المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١٧ من ٣٢

262 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأمَّا المُنافِقون فقالوا: ما يَدرِي محُمَّد أين يَتوجَّهُ، إن كانت الأُولى حقًّا فقَدْ ترَكَها، وإن كانت الثانِيةُ هي الحقَّ فقد كان على باطِلٍ، وكثُرَت أَقاويلُ السُّفَهاء من الناسِ، وكانت كما قال اللهُ تعالى: ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴾ [143]، وكانت محِْنة منَ الله امتَحَن بها عِبادَه ليرََى مَن يَتَّبِع الرَّسول منهم ممَِّن يَنقَلِب على عَقِبَيْه. فصل وأَتَمَّ نِعمتَه عليهم مع القِبلة بأن شرَعَ لهمُ الأذانَ في اليوم واللَّيْلة خمس مرَّات، وزادَهُم في الظُّهْر والعَصرْ والعِشاء رَكعتَينْ أُخرَيَينْ بعد أن كانت ثُنائِيَّة، فكلُّ هذا كان بعد مَقدَمه المَدينة. 16- فصل [ فلماَّ استَقَرَّ رَسولُ ا ﷺ بالمَدينة، وأيَّده الله بنَصرْه بعِباده المُؤمِنين، وألَّف بين قُلوبهم بعد العَداوة، وكان أَوْلى بهم من أَنفُسِهم، رمَتْهمُ العربُ واليَه ودُ عن قَوْس واحِدة، وشمَّروا لهم عن ساقِ العَداوة والمُحارَبة، وصاحوا بهم من كلِّ جانِب، واللهُ سبحانه يَأمُرهم بالصَّبرْ والعَفْو والصَّفْح حتَّى قوِيَت الشَّوْكة، واشتَدَّ الجُناح، فأَذِن لهم حينَئِذٍ في القِتال، ولم يَفرِضْه عليهم، فقال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [39]. ثُم فرض عليهم القتالُ بعد ذلك لمن قاتَلهم دون مَن لم يُقاتلهم فقال ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [190].

عدد الصفحات ٢٦٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |263 ثم فرض عليهم قتالُ المُشركين كافةً، وكان محُرمًا، ثم مَأذونًا فيه، ثم مَأمورًا به لمَن بدَأَهم بالقتالِ، ثُم مأمورًا به لجميعِ المُشركين، إما فرضَ عَينْ على أحَد القولين، أو فرضَ كِفايةٍ على المشهورِ. والتحقيقُ : أن جِنس الجهادِ فرضُ عينٍ إما بالقلبِ، وإما باللسانِ، وإما بالمالِ، وإما باليدِ، فعلى كل مسلمٍ أن يجاهدَ بنوعٍ من هذه الأنواعِ. أما الجهادُ بالنفسِ ففرضُ كِفايةٍ، وأما الج هادُ بالمالِ ففي وجوبِه قولانِ: والصحيحُ وجوبُه؛ لأن الأمرَ بالجهادِ به وبالنفسِ في القرآنِ سواءٌ، كما قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ [41]، وعلق النجاةَ من النيران به ومغفرةَ الذنبِ ودخولَ الجنةِ فقال: ﴿ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ [ 10 - 12]، وأخبرَ أنهم إن فعَلوا ذلك أعطاهُم ما يحُبُّون من النصرِ والفتحِ القريبِ، فقال: ﴿ﯰ ﯱ ﴾ [13] أي: ولكُم خصلةٌ أخرى تحُبُّونها الجهادِ، وهي: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ [13] وأخبرَ سبحانه أنه ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [111] وأَعاضَهم عليها الجنةَ فلْيَتأمَّلِ المعاقدُ مع ربِّه عقدَ هذا التبايعِ، ما أعظمَ خطَرَه وأجلَّهُ! فإن اللهَ  هو المشترِي، والثمنُ جناتُ النعيمِ والفوزُ برضاهُ، والتمتعُ برؤيتِه هناكَ، والذي جرَى على يدِه هذا العقدُ أشرفُ رسلِه وأكرمُهم عليه من الملائكةِ ومن البشرِ، وإن سلعةً هذا شأنهُا لقد هيئَتْ لأمرٍ عظيمٍ وخطبٍ جسيمٍ:

عدد الصفحات ٢٦٤

264 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد لقد حرَّك الداعي إلى اللهِ وإلى دارِ السلامِ النفوسَ الأبيَّةَ، والهممَ العاليةَ وأسمَعَ مُنادي الإيمان مَن كانت له أذُنٌ واعيةٌ، وأسمعَ والله مَن كان حيًّا، فهزَّه السماعُ إلى منازلِ الأبرارِ، وحَدا به في طريقِ سيرِه، فما حطَّت به رحالُه إلاَّ بدارِ القرارِ، فقال: «انتَدَبَ اللهُ لمَِنْ خرَجَ في سَبيلِهِ لا يَُرِجُه إلاَّ إيمانٌ بي وتَصديقٌ برُسُ أن أُرجِعَه بما نالَ مِن أَجْرٍ أو غَنيمةٍ أو أُدخِله الجَنَّةَ، ولولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي ما قعَدْتُ خلفَ سرَيَّةٍ، ولوَدِدْتُ أني أُقتَلُ في سَبيلِ الله ثُم أُحْيا، ثُم أُقتَل ثُمَّ أُحيا، ثُم أُقتَل»(1). وقال«مثَلُ المُجاهِدِ في سبيلِ الله كمَثَلِ الصائِمِ القائِمِ القانِتِ بآياتِ اللهِ يَفترُُ مِن صِيامٍ ولا صَلاةٍ حتَّى يَرجِع المُجاهِدُ في سَبيلِ الله، وقد تَكَفَّل اللهُ للمُجاهِدِ في سَبيلِهِ بأَنْ يَتَوفَّاهُ أن يُدخِلَه الجَنَّةَ، أو يُرجِعَه سالمًِا معَ أَجْرٍ أو غَنيمةٍ »(2). وقال«غَدوةٌ في سَبيلِ الله أو رَوْحةٌ خَيرٌْ منَ الد نْيا وما فيها»(3). وقال«إنَّ في الجَنَّةِ مئةَ درَجةٍ أَعَدَّها اللهُ لِلمُجاهِدينَ في سَبيلِ الله ما بينَ كل درَجَتَينِْ كما بَينَْ السماءِ والأَرضِ، فإِذا سأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلوهُ الفِرْدوسَ، فإنَّه أَوْسَطُ الجَنَّةِ وأَعلى الجَنَّةِ، وفَوقَه عَ رشُ الرَّحمْنِ، ومِنْهُ تُفجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ »(4). (1) أخرجه البخاري36)، ومسلم1876.) (2) أخرجه البخاري2787)، ومسلم1878.) (3) أخرجه البخاري2892)، ومسلم1881.) (4) أخرجه البخاري2790.)

عدد الصفحات ٢٦٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |265 وقال لأبي سعيد «مَن رضَِِ باللهِ ربًا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحمَّدٍ رَسولاً، وجَبَتْ لهُ الجَنَّةُ » فعجِبَ لها أبو سَعيدٍ، فقال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ الله. ففعلَ، ثُم قال رَسولُ الله ﷺ: «وأُخرَى يَرفَعُ اللهُ بها العبدَ مِئةَ درَجةٍ في الجَنَّةِ ما بينَ كل درَجتَينِْ كما بين السماءِ والأرض ِ»، قال: وما هي يا رَسولَ الله؟ قال «الجِهادُ سَبيلِ اللهِ »(1). وقال«مَن أَنفَق زوجَينِْ في سَبيلِ الله، دَعاهُ خزَنةُ الجَنَّةِ كلُّ خزَنةِ بابٍ ، أَيْ عبدَ الله هَلُمَّ، فمَنْ كانَ من أهلِ الصلاةِ، دُعِيَ من بابِ الصلاةِ، ومَن كانَ مِن أهلِ الجِهادِ، دُعِيَ من بابِ الجِهادِ، ومَن كانَ مِن أهلِ الصدَقةِ، دُعِيَ مِن بابِ الصدَقةِ، ومَن كانَ من أَهْلِ الص يامِ، دُعِيَ من بابِ الرَّيَّانِ » فقال أبو بَكْر : بأبي أنتَ وأُمِّي يا رَسولَ الله، ما على مَن دُعِيَ من تِلكَ الأبوابِ من ضَِورة، فهل يُدعَى أحَدٌ من تِلكَ الأبوابِ كلِّها؟ قال: «نعَمْ، وأَرْجو أَنْ تَكونَ مِنْهُم »(2). وقال«مَنِ اغْبَََّتْ قَدَماهُ في سَبيلِ الله حرَّمَهُما اللهُ ع النارِ »(3). وقال«رِباطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ خَيرٌْ مِنَ الدُّنْيا وَما عَلَيْها »(4). وقال«رِباطُ يومٍ ولَيلةٍ خيرٌ من صِيام شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإن ماتَ جرَى علَيْه عمَلُه الَّذي كانَ يَعمَلُهُ، وأُجرِيَ عليهِ رِزْقُه وأَمِنَ الفَتَّانَ »(5). (1) أخرجه مسلم1884.) (2) أخرجه البخاري2841)، ومسلم1027.) (3) أخرجه البخاري907.) (4) أخرجه البخاري2892)، ومسلم1881.) (5) أخرجه مسلم1913.)

عدد الصفحات ٢٦٦

266 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وصحَّ عنه ﷺ: «إنَّ أبوابَ الجَنَّةِ تحَتَ ظِلالِ السُّيوفِ »(1). وصحَّ عنه ﷺ: «مَن قاتَلَ لِتَكونَ كلِمةُ اللهِ هيَ العُلْيا، فهُوَ في سَبيلِ اللهِ »(2). وصحَّ عنه ﷺ: «إِنَّ النارَ أوَّلَ ما تُسَعَّرُ بالعالمِِ والمُنفِقِ والمَقْتولِ في الجِهادِ إذا فعَلوا ذلِكَ لِيُقالَ »(3). 19- فصل [ وكان يَستحبُّ القتالَ أول النهار كما يَستحب الخروجَ للسفر أوَّلَه، فإذا يقاتلْ أول النهارِ أخر القِتالَ حتى تزولَ الشمسُ، وتهبَّ الرياح وينزلَ النصر. 21- فصل وقال ﷺ: «والَّذي نَفْ بيَدِهِ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبيلِ الله -واللهُ أَعلَمُ مَنْ يُكْلَمُ في سَبيلِهِ - إِلاَّ جاءَ يومَ القِيامةِ واللَّوْنُ لَونُ دمٍ، والريحُ ريحُ مِسْك ٍ »(4). وصحَّ عنه أنه ﷺ أن: «ما مِن عَبْدٍ يَموتُ، لَهُ عِندَ الله شيءٌ يَسُُِّه أن يَرجِعَ إلى الدُّنيا، وأَنَّ له الدُّنْيا وما فيها، إِلاَّ الشَّهيد لمَِا يَرَى مِن فَضْلِ الشَّهادةِ، فإِنَّهُ يَسُُِّهُ أَنْ يَرجِعَ إِلى الدُّنْيا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى » وفي لفظٍ«فَيُقْتَلَ عَشََ مَرَّاتٍ لمَِا يَرَى مِنَ الكَرامَةِ »(5). (1) أخرجه مسلم1902.) (2) أخرجه البخاري2810)، ومسلم1904.) (3) أخرجه مسلم1905.) (4) أخرجه البخاري5533)، ومسلم1876.) (5) أخرجه البخاري2795)، ومسلم1877.)

عدد الصفحات ٢٦٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |267 وقال لأُمِّ حارِثةَ بنِ النُّع مانِ، وقد قُتِل ابنُها معَه يوم بَدر، فسأَلْته: أينَ هو؟ قال: «إِنَّهُ في الفِرْدَوسِ الأَعْ »(1). وقالﷺ: «إِنَّ أَرواحَ الشُّهَداءِ في جَوْفِ طَيرٍْ خُضرٍْ، لهَا قَناديلُ مُعلَّقةٌ بالعَرْشِ، تَسَِْحُ مِنَ الجَنَّةِ حيثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأوِي إلى تِلكَ القَناديلِ، فاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّك اطلاعةً، فقالَ: هَلْ تَشْتَهونَ شَيْئًا؟ فَقالوا: أيَّ شيَْءٍ نَشْتَهِ ي، ونَحْنُ نَسَِْحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا؟ ففَعَلَ بهِِمْ ذلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَماَّ رَأَوْا أنهَُّمْ لَنْ يُترَْكوا مِن أَنْ يُسْأَلوا، قالوا: يَا رَب ، نُريدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْواحَنا في أَجْسادِنا حَتَّى نُقْتَلَ في سَبيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فلَماَّ رأَى أَنْ ليسَ لهَُمْ حاجةٌ تُرِكوا »(2). وصحَّ عنه ﷺ: «لاَ يََتَمِعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النارِ أَبَدًا »(3). وصحَّ عنه أنَّه : «لاَ تَزالُ طائِفةٌ مِنْ أُمَّتِهِ يُقاتِلونَ عَلى الحَق لا يَضرُُّهُمْ مَن خَذَلهَُم، وَلا مَنْ خالَفَهُمْ حَتَّى تَقو مَ الساعَةُ »(4). 21- فصل [ﷺ في الحر وكان النبيُّ ﷺ يبايع أصحابَه في الحربِ على ألا يفرُّوا، وربما بايعهم على الموتِ، وبايعهم على الجهادِ كما بايعهم على الإسلامِ، وبايعهم على الهجرةِ قبل الفتحِ، وبايعهم على التَّوحيدِ، والتزامِ طاعة الله ورسولِه، وبايع نفرًا من أصحابِه (1) أخرجه البخاري2809.) (2) أخرجه مسلم1887.) (3) أخرجه مسلم1891. ) (4) أخرجه البخاري3641)، ومسلم1037.)

عدد الصفحات ٢٦٨

268 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ألا يسألوا الناسَ شيئًا، وكان السوطُ يسقط من يد أحدِهم، فينزلُ عن دابَّتِه، فيأخذه، ولا يقول لأحدٍ: ناولني إياه. وكان يشاورُ أصحابَه في أمر الجهاد، وأمرِ لقاء العدوِّ، وتخير المنازلِ. وكان يتخلَّف في ساقتِهم في المسيرِ، فيُزجي الضعيفَ، ويُردف المنقطعَ، وكان أرفقَ الناس بهم في السير. وكان ﷺ إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرِها، وكان ﷺ يقول: «الحربُ خُدعةٌ »(1). وكان يبعثُ العيونَ يأتونَه بخبر عدوِّه، ويُطلِع الطلائعَ، ويبثُّ الحرسَ وكان إذا لقي عدوَّه، وقف ودعا، واستنصر الله، وأكثرَ هو وأصحابُه من ذكرِ الله، وخفَضوا أصواتهَم. وكان يُرتِّبُ الجيشَ والمُقاتلةَ، ويجعل في كل جَنَبةٍ كُفئًا لها، وكان يبارَزُ بين يديه بأمرِه، وكان يلبسُ للحرب عُدَّته، وربما ظاهرَ بين دِرعينِ. وكان له الألويةُ والرايات. وكان إذا ظهر على قومٍ أقام بعرصتِهم ثلاثًا، ثم قفل. وكان إذا أرادَ أن يُغِيرَ انتظر، فإن سمعَ في الحي مؤذِّنًا لم يُغرْ، وإلا أغارَ. وكان ربما بيَّتَ عدوَّه، وربما فاجأهم نهارًا. (1) أخرجه البخاري3030)، ومسلم1739.)

عدد الصفحات ٢٦٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |269 وكانﷺ يحُبُّ الخروجَ يوم الخميس بُكرةَ النهار. وكان العسكرُ إذا نزل انضم بعضُه إلى بعضٍ حتى لو بُسط عليهم كساءٌ لعمَّهم. وكان يُرتِّب الصفوفَ ويُعبِّئهم عند القتالِ بيده، ويقول: «تقدَّم يا فلانُ، تأخر يا فلان». وكان يستحبُّ للرجلِ منهم أن يقاتلَ تحت راية قومِه وكان إذا لقي العدوَّ يقول: «اللهمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومجُري السحابِ، وهازمَ الأحزاب، اهزمْهم، وانصِنا عليهم »(1) ، وربما قال (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ) [45 - 46] (2). وكان يقول «اللهمَّ أنزل نصَِك »(3)، وكان يقول «اللهمَّ أنت عضُدي، وأنت نَصيري، وبك أقاتلُ »(4). وكان إذا اشتد البأسُ وحمِيَت الحربُ، وقصده العدوُّ، يُعلِم بنفسِه ويقول «أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابنُ عبدِ المطلب »(5). وكان البأس إذا اشتد اتقَوا به ﷺ، وكان أقربهَم إلى العدوِّ. (1) أخرجه البخاري2932)، ومسلم1742.) (2) أخرجه البخاري3953.) (3) أخرجه أبو عوانه في المستخرج6762.) (4) أخرجه أبو داود2632)، والترمذي3584.) (5) أخرجه البخاري4315 – 4317)، ومسلم1776.)

عدد الصفحات ٢٧٠

271 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يجعلُ لأصحابِه شعارًا في الحربِ يُعرَفون به إذا تكلَّموا، وكان شعارهم مرة: «أَمِتْ أَمِتْ »، ومرة«يا منصورُ»، ومرة«حم لا يُنصرون». وكان يلبس الدِّرعَ والخُوذةَ، ويتقلد السيفَ، ويحمل الرمحَ والقوسَ العربيةَ، وكان يَتترَّس بالترُّس، وكان يحب الخُيلاء في الحربِ. وقاتل مرةً بالمنجنيق نصبَه على أهلِ الطائف. وكان ينهى عن قتلِ النساء والوِلدانِ، وكان ينظر في المُقاتلةِ، فمن رآه أنبت قتلَه، ومن لم يُنبت استحياه. وكان إذا بعثَ سريَّةً يوصيهم بتقوى الله، ويقول: «سيروا بسمِ الله، و سبيلِ الله، قاتلوا من كفرَ بالله، ولا تُُث لوا، ولا تَغدروا، ولا تَقتلوا وليدًا »(1). وكان ينهى عن السفرِ بالقرآن إلى أرضِ العدو وكان يأمرُ أمير سريتِه أن يدعوَ عدوَّه قبل القتالِ إما إلى الإسلامِ والهجرةِ، أو إلى الإسلامِ دون الهجرةِ -ويكونون كأعرابِ المسلمين، ليس لهم في الفَيء نصيبٌ - أو بذلِ الجزيةِ، فأيها أجابوا إليه قَبِل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم. وكان إذا ظفِر بعدوِّه أمر مناديًا، فجمع الغنائمَ كلَّها، فبدأ بالأسلابِ فأعطاها لأهلِها، ثم أخرج خمُُسَ الباقي، فوضعه حيث أراه الله وأمرَه به من مصالحِ الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهمَ له من النساءِ والصِّبيان والعبيدِ، ثم قسَّم الباقي بالسويةِ بين الجيش: للفارسِ ثلاثةُ أسهمٍ: سهمٌ له، وسهمان لفرسِه، وللراجل سهمٌ، هذا هو الصحيحُ الثابتُ عنه. (1) أخرجه مسلم1731.)

عدد الصفحات ٢٧١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |270 وكان يُنفِّلُ مِن صُلبِ الغنيمة بحسب ما يراه من المَ صلحةِ. وكان يسوِّي بين الضعيفِ والقوي في القسمة ما عدا النَّفلِ (1). وكان إذا أغار في أرضِ العدوِّ وبعث سريةً بين يديه فما غنِمت أخرج خمُسَه، ونفَّلها ربُعَ الباقي، وقسَّم الباقي بينها وبين سائرِ الجيشِ. وكان يُسهم لمن غاب عن الوقعةِ لمصلحةِ المسلمين، كما أسهمَ لعثمانَ سهمَه من بدرٍ. وكانوا يَشترون معه في الغَزوِ ويبيعون، وهو يراهُم ولا ينهاهم. وكانوا يَستأجرون الأجراءَ للغزوِ على نوعين: أحدُهما : أن يخَرُجَ الرجلُ ويستأجرَ من يخدِمه في سفرِه. والثاني: أن يستأجرَ من ماله من يخرجُ في الجهادِ، ويسمون ذلك الجعائ لَ، وفيها قال النبيُّ ﷺ: «للغازي أجرُه، وللجاعلِ أجره وأجرُ الغازي »(2). وكانوا يتشاركونَ في الغنيمةِ على نوعين أيضًا أحدُهما : شركةُ الأبدان. والثاني: أن يدفعَ الرجلُ بعيرَه إلى الرجلِ، أو فرسَه يغزو عليه على النصفِ مما يغنمُ. وكان يبعثُ السريةَ فُرسانًا تارةً، ورجالةً أخرى، وكان لا يسهمُ لمن قدِم من المَددِ بعد الفتحِ. (1) أخرجه أحمد37/421 (22762.) (2) أخرجه أبو داود2526.)

عدد الصفحات ٢٧٢

272 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 22- فصل [ ﷺ في سه ذي القربنى وكان يُعطِي سهمَ ذي القُربى في بني هاشمٍ وبني المطلبِ، دونَ إخوتهِم من بني عبدِ شمس وبني نوفل، وقال: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحدٌ - وشبَّك بينَ أصابعِه، وقال: - إنهم لم يُفارِقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ »(1). 23- فصل [ وكان المسلمون يُصيبون معه في مغازيهم العسلَ والعِنبَ والطعامَ فيأكلونَه، ولا يرفعونه في المغانمِ. 24- فصل [ ﷺ عن النهب والمثل وكان ينهى في مَغازيه عن النُّهبةِ والمُثلةِ، وقال: «من انتهب نهُبةً فليس منا»(2)، وأمر بالقُدورِ التي طُبخت من النُّهبى فأكفِئت وكان ينهى أن يركبَ الرجلُ دابةً من الفيءِ حتى إذا أعجفَها ردَّها فيه، وأن يلبسَ ثوبًا من الفيء حتى إذا أخلقه ردَّه فيه، ولم يمن ع من الانتفاعِ به حالَ الحربِ. 25- فصل [ﷺ في الغلول وكان يشدِّدُ في الغُلولِ جدًّا، ويقول: «هو عارٌ ونار وشنارٌ على أهلِه يومَ القيامة»(3). (1) أخرجه البخاري3140.) (2) أخرجه أبو داود4391)، والترمذي1601.) (3) أخرجه النسائي3688)، وابن ماجه2850.)

عدد الصفحات ٢٧٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |273 ولما أصيب غلامُه مِدعم قال بعضُ الصحابة: هنيئًا له الجنةُ، فقال «كلا، والذي نفسيِ بيده، إن الشَّملةَ -التي أخذها يومَ خيبَ من المغانمِ لم تصبها المقاسمُ - لتشتعلُ عليه نارًا »، فجاء رجلٌ بشراكٍ أو شراكين لما سمعَ ذلك، فقال: « شِاكٌ أو شِاكان من نارٍ »(1). وأمر بتحريق متاعِ الغالِّ وضِبه 26- فصل في هديِه ﷺ في الأُسارى كان يمُنُّ على بعضِهم، ويقتل بعضَهم، ويُفادي بعضَهم بالمالِ، وبعضَهم بأسرى المسلمين، قد فعل ذلك كلَّه بحسب المصلحةِ. ففادَى أسارى بدرٍ بمالٍ، وفدى رجلَينِ من المسلمين برجلٍ من عقيلٍ، ورد سبي هوازنَ عليهم بعد القسمةِ، واستطاب قلوبَ الغانمين، فطيَّبوا له، وعوَّض من لم يطيبْ من ذلك بكل إنسانٍ ستَّ فرائضَ ، وقتل عُقبةَ بن أبي مُ عَ يْ طٍ من الأسرى، وقتل النضَْ بن الحارث لشدَّةِ عداوتهما لله ورسوله، وذكر الإمامُ أحمدُ عن ابن عباسٍ قال: كان ناسٌ من الأسرى لم يكن لهم مالٌ، فجعل رسولُ الله ﷺ فداءهم أن يُعلِّموا أولادَ الأنصار الكتابةَ، وهذا يَدلُّ على جواز الفداء بالعملِ، كما يجوز بالمالِ. وكان هديه أن من أسلم قبل الأسرِ لم يُسترقَّ، وكان يَسترقُّ سبيَ العربِ كما يَسترقُّ غيرهم من أهلِ الكتاب، وكان عند عائشةَ سَبيَّةٌ منهم. (1) أخرجه البخاري4234)، ومسلم115.)

عدد الصفحات ٢٧٤

274 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان ﷺ يمنعُ التفريقَ في السبي بين الوالدةِ وولدِها، ويقول: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها، فرق الله بينَه وبين أحبَّته يومَ القيامة »(1). 27- فصل في هديهﷺ فمدن جَسَّ علمه ثبت عنه أنه قتل جاسوسًا من المشركين (2). وثبت عنه أنه لم يَقتلْ حاطبًا، وقد جسَّ عليه، واستأذنه عمرُ في قتلِه فقال «وما يُدريك! لعلَّ الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم»(3)، فاستدلَّ به مَن لا يرى قتلَ المسلمِ الجاسوسِ، واستدلَّ به مَن يرى قتله، قالوا: لأنه عُلِّل بعلةٍ مانعةٍ من القتلِ منتفيةٍ في غيره، ولو كان الإسلامُ مانعًا من قتلِه، لم يُعلل بأخصَّ منه، لأن الحكمَ إذا عُلِّل بالأعمِّ كان الأخصُّ عديمَ ال تأثير، وهذا أقوى. والله أعلم. 26- فصل في هديهﷺ في الأرضِ المغنوم ِ ثبت عنه أنه قسَمَ أرضَ بني قريظةَ وبني النضير وخيبرَ بين الغانمين. وأما المدينةُ ففُتحت بالقرآنِ، وأسلم عليها أهلُها، فأُقرَّت بحالهِا. وأما مكةُ ففتحها عُنوةً ولم يقسمها، فقالت طائفةٌ: لأنها دارُ النسك، فهي وقفٌ من الله على عبادِه المسلمين، وقالت طائفة: الإمامُ مخُيرٌ في الأرضِ بين (1) أخرجه الترمذي1566.) (2) أخرجه البخاري3051.) (3) أخرجه البخاري3007)، ومسلم2494.)

عدد الصفحات ٢٧٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |275 قسمتها وبين وقفِها، والنبي ﷺ قسمَ خيبرَ ولم يقسِّم مكةَ، فدلَّ على جوازِ الأمرين، قالوا: والأرضُ لا تدخل في الغنائمِ المأمور بقسمتها، ومما يَدلُّ على ذلك أن النبيَّ ﷺ قسم نصفَ أرضِ خيبرَ خاصةً، ولو كان حكمها حكمَ الغنيمة، لقسمها كُلَّها بعد الخمس. 29- فصل [ ومنع رسولُ ا ﷺ من إقامةِ المسلم بين المشركين إذا قدَرَ على الهجرةِ من بينهم، وقال: «أنا بريءٌ من كُل مسلمٍ يقيم بين أظهر المشَك »، قيل: يا رسولَ الله، ولم؟ قال: «لا تراءى ناراهمُا »(1). 31- فصل في هديه ﷺ في الأمانِ والصلحِ ، ومعامل رسلِ الرفارِ ، وبخذِ اجوزي ِ ، ومعامل ِ بهلِ الرتا والمنافقين، وإجارةِ من جاءه من الرفارِ حتى يَسدعَ كلامَ الله وردِّه إلى مأمنِه، ووفائِه بنالعهدِ وبنراءتِه من الغدرِ ثبت عنه أنه قال: «ذمَّةُ المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبلُ الله منه يومَ القيامة صرفًا ولا عدلاً »(2). وثبت عنه أنه قال«من كانبينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يَُُلَّنَّ عقدةً ولا يشُدَّها حتى يمضي أمدُه، أو ينبذَ إليهم على سواءٍ »(3). (1) أخرجه أبو داود2645)، والترمذي1604.) (2) أخرجه البخاري7300)، ومسلم1370.) (3) أخرجه أبو داود2759)، والترمذي1580.)

عدد الصفحات ٢٧٦

276 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقال: «لكل غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة يُرفع له بقدرِ غدرته، يُقال: هذه غدرةُ فلانِ بنِ فلانٍ »(1). 31- فصل [ ولما قدم النبيﷺ المدينةَ صار الكفارُ معه ثلاثةَ أقسام: قسمٌ : صالحََهم ووادَعهم على ألاَّ يحُاربوه، ولا يُظاهِروا عليه، ولا يمالِئوا عليه عدوَّه، وهم على كفرِهم آمنون على دمائِهم وأموالهِم. وقسمٌ : حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسمٌ : تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤولُ إليه أمرُه. فعامل كُلَّ طائفةٍ من هذه الطوائفِ بما أمره به ربُّه تبارك وتعالى. فصالح يهودَ المدينة وكتَبَ بينهم وبينه كتابَ أمنٍ، وكانوا ثلاثَ طوائفَ حولَ المدينةِ: بني قَيْنُقاع، وبني النضِير، وقُرَيْظَةَ. فحاربته بنو قَيْنُقاع بعدَ ذلك بعدَ بدرٍ ، وشرََقُوا بوقعةِ بدرٍ، وأظهروا البغيَ والحسدَ، فسارَتْ إليهم جنودُ الله يقدمُهم عبدُه ورسولُه يومَ السبتِ النصف من شوال على رأسِ عشرين شهرًا من مهاجره. فحاصرَهم أشدَّ الحصارِ، وقَذفَ الله في قلوبهِم الرُّعبَ الذي إذا أراد خذلانَ قومٍ وهزيمتَهم أنزلَه عل يهم وقذفَه في قلوبهم، فنَزلوا على حكمِ رسول الله (1) أخرجه البخاري6177)، ومسلم1735.)

عدد الصفحات ٢٧٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |277 ﷺ في رقابهِم وأموالهِم ونسائِهم وذريتِهم، فأَمرَ بهم فكتفوا، فكلَّم عبدُ الله بن أبيٍّ فيهم رسولَ الله ﷺ وألحَّ عليه فوهبهم له، وأمرهم أن يخَرجوا من المدينةِ، ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أَذْرُعات الشامِ، فق لَّ أن لبثوا فيها حتى هلكَ أكثرُهم، وكانوا صاغةً وتِارًا، وكانوا نحو الست مئة مقاتل، وكانت دارُهم في طرفِ المدينةِ، وقبضَ منهم أموالهَم. 32- فصل [ ثم نقض العهدَ بنو النضيرِ، وكان ذلك بعد ستَّةِ أشهرٍ، وسببُ ذلك أنه ﷺ خَرجَ إليهم في نفرٍ من أصحابِه، وكلَّمهم أن يُعينوه في ديةِ الكلابيين اللذين قتلهما عمرُو بن أمية الضمْري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضِ حاجتك، وخلا بعضُهم ببعض، وسوَّل لهم الشيطانُ الشقاءَ الذي كُتب عليهم، فتآمروا بقتله ﷺ، وقالوا: أيُّك م يأخذُ هذه الرحا ويصعدُ فيلقيها على رأسِه يشدخُه بها؟ وجاء الوحيُ على الفور إليه من ربِّه تبارك وتعالى بما همُّوا به، فنهض مسرعًا، وتوجه إلى المدينة، وبعثَ إليهم رسول الله ﷺ أن اخرُجوا من المدينةِ ولا تُساكِنوني بها، وقد أجلتُكم عشرًا، فمن وُجد بعدَ ذلك به ا ضِبتُ عنقَه. فأقاموا أيامًا يتجهَّزون، وأَرسلَ إليهم المنافقُ عبدُ الله بن أبي: ألاَّ تخَرجوا من ديارِكم، فإن معي ألفين يَدخلون معكم حصنَكم فيموتون دونَكم، وتنصركم قريظةُ وحلفاؤكم من غطفان، فطمع رئيسُهم حيي بن أخطب فيما قال له، وبَعثَ إلى رسولِ الله ﷺ يقول: إنَّا لا نخرجُ من ديارنا، فاصنَع ما بدا لك، فكبرَّ رسول

عدد الصفحات ٢٧٨