204 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الرابعُ : أن يقولَ بعد صلاته عليه: «اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامةِ، والصلاة القائمةِ، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إنك لا تخُلفُ الميعادَ »(1). الخامسُ: أن يَدعو لنفسِه بعد ذلك، ويَسألَ الله من فضلِه، فإنه يُستجابُ له كما في «السنن» عنهﷺ: «قل كما يَقولون -يَعني: المؤذِّنين - فإذا انتهيتَ فسَل تُعطَه»(2). وفي السنن عنهﷺ: «الدعاءُ لا يُردُّ بين الأذانِ والإقامة »،قالوا: فما نقولُ يا رسولَ الله؟ قال: «سلوا الله العافيةَ في الدنيا والآخرةِ » حديث صحيح(3). 7- فصل [في هديِ ه ﷺ في الذكر في عشر ذي الحج وكان ﷺ يُكثرُ الدعاءَ في عشر ذي الحجة، ويأمرُ فيه بالإكثارِ من التهليلِ والتكبير والتحميدِ. ويُذكر عنه أنه كان يكبرِّ مِن صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ إلى العصرِ من آخرِ أيام التشريقِ فيقول: «الله أكبَ الله أكبَ، لا إله إلا الله، والله أكبَ الله أكبَ و الحمد»(4)،وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه. (1) أخرجه البخاري614.) (2) أخرجه أبو داود524.) (3) أخرجه أبو داود521)، والترمذي3594.) (4) أخرجه الدارقطني2/390 (1737)، والبيهقي في الدعوات الكب2/165 (540.)
عدد الصفحات ٢١٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |205 قال الشافعي: وإن زاد فقال: الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ ا بكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا الله، ولا نعبدُ إلا إيَّاه مخلصين له الدينَ ولو كَرِه الكافرون، لا إلهَ إلا الله وحده، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَ ه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، لا إلهَ إلا الله واللهُ أكبر؛ كان حسنًا (1). 6- فصل في هديه ﷺ في الذكر عند رؤي الهلال يُذكرُ عنه أنه كان يقول: «اللهُمَّ أَهِلَّه علينا بالأمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، ربي وربُّك الله»، قال الترمذي: حديث حسن(2). ويُذكرُ عنه أنه كان يقول عندَ رؤيتِه «اللهُ أكبَ، اللهُمَّ أَهِلَّه علينا بالأمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، والتوفيقِ لما تحبُّ ربَّنا وترضى، ربُّنا وربُّك الله » ذكره الدارمي(3). 9- فصل في هديِه ﷺ في بذكارِ الطعامِ قبله وبنعده كان إذا وَضعَ يدَه في الطعامِ قال: «بسمِ ا »، ويأمرُ الآكلَ بالتسميةِ، ويقول: «إذا أكلَ أحدُكم فليذكر اسمَ الله، فإن نسيَ أن يذكرَ اسم الله في أولهِ؛ فليقل: بسمِ الله في أولِه وآخرِه » حديث صحيح(4). والصحيحُ وجوب التسميةِ عند الأكلِ (1) الأم للشافعي2/520-521. (2) أخرجه الترمذي3451.) (3) أخرجه الدارمي2/1050 (1729.) (4) أخرجه أبو داود3767)، والترمذي1858.)
عدد الصفحات ٢١٦206 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان إذا رُفعَ الطعامُ من بين يديه يقولُ: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرُ مَكفيٍّ ولا مُودَّعٍ ولا مُستَغنًى عنه، ربنا »،ذكره البخاري(1). وكان يقول«الحمدُ لله الذي أطعم وسقَى وسوَّغه وجعلَ له مُرجًا »(2). وذكر البخاري عنه أنه كان يقولُ«الحمدُ لله الذي كفانا [»(3). وذكرَ الترمذي عنه أنه قال «مَن أكلَ طعامًا فقال: الحمدُ لله الذي أطعمَني هذا مِن غير حولٍ مني ولا قوة؛ غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبِه » حديث حسن(4). ويُذكرُ عنه أنه كان إذا قُرِّب إليه الطعامُ قال «بسم ا »، فإذا فرغَ من طعامِه قال: «اللهُمَّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقنيتَ وهديتَ وأحييتَ؛ فلك الحمدُ على ما أعطيتَ » وإسناده صحيح(5). و«السنن» عنه أيضًا «إذا أَكَلَ أحدُكم طعامًا فليقل: اللهُمَّ بارِك لنا فيه، وأطعِمنا خيرًا منه. ومَن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهُم بارِك لنا فيه، وزِدنا منه؛ فإنه ليس شيءٌ يَُزئ عن الطعامِ والشَابِ غيرَ اللبنِ » حديث حسن(6). ويُذكرُ عنه أنه كان إذا شرَِبَ في الإناءِ تنفَّس ثلاثةَ أنفاسٍ (1) أخرجه البخاري5458.) (2) أخرجه أبو داود3851.) (3) أخرجه البخاري5459.) (4) أخرجه أبو داود4023)، والترمذي3458)، وابن ماجه3285 .) (5) أخرجه أحمد27/140 (16595.) (6) أخرجه أبو داود3730)، والترمذي3455)، وابن ماجه3322.)
عدد الصفحات ٢١٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |207 11- فصل [في هديِ ه ﷺ في الطعام وكان ﷺ إذا دخلَ على أهلِه ربما سألهم: «هل عندكم طعام؟»(1)، وما عاب ﷺ طعامًا قط، بل كان إذا اشتهاهُ أكله، وإن كرههُ تركه وسكت، وربما قال: «أَجِدُني أعافُه »(2) أي: لا أشتهيهِ وكان يمدحُ الطعام أحيانًا، كقوله: «نِعمَ الإدامُ الخل »(3) وليس في هذا تفضيلٌ له، وإنما هو مدحٌ له في تلك الحالِ التي حضَْ فيها، وتطييبًا لقلب من قَدَّمه. وكان إذا قُرِّب إليه طعامٌ وهو صائم قال: «إني صائمٌ»(4) وأمر من قُرِّبَ إليه أن يدعو لمن قدَّمه، وإن كان مفطرًا أن يأكُلَ منه (5). وكان إذا دُعي لطعامٍ وتبعه أحدٌ، أعلَمَ به ربَّ المنزل، وقال «إن هذا تَبِعَنا، فإن شئتَ أن تأذَنَ له وإن شئت رجعَ »(6). وكان يتحدَّثُ على طعامِه كما تقدَّم في حديثِ الخلِّ، وكما قال لربيبِه عمرَ بنِ أبي سلمة وهو يؤاكِلُه: «سم الله، وكُلْ مما يَلِيك »(7). (1) أخرجه مسلم1154.) (2) أخرجه البخاري5400)، ومسلم1946.) (3) أخرجه مسلم2053.) (4) أخرجه البخاري1982.) (5) أخرجه مسلم1431.) (6) أخرجه البخاري5461.) (7) أخرجه البخاري (5376)، ومسلم2022.)
عدد الصفحات ٢١٨208 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وربما كان يكرِّر على أضيافِه عرضَ الأكل عليهم مرارًا، كما يفعلُه أهل الكرمِ كما في حديثِ أبي هريرة عند ال بخاريِّ في قصة شرُبِ اللبن وقوله له مرارًا: «اشِب»، فما زالَ يقولُ «اشِب» حتى قال: والذي بعثَك بالحقِّ لا أجدُ له مَسلكًا (1). وكان إذا أكلَ عند قومٍ لم يخَرُج حتى يدعوَ لهم، فدعا في منزلِ عبدِ الله بن بُسر، فقال: «اللهمَّ بارك لهم فيما رزقتَهم، واغفر لهم وارحمهم»، ذكره مسلم(2). ودعا في منزلِ سعدِ بنِ عبادةَ فقال «أفطَرَ عندكُم الصائمون، وأكلَ طعامَكم الأبرارُ، وصلَّتْ عليكم الملائكةُ »(3). وصحَّ عنه ﷺ أنه دخلَ منزله ليلةً فالتمسَ طعامًا فلم يجده فقال: «اللهم أَطعِم من أطعَمَني، واسقِ من سقاني »(4). وكان يدعو لمن يضيفُ المساكين، ويُثني عليهم، فقال مرةً «ألا رجلٌ يضيف هذا رحمه الله »(5) وقال للأنصاريِّ وامرأتِه اللذين آثرا بقُوْتهِما وقوتِ صبيانهِما ضيفَهما: «لقد عَجِبَ الله من صنيعِكما بضيفِكما الليلة »(6). وكان لا يَأنَف من مؤاكلةِ أحدٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًّا كان أو عبدًا، أعرابيًّا أو مهاجرًا. (1) أخرجه البخاري6452.) (2) أخرجه مسلم2042.) (3) أخرجه أبو داود3845.) (4) أخرجه مسلم2055.) (5) أخرجه البخاري4889)، ومسلم2054.) (6) أخرجه مسلم2054.)
عدد الصفحات ٢١٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |209 وكان يأمُر بالأكلِ باليمين، وينهى عن الأكلِ بالشمالِ، ويقول «إن الشيطانَ يأكُلُ بشمالِه، ويشَبُ بشماله »(1) ومقتضَ هذا تحَريمُ الأكلِ بها، وهو الصحيحُ، فإن الآكلَ بها إما شيطانٌ، وإما مشبهٌ به. وأمرَ مَن شَ كَوا إليه أنهم لا يَشبعون أن يجَتمعوا على طعامِهم ولا يتفرَّقوا، وأن يذكروا اسمَ الله عليه؛ يُباركُ لهم فيه (2). وصحَّ عنه أنه قال «إن الله لَيرَضى عن العبدِ يأكُل الأكلةَ يُمدُه عليها، ويشَبُ الشََّبة يُمدُه عليها »(3). 11- فصل في هديِه ﷺ في السلامِ والاستئذانِ وتَ شدمتِ العاطسِ ثبتَ عنه ﷺ في «الصحيح» عن أبي هريرةَ «أن أفضلَ الإسلامِ وخيرَه إطعامُ الطعامِ، وأن تقرأَ السلامَ على مَن عرفتَ وعلى مَن لم تعرِف »(4). وفيه«أن آدمَ عليه السلام لما خلقَه الله قال له: اذهَب إلى أولئك النفرِ مِن الملائكة، فسل م عليهم، واستمِع ما يُيُّونك به، فإنها تحيتُك وتحيةُ ذريتِك، فقال: السلامُ عليكم، فقالوا: السلامُ عليك ورحمةُ الله، فزادوه: ورحمة الله »(5). وفيهما: أنه أمرَ بإفشاءِ السلامِ، وأخبرَهم أنهم إذا أفشَوا السلامَ بينهم تحابوا، وأنهم لا يَدخُلون الجنة حتى يؤمنوا، و لا يُؤمنون حتى يتحابوا(6). (1) أخرجه مسلم2020.) (2) أخرجه أبو داود3764)، وابن ماجه3286.) (3) أخرجه مسلم2734.) (4) أخرجه البخاري6236)، ومسلم39.) (5) أخرجه البخاري3326)، ومسلم2841.) (6) أخرجه مسلم54.)
عدد الصفحات ٢٢٠221 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فصل وثبتَ عنه ﷺ أنه مرَّ بصبيانٍ فسلَّمَ عليهم، ذكره مسلم (1). وذكر الترمذي «جامعه» عنه أنه مرَّ يومًا بجماعةِ نسوةٍ، فألوى بيدِه بالتسليمِ »(2). و«صحيح البخاري »: أن الصحابةَ كانوا ينصرفون من الجمعةِ فيَمرون على عجوزٍ في طريقِهم فيُسلمون عليها، فتُقدم لهم طعامًا من أصولِ السلقِ والشعيرِ (3). وهذا هو الصوابُ في مسألةِ السلامِ على النساءِ: يُسلِّمُ على العجوزِ وذوات المحارمِ دون غيرِهن. فصل وثبتَ عنه في «صحيح البخاري» وغيرِه تسليمُ الصغيرِ على الكبيرِ، والمار على القاعدِ، والراكبِ على الماشي، والقليلِ على الكثيرِ (4). و«سنن أبي داود» عنه«إن أولى النَّاسِ بالله مَن بدأَهم بالسلامِ »(5). وكان من هديِهﷺ السلامُ عند المجيءِ إلى القومِ، والسلامُ عند الانصرافِ عنهم. (1) أخرجه البخاري6247)، ومسلم2168.) (2) أخرجه الترمذي2697.) (3) أخرجه البخاري6248.) (4) أخرجه البخاري6234.) (5) أخرجه أبو داود5197.)
عدد الصفحات ٢٢١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |220 وقال أنسٌ: كان أصحابُ رسولِ ا ﷺ يتماشون، فإذا لقيتهم شجرةٌ أو أكمةٌ تفرَّقوا يمينًا وشمالاً، وإذا التقَوا مِن ورائها سلَّم بعضُهم على بعضٍ. ومن هديِه ﷺ أن الداخلَ إلى المسجدِ يبتدئُ بركعتين تحية المسجدِ (1)، ثم يجيءُ فيسلمُ على القوم، فتكون تحيةُ المسجدِ قبل تحية أهلِه، وحقُّ الله في مثل هذا أَولى بالتقديم بخلافِ الحقوقِ المالية، فإن فيها نزاعًا معروفًا. وعلى هذا: فيُسن لداخلِ المسجد إذا كان فيه جماعةٌ ثلاثُ تحيات مترتبة: أن يقولَ عند دخولِه: بسمِ الله والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، ثم يُصلي ركعتين تحيةَ المسجد، ثم يُسلم على القومِ. فصل وكان ﷺ إذا دخلَ على أهله بالليلِ سلم تسليماً لا يوقِظ النائمَ، ويُسمعُ اليقظانَ ، ذكره مسلم(2). فصل وذكر الترمذي عنه: «السلامُ قبلَ الكلامِ »(3)، وهذا وإن كان إسنادُه ضعيفًا فالعملُ عليه. وأجودُ منها ما رواه الترمذي، عن كَلَدة بن حنبل: «أن صفوانَ بنَ أميةَ بعثَه بلبنٍ ولِبأ وجدايةٍ وضغابيسَ إلى النبي ﷺ، والنبيُّ ﷺ بأعلى الوادي، قال: (1) أخرجه البخاري1163)، ومسلم714.) (2) أخرجه مسلم2055.) (3) أخرجه الترمذي2699.)
عدد الصفحات ٢٢٢222 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فدخلتُ عليه ولم أسلِّم ولم أستأذِن، فقال النبي ﷺ: ارجِع، فقل: السلامُ عليكم، أأدخلُ؟ »، قال: هذا حديث حسن غريب(1). وكان إذا أتى باب قومٍ لم يَستقبل الباب من تلقاءِ وجهه، ولكن من ركنِه الأيمنِ أو الأيسرِ، فيقول: «السلامُ عليكم، السلامُ عليكم »(2). فصل وكان ﷺ يُسلم بنفسه على كلِّ من يواجهُه ، ويحَُمِّل السلامَ لمن يُريدُ السلامَ عليه من الغائبين عنه، ويتحمَّل السلامَ لمن يبلغه إليه، كما تحَمَّل السلامَ من الله على صِدِّيقةِ النساءِ خديجةَ بنتِ خويلد لما قال له جبريلُ هذه خديجةُ قد أتتك بطعامٍ، فأَقرِئها السلامَ من ربهِّا ومِنِّي، وبشرِّه ا ببيت في الجنةِ (3). فصل وكان من هديِه ﷺ انتهاءُ السلامِ إلى: «وبركاتِه»، فذكر النسائي عنه «أن رجلاً جاء فقال: السلامُ عليكم، فردَّ عليه النبيُّ ﷺ وقال: عشَة. ثم جلسَ، ثم جاء آخرُ فقال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله، فردَّ عليه النبيُّ ﷺ وقال: عشَون. ثم جلسَ، وجاء آخرُ فقال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه، فردَّ عليه السلامَ (1) أخرجه الترمذي2710.) (2) أخرجه أبو داود5186.) (3) أخرجه البخاري3820)، ومسلم2432.)
عدد الصفحات ٢٢٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |223 رسولُ ا ﷺ وقال: ثلاثون» رواه النسائي والترمذي من حديث عمران بن حصين وحسنه(1). فصل وكان من هديِه ﷺ أن يُسلم ثلاثًا كما في «صحيح البخاري » عن أنسٍ قال: كان رسولُ ا ﷺ إذا تَكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا(2). ولعل هذا كان هديَه في السلام على الجمعِ الكثيرِ، ومن تأمَّلَ هديَه عَلِمَ أن تكرارَ السلام كان منه أمرًا عارضًا في بعض الأحيان، والله أعلم. فصل وكان ﷺ يَبدأُ من لَقِيَه بالسلامِ، وإذا سلم عليه أحدٌ رد عليه مثلَ تحيتِه أو أفضلَ منها على الفورِ مِن غير تأخيرٍ، إلا لعذرٍ مثل حالة الصلاةِ، وحالة قضاءِ الحاجةِ. وكان ﷺ يُسمِع المسَلِّمَ ردَّه عليه، ولم يكن يرد بيدِه ولا رأسِه ولا أصبعِه، إلا في الصلاةِ فإنه ك ان يردُّ على من سلم عليه إشارةً، ثبت ذلك عنه في عدة أحاديث، ولم يجئ عنه ما يُعارضُها إلا شيءٌ باطل. (1) أخرجه أبو داود5195)، والترمذي2689)، والنسائي في الكبرى9/133(10097.) (2) أخرجه البخاري95.)
عدد الصفحات ٢٢٤224 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فصل وكان يَكرهُ أن يقول للمبتدئ: عليك السلامُ، قال أبو جُرَيٍّ الهُجَيمي: أتيت النبيَّ ﷺ فقلت: عليك السلامُ يا رسولَ الله. فقال: «لا تقُل: عليك السلام؛ فإن عليك السلامُ تحيةَ الموتى » حديث صحيح (1).وقد أَشكلَ هذا الحديثُ على طائفةٍ، وظنُّوه معارِضًا لما ثبت عنه ﷺ في السلام على الأموات بلفظ: (السلام عليكم) بتقديم السلام، وإنما معنى قوله: «فإن عليك السلامُ تحيةَ الموتى» إخبارٌ عن الواقعِ لا عن المشروعِ، أي إن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذا اللفظ. وكان يردُّ على المُسلِّم: «وعليك السلامُ» بالواو، وبتقديم«عليك» على لفظِ السلام. 12- فصل في هديِه ﷺ في السلامِ على بهل الرتا ِ روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرةَ أن النبي ﷺ قال: « لا تَبدؤوا اليهودَ ولا النصارى بالسلامِ، وإذا لقيتم أحدَهم في الطريقِ فاضطروه إلى أضيقِه»(2)، والظاهرُ أن هذا حكمٌ عام وقد اختلف السلفُ والخلف في ذلك، فقال أكثرُهم: لا يُبدؤون بالسلامِ. وذهب آخرون إلى جوازِ ابتدائِهم، وقالت طائفةٌ: يجوزُ الابتداء لمصلحةٍ راجحة من حاجةٍ تكون له إليه أو خوفٍ من أذاه أو لقرابةٍ بينهما. (1) أخرجه أبو داود5209)، والترمذي2722.) (2) أخرجه مسلم2167.)
عدد الصفحات ٢٢٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |225 واختلفوا في وجوبِ الردِّ عليهم، فالجمهورُ على وجوبِه، وهو الصوابُ فصل وثبتَ عنه ﷺ أنه مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدةِ الأوثان واليهودِ، فسلَّم عليهم(1). وصحَّ عنه أنه كتبَ إلى هرقلَ وغيره بـ «السلامُعلى من اتَّبَعَ الهُدى »(2). فصل وكان من هديِه ﷺ إذا بلَّغه أحدٌ السلامَ عن غيره أن يرد عليه وعلى المبلِّغ، كما في «السنن» أن رجلاً قال له: إن أبي يُقرِئك السلامَ. فقال له «عليكَ وع أبيك السلامُ »(3). وكان من هديِه ترك السلامِ ابتداءً وردًّا على من أحدَثَ حدثًا حتى يتوبَ منه، كما هجرَ كعبَ بن مالكٍ وصاحبَيْه، وكان كعبٌ يسلم عليه ولا يَدري هل حرك شفتَيهِ بِردِّ السلامِ عليه أم لا (4). (1) أخرجه البخاري6254)، ومسلم1798.) (2) أخرجه البخاري6260.) (3) أخرجه أبو داود5231.) (4) أخرجه البخاري6255)، ومسلم2769.)
عدد الصفحات ٢٢٦226 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 13- فصل في هديِه ﷺ في الاستئذانِ وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: «الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذن لك وإلا فارجع »(1). وصحَّ عنه ﷺ أنه أرادَ أن يَفقَأ عينَ الذي نظر إليه من جُحرٍ في حُجرَتِه، وقال: «إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصِِ »(2). وصحَّ عنه التسليمُ قبل الاستئذانِ فعلاً وتعليماً، واستأذَن عليه رجلٌ، فقال أألجُ؟ فقال رسول الله ﷺ لرجلٍ: «اخرُجْ إلى هذا، فعل مه الاستئذانَ ». فقال له: قل: السلامُ عليكم، أأدخلُ؟ فسَمِعه الرجلُ فقال: السلامُ عليكم، أأدخلُ؟ فأَذِن له النبي ﷺ فدخل»(3). وكان من هديِهﷺ إذا استأذنَ ثلاثًا ولم يُؤذن له؛ انصرفَ. فصل ومن هديِه أن المستأذِن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلانُ بن فلان، أو يَذكُر كنيتَه أو لقبَه، ولا يقول: أنا. كما في «الصحيح»: عن جابرٍ: أتيتُ النبي ﷺ فدقَقتُ البابَ، فقال «مَن ذا؟ » فقلت: أنا، فقال«أنا أنا» كأنه كرِهَها (4). ولما استأذَنَت أم هانئٍ، قال لها «من هذه؟» قالت: أمُّ هانئ (5). فلم يكره ذكرَها الكنية. (1) أخرجه البخاري6254)، ومسلم2153.) (2) أخرجه البخاري6241)، ومسلم2156.) (3) تقدم (ص222.) (4) أخرجه البخاري6250)، ومسلم2155.) (5) أخرجه البخاري280.)
عدد الصفحات ٢٢٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |227 فصل وأما الاستئذانُ الذي أمرَ الله به المماليك، ومن لم يَبلُغ الحُلم، في العوراتِ الثلاث: قبلَ الفجرِ، ووقت الظهيرةِ، وعند النومِ. فقالت طائفةٌ: الآيةُ منسوخةٌ، وقالت طائفةٌ: أمرُ ندبٍ وإرشاد، وقالت طائفةٌ: المأمورُ بذلك النساء خاصةً، وقالت طائفةٌ عكس هذا، وقالت طائفةٌ: كان الأمرُ بالاستئذان في ذلك الوقت للحاجةِ ثم زالت، وقالت طائفةٌ: الآيةُ محكمةٌ عامة لا معارضَ لها ولا دافعَ. والصحيح أنه إن كان هناك ما يقومُ مقام الاس تئذانِ من فتح بابٍ فتحُه دليلٌ على الدخول، أو رفعِ سِترٍ، أو تردد الداخلِ والخارجِ ونحوه، أغنى ذلك عن الاستئذانِ، وإن لم يكن ما يقومُ مقامه فلا بد منه، والحكمُ معلَّلٌ بعلة قد أشارت إليها الآية، فإذا وُجِدَت وُجِدَ الحكم، وإذا انتفت انتفى، والله أعلم. 14- فصلفي هديِه ﷺ في بذكار العطاسِ ثبت عنه ﷺ: «إن الله يُبُّ العُطاس، ويكره التثاؤبَ، فإذا عَطَسَ أحدُكم وحمد الله، كان حقًا على كل مسلمٍ سمعه أن يقول له: يرحمُك الله. وأما التثاؤب، فإنما هو من الشيطانِ، فإذا تثاءبَ أحدُكم، فليردَّه ما استطاعَ، فإن أحدَكم إذا تثاءب ضحكَ منه الشيطانُ » ذكره البخاري(1). (1) أخرجه البخاري6223.)
عدد الصفحات ٢٢٨228 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وثبت عنه ﷺ في «صحيحه» :«إذا عطَس أحدُكم: فليقُل: الحمد لله. وليقل له أخوهُ -أو صاحبه-: يرحمُك الله. فإذا قال له: يَرحمَُك الله. فليَقُل: يََديكُم الله ويُصلحُ بالَكم »(1). وثبتَ عنه «صحيح مسلم» :«إذا عطسَأحدُكم فحمد الله فشم توه، فإن لم يُمد الله فلا تشم توه »(2). وروى أبو داودَ عنه بإسنادٍ صحيحٍ «إذا عطسَ أحدُكم فليقل: الحمدُ على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبُه: يرحمُك الله، ويقول هو: يَدِيكم الله ويصلحُ بالَكم »(3). فظاهرُ الحديث المبدوءِ به: أن التش ميتَ فرضُ عينٍ على كلِّ من سمعَ العاطس يحمدُ الله، ولا يجُزئُ تشميتُ الواحد عنهم، وهذا أحدُ قوليَ العلماءِ، واختاره ابنُ أبي زيدٍ وأبو بكرِ بن العربي (4) [، ولا دافعَ له ولما كان العاطسُ قد حصلَ له بالعطاس نعمةٌ ومنفعةٌ بخروجِ الأبخرة المحتقنةِ في دماغِه، التي لو بقيت فيه أحدثَتْ فيه أدواءٌ عسرةٌ، شرُِعَ له حمدُ الله على هذه النعمةِ مع بقاءِ أعضائِه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلةِ التي هي للبدن كزلزلةِ الأرضِ لها، قيل: وكلُّ داعٍ بخيرٍ فهو مشمت، وقيل: هو تشميتٌ له (1) أخرجه البخاري6224.) (2) أخرجه مسلم2992.) (3) أخرجه أبو داود5033) من حديث أبي هريرة، والترمذي2741) من حديث أبي أيوب، والترمذي (2738) بنحوه من حديث ابن عمر (4) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العر7/518.
عدد الصفحات ٢٢٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |229 بالشيطانِ؛ لإغاظتِه بحمدِ الله على نعمةِ العطاس، وما حصلَ له به مِن محابِّ الله، ودعاء المسلمين له بالرحمةِ، ودعاؤُه لهم بالهدايةِ وإصلاحِ البالِ، وذلك كلُّه غائظٌ للشيطان محزنٌ له، فسُمِّي الدعاءُ له بالرحمة تشميتًا له، لما في ضمنِه من شماتتِه بعدوِّه، وهذا معنى لطيفٌ إذا تنبه له العاطسُ والمشمِّتُ انتفعَا به وعظمَتْ عندَهما منفعةُ نعمةِ العطاسِ في البدنِ والقلبِ، وتبينَّ السرُّ في محبةِ الله له، فلله الحمدُ الذي هو أهلُه كما ينبغي لكريمِ وجهِه وعزِّ جلالِه. وكان مِن هديِه ﷺ في العطاسِ ما ذكره أبو داودَ والترمذي، عن أبي هريرة: «كان رسولُ ا ﷺ إذا عطَس وَضَعَ يده أو ثوبَه على فيه، وخفضَ أو غضَّ به صوتَه» قال الترمذي: حديث صحيح (1). وصحَّ عنه أنه عطسَ عندَه رجلٌ، فقال له «يرحمك ا»، ثم عطسَ أخرى، فقال: «الرجل مزكوم». هذا لفظ مسلم أنه قال في المرة الثانية(2)، وأما الترمذي ففيه: ثم عطس الثانية والثالثة. فقال رسول الله: «هذا رجلٌ مزكوم » قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(3). وعن أبي هريرةَ يرفعُه «إذا عطسَ أحدُكم فليشم ته جليسُه، وإن زادَ ع الثلاثةِ فهو مزكومٌ، ولا تشم ته بعدَ الثلاث » وهو حديث حسن(4). (1) أخرجه أبو داود5029)، والترمذي2745.) (2) أخرجه مسلم2993.) (3) أخرجه الترمذي2743.) (4) أخرجه أبو داود5035)، وابن السني في عمل اليوم والليلة251.)
عدد الصفحات ٢٣٠