولذلك جرى عليهم ما لم يجَرِ على إخوانهِم. وكان سببُ غزوِهم أن رسولَ الله ﷺ لما خرجَ إلى غزوةِ الخندقِ والقومُ معه صُلْحٌ، جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارِهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ الدهر، جئتُكم بقريشٍ على سادتهِا، وغطفان على قادتهِا، وأنتم أهلُ الشوكةِ والسلاحِ، فهلُمَّ حتى نناجزَ محمدًا ونفرغ منه، فقال له رئيسُهم: بل جئتن ي والله بذلِّ الدهرِ، جئتني بسحابٍ قد أراق ماءَه، فهو يرعدُ ويبرقُ، فلم يزل حيي يخُادِعه ويمنِّيه ويَعِدُه حتى أجابه بشرطِ أن يدخلَ معه في حصنِه يُصيبه ما أصابهَم، ففعل، ونقضوا عهدَ رسول الله ﷺ، فبلغ رسولَ الله ﷺ الخبرُ، فأَرسلَ يستعلمُ الأمرَ، فوجدَهم قد نقضوا العهدَ، فكبرَّ وقال: «أبشَِوا يا معشََ المسلمين».
عدد الصفحات ٢٧٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |279 فلما انصرَفَ رسولُ ا ﷺ إلى المدينةِ لم يكن إلاَّ أن وضعَ سلاحَه، فجاءه جبريلُ فقال: «أوضعتَ السلاحَ، إن الملائكةَ لم تضع أسلحتَها، فانهَض بمن معك إلى بني قريظةَ، فإني سائرٌ أمامَك أزلزلُ بهم حصونهَم، وأقذفُ في قلوبهِم الرعبَ، فسار جبريلُ عليه السلام في موكبِه من الملائكةِ، ورسولُ الله ﷺ على أثرِه في موكبِه من المهاجرين والأنصارِ، ونازل حصو نَ بني قريظةَ، وحصرَهم خمسًا وعشرين ليلةً. ثم إنهم نَزلوا على حكمِ رسول الله ﷺ فقامت إليه الأوسُ فقالوا: «يا رسولَ الله، قد فعلتَ في بني قَيْنُقاع ما قد علمتَ وهم حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسِن فيهم، فقال: «ألا تَرضون أن يُكمَ فيهم رجلٌ منكم »؟ قالوا: بلى، قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ»، قالوا: قد رضينا، فأرسلَ إلى سعدِ بن معاذ، وكان في المدينةِ لم يخَرج معهم لجرحٍ كان به، فأُركب حمارًا، وجاء إلى رسولِ الله ﷺ. فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال للصحابةِ: «قومُوا إلى سيدكم »، فلما أنزلوه قالوا: يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمِك، قال: وحكمي نافذٌ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: على مَن هاهنا وأعرض بوجهِه وأشار إلى ناحيةِ رسولِ الله ﷺ إجلالاً له وتعظيماً؟ فقال: «نعم، وع»، فقال فإني أحكمُ فيهم أن يُقتلَ الرجالُ، وتُسبى الذريةَ، وتُقسم الأموالُ، فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله مِن فوق سبعِ سماوات ». فهذا حكمُه في يهود المدينةِ، وكانت غزوةُ كلِّ طائفةٍ منهم عقبَ كلِّ غزوةٍ من الغزواتِ الكبارِ، فغزوةُ بني قَيْنُقاع عقبَ بدر، وغزوةُ بني النضيرِ عقبَ أحدٍ،
عدد الصفحات ٢٨٠281 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وغزوةُ بني قريظةَ عقبَ الخندقِ. وأما يهود خيبر فسيأتي ذكرُ قصتِهم إن شاء الله تعالى. 34- فصل [هديه ﷺ إذا صالح قوما فنقض بنعضُه عهدَه ] وكان هديُهﷺ أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضُهم عهدَه وصلحه، وأقرهم الباقون ورضوا به، غزا الجميعَ، وجعلهم كُلَّهم ناقضين، كما فعل بقريظةَ والنضيرِ وبني قَينُقاعَ، وكما فعل بأهلِ مكةَ، فهذه سُنَّتُه في أهل العهدِ، وعلى هذا ينبغي أن يجريَ الحكم في أهلِ الذمَّةِ. 35- فصل [ه ﷺ فمدن حار من دخلَ معه في عقدِه من الرفارِ ] وكان هديُه وسنتُه إذا صالح قومًا وعاهدهم، فانضاف إليهم عدوٌّ له سواهم، فدخلوا معهم في عقدِهم، وانضاف إليه قومٌ آخرون، فدخلوا معه في عقدِه، صار حكمُ من حارب من دخلَ معه في عقدِه من الكفارِ حُكمَ من حاربه، وبهذا السبب غزا أهلَ مكةَ. 36- فصل [ ﷺ في معامل الرسل والوفاء بنعهد بصحابنه وكانت تَقدُم عليه رسلُ أعدائه، وهم على عداوته، فلا يهُيِّجُهم ولا يقتلُهم. وكان هديُه أيضا ألا يحَبسَ الرسولَ عنده إذا اختار دينَه، فلا يمنعه من اللحاقِ بقومِه، بل يردُّه إليهم كما فعل مع أبي رافعٍ.
عدد الصفحات ٢٨١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |280 وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابِه على عهد لا يَ بالمسلمين من غير رضاه، أمضاهُ لهم، كما عاهدوا حُذيفةَ وأباه الحُسَيل ألا يقاتلاهم معه ﷺ، فأمضَ لهم ذلك وقال لهما: «انصِفا، نفِي لهم بعهدِهم، ونستعينُ الله عليهم »(1). 37- فصل [هديه ﷺ في عقدِ الذمَّ ِ وبهلِ اجوزي ِ ] وأما هديُه في عقدِ الذمَّةِ وأهلِ الجزيةِ فإنه لم يأخذ من أحدٍ من الكفارِ جزيةً إلا بعد نزولِ (براءة) في السنةِ الثامنةِ، فلما نزلت آيةُ الجزية أخذها ﷺ مِن ثلاثِ طوائفَ: من المجوسِ، واليهودِ، والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام. فقيل: لا يجوزُ أخذُها من كافرٍ غيرِ هؤلاء، وقيل: بل تُؤخذُ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم كعبدة الأصنامِ من عجمٍ دون العربِ. وأصحابُ القولِ الثاني يقولون: إنما لم يأخُذها من مشركي الع ربِ؛ لأنها إنما نَزلَ فرضُها بعدَ أن أسلمت دارةُ العربِ ولم يبقَ فيها مشركٌ، فإنها نزلَتْ بعدَ فتح مكةَ ودخولِ العربِ في دين الله أفواجًا. ومن تأمَّل السيرَة وأيامَ الإسلام عَلِمَ أن الأمرَ كذلك، وعلى ذلك تدلُّ سنةُ رسولِ الله ﷺ، كما ثبت عنه في «صحيح مسلم» أنه قال«إذا لقيتَ عدوَّك من المشَكين، فادعُهم إلى إحدى خِلالٍ ثلاث، فأيَّتَهن أجابوك إليها، فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم »، ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام، أو الجزيةَ، أو يقاتلَهم (2). (1) أخرجه مسلم1787.) (2) أخرجه مسلم1731.)
عدد الصفحات ٢٨٢282 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 36- فصل في ترتمبِ سماق هديِه ﷺ مع الرفارِ والمنافقين من حين بنُعث إلى حينِ لق الله أول ما أَوحى إليه ربُّه تبارك وتعالى: أن يقرأَ باسم ربِّه الذي خلق، وذلك أوَّلُ نبوتِه، فأمَرَه أن يقرأَ في نفسِه، ولم يأمُرْه إذ ذاك بتبليغٍ، ثم أنزل عليه: ﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ [1-2]، فنبأه بقولِه: ﴿ ﭻ ﴾، وأرسله بـ: (ﮬ ﮭ ﮮ) [1]. ثم أمره أن يُنذرَ عشيرتَه الأقربين، ثم أنذرَ من حولهَم من العربِ، ثم أنذرَ العربَ قاطبةً، ثم أنذرَ العالمين فأقامَ بضعَ عشرةَ سنةً بعد نبوَّتِه ينذر بِغيرِ قتالٍ ولا جزيةٍ ويأمرُ بالكفِّ بالصبر والصفحِ. ثم أَذنَ له في الهجرةِ، وأَذن له في القتالِ، ثم أمره أن يُقاتلَ من قاتله، ثم أمره بقتالِ المشركين حتى يكونَ الدينُ كُلُّه لله. ثم كان الكفارُ معه بعد الأمرِ بالجهادِ ثلاثةَ أقسامٍ: أهلُ صلحٍ، وأهلُ حرب، وأهلُ ذمَّةٍ، فأُمر بأن يُتمَّ لأهل العهد عهدَهم ما است قاموا، فإن خاف منهم خيانةً نَبذَ إليهم عهدَهم، ولم يقاتِلهم حتى يُعلمَهم بنبذِ العهدِ، وأُمر أن يُقاتلَ من نقض عهدَه. ثم آلت حالُ أهلِ العهد والصلحِ إلى الإسلامِ، فصاروا معه قسمين: محُاربين، وأهلِ ذمَّة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهلُ الأرضِ معه ثلاثةَ أقسامٍ: مسلمٌ مؤمن به، ومسالمٌ له آمن، وخائفٌ محاربٌ.
عدد الصفحات ٢٨٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |283 وأما سيرتُه في المنافقين، فإنه أُمر أن يَقبلَ منهم علانيتَهم، وأن يجاهدَهم بالعلم والحُجَّةِ، وأُمر أن يُعرضَ عنهم، ويُغلِظَ عليهم، وأن يبلغ بالقولِ البليغ إلى نفوسِهم، ونهُي أن يصلي عليهم، وأن يقومَ على قبورِهم، وأُخبرَ أنه إن استغفرَ لهم أو لم يستغفر لهم فلن يَغفر الله لهم. وأما سيرتُه مع أوليائه وحزبِه فأُمر أن يصبرَ نفسَه مع الذين يدعون ربهَّم بالغداةِ والعشِِّ يريدون وجهَه، وألا تعدُوَ عيناه عنهم، وأُمر أن يعفُوَ عنهم، ويستغفرَ لهم، ويشاورَ هم في الأمرِ، وأن يصليَِّ عليهم. وأُمر بهجرِ من عصاه وتخلَّفَ عنه حتى يتوبَ. وأُمر أن يُقيمَ الحدودَ على من أتى مُوجباتهِا منهم، وأن يكونوا في ذلك عنده سواءً شريفُهم ودنيهم. وأُمر في دفع عدوِّه من شياطين الإنسِ، بأن يدفعَ بالتي هي أحسنُ، وأُمر في دفع عدوِّ ه من شياطين الجنِّ بالاستعاذة بالله منهم.
عدد الصفحات ٢٨٤284 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد [: كتافي سِ ماقِ مَغازيهِ وبنُ عوثِ هِ على وَ جْه الاختِ صارِ 1- [فصل في بول لواء لواء حمزة وكان أوَّل لِواء عقَدَه رسولُ الله ﷺ لحمزةَ بنِ عبد المُطَّلب في شهرِ رمضانَ، على رأسِ سبعةِ أشهُرٍ من مُهاجَرِه، وكان لواءً أبيضَ، وكان حامِلُه أبا مَرثَد كنازَ بنَ الحُصَينْ الغَنَويَّ حليفَ حمَزةَ، وبعثَه في ثلاثينَ رجُلاً منَ المُهاجِرين خاصةً، يَعترِض عِيرًا لقُريشٍ جاءت منَ الشامِ، وفي ها أبو جَهْل بنُ هِشامٍ في ثلاثِمئة رجُل، فبلَغوا سِيف البحرِ من ناحية العيصِ، فالْتَقَوْا واصطَفُّوا للقِتال، فمشَى مجَديُّ بن عَمرٍو الجُهنيُّ، وكان حليفًا للفَريقين جميعًا، بين هؤلاءِ وهؤلاءِ، حتَّى حجَز بينهم ولم يَقتَتِلوا. 2- فصل [ ثُم غَزا بنَفسِه غَزوةَ الأبواءِ، ويُقال لها: ودَّان، وهي أوَّل غَزوةٍ غَزاها بنَفْسه، وكانت في صَفَر على رأسِ اثنَيْ عشرَ شهرًا من مُهاجَره، وحمَل لِواءَه حمزةُ بنُ عبد المطلِبِ، وكان أبيضَ، واستَخلَف على المدينةِ سعدَ بنَ عُبادةَ، وخرَج في المُهاجِرين خاصةً يَ عترَِض عيرًا لقُرَيْش، فلم يَلقَ كيدًا. 3- فصل [ ثُم خرجَ رسولُ ا ﷺ في جمُادَى الآخِرةِ على رأسِ ستَّةَ عشرَ شهرًا، وحمَل لِواءَه حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ، وكان أبيضَ، واستَخلَف على المدينةِ أبا سلَمةَ بن عبدِ
عدد الصفحات ٢٨٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |285 الأسَدِ المَخزوميَّ، وخرجَ سين ومِئةٍ، ويُقال: في مِئتين منَ المُهاجِرين، ولم يُكرِهْ أحدًا على الخُروجِ، وخرَجوا على ثلاثين بَعيرًا يَعتَقِبونها، يَعترَِضون عيرًا لقُريشٍ ذاهِبةً إلى الشامِ، وقد كان جاءَه الخبرُ بفُصولها من مكَّةَ فيها أموالٌ لقُريشٍ، فبلغَ ذا العُشيرةِ، وهي بناحي ةِ يَنبُعَ، وبين يَنبُعَ والمدينةِ تِسعةُ بُرُد، فوجَد العِيرَ قد فاتَتْه بأيَّامٍ، وهذه هي العِيرُ الَّتي خرَج في طلَبها حين رجَعَت من الشامِ، وهي الَّتي وعَدَه اللهُ إيَّاها، أو المُقاتَلة، وذات الشَّوْكة، ووفىَّ له بوعدِهِ. 4- فصل [ ثُم بعثَ عبدَ الله بنَ جَحْش الأسديَّ إلى نَخلةَ في رجَبٍ، على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا من الهِجرةِ، في اثنَيْ عشرَ رجلاً من المُهاجِرين، كلُّ اثنَينْ يَعتَقِبان على بَعيرٍ، فوصَلوا إلى بطنِ نخلةَ يَرصُدون عيرًا لقُريشٍ، فمرَّتْ به عيرٌ لقُريشٍ تحَمِل زَبيبً ا وأدمًا وتِِارة فيها عمرُو بنُ الحَضْميِّ، وعُثمانُ ونوفلٌ: ابنا عبد الله بنِ المُغيرةِ، والحكَمُ بنُ كيسانَ مَولىَ بني المُغيرةِ، فتَشاوَر المُسلِمون، وقالوا: نحنُ في آخر يومٍ من رجَبٍ الشهرِ الحرامِ، فإن قاتَلْناهم انتَهَكْنا الشهرَ الحرامَ، وإن ترَكْنا هم الليلةَ دخَلوا الحرَمَ، ثُم أَجمَعوا على مُلاقاتهِم، فرمَى أحَدُهم عمرَو بنَ الحَضْميَّ فقتَلَه، وأَسرَوا عُثمانَ والحَكَمَ، وأَفلَتَ نَوفلٌ، ثُم قدِموا بالعِير والأَسيرَيْن، وقد عزَلوا من ذلِك الخُمُسَ، وهو كان أوَّل خمُُس كان في الإسلامِ، وأوَّل قَتيل في الإِسلام، وأوَّل أَسيرَيْن في الإسلامِ، وأَنكَر رَسولُ الله ﷺ عليهم ما فعَلُوه.
عدد الصفحات ٢٨٦286 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد واشتَدَّ تَعنُّتُ قريشٍ وإنكارُهم ذلك، وزعَموا أنهم قد وجَدوا مَقالاً، فقالوا: قد أحَلَّ محُمَّدٌ الشهرَ الحرامَ، واشتَدَّ على المُسلِمين ذلك، حتى أَنزَل الله تعالى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ [ 217]، والمقصود: أن الله سبحانه حكمَ بينَ أوليائِه وأعدائِه بالعدلِ والإنصافِ، ولم يبرِّئ أولياءَه من ارتكابِ الإثمِ بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أَخبرَ أنه كبيرٌ، وأنَّ ما عليه أعداؤه الم شركون أكبرُ وأعظم مِن مجرد القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعقوبةِ، لاسيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهِم ذلك، أو مقصرِّين نوعَ تقصيرٍ يغفِرُه الله لهم في جنبِ ما فعلوه من التوحيدِ والطاعاتِ والهجرةِ مع رسولهِ وإيثارِ ما عندَ الله . 5- فصل [ ولما كان في شعبانَ مِن هذه السنةِ حُوِّلت القبلةُ، وقد تقدَّم ذكرُ ذلك 6- فصل في غَ زوةِ بنَدْرٍ الرُ برَى فلماَّ كانَ في رمضانَ من هذه السنةِ بلغَ رسولَ الله ﷺ خبرُ العيرِ المُقبلةِ منَ الشامِ لقريشٍ صحبةَ أبي سُفيانَ، وهي العيرُ التي خرَجوا في طلَبها لمَّا خرَجت من مكةَ، وكانوا نحوَ أربَعين رجلاً، وفيها أموالٌ عظيمةٌ لقريشٍ، فندَب رَسولُ الله ﷺ الناسَ للخروجِ إليها، وأمَرَ مَن كان ظهرُه حاضًِا بالنُّهوض، ولم يحَ تفِل لها احتِفالاً بليغًا؛ لأنه خرَج مُسرعًا في ثلاثِمِئةٍ وبضعةَ عشرَ رجلاً، ولم يكُن معهم منَ
عدد الصفحات ٢٨٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |287 الخيلِ إلاَّ فرَسانِ: فرَس للزُّبيرِ بنِ العوَّامِ، وفرَس للمِقدادِ بنِ الأسودِ الكِنديِّ، وكان معهم سَبعون بَعيرًا يَعتقِب الرجُلانِ والثلاثةُ على البعيرِ الو احدِ، فكان رسولُ الله ﷺ وعليٌّ ومَرثَدُ بن أبي مَرثَدٍ الغنويُّ يَعتَقِبون بعيرًا. واستَخلَف على المدينةِ وعلى الصلاةِ ابنَ أُمِّ مَكتومٍ، فلماَّ كان بالرَّوْحاءِ ردَّ أبا لُبابةَ بن عبدِ المُنذرِ، واستَعمَله على المَدينةِ، ودفعَ اللِّواءَ إلى مُصعَبِ بنِ عُميرٍ. وأمَّا أبو سفيانَ، فإنه بلَغه مخَرَجُ رسولِ الله ﷺ وقَصْدُه إيَّاه فاستأجرَ ضَمضمَ بنَ عَمرٍو الغِفاريَّ إلى مكةَ مُستصرِخًا لقُريش بالنَّفيرِ إلى عِيرهم؛ ليَمنَعوه من محُمدٍ وأَصحابِه، وبلَغ الصريخُ أهلَ مكةَ، فنهَضوا مُسرِعين وأَوعَبوا في الخُروجِ ، ولم يَتَخلَّف من أَشرافِهم أحَدٌ سِوى أبي لهََب، فإنه عوَّض عنه رجُلاً كان له عليه دَيْن، وحشَدوا فيمَن حولهَم من قبائِل العرَب، ولم يَتخلَّف عنهم أحَدٌ من بُطون قُريشٍ إلاَّ بَني عَديٍّ، فلم يخَرُج معهم مِنهم أحدٌ، وخرَجوا من دِيارهم كما قال الله تعالى: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴾ [47]. ولمَّا بلَغ رَسولَ ا ﷺ خروجُ قُريشٍ استَشارَ أصحابَه، فتَكلَّم المُهاجِرون فأَحسَنوا، ثُم استَشارَهم ثانِيًا، فتَكلَّم المُهاجِرون فأَحسَنوا، ثُم استَشارَ ثالِثًا، ففهِمَتِ الأنصارُ أنه يَعنِيهم، فبادَرَ سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رَسولِ الله، كأنَّك تُعرِّض بِنا؟ وكان إنما يَعنِ يهم لأنهَّم بايَعوه على أن يَمنَعوه من الأسودِ والأحمرِ في دِيارِهم، فلماَّ عزَم على الخروجِ استَشارَهم ليَعلَم ما عِندَهم، فقال له سعدٌ: لعلَّكَ تخَشَى أن تَكون الأنصارُ تَرَى حقًّا عليها ألاَّ يَنصرُوك إلاَّ في دِيارِها، وإني أَقول عنِ الأَنصارِ وأُجيبُ عنهم: فاظْعَنْ حيثُ شِئْتَ، وصِلْ حبلَ مَن شِئتَ، واقطَعْ حَبْلَ مَن شِئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، وأَعطِنا ما شِئْتَ، وما أخَذْتَ مِنَّا كان
عدد الصفحات ٢٨٨288 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد أحبَّ إلينا ممَِّا ترَكْت، وما أَمَرْتَ فيه من أَمْر فأمرُنا تَبَعٌ لأمرِكَ، فواللهِ لئِنْ سرِْت حتى تَبلغَ البركَ من غِمدان لنَسيرَنَّ معكَ، وواللهِ لئِنِ استَعرَضْتَ بنا هذا البحرَ خُضناهُ معكَ؛ فأَشرَق وجهُ رسولِ الله ﷺ، وسرَُّ بما سمِعَ من أصحابِه، وقال: «سِيرُوا وَأَبْشَُِوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَني إِحْدَى الطائِفَتَينِْ، وَإِني قَدْ رَأَيْتُ مَصارِعَ القَوْمِ ». فسار رسولُ ا ﷺ إلى بدرٍ، وخفض أبو سفيانَ فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العيرَ كتبَ إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيرَكم، فأتاهم الخبرُ وهم بالجحفة فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نقدمَ بدرًا، فنقيمُ بها، ونطعمُ مَن حضْنا مِن العربِ، وتخافنا العربُ بعد ذلك، فأشار الأخنسُ بنُ شريق عليهم بالرجوع، فعصَوه، فرجع هو وبنو زهرةَ، فلم يشهد بدرًا زهريٌ، فاغتبطت بنو زهرةَ بعدُ برأي الأخنسِ، فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّماً، وأرادت بنو هاشم الرجوعَ، فاشتدَّ علي هم أبو جهل، وقال: لا تُفارِقنا هذه العصابةُ حتى نرجع وساروا. وسار رسولُ الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياهِ بدرٍ، فقال: «أَشيروا عليَّ في المنزلِ »، فقال الحبابُ بنُ المنذر: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن نسير إلى قُلُبٍ قد عرفناها فهي كثيرةُ الماء عذبةٌ، فننزلُ عليها ونسبقُ القومَ إليها ونغوِّر ما سواها من المياه. فسبَقَ رَسولُ الله ﷺ والمسلمون إلى الماءِ، فنزَلوا عليه شَطْرَ الليلِ، وصنَعوا الحِياضَ، ثُم غوَّروا ما عَداها من المياهِ، ونزَلَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه على
عدد الصفحات ٢٨٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |289 الحِياض، وبُنِيَ لرسولِ ا ﷺ عريشٌ يَكون فيها على تَلٍّ يُشرِف على المَعرَكةِ، ومشَى في موضِعِ المَعركةِ، وجعَل يُشيرُ بيدِه: «هذا مَصَِعُ فُلانٍ، وهَذا مَصَِعُ فُلانٍ، وهَذا مَصَِعُ فُلانٍ إن شاءَ اللهُ »، فما تَعدَّى أحَدٌ مِنهم مَوضِعَ إشارتِه (1). فل طلَع المُشرِكون، وتَراءَى الجَمعانِ، قال رَسولُ الله ﷺ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ ما وَعَدْتَني، اللَّهُمَّ إِني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ »، فالتَزَمه الصِّدِّيقُ من وَرائِه، وقال: يا رَسولَ الله، أَبشرِْ فوالَّذي نَفْسي بيَدِه، ليُنجِزَنَّ اللهُ لكَ ما وعَدَكَ (2). واستَنصرَ المُسلمون اللهَ، واستَغاثوه، وأَخلَصوا له، وتَضَّْعوا إليه، فأَوحَى الله إلى مَلائِكته: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ [12]، وأَوْحَى إلى رَسولِه ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾ [9]. فصل وباتَ رَسولُ الله ﷺ يُصليِّ إلى جِذْع شجَرةٍ هُناكَ، وكانت ليلةَ الجُمعةِ السابِعَ عشرَ من رمَضانَ في السنةِ الثانيةِ، فلماَّ أَصبَحوا أَقبَلت قُريشٌ في كَتائِبها، واصطَفَّ الفَريقانِ، فمشَى حَكيمُ بن حِزامٍ وعُتبةُ بن رَبيعةَ في قُرَيْش أن يَرجِعوا ولا يُقاتِلوا، فأَبَى ذلك أبو جَهْل، وجرَى بينه وبين عُتبةَ كلامٌ أَحفَظَه (3)، وأَمَر أبو جَهْل أخا عَمرو بنِ الحَضْميِّ أن يَطلُب دمَ أخيه عَمرٍو، فكشَف عنِ اسْتِهِ، (1) أخرجه بنحوه مسلم1779 .) (2) أخرجه البخاري2915)، ومسلم1763.) (3) (أَحْفَظَهُ): أغضبه
عدد الصفحات ٢٩٠291 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وصرَخ: واعَمْراهُ، فحَمِيَ القومُ، ونشَبَت الحربُ، وعدَّلَ رَسولُ الله ﷺ الصفوفَ، ثُم رجَعَ إلى العَريش هو وأبو بَكْر خاصَّةً، وقام سَعدُ بن معاذٍ وقومٍ من الأنصارِ على باب العَريشِ يحَْمون رسولَ الله ﷺ. وخرَج عُتبةُ وشَيبةُ ابنا رَبيعةَ، والوليدُ بنُ عُتبةَ، يَطلُبون المُبارَزةَ، فخرَج إليهم ثلاثةٌ من الأَنصارِ: عبدُ الله بنُ رواحةَ، وعوفٌ ومعوِّذٌ ابنا عَفراءَ، فقالوا لهم: مَن أَنتُم؟ فقالوا: منَ الأَنصارِ. قالوا: أَكْفاءٌ كِرامٌ، وإنما نُريد بَني عَمِّنا. فبرَزَ إليهم عليٌّ وعُبيدةُ بن الحارِث وحمزةُ، فقَتَل عليٌّ قِرنَه الوليدَ، وقتَلَ حمزةُ قِرنَه عُتبةَ، وقيل: شَيبةَ. واخ تلَف عُبيدةُ وقرنُه ضَِْبَتَينْ، فكَرَّ حمزةُ وعليٌّ على قِرنِ عُبيدةَ، فقتَلاه واحتَمَلا عبيدةَ وقد قُطِعَت رِجْله، فلم يَزَلْ ضَمِنًا (1) حتى مات بالصَّفراءِ فصل ولمَّا رأَى المُنافِقون ومَن في قلبِه مرَضٌ قِلَّة حزبِ الله وكثرةَ أعدائِه، ظنُّوا أن الغلَ بةَ إنما هي بالكَثرةِ، فقالوا: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﴾ [49]، فأَخبرَ سبحانَه أن النصرَ بالتوكُّلِ عليه لا بالكَثْرة، ولا بالعدَدِ، واللهُ عزيزٌ لا يُغالَب. ولمََّا دَنا العدوُّ وتواجَه القومُ قامَ رسولُ الله ﷺ في الناسِ، فوعَظَهم، وذكَّرَهم بما لهُم في الصبرِ والثباتِ من النَّصرِْ والظفرِ العاجِلِ، وثوابِ الله عليه الآجلِ. (1) (الضَّمِن):المريض
عدد الصفحات ٢٩١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |290 وأخَذَ رسولُ ا ﷺ مِلءَ كفِّه من الحَصباءِ، فرمَى بها وُجوهَ العدوِّ، فلم تَترُك رجُلاً منهم إلاَّ ملأََت عَيْنيهِ، وشُغِلوا بالترُّابِ في أَعينِهم، وشُغِل المُسلِمون بقَتْلهم، فأَنزَل اللهُ في شأنِ هذه الرميةِ على رَسولِه: ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [17]. ولمَّا برَدَت الحربُ وولىَّ القومُ مُنهزِمين، قال رسولُ ا ﷺ: «مَنْ يَنْظُرُ لَنا ما صَنَعَ أَبو جَهْلٍ؟ » فانطلَقَ ابنُ مَسعود، فوجَدَه قد ضَِبَه ابنا عَفراءَ حتى برَدَ (1)، وأخَذَ بلِحيتِه، فقال: أنت أبو جَهْل؟ فقال: لمَِنِ الدائِرةُ اليومَ؟ فقال: للهِ ولرَسولِه، وهل أَخزاكَ الله يا عَدوَّ الله؟ فقال: وهل فَوقَ رجُلٍ قتَلَه قومُه؟ فقتَلَه عبدُ الله، ثُم أَتَى النبيَّ ﷺ فقال: قتَلْتُه: فقال: «اللهِ الَّذي لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ » فردَّدها ثلاثًا، ثُم قال «الله أكبَُ، الحمدُ لله الذي صدَقَ وعدَه، ونصََِ عبدَه، وهزَمَ الأحزابَ وحدَه، انطَلِقْ فأَرنِيَه »، فانطَلَقْنا فأَرَيْتُه إيَّاه فقال «هَذا فِرعونُ هَذِه الأُمَّة ِ»(2). ولمَّا انقَضَت الحربُ أقبَلَ رَسولُ ا ﷺ حتَّى وقَفَ ع لى القَتْلى، ثُم أمرَ بهم فسُحِبوا إلى قَليبٍ من قُلُب بَدْر، فطُرِحوا فيه، ثُم وقَفَ عليهم، فقال: «يا عُتبةُ بنَ رَبيعةَ، ويا شَيبةُ بنَ رَبيعةَ، ويا فُلانُ، ويا فُلانُ، هَلْ وجَدْتُمْ ما وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًا، فَإِني وجَدْتُ ما وَعَدَني رَبي حَ قًا»، فقال عمرُ بنُ الخطَّاب: يا رَسولَ الله، ما تخُاطِب من أَقوامٍ قد جَيَّفوا؟ فقال: «والَّذي نفسي بيدِه، ما أنتُمْ بأسمعَ لمَِا أَقولُ مِنهم، (1) أي: أوشك على الموت (2) أخرجه البخاري3962)، ومسلم1800)، وأحمد 7/279 (4247.)
عدد الصفحات ٢٩٢292 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولكِنَّهم لا يَستَطيعون الجوابَ »(1)، ثُم أَقام رسولُ ا ﷺ بالعَرَصةِ (2) ثلاثًا، وكان إذا ظهَر على قوم أقامَ بعرَصَتهم ثلاثًا. ثُم ارتحََل مُؤيَّدًا منصورًا، قريرَ العينِ بنَصرْ اللهِ له، ومعه الأُسارَى والمَغانمُ، فلَماَّ كان بالصفراءِ، قسَمَ الغَنائِمَ وضَِب عُنُقَ النضِْ بنِ الحارِث بن كَلَدةَ، ثُم لمَّا نزَل بعرقِ الظَّبيةِ ، ضَِب عُنُق عُقبةَ بنِ أبي مُعَيْط. ودخَل رسول الله ﷺ المَدينةَ مُؤيَّدًا مُظفَّرًا مَنصورًا قد خافَه كلُّ عَدوٍّ له بالمدينة وحولهَا، فأسلَمَ بشرٌَ كثير من أهلِ المَدينةِ، وحينَئِذٍ دخلَ عبدُ الله بن أُبيٍَّ المُنافقُ وأصحابُه في الإسلامِ ظاهِرًا. وجملةُ مَن حضَْ بدرًا مِن المسلمين ثلاثُ مئةٍ وبضعة عشر رجلاً، مِن المهاجرين ستةٌ وثمانون، ومن الأوسِ أحد وستون، ومن الخزرجِ مئة وسبعون، واستُشهِد من المُسلِمين يومئذٍ أربعةَ عشرَ رجُلاً: سِتَّة من المُهاجِرين، وسِتَّة من الخَزرَج، واثنانِ من الأوسِ، وفرَغ رسولُ الله ﷺ من شَأْن بَدْر والأُسارَى في شَوَّالٍ. فصل ولمَّا رجعَ فلُّ (3) المُشرِكين إلى مكةَ مَوْتورين محَزونين نذَر أبو سُفيانَ أ يُمِسَّ رأسَه ماءً حتى يَغزوَ رسولَ الله ﷺ، فخرَج في مِئتي راكِبٍ، حتى أَتَى (1) أخرجه البخاري1370)، ومسلم2873.) (2) (العَرَصة): كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء (3) (الفَلّ): المنهزم
عدد الصفحات ٢٩٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |293 العريضَ في طرفِ المدينةِ، وباتَ ليلةً واحدةً عندَ سلامِ بنِ مِشكَمٍ اليَهوديِّ، فسقاهُ الخمرَ، وبطنَ له من خبرَِ الناسِ، فلما أَصبحَ قطَع أَصوارًا من النخلِ، وقتلَ رجلاً من الأنصارِ وحليفًا له، ثمَّ كرَّ راجعًا، ونذرَ به رسولُ الله ﷺ، فخرَج في طلبِه، فبلغَ قرقرةَ الكدرِ، وفاتَه أبو سُفيانَ، وطرحَ الكُفَّارُ سويقًا كثيرًا من أزوادِهم يَتَخفَّفون به، فأخذَها المُسلمون، فسُمِّيَت غزوةَ السَّويقِ، وكان ذلك بعد بَدْر بشَهْرين. فصل ثُم غزا بني قَينُقاعٍ، وكانوا من يهَود المدينةِ، فنَقَضوا عهدَه، فحاصرََهم خمسَ عشرَ ة ليلةً حتَّى نزَلوا على حُكْمه، فشفَع فيهم عبدُ الله بنُ أبيٍَّ، وألحَّ عليه فأَطلَقَهم له، وهم قومُ عبدِ الله بنِ سلاَمٍ، وكانوا سبعَمِئةِ مقاتِلٍ، وكانوا صاغةً وتَُِّارًا. 7- فصل في غزوةِ بحُ دٍ ولمَّا قتَلَ الله أشرافَ قُريشٍ ببدرٍ، وأُصيبوا بمُصيبةٍ لم يُصابوا بمِثْلها، ورَأَسَ فيهم أبو سُفيانَ بنُ حربٍ لذَهابِ أكابِرِهم، وجاء كما ذَكرنا إلى أطرافِ المدينةِ في غزوةِ السويقِ ولم يَنل ما في نفسِه؛ أخَذَ يُؤلِّب على رَسولَ الله ﷺ وعلى المُسلمين، ويجَ مَع الجموعَ، فجمع قريبًا من ثلاثةِ آلافٍ من قريشٍ والحلفاءِ والأحابيشِ، وجاؤُوا بنِسائِهم لئَلاَّ يَفرُّوا، وليُحاموا عنهن، ثُم أقبلَ بهم نحوَ المدينةِ، وذلك في شوالٍ من السنةِ الثالثةِ.
عدد الصفحات ٢٩٤