231 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فإن قيل: فإذا كان به زكام فهو أولى أن يُدعَى له ممَّن لا علةَ به؟ قيل: يُدعَى له كما يُدعى للمريضِ ومَن به داءٌ ووجعٌ، وأما سنة العطاسِ الذي يحبُّه الله فإنما يكونُ إلى تمامِ الثلاثِ، وما زاد عليها يُدعَى لصاحبه بالعافية، وقولُه في هذا الحديث: «الرجلُ مزكو مٌ » تنبيهٌ على الدعاءِ له بالعافية؛ لأن الزكمةَ علةٌ، وفيه اعتذارٌ مِن تركِ تشميتِه بعدَ الثلاث، وفيه تنبيهٌ له على هذه العلةِ ليتداركَها ولا يهملها، فيصعب أمرُها، فكلامُه ﷺ كلُّه حكمةٌ ورحمةٌ وعلمٌ وهدًى. فصل وصحَّ عنه ﷺ أن اليهودَ كانوا يتعاطسون عنده، يَرجون أن يقول لهم: يَرحمُكم الله. فكان يقول: «يََديكُم الله ويُصلحُ بالكم »(1). 15- فصل في هديِه ﷺ في بذكارِ السفرِ وآدابنِ ه صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «إذا هم أحدُكم بالأمر، فليرَكَع ركعتين من غ الفريضةِ، ثم ليقل: اللهمَّ إني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدرك بقدرتِك، وأسألُك من فضلِك العظيم، فإنك تَقدِر ولا أقدِرُ، وتَعلَم ولا أعلمُ، وأنت علامُ الغيوبِ، اللهم إن كنت تَعلم أن هذا الأمرَ خيرٌ لَ في ديني ومعاشي، وعاجلِ أمري وآجلِه، فاقدره لَ، ويسِه لَ، وبارك لَ فيه، وإن كنت تعلمُه شًِا لَ في ديني ومعاشي، وعاجلِ أمري وآجله، فاصرِفه عني، واصرِفني عنه، واقدُر لََ الخيرَ حيث كان، ثم رَض ني به » قال«ويُسمي حاجَته »(2). (1) أخرجه أبو داود5038)، والترمذي2739.) (2) أخرجه البخاري1162.)
عدد الصفحات ٢٣١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |230 فتضمَّن هذا الدعاءُ: الإقرارَ بوجوده سبحانه، والإقرارَ بصفات كماله من كمالِ العلم والقدرةِ والإرادة، والإقرارَ بربوبيَّتِه، وتفويضَ الأمرِ إليه، والا ستعانةَ به، والتوكلَ عليه، والخروجَ من عهدةِ نفسِه، والتبرِّي مِن الحولِ والقوةِ إلا به، واعترافَ العبد بعجزِه عن علمه بمصلحةِ نفسِه وقدرته عليها، وإرادتِه لها، وأن ذلك كله بيدِ وليه وفاطِرِه وإلهه الحق. فصل وكان إذا ركبَ راحلَته كبرَّ ثلاثا، ثم قال: «سبحان الذي سَخَّرَ لنا هذا، وما كنا له مُقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون » ثم يقول«اللهم إني أسألك في سفرِنا هذا البََّ والتقوى، ومن العملِ ما تَرضى، اللهم هو ن علينا السفرَ، واطو عنا بعدَه، اللهم أنت الصاحبُ في السفرِ، والخليفةُ في الأهل، اللهم اصحَبنا في سفرِ نا، واخلُفنا في أهلِنا»(1). و«صحيح مسلم» أنه كان إذا سافَرَ قال «اللهُمَّ إني أعوذُ بك من وعثاءِ السفرِ، وكآبةِ المنقلبِ، ومن الحَوْرِ بعد الكَوِر، ومن دعوةِ المظلومِ، ومن سوءِ المنظرِ في الأهلِ والمالِ »(2). (1) أخرجه مسلم1342.) (2) أخرجه مسلم1342،1343.)
عدد الصفحات ٢٣٢232 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فصل وكان إذا ودَّعَ أصحابَه في السفرِ يقول لأحدِهم: «أستَودِعُ الله دينَك وأمانتك، وخواتيمَ عملِك »(1)، وقال له رجلٌ: إني أريد سفرًا، فقال «أوصِيك بتقوى الله، والتكبيرِ على كل شٍِف »، فلما ولىَّ قال «اللهُمَّ ازوِ له الأرضَ، وهو ن عليه السفرَ »(2). وكان النبي ﷺ وأصحابُه إذا عَلَوا الثنايا كبروا، وإذا هبَطوا سبَّحوا، فوُضِعَت الصلاةُ على ذلك. وكان سيرُه في حجه العَنَق، فإذا وجدَ فجوة رفعَ السيرَ فوق ذلك، وكان يقول: «لا تصحَبُ الملائكةُ رفقةً فيها كلبٌ ولا جرس »(3). وكان يكره للمسافرِ وحده أن يسيرَ بالليل فقال «لو يَعلَمُ الناس ما الوحدةِ ما سارَ أحد وحدهُ بليلٍ »(4)، بل كان يكرَه السفرَ للواحدِ بلا رفقةٍ، وأَخبرَ أن الواحدَ شيطانٌ، والاثنانِ شيطانانِ، والثلاثةُ ركبٌ »(5). وكان يقول «إذا نزلَ أحدُكم منزلاً فليقل أعوذُ بكلمات الله التاماتِ من شِ ما خلقَ؛ فإنه لا يضرُّه شيء حتى يرتحَِل منه »(6). (1) أخرجه أبو داود(2600)، والترمذي3443.) (2) أخرجه الترمذي3445)، وابن ماجه2771.) (3) أخرجه مسلم2113.) (4) أخرجه البخاري2998.) (5) أخرجه أبو داود2607)، والترمذي1674.) (6) أخرجه مسلم2708.)
عدد الصفحات ٢٣٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |233 وكان يقول«إذا سافَرتُم في الخِصبِ فأعطوا الإبلَ حظَّها من الأرضِ، وإذا سافَرتُم في السَّنةِ، فبادِروا نِقيها »(1). وكان إذا بدا له الفجرُ في السفرِ قال «سمعَ سامعٌ بحمدِ الله ونعمتِه وحسنِ بلائه علينا، ربنا صاحِبْنا وأَفضِل علينا، عائذًا بالله من النارِ »(2). وكان ينهى أن يسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدو مخافةَ أن ينالَه العدو، وكان يَنهى المرأة أن تُسافرَ بغير محرمٍ، ولو مسافة بريدٍ، وكان يأمُرُ المسافرَ إذا قضَ نهمَتَهُ من سفرِه، أن يُعجِّلَ الأوبة إلى أهله. وكان إذا قفلَ من سفرِه، يكبرِّ على كل شرََفٍ من الأرضِ ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحدهُ لا شِيكَ له، له الملكُ، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابِدون، لربنا حامِدون، صدق الله وعدَه ونصَِ ع بدَه، وهزمَ الأحزابَ وحده »(3). وكان يَنهى أن يَطرُق الرجلُ أهلَه ليلاً إذا طالت غيبتُه عنهم وكان إذا قدمَ من سفرِه يُلَقى بالولدان من أهل بيتِه، وكان يعتَنِق القادمَ من سفرِه، ويقبلُه إذا كان من أهلِه، وكان إذا قدمَ من سفر، بدأ بالمسجدِ، فركع فيه ركعتين. (1) أخرجه مسلم1926.) (2) أخرجه مسلم2718.) (3) أخرجه البخاري1797.)
عدد الصفحات ٢٣٤234 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 16- فصل في هديِه ﷺ في بذكارِ النراحِ ثبتَ عنه ﷺ أنه علَّمَهم خطبةَ الحاجة: «الحمدُ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شِورِ أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يَدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسولُه، ثم يقرأ آيات: (ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ) [102]،(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ) [1]،(ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ) [ 70 – 71] ،قال شعبةُ: قلتُ لأبي إسحاق: هذه في خطبةِ النكاحِ أو في غيرِها؟ قال: في كلِّ حاجةٍ (1). وقال«إذا أفادَ أحدُكم امرأةً أو خادمًا أو دابةً، فليأخُذْ بناصيتِها وليدعُ ا بالبَكةِ ويُسم ي الله ، وليقل: اللهُمَّ إني أسألُك خيرَها وخيرَ ما جُبِلت عليه، وأعوذُ بك من شِ ها وشِ ما جُبِلت عليه »(2). وكان يقول للمتزوجِ«باركَ الله لك وباركَ عليك، وجمعَ بينكُما في خيرٍ »(3). (1) أخرجه أبو داود 2118)، والترمذي 1105)، والنسائي 1404)، وابن ماجه 1892.) وقول شعبة عند الطيالسي (336.) (2) أخرجه أبو داود2160)، وابن ماجه1918.) (3) أخرجه أبو داود2130)، والترمذي1091)، وابن ماجه1905.)
عدد الصفحات ٢٣٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |235 وقال«لو أن أحدَكُم إذا أرادَ أن يأتي أهلَه، قال: بسمِ الله، اللهمَّ جَن بنا الشيطانَ وجنب الشيطانَ ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولدٌ في ذلك لم يضرُّه شيطانٌ أبدًا »(1). 17- فصل فمدا يقولُ من ربى مُ بتَ لًى صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «ما منرجلٍ رأى مُبتلىً فقال: الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاكَ به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلقَ تَفضيلاً. إلا لم يُصبْهُ ذلك البلاءُ كائنًا ما كان»(2). 16- فصل فمدا يقوله من ربى في منامِ ه ما يررهُ هُ صحَّ عنه ﷺ: «الرُّؤيا الصالحةُ من الله، والحُلمُ من الشيطانِ، فمن رأى رُؤيا يكرهُ منها شيئًا فلينفُث عن يسارِه ثلاثًا، وليتعوَّذ بالله من الشيطانِ فإنها لا تضرُّه ولا يَبَ بها أحدًا، فإن رأى رؤيا حسنةً فليَستَبشَِ، ولا يَُبَِ بها إلا من يُُب »(3). وأمرَ من رأى ما يكرهُه أن يتحول عن جنبِه الذي كان عليه، وأمره أن يُصلي(4). (1) أخرجه البخاري5165)، ومسلم1434.) (2) أخرجه الترمذي3432.) (3) أخرجه البخاري5747)، ومسلم2261.) (4) أخرجه مسلم2262.)
عدد الصفحات ٢٣٦236 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فأمرَهُ بخمسةِ أشياءَ: أن ينفُث عن يسارِه، وأن يَستعيذَ بالله من الشيطانِ، وألا يخُبرِ بها أحدًا، وأن يتحولَ عن جنبِه الذي كان عليه، وأن يقومَ يُصلي، ومتى فعلَ ذلك لم تضْه الرؤيا المكروهة، بل هذا يدفَعُ شرََّها. وقال: «الرؤيا على رِجلِ طائرٍ ما لم تُعبََ ، فإذا عبَ ت وقعت، ولا يَقُصها إلا على وادٍّ أو ذي رأيٍ »(1). 19- فصل فمدا يقولُ ه ويفعلُ ه من بنُ ل َ بنالوسواسِ ، وما يَ ستعين بنه على الوسوس ِ قال عثمانُ بن أبي العاصِ: يا رسولَ الله، إن الشيطانَ قد حالَ بيني وبين صلاتي وقراءَتي، قال: «ذاك شيطانٌ يُقال له: خِنْزَب، فإذا أحسَستَه فتعوَّذ بالله منه، واتفل عن يسارِك ثلاثًا »(2). وشكا إليه الصحابةُ أن أحدَهم يجدُ في نفسِه - يعرض بالشِء - لأن يكونَ حمَُ مَ ةً أحبُّ إليه من أن يتكلمَ به، فقال: «الله أكبَ، الله أكبَ، الحمدُ لله الذي رد كيدَه إلى الوسوسةِ »(3). وقالﷺ: «لا يَزالُ الناس يَتساءلون حتى يقولَ قائِلُهم: هذا الله خَلَقَ الخلقَ، فمن خلقَ الله؟ فمن وجدَ من ذلك شيئًا، فليستَعِذ بالله ولينتَهِ »(4). (1) أخرجه أبو داود5020)، والترمذي2279.) (2) أخرجه مسلم2203.) (3) أخرجه أبو داود5112.) (4) أخرجه البخاري3286)، ومسلم134.)
عدد الصفحات ٢٣٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |237 21- فصل فمدا يقولُ ه ويفعلُ ه من اشتدَّ غضبُ ه أمرَهُ ﷺ أن يُطفئَ عنه جمرةَ الغضب بالوضوء، والقعودِ إن كان قائماً، والاضطجاعِ إن كان قاعدًا، والاستعاذةِ بالله من الشيطان الرجيمِ (1). ولما كان الغضبُ والشهوةُ جمرتين من نارٍ في قلبِ ابن آدم، أمر أن يُطفِئَه بالوضوءِ والصلاةِ، والاستعاذةِ من الشيطان الرجيمِ. 21- فصل [فمدا يقوله من ربي ما يحب وكان ﷺ إذا رَأى ما يحبُّ قال: «الحمدُ لله الذي بنعمتِه تتمُّ الصالحاتُ. وإذا رَأى ما يكرهُ قال: «الحمدُ لله على كل حالٍ »(2). 22- فصل [فمدا يقوله من تُقرِّ إلمه بو صُنع له معروفا وكان ﷺ يدعو لمن تَقَرَّب إليه بما يحبُّ وبما يناسبُ، فلما وضعَ له ابن عباسٍ وَضوءه قال: «اللهم فَق ههُ في الدين، وعل مه التأويلَ »(3). وقال«مَن صُنِعَ إليه معروفٌ فقال لفاعلِه: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغَ الثناءِ »(4). (1) أخرجه أبو داود4784.) (2) أخرجه ابن ماجه (3803.) (3) أخرجه البخاري143)، ومسلم2477.) (4) أخرجه الترمذي2035.)
عدد الصفحات ٢٣٨238 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد واستقرَضَ مِن عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ مالاً، ثم وفَّاه إياه وقال: «بارَك الله لك في أهلِك ومالِك، إنما جزاءُ السلفِ الحمدُ والأداءُ »(1). ولما أراحَهُ جريرٌ من ذي الخُلصةِ -صنمِ دَوْسٍ - برَّكَ على خيلِ قبيلتِه أحمس ورجالها خمسَ مرات (2). وكانﷺ إذا أُهدِيَت إليه هديةٌ فقَبِلَها؛ كافأ عليها بأكثرَ منها، وإن ردَّها اعتذر إلى مُهديها، كقوله ﷺ للصعبِ بن جَثَّامة لما أَهدى إليه لحمَ الصيد: «إنا نردَّهُ عليك إلا أنَّا حُرُم »(3). 23- فصل[فمدا يقوله من سمع نهمق الحدار وصماح الدير وأمرَ ﷺ أُمته إذا سمِعوا نهيقَ الحمارِ أن يتعوذوا بالله من الشيطانِ الرجيم، وإذا سَمِعوا صياحَ الدِّيَكةِ أن يَسألوا الله من فضلِه (4). 24- [فصل في كراه خلو المجلس من ذكر ا وكرهَ ﷺ لأهلِ المجلس أن يخُلوا مجلسَهم من ذكرِ الله ، وقال «ما من قومٍ يَقومون من مجلسٍ لا يَذكرون الله فيه، إلا قاموا على مثل جيفةِ الحمارِ »(5). (1) أخرجه ابن ماجه2424)، والنسائي4683.) (2) أخرجه البخاري4356)، ومسلم2476.) (3) أخرجه البخاري2585)، ومسلم3536.) (4) أخرجه البخاري3303)، ومسلم2729.) (5) أخرجه أبو داود4855.)
عدد الصفحات ٢٣٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |239 وقال«مَن قعدَ مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرَةٌ، ومن اضطجعَ مضجعًا لا يَذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرَ ةٌ »(1)، والترَِةُ: الحسرةُ وقال ﷺ: «مَن جلسَ في مجلسٍ فكثر فيه لغطُه، فقال قبل أن يقومَ من مجلسِه: سبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، أشهدُ ألا إله إلا أنت، أستغفرُك وأتوبُ إليك، إلا غُفرَ له ما كان في مجلسِه ذلك »(2). 25- فصل [فمدا يقوله من فزع وكان ﷺ يُعَلِّم أصحابهُ من الفزعِ: «أعوذُ بكلمات الله التامةِ من غضبِه، ومن شِ عبادِه، ومن شِ همزات الشياطين، وأن يَُضرون »(3). 26- فصل في بلفاظٍ كان ﷺ يررهُ بن تُ قالَ فمنها: أن يقولَ: خبثَتْ نفسيِ، أو جاشَتْ، وليقل: لَقِسَتْ (4). ومنها: أن يُسمِّي شجرَ العنبِ كَرْما، نهى عن ذلك، وقال «لا تقولوا الكَرْمُ، ولكن قولوا: العنبُ والحبلةُ »(5). وكره أن يقولَ الرجلُ: هلك الناسُ. وقال «إذا قالَ ذلك فهو أَهْلَكُهم »(6) . (1) أخرجه أبو داود4856)، والترمذي3380.) (2) أخرجه الترمذي3433.) (3) أخرجه أبو داود3893)، والترمذي3528.) (4) أخرجه البخاري6179)، ومسلم2250.) (5) أخرجه مسلم2248.) (6) أخرجه مسلم2623.)
عدد الصفحات ٢٤٠241 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وفي معنى هذا: فسدَ الناسُ، وفسد الزمانُ ونحوه. ونهى أن يُقالَ: ما شاء الله وشاء فلان، بل يُقال: ما شاء الله ثم شاء فلان. وقال له رجلٌ: ما شا ء الله وشئتَ. فقال: «جعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحدَه »(1). وفي معنى هذا: لولا الله وفلانٌ لما كان كذا، بل وهو أقبحُ وأنكرُ ومنها: أن يقال: مُطِرنا بَنَوءِ كذا وكذا. بل يقول: مُطِرنا بفضلِ الله ورحمته(2). ومنها: أن يحَلِف بغيرِ الله، صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «من حلفَ بغيرِ الله فقد أشَِكَ »(3). ومنها: أن يقولَ في حَلِفه: هو يهَوديٌّ أو نَصرانيٌّ أو كافرٌ إن فعلَ كذا (4). [ومنها: أن يقولَ لمسلمٍ: يا كافرُ (5). ومنها: أن يقولَ للسلطانِ: ملكُ الملوكِ (6). وعلى قياسِه قاضي القضاةِ ومنها: أن يقولَ السيدُ لغلامِه وجاريتِه: عبدي وأمتي، أو يقول الغلامُ لسيدِه: ربي، وليقل السيدُ: فتاي وفتاتي، وليقل الغلامُ: سيدي وسيدتي (7). (1) أخرجه ابن ماجه2117)، وأحمد4/341 (2561.) (2) أخرجه البخاري846)، ومسلم71.) (3) أخرجه أبو داود3251)، والترمذي1535.) (4) أخرجه أبو داود3258)، والنسائي3772.) (5) أخرجه البخاري6104)، ومسلم60.) (6) أخرجه البخاري6206)، ومسلم2143.) (7) أخرجه البخاري (2552)، ومسلم2249.)
عدد الصفحات ٢٤١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |240 ومنها: سبُّ الريحِ إذا هبَّت، بل يسأل الله خيرَها، وخيرَ ما أُرسِلَت به، ويعوذُ بالله من شرها وشرِّ ما أُرسلت به (1). ومنها: سبُّ الحمى، نهى عنه، وقال: «إنها تُذهِب خطايا بني آدمَ، ك يُذهِب الكيرُ خَبثَ الحديدِ »(2). ومنها: النهيُّ عن سب الديك، صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «لا تَسُبُّوا الديكَ فإنه يوقظُ للصلاة »(3). ومنها: الدعاءُ بدعوى الجاهلية (4)، والتَّعَزِّي بعزائِهم (5)، كالدعاءِ إ القبائِلِ والعصبية لها وللأنسابِ، ومثله التعصبُ للمذاهبِ والطرائِقِ والمشايخِ. ومنها: تسميةُ العِشاء بالعتَمةِ تسميةً غالبةً يهُجَرُ فيها لفظ العشاءِ (6). ومنها: النهي عن سباب المسلِمِ (7)، وأن يتناجى اثنان دون الثالث(8)، وأن تخُبرَِ المرأةُ زوجَها بمحاسن امرأةٍ أخرى (9). (1) أخرجه أبو داود5097)، والترمذي2252.) (2) أخرجه مسلم2575.) (3) أخرجه أبو داود5101.) (4) أخرجه البخاري1294)، ومسلم103.) (5) أخرجه أحمد35/157 (21233.) (6) أخرجه مسلم644.) (7) أخرجه البخاري6044)، ومسلم64.) (6) أخرجه البخاري6288)، ومسلم2184.) (9) أخرجه البخاري5240.)
عدد الصفحات ٢٤٢242 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومنها: أن يقول في دعائِه: «اللهمَّ اغفر إن شئتَ، وارحمني إن شئتَ »(1). ومنها: الإكثارُ من الحَلفِ (2). ومنها: أن يحُدِّث الرجلُ بجماعِ أهله، وما يكون بينه وبينها (3)، كما يفعلُه السفلةُ. فصل وليُحذَر كلَّ الحذرِ من طغيان «أنا»،«و»،«وعندي»، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليسُ وفرعونُ، وقارونُ، (ﭚ ﭛ ﭜ ) [12] لإبليس، و(ﭻ ﭼ ﭽ ) [51] لفرعون، و (ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ) [ 78] لقارون وأحسنُ ما وُضِعَت «أنا» في قولِ العبدِ: أنا العبدُ المذنبُ الخطاء المستغفرُ المعترفُ ونحوه. «و» في قولِه: لي الذنبُ، ولي الجرمُ، ولي المسكنةُ، ولي الفقرُ والذل «وعندي» في قولِه «اغفِر لَ جد ي، وهَزلَ، وخطئِي، وعمدِي، وكلُّ ذلك عندي»(4). (1) أخرجه البخاري6339)، ومسلم2679.) (2) أخرجه مسلم1607.) (3) أخرجه مسلم1437.) (4) أخرجه البخاري6399)، ومسلم2719.)
عدد الصفحات ٢٤٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |243 [ لمَّا كان الجهادُ ذروةَ سنام الإسلام وقبَّته، ومنازلُ أهلِه أعلى المنازل في الجنةِ، كما لهم الرفعةُ في الدنيا، فهم الأعلونَ في الدنيا والآخرةِ، كان رسولُ الله ﷺ في الذُّروةِ العليا منه، فاستولى على أنواعِه كلِّها فجاهد في الله حقَّ جهادِه بالقلب والجَنانِ والدعوة والبيانِ والسيف والسِّنانِ، وكانت ساعاتُه موقوفةً على الجهاد بقلبِه ولسانه ويدِه؛ ولهذا كان أرفعَ العالمين ذِكرًا، وأعظمَهم عند الله قدرًا. ولما كان جهادُ أعداءِ الله في الخارج فرعًا على جهاد العبدِ نفسَه في ذات الله، كما قال النبيُّ ﷺ: «المجاهدُ م ن جاهد نفسَه في طاعةِ الله، والمهاجرُ من هجر ما نهى الله عنه»(1)؛ كان جهادُ النفس مقدَّمًا على جهاد العدوِّ في الخارج فهذان عدوانِ قد امتُحن العبدُ بجهادهما، وبينهما عدوٌّ ثالثٌ لا يمكنه جهادُهما إلا بجهادِه، وهو واقفٌ بينهما يُثبِّط العبدَ عن جهادِهما ويخُ ذِّله، وهو الشيطانُ، قال تعالى: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ) [6]، والأمرُ باتخاذِه عدوًّا تنبيهٌ على استفراغِ الوسع في محاربتِه. فهذه ثلاثةُ أعداءٍ أُمر العبدُ بمحاربتها وجهادِها، وقد بُليَِ العبد بمحاربتِها في هذه الدارِ، وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاءً، وأعطى الله العبدَ مددًا وعدةً وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهادِ، وأعطى أعداءَه مددًا وعدةً وأعوانًا وسلاحًا، وبَلا أحدَ الفريقين بالآخرِ، وجعل بعضَهم لبعض فتنةً ليبلو أخبارَ هم، ويمتحنَ من يتولاه ويتولىَّ رسلَه ممن يتولى الشيطانَ وحزبَه. (1) أخرجه أبو داود1449)، والنسائي2526) بنحوه
عدد الصفحات ٢٤٤244 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأمرَهم أن يجُاهدوا فيه حقَّ جهادِه، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، يجاهدُ العبد نفسَه ليُسلِم قلبَه ولسانه وجوارحَه لله، ويجاهدُ شيطانَه بتكذيب وعدِه، ومعصيةِ أمره، فينشأُ له من هذين الجها دين قوةٌ يجاهدُ بها أعداءَ الله في الخارج بقلبِه ولسانِه ويده وماله؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا. 1- فصل [ فالجهادُ أربع مراتبَ: جهادُ النفسِ، وجهادُ الشيطانِ، وجهادُ الكفارِ، وجهادُ المنافقينَ. فجهادُ النفسِ أربعُ مراتب أيضًا: إحداها: أن يجُاهدها على تعلُّم الهُدى. الثانيةُ : أن يجُاهدها على العملِ به بعد عِلمه. الثالثةُ : أن يجاهدَها على الدعوةِ إليه، وتعليمِه لمن لا يَعلمُه. الرابعةُ : أن يجُاهدَها على الصبرِ على مَشاقِّ الدعوةِ إلى الله. فإذا استكمل هذه المراتبَ الأربعَ صار من الربَّانيين، فإن السلفَ مجُمعون على أن العالمَِ لا يستحقُّ أن يُسمَّى ربانيًّا حتى يَعرف الحقَّ ويعملَ به ويُعلِّمَه. وأما جهادُ الشيطانِ فمرتبتان: إحداهما: جهادُه على دفعِ ما يُلقي إلى العبد من الشُّبهاتِ والشكوكِ القادحةِ في الإيمانِ.
عدد الصفحات ٢٤٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |245 الثانيةُ: جهادُه على دفع ما يُلقي من الإرادات الفاسدةِ والشَّهواتِ. فالجهادُ الأوَّل يكون بعُدَّة اليقينُ، والثاني يكون بعُدَّة الصبرِ. قال تعالى: (ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ) [24]. وأما جهادُ الكفَّارِ والمنافقين فأربعُ مراتبَ : بالقلبِ، واللسانِ، والمالِ، والنفسِ. وجهادُ الكفار أخصُّ باليَدِ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان. وأما جهادُ أرباب الظُّلمِ والمنكرات والبِدَع فثلاثُ مراتبَ : الأولى: باليد إذا قدَر، فإن عجز انتقلَ إلى اللسانِ، فإن عجز جاهد بقلبِه. فهذه ثلاث عشرَة مرتبةً من الجهاد، و «مَن مات ولم يَغزُ ولم يُُد ث نفسَه بالغزو مات على شُعبَةٍ من الن فاق »(1). 2- فصل في شرطِ اجوهادِ ولا يَتمُّ الجهادُ إلا بالهجرةِ، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمانِ، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثَةِ، قال تعالى: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ) [218]. وكما أن الإيمانَفرضٌ على كُلِّ أحد ففرضٌ عليه هجرتانِ في كل وقتٍ: - هجرةٌ إلى الله بالإخلاصِ والتوحيدِ والإنابةِ والتوكلِ والخوفِ والرجاءِ والمحبةِ والتوبةِ. (1) أخرجه مسلم(1910.)
عدد الصفحات ٢٤٦