246 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد - وهجرةٌ إلى رسولِه بالمتابعةِ والانقيادِ لأمرِه، والتصديقِ بخبرِه، وتقديمِ أمرِه وخبرِه على أمرِ غيرِه وخبرِه. «فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسولِه، ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجُها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه »(1). وفرضٌ عليه جهادُ نفسِه وشيطانِه، فهذا كلُّه فرضُ عينٍ لا ينوب فيه أحدٌ عن أحدٍ، وأما جهادُ الكفارِ والمنافقين فقد يُك تفى فيه ببعضِ الأمَّة إذا حصلَ منهم مقصودُه. 3- فصل [ﷺ في الله حق جهاده وأكملُ الخلق عند الله من كمَّل مراتبَ الجهادِ كلَّها؛ ولهذا كان أكملُ الخلق وأكرمُهم على الله خاتَمَ أنبيائه، فإنه جاهد في الله حقَّ جهادِه، من حين بُعث إلى أن توفَّاه الله، فإنه لما نزل عليه: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ) [1 - 4] شمَّر عن ساق الدعوةِ، وقام في ذاتِ الله أتمَّ القيامِ، ودعا إ الله ليلاً ونهارًا، وسرًّا وجهرًا، ولما نزل عليه: (ﭞ ﭟ ﭠ ) [94] صدعَ بأمرِ الله لا تأخذُه في الله لومةُ لائم 4- [فصل في إيذاء قريش للنبي ﷺ] ولما صدعَ بأمرِ الله وصرَّح لقومِه بالدعوةِ، وباداهم بسبِّ آلهتهم، وعيبِ دينهم، اشتدَّ أذاهم له ولمن استجابَ له من أصحابِه، ونالوهم بأنواعِ الأذَى، (1) أخرجه البخاري54)، ومسلم1907.)
عدد الصفحات ٢٤٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |247 وهذه سنَّةُ الله في خلقِه كما قال تعا (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ) [43]. فعزَّى سبحانه نبيَّه بذلك، وأن له أسوةً بمن تقدَّمه من المرسلينَ، وعزَّى أتباعَه بقوله تعالى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [214]. وقوله تعا (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ) إلى قوله: (ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ) [1 - 10]. فليتأملِ العبدُ سياقَ هذه الآياتِ، فمن قال: آمنَّا، امتحنه ربُّه وابتلاه، ومن لم يقل: آمنَّا، فلا يحَسبُ أنه يُعجزُ الله، فإنه إنما يَطوي المراحلَ في يديه. لكن المؤمنَ يحصلُ له الألمُ في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له العاقبةُ في الدنيا والآخرةِ، والمُعرض عن الإيمانِ تحصلُ له اللذةُ ابتداءً، ثم يصير في الألم الدائمِ. وسُئل الشافعيُّ أيُّما أفضلُ للرجل، أن يُمكَّن أو يُبتلى؟ فقال يُمكَّن حتى يُبتلى. فلا يظنَّ أحدٌ أنه يخلصُ من الألمِ البتة، وإنما تفاوتَ أهلُ الآلام في العقولِ، فأعقلُهم من باع ألمًا مستمرًا عظيماً بألم منقطعٍ يسير، وأسفهُه م من باع الألمَ المنقطعَ اليسيرَ بالألم العظيمِ المستمرِ.
عدد الصفحات ٢٤٨248 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولما كان الألمُ لا مخلصَ منه البتَّةَ، عزَّى الله سبحان ه من اختار الألمَ اليسير المنقطعَ على الألمِ العظيم المستمرِّ، بقوله: (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ) [5] فضْب لمُدَّةِ هذا الألم أجلاً وهو يوم لقائِه؛ ولهذا سأل النبيُّ ﷺ ربَّه الشوقَ إلى لقائه (1). ثم عزَّاهم تعالى بعزاءٍ آخرَ، وهو أن جهادَهم فيه إنما هو لأنفُسِهم، وأنه غنيٌّ عن العالمين، ثم أخبر أنه يُدخلُهم بجهادِهم وإيمانهم في زُمرةِ الصالحين. ثم أخبر عن حال الدَّاخلِ في الإيمان بلا بَصيرةٍ، وأنه إذا أُوذي في الله جعلَ فتنةَ الناسِ له والألمَ الذي لا بد أن ينالَه الرسلُ وأتباعُهم كعذابِ الله الذ ي فرَّ منه المؤمنون بالإيمان. والمقصودُ : أن الله سبحانه اقتضت حكمتُه أنه لابد أن يَمتحن النفوسَ ويبتليَها، فيُظهرَ بالامتحان طيِّبَها من خَبيثِها، إذ النفوسُ في الأصل جاهلةٌ ظالمة، وقد حصل لها من الخُبثِ ما يحتاجُ خروجه إلى السَّبك والتصفيةِ، فإن خرج في هذه الدارِ وإلا ففي كير جهنم، فإذا هُذِّبَ العبد ونُقي أُذن له في دخولِ الجنةِ. 5- فصل [ﷺ] ولمَّا دَعاﷺ إلى الله استَجابَ له عِبادُ الله من كُلِّ قَبيلة، فكان حائِزَ قَصْب سَبْقهم صِدِّيقُ الأُمَّة وأَسبَقُها إلى الإسلام أبو بَكْر ، فآزَرَه في دِين الله، ودعا معه إلى الله على بَصيرةٍ، فاستَجاب لأبي بَكْر: عُثمانُ بن عفَّانَ، وطَلحةُ بنُ عُبَيْد الله، وسعدُ بنُ أبي وقَّاص. (1) أخرجه النسائي1305.)
عدد الصفحات ٢٤٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |249 وبادَرَ إلى الاستِجابة له ﷺ صِدِّيقة النِّساءِ: خَديجةُ بنتُ خُوَيْلِد. وبادَر إلى الإسلام عليُّ بنُ أبي طالِب ، وكان ابنَ ثمانِ سِنينَ، وكان كَفالة رَسولِ الله ﷺ، أخَذَه من عَمِّه أبي طالِب إعانةً له في سَنَة محَْل. وبادَرَ زيدُ بنُ حارِثةَ حِبُّ رَسول الله ﷺ وكان غُلامًا لخَِديجةَ، فوهَبَتْه لرَسولِ الله ﷺ. ودخَل الناسُ في الدِّين واحِدًا بعدَ واحِد، وقُريشٌ لا تُنكِر ذلك، حتَّى بادَأَهُم بعَيْب دِينهم وسَبِّ آلهَِتِهم، وأنها لا تَضُُّْ ولا تَنفَع، فحينئِذٍ شمَّروا له ولأصحابه عن ساقِ العَداوة، فحمَى الله رَسولَه بعمِّه أبي طالِب؛ لأنه كان شرَيفًا مُعظَّماً في قُريشٍ مُطاعًا في أهل مَكَّةَ لا يَتَجاسرَون على مُكاشَفَته بشِءٍ منَ الأذى، وأمَّ ا أصحابُه فمن كان له عشيرةٌ تحميه امتنعَ بعشيرتِه، وسائرُهم تصدوا له بالأذى والعذابِ، منهم: عمارُ بن ياسر وأمُّه سمية وأهلُ بيته عُذِّبوا في الله، ومنهم: بلالُ بن رباح، فإنه عُذِّب في الله أشدَّ العذاب. 6- فصل [ ولمََّا اشتَدَّ أذَى المُ شرِكين على مَن آمن وفُتِن مِنهم مَن فُتِن حتَّى يَقولوا لأحَدِهم: اللاَّتُ إلهَُكَ من دونِ الله؟ فيَقول: نعَمْ؛ أذِنَ الله سبحانه لهم بالهِجْرة الأُولى إلى أرض الحَبَشة، وكان أوَّل مَن هاجَر إليها عُثمانَ بنَ عفَّانَ، ومعه زَوجتُه رُقيَّةُ بنتُ رَسولِ الله ﷺ، وكان أهلُ هذه الهِجْرة الأُولى اثنَيْ عشرََ رجُلاً وأربعَ نِسوة، وكان مخرجُهم في رجب في السنةِ الخامسةِ من المبعثِ.
عدد الصفحات ٢٥٠251 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وخرَجَت قُريشٌ في آثارهم حتى جاؤُوا البحر فلَمْ يُدرِكوا مِنهم أحَدًا، ثُم بلَغَهم أن قُريشًا قد كَفُّوا عنِ النبيِّ ﷺ فرجَعوا، فلماَّ كانوا دونَ مكَّةَ بساعة من نهَار بلَغَهم أن قُريشًا أشَدُّ ما كانوا عَداوة لرَسولِ الله ﷺ، فدخَل مَن دخَل بجِوارٍ. ثُمَّ اشتَدَّ البلاءُ من قُرَيْش على مَن قدِم من مُهاجِري الحبَشة وغيرهم، وسَطَت بهم عشائِرُهم، ولَقُوا منهم أذًى شَديدًا، فأذِنَ لهم رَسولُ الله ﷺ في الخُروج إلى أَرْض الحبَشةِ مرَّةً ثانِيةً، فكان خُروجُهمُ الثاني أشقَّ عليهم. فكان عِدَّة مَن خرَج في هذه المَرَّةِ ثلاثةً وثَمانينَ رجُلاً، ومنَ النِّساء تِسعَ عشرةَ امرأةً. فلَماَّ كان شَهْر رَبيع الأوَّل سَنة سَبْع من هِجْرة رَسول الله ﷺ إلى المَدينة، كتَبَ رَسولُ الله ﷺ كِتابًا إلى النَّجاشيِّ يَدْعوه إلى الإسلام، وبعَث به مع عَمرِو بنِ أُميَّةَ الضَّمريِّ، فلماَّ قُرِئَ عليه الكِتابُ أسلَمَ، وقال: لو قَدَرْت أن آتِيَه لآتينَّ ه. وكتَبَ إليه رَسولُ الله ﷺ أن يَبعَث إليه مَن بَقِيَ عِندَه من أصحابه ويحَمِلهم، ففعَل وحمََلَهم في سَفينتَينْ مع عَمرِو بنِ أُميَّةَ الضَّمريِّ، فقدِموا على رَسول الله ﷺ بخَيبرَ فوجَدوه قد فَتَحَها، فكلَّم رَسولُ الله ﷺ المسلمين أن يُدخِلوهم في سِهامِهم ففَعَلوا (1). (1) أخرجه البخاري3136)، ومسلم2502.)
عدد الصفحات ٢٥١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |250 7- فصل [ فانحازَالمُهاجِرون إلى ممَلَكة أَصحَمةَ النَّجاشيِّ آمِنينَ، فلَماَّ علِمَت قُريشٌ بذلك بعَثَت في أَثَرهم عبدَ الله بنَ أبي رَبيعةَ وعَمرَو بنَ العاص بهدايا وتحَُف من بلَدهم إلى النَّجاشيِّ ليرَُدَّهم عليهم، فأَبَى ذلك عليهم، وتشفعوا إليه بعُظَماء جنده فلم يجُِبْ هم إلى ما طلَبوا. 6- فصل [ ثُمَّ أَسلَم حمَزةُ عمُّه وجماعة كثيرون، وفَشَا الإسلامُ، فلماَ رأَتْ قُريشٌ أَمْر رَسول الله ﷺ يَعلو ويَتزايد، أَجمَعوا على أن يتَعاقَدوا على بَني هاشِمٍ وبني المُطَّلِب، ألاَّ يُبايعوهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يجالِسوهم، حتَّى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله ﷺ، وكتَبوا بذلك صَحيفة وعلَّقوها في سَقْف الكَعبة. وحُبِس رسولُ الله ﷺ ومَن معَه في الشِّعْب -شِعْب أبي طالب - لَيْلة هِلال المُحرَّم سَنَة سبع من البعثة. وبَقُوا محَ بوسين محَصورين نحوَ ثلاثِ سِنين، حتَّى بلَغَهمُ الجَهد وسُمِع أصواتُ صِبيانهِم بالبُكاء من وَراء الشِّعْب. وكانت قُريشٌ في ذلك بين راضٍ وكارِهٍ، فسعَى في نَقْض الصحيفة بعض مَن كان كارِهًا لها، وكان القائمُ بذلك هشامَ بنَ عمرو بنِ الحارث، مَشى في ذلك إلى المطعم بن عدي وجماعةٍ من قريش، فأجابوه إلى ذلك.
عدد الصفحات ٢٥٢252 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ثُم أَطلَع اللهُ رسولَه على أَمْر صَحيفتهم، وأنه أَرسَل عليها الأَرَضة فأَكَلَت جميعَ ما فيها من جَوْر وقَطيعة وظُلْم إلاَّ ذِكْر الله ، فأَخبرَ بذلك عَمَّه، فخرَج إلى قُريشٍ فأَخبرََهم أن ابنَ أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذِبًا خلَّيْنا بينَكم وبينَه، وإن كان صادِقًا رجَعْتم عن قطيعتِنا وظُلْمنا، قالوا: قد أَنصَفْت، فأَنزَلوا الصحيفةَ، فلَماَّ رأَوُا الأمرَ كما أَخبرَ به رَسولُ الله ﷺ ازدادوا كُفرًا إلى كُفْرهم، وخرَج رَسولُ الله ﷺ ومَن معَه من الشِّعْب. قال ابنُ عبدِ البر: بعدَ عشرةِ أعوامٍ مِن المبعثِ، ومات أبو طالب بعدَ ذلك بستةِ أشهر، وماتت خديجةُ بعدَه بثلاثة أيام، وقيل: غير ذلك. 9- فصل [ﷺ إلى الطائف] فلَماَّ نُقِضَت الصَّحيفةُ وافَق موت خَديجةَ وموت أبي طالب، وبينهما يَسيرٌ، فاشتَدَّ البلاءُ على رسولِ الله ﷺ من سُفهاءِ قَوْمه، وتَِرَّؤُوا عليه وكاشَفوه بالأَذَى، فخرَج رسولُ الله ﷺ إلى الطائِف رَجاءَ أن يُؤْووه ويَنصرُوه على قومه ويَمنَعوه مِنهم، ودَعاه م إلى الله فلم يَرَ مَن يُؤوِي، ولم يَرَ ناصرًِا، وآذَوْه مع ذلك أشدَّ الأذَى، ونالوا منه ما لم يَنَلْه قومُه. وفي مَرجِعه ذلك دعا بالدُّعاء المَشهور -دعاء الطائِف -: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتيِ، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانيِ عَلىَ النَّ اسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحمِِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبي ، إِلىَ مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلىَ بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَوْ إِلىَ عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لمَْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَليََّ فَلاَ أُبَالَِ، غَيرَْ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْ سَعُ لَِ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشَِْقَتْ لَهُ الظُّلُماَتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، أَنْ يَُِلَّ عَليََّ
عدد الصفحات ٢٥٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |253 غَضَبُكَ أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بيِ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضىَ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِ بِكَ »(1). فأَرسَل ربُّه تبارك وتعالى إليه ملَك الجِبال يَستَأمِره أن يُطبِق الأَخشَبَين ع أهل مكَّةَ، وهمُا جَبَلاها اللَّذانِ هي بينهما، فقال: «لاَ، بَلْ أَسْتَأْنيِ بهِِمْ لَعَلَّ اللهَ يَُْرِجُ مِنْ أَصْلاَبهِِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لاَ يُشَِْكُ بِهِ شَيْئًا »(2). فلماَّ نزَل بنَخلةَ مَرجِعه، قام يُصليِّ منَ اللَّيْل، فصرََف الله إليه نَفَرً ا من الجِنِّ فاستَمَعوا قِراءتَه، ولم يَشعُر بهم رَسولُ الله ﷺ حتَّى نزَل عليه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [29 - 32] (3). 11- فصل [ ثُم أُسرِي برَسول ا ﷺ بجسَده -على الصَّحيح - من المَسجِد الحَرام إلى بَيْت المَقدِس، راكِبًا على البرُاق، صُحْبة جِبريلَ عليهما الصلاة والسلام، فنزَل هُناك، وصلىَّ بالأنبياء إمامًا، وربَط البرُاقَ بحَلْقة باب المَسجِد، ثُم عُرِج به تِلكَ (1) أخرجه ابن هشام في السيرة1/420، والطبري في تاريخه2/345. (2) أخرجه البخاري3231)، ومسلم1795.) (3) أخرجه البخاري4921)، ومسلم449.)
عدد الصفحات ٢٥٤254 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الليلةَ من بيت المَقدِس إلى السَّماء، ثُ م عُرِج به إلى الجَبَّار جل جلاله، فدَنا منه حتى كان قابَ قوسَينِ أو أدنى، فأوحَى إلى عبدِه ما أوحَى، وفرَض عليه خمَسينَ صلاةً، فرجَع حتَّى مرَّ على مُوسى فقال له: بِمَ أُمِرْتَ؟ قال: بخَمسينَ صَلاةً. قال: إن أُمَّتَكَ لا يطيقون ذلك، ارجِعْ إلى ربِّكَ فاسْ أَلْه التَّخفيفَ لأُمَّتِكَ. فالتَفَت إلى جِبريلَ كأنه يَستَشيره في ذلك، فأَشارَ أَنْ نَعَمْ إن شِئْت. فلم يَزَلْ يَتردَّد بين مُوسى وبين ربه تبارك وتعالى حتَّى جعَلَها خمسًا، فأَمَرَه مُوسى بالرُّجوع وسُؤال التخفيف، فقال: قدِ استَحْيَيْت من رَبيِّ، ولكِنْ أَرضىَ وأُسلِّم. فلماَّ نَفَد نادَى مُنادٍ: قد أَمضَيْت فَريضَتي، وخَفَّفْتُ عن عِبادِي (1). فلماَّ أَصبَح رَسولُ ا ﷺ في قَوْمه أَخبرََهم، فاشتَدَّ تَكذيبُهم له، وسأَلوه أن يَصِفَ لهم بيتَ المَقدِس، فجَلاَّه اللهُ له حتَّى عايَنَه، فطفِقَ يخُبرِهم عن آي اته، ولا يَستَطيعون أن يَردُّوا عليه شيئًا. وأَخبرَهم عن عِيرِهم في مَسراهُ ورُجوعه، وعن وَقْت قُدومها، وعن البَعيرِ الَّذي يَقدُمها، وكان الأَمْر كما قال، فلم يَزِدْهم ذلكَ إلاَّ نُفورًا. ومَعلوم أن هذا أَمْر فوقَ ما يَراه النائِمُ، وكان الإِسراءُ مرَّةً واحِدةً. 11- فصل في مَ بدَ ب الهِ جْرة الَّ تي فرَّ ق الله فمها بنين بَ وْلمائه وبَ عْدائه، وجعَ لَها مَبدًََ ا لإِ عْزاز دِ ينه، ونَ صْر عَ بدِ ه ورَ سوله قال الواقدي: أقام رسولُ الله ﷺ بمكةَ ثلاثَ سنين مِن أول نبوتِه مستخفيًا، ثم أعلن في الرابعةِ، فدعا الناسَ إلى الإسلامِ عشر سنين، يوافي الموسمَ كلَّ عامٍ، يتبعُ الحاجَّ في منازلهِم، وفي المواسم بعكاظ، ومجنة وذي المجاز، يدعوهم (1) أخرجه البخاري3207)، ومسلم164.)
عدد الصفحات ٢٥٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |255 إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدًا ي نصره ولا يجيبه(1). وكان ممَِّا صنَعَ الله لرَسولِه أن الأَوْس والخَزرَج كانوا يَسمَعون من حُلفائِهم من يهَود المَدينة أن نبيًّا من الأَنبياء مَبعوث في هذا الزمانِ سيَخرُج فنَتَّبِعه ونَقتُلكم معه قتلَ عادٍ وإرمَ، وكانتِ الأنصارُ يحَُجُّون البيت كما كانتِ العرَبُ تحَُجُّه دون اليهودِ، فلماَّ رأَى الأَنصارُ رسولَ الله ﷺ يَدعو الناسَ إلى الله ، وتَأمَّلوا أَحوالَه، قال بعضُهم لبعضٍ: تَعلَمون واللهِ يا قَوْمُ أن هذا الَّذي تَوعَّدُكم به يهَودُ، فلا يَسبِقُنَّكم إليه. 12- فصل [تَ العقب الأولى والثانم ثم إن رسولَ الله ﷺ لَقِيَ عندَ العقبةِ في الموسم ستةَ نفرٍ مِن الأنصار كلهم من الخزرج، فدعاهم رسولُ الله ﷺ إلى الإسلامِ فأسلموا، ثم رجعوا إلى المدينةِ، فدعوا إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها حتى لم يبقَ دارٌ إلا وقد دخلَها الإسلامُ، فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا، قال أبو الزبير: عن جابر: فقلنا: يا رسولَ الله، علامَ نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمعِ والطاعةِ في النشاطِ والكسلِ، وعلى النفقةِ في العسرِ واليسرِ، وعلى الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم لومةُ لائمٍ، وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأزواجَكم وأبناءَكم، ولكم الجنةُ، فقمنا إليه رجلاً رجلاً، فأخذ علينا وشرََطَ، يُعطينا بذلك الجنةَ . (1) الطبقات الكبرى لابن سعد1/168 .
عدد الصفحات ٢٥٦256 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ثُمَّ انصرََفوا إلى المدينة، وبعَثَ معهم رَسولُ الله ﷺ عَمرَو بن أُمِّ مَكتوم، ومُصعَب بنَ عُميرٍ يُعلِّمان مَن أَسلَم مِنهمُ القُرآن، ويَدْعوان إلى الله ، فنزَ على أبي أُمامةَ أَسعدَ بنِ زُرارةَ، وكان مُصعَب بنُ عُميرٍ يُؤمُّهم، وجمََّع بهم لمََّا بلَغوا أَربَعين، فأَسلَم على يَديهما بشرٌَ كَثير، مِنهم: أُسَيْد بنُ الحُضَيرْ، وسَعدُ بن مُعاذٍ، وأَسلَم بإِسْلامه ما يومئِذٍ جميع بني عبد الأَشهَل الرِّجال والنِّساء، إلاَّ الأُصَيرْم عَمرُو بن ثابِت بنِ وَقْش فإنه تَأخَّر إسلامُه إلى يوم أُحُد، فأَسلَم حينَئِذٍ وقاتَلَ فقُتِل قبل أن يَسجُد لله سَجدةً، فأَخبرَ عنه النبيُّ ﷺ فقال: «عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا »(1). فأَذِن رَسولُ ا ﷺ للمُسلِمين في الهِجْرة إلى المَدينة، فبادَر الناسُ إلى ذلك، ولم يَبقَ بمكَّةَ منَ المُسلِمين إلاَّ رَسولُ الله ﷺ وأبو بَكْر وعليٌّ، أَقاما بأَمْره لهما، وإلاَّ مَن احتَبَسَه المُشرِكون كرهًا، وقد أَعَدَّ رَسولُ الله ﷺ جهازَه يَنتَظِر مَتَى يُؤمَر بالخُروج، وأَعَدَّ أبو بَكْر جهازَه. 13- فصل [ فلماَّ رأَى المُشرِكون أَصحاب رَسولِ ا ﷺ قد تَِهَّزوا وخرَجوا وحمََلوا، وساقوا الذَّراريَّ والأطفالَ والأموالَ إلى الأَوْس والخَزرَج، وعرفوا أن الدارَ دارُ منعةٍ، وأن القومَ أهلُ حلقةٍ وبأسٍ وشوكةٍ، فخافوا خُروج رسولَ الله ﷺ إليهم ولحُوقَه بهم، فيَشتَدُّ عليهم أمرُه، فاجتَمَعوا في دار النَّدْوة، ولم يَتخلَّف أحَدٌ من ذوي الرَّأْيِ والحِجا مِنهم ليَتَشاوَروا في أَمْره، فتَذاكروا أمرَ رسولِ الله ﷺ، فأشار كلُّ أحدٍ منهم برأي ، إلى أن قال أبو جَهْل: قد فُرِق لي فيه رأيٌ ما أُراكُم قد وقَعْتُم (1) أخرجه البخاري2808)، ومسلم1900.)
عدد الصفحات ٢٥٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |257 عليه. قالوا: ما هو؟ قال: أَرَى أن نَأخُذ من كل قَبيلةٍ من قُ رَيْش غُلامًا نهدًا جَلدًا، ثُم نُعطيه سيفًا صارِمًا، فيَضِْبونه ضَِبةَ رجُل واحِد، فيَتفرَّق دمُه في القبائِل، فلا تَدرِي بنو عبدِ مَناف بعد ذلك ما تَصنَع، ولا يُمكِنها مُعاداة القبائِل كلِّها، ونَسوق إليهم دِيَته، فتَفرَّقوا على ذلك، واجتَمَعوا عليه، فج اءَهُ جِبريلُ بالوَحيِ من عِند ربه تبارك وتعالى، فأَخبرَه بذلك، وأَمَرَه ألاَّ يَنامَ في مَضجِعه تلكَ اللَّيْلةَ. وجاءَ رَسولُ الله ﷺ إلى أبي بَكْر نِصفَ النهار في ساعة لم يَكُن يَأتِيه فيها مُتقنِّعًا، فقال له: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَك َ»، فقال: إنما هُمْ أَ هلُكَ يا رَسولَ الله، فقال: «إِن اللهَ قَدْ أَذِنَ لَِ فيِ الخُْرُوجِ »، فقال أبو بَكْر: الصحبةَ يا رَسولَ الله؟ فقال رَسولُ ا ﷺ: «نَعَمْ»، فقال أبو بَكْر: فخُذْ بأبي وأُمِّي إِحْدى راحِلتَيَّ هاتَينْ، فقال رَسولُ ا ﷺ: «بِالثَّمَنِ »(1). وأَمَرعلِيًّا أن يَبيت في مَضجِعه تلكَ الليلةَ، واجتَمَع أُولئِكَ النفرُ من قُرَيْش يَتَطلَّعون من صِيرِْ البابِ (2) ويَرصُدونه، يُريدون بَياتَه، ويَأتمَِرون أَيهُّم يَكون أَشقاها، فخرَج رسولُ الله ﷺ عليهم فأخَذَ حِفنةً منَ البَطْحاء، فجعَل يَذُرُّه على رُؤوسِهم، وهم لا يَرَوْنه، وهو يَتلو: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ [9]، ومضََ رَسولُ ا ﷺ إلى بيت أبي بَكْر، فخرَجا من خَوْخَةٍ (3) في دار أبي بَكْر ليلاً، وجاء رجُل فرأَى القَوْم ببابِه فقال: ما تَنتَظِرون؟ قالوا: محُمدًا. قال: خِبْتم وخسرِْتُم، قد واللهِ مرَّ بكُمْ وذرَّ على رُؤُوسِكم (1) أخرجه البخاري2138.) (2) (صِيرْ البابِ): شقٍّ فيه (3) (الخَوْخَة): كوة في البيت تؤدي إليه الضوء
عدد الصفحات ٢٥٨258 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الترُّابَ. قالوا: واللهِ ما أَبصرَْناه. وقاموا يَنفُضون الترابَ عن رُؤوسِهم، ثُم مضََ رَسولُ الله ﷺ وأبو بَكْر إلى غار ثَوْر، فدخَلاهُ. وكانا قدِ استَأجَرا عبدَ الله بن أُرَيْقِط اللَّيثيَّ، وكان هادِيًا ماهِرًا بالطريق، وكان على دِين قومِه مِن قُرَيْش، وأَمِناهُ على ذلك، وسلَّما إليه راحِلَتَيْهما، وواعَداهُ غارَ ثور بعد ثلاث، وجَدَّت قُريشٌ في طلَبهما ، وأخَذوا معَهمُ القافةَ، حتَّى انتَهَوا إلى باب الغار، فوقَفوا عليه، ففي الصحيحين أن أبا بَكْر قال: يا رَسولَ الله لو أن أحَدَهُم نظَر إلى ما تحتَ قدَمَيْه لأَبصرََنا، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِْ اللهُ ثَالِثُهُماَ، لاَ تحَْزَنْ فَإِنَّ اللهَ مَعَنَا »(1)، وكان النبيﷺ وأبو بَكْر يَسمَعانِ كَلامَهم فوقَ رُؤوسِهما، ولكِنَّ اللهَ سبحانه عَمَّى عليهم أَمْرهما، وكان عامِرُ بنُ فُهيرةَ يَرعَى عليهما غنَماً لأبي بَكْر، ويَتسمَّع ما يُقال بمكَّةَ، ثُم يَأتِيهما بالخبرَ، فإذا كان السَّحَر سرَح مع الناس. فمكَثا في الغار ثلاثَ لي الٍ حتى خمَدَت عَنهما نار الطلَب، فجاءَهمُا عبدُ الله بنُ أَرَيْقِط بالراحِلَتَينْ فارْتحََلا وأَردَف أبو بَكْر عامِرَ بن فُهيرةَ وسار الدَّليلُ أمامَهُما، وعَينْ الله تَكلَؤُهما، وتَأيِيدُه يَصحَبهما، وإسعادُه يُرحِلهما ويُنزِلهما. ولمَّا يَئِس المُشرِكون من الظَّفَر بهما جعَلوا لمَِن جاء بهما دِية كلِّ واحِد منهما، فجَدَّ الناسُ في الطلَب، واللهُ غالِب على أَمْره. (1) أخرجه البخاري3615،3653)، ومسلم2381.)
عدد الصفحات ٢٥٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |259 14- فصل [ﷺ المدين وبلغَ الأنصارَ مخرجُ رسولِ الله ﷺ من مكةَ وقصدَه المدينةَ، وكانوا يخرجون كلَّ يومٍ إلى الحرَّةِ ينتظرونه أولَ النهار، فإذا اشتدَّ حرُّ الشمسِ رجعوا على عادتهِم إلى منازلهِم. فلَماَّ كان يوم الجُمُعة ركِب بأَمْر الله له، فأَدرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمِ بنِ عَوْف، فجمَّعَ بهم في المَسجِد الَّذي في بَطن الوادِي، ثُمَّ ركِب فأَخَذوا بخِطام راحِلتِه، هَلُمَّ إلى العدَد والعُدَّة والسِّلاح والمَنَعة، فقال: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنهََّا مَأْمُورَةٌ »، فلم تَزَلْ ناقتُه سائِرة به لا تمَُرُّ بدار من دُور الأَنصار إلاَّ رغِبوا إليه النُّزول عليهم، ويَقول: «دَعُوهَا فَإِنهََّا مَأْمُورَةٌ »، فسارَت حتَّى وصَلَت إلى مَوضِع مَسجِده اليومَ وبرَكَت، ولم يَنزِل عنها حتى نهََضَت وسارَت قَليلاً، ثُم التَفَتَتْ ورجَعَت فبرَكَت في موضِعها الأوَّلِ، فنزَل عنها وذلك في بَني النَّجَّار أخوالِه ﷺ. وكان من تَوفيق الله لها فإنه أحَبَّ أن يَنزِل على أَخواله يُكرِمهم بذلك، فجعَل الناسُ يُكلِّمون رَسولَ الله ﷺ في النُّزول عليهم، وبادَر أبو أيُّوبَ الأَنصاريُّ إلى رَحْله ف أَدخَلَه بيتَه، فجعَلَ رَسولُ الله ﷺ يَقول: «المَْرْءُ مَعَ رَحْلِهِ »، وجاء أسعدُ بنُ زُرارةَ فأَخَذ بزِمام راحِلته، فكانت عِنده. فأَقام في مَنزِل أبي أيُّوبَ حتَّى بنَى حُجَرته ومَسجِده، وبعَث رَسولُ الله ﷺ وهو في مَنزِل أبي أيُّوبَ زيدَ بنَ حارِثةَ وأبا رافِع، وأَعطاهمُا بَعيرَيْن وخمسَمئة دِرهَم إلى مكَّةَ فقدِما عليه بفاطِمةَ وأُمِّ كُلثوم ابنَتَيْه، وسَودةَ بنتِ زَمعةَ زَوْجته، وأُسامةَ بنِ زَيْد وأُمِّه أُمِّ أَيمَنَ، وأمَّا زَيْنبُ بنتُ رسولِ الله ﷺ فلم يُمكِّنْها زوجها أبو
عدد الصفحات ٢٦٠261 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد العاصِ بنُ الرَّبيعِ من الخُ روج، وخرَج عبدُ الله بن أبي بَكْر معَهُم بعِيالِ أبي بَكر وفيهم عائِشةُ، فنزَلوا في بيت حارِثةَ بن النُّعمانِ. وجعَل قِبلةَ مَسجِده إلى بيتِ المَقدِس، وجعَل له ثلاثة أبواب، بابًا في مُؤخَّره، وبابًا يُقال له: بابُ الرَّحمْة، والباب الَّذي يَدخُل منه رَسو لُ الله ﷺ، وجعَل عَمَده الجَذوع، وسقف بالجَريد، وبنَى إلى جَنْبه بُيوت الحُجَرِ باللبِن، وسَقفها بالجَريد والجُذوع، فلماَّ فرَغ منَ البِناء بنَى بعائِشةَ في البيت الَّذي بَناهُ لها شرَقيَّ المَسجِد قِبليه، وهما مَكان حُجْرته اليومَ، وجعَل لسَودةَ بنتِ زَمع ةَ بيتًا آخَرَ. 15- فصل [ﷺ بنين المهاجرين والأنصار ثُمَّ آخَى رَسولُ الله ﷺ بين المُهاجِرين والأَنْصار في دار أَنَس بنِ مالِكٍ، وكانوا تِسعينَ رجُلاً نِصفُهم منَ المُهاجِرين ونِصفُهم منَ الأَنصار، آخَى بينَهم على المُواساة، ويَتَوارَثون بعد الموت دونَ ذَوي الأَرْحام إلى حين وَقْعة بَدْر، فلَماَّ أَنزَل اللهُ :﴿ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [6] رُدَّ التَّوارُث إلى الرَّحِم دونَ عَقْد الأُخوَّة. 16- فصل [ﷺ يهود المدين ث حماربنته له ] ووادَعَ رسولُ ا ﷺ مَن بالمَدينة من اليَهود، وكتَبَ بينَه وبينَهم كِتابًا، وبادَر حَبرْهم وعالمِهم عبدُ الله بنُ سَلاَم فدخَل في الإسلام، وأَبَى عامَّتُهم إلاَّ الكُفر.
عدد الصفحات ٢٦١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |260 وكانوا ثلاثَ قَبائِلَ: بَنو قَينُقاعٍ، وبَنو النَّضير، وبَنو قُريظةَ، وحارَبَته الثلاثةُ، فمَنَّ على بَ ني قَينُقاع، وأَجلىَ بني النَّضير، وقتَلَ بني قُريظةَ وسَبَى ذُرِّيَّتهم، ونزَلت سُورةُ الحَشرْ في بَني النَّضير، وسُورة الأحزاب في بَني قُريظةَ. 17- فصل [ وكان يُصليِّ إلى قِبلة بَيْت المَقدِس، ويحُِبُّ أن يُصرَف إلى الكَعبة، فقال لجِبريلَ: «وَدِدْتُ أَنْ صرَفَ اللهُ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ »، فقال: إنَّما أنا عَبدٌ، فادْعُ ربَّكَ وسله. فجعَلَ يُقلِّب وجهَه في السماء يَرجو ذلك، حتى أَنزَل الله عليه: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [144]. وذلِك بعد سِتةَ عشرَ شهرًا من مَقدَمه المَدينةَ قبل وقعة بَدْر بشَهْرين. وكان في جَعْل القِبلة إلى بيت المَقدِس ثُم تحَويلها إلى الكَعبة حِكَم عَظيمة، ومحِْنة للمُسلِمين والمُشرِكين واليَهود والمُنافِقين. فأمَّا المُسلِمون فقالوا: سمِعْنا وأَطَعْنا وقالوا: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ [ عمران7]، وهُمُ ال ذين هَدَى الله، ولم تَكُن كَبيرة علَيْهم. وأمَّا المُشرِكون فقالوا: كما رجَعَ إلى قِبلتِنا، يُوشِك أن يَرجِع إلى دِينِنا، وما رجَعَ إليها إلاَّ لأنها الحقُّ. وأمَّا اليَهودُ فقالوا: خالَفَ قِبلة الأَنْبياء قبلَه، ولو كان نبيًّا لكان يُصليِّ إلى قِبلة الأَنبياء.
عدد الصفحات ٢٦٢