098 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فصل ولما كان مُسمَّى الحربِ والمُرةِ أكرهَ شيءٍ للنفوسِ وأقبحَها عندَها، كان أقبحُ الأسماءِ حربًا ومرةَ، وما أشبَهَهما، وما أجدرَ هذه الأسماءَ بتأثيرِها في مسمياتهِا، كما أثر اسمُ «حزن» الحزونةَ في سعيدِ بن المسيب وأهلِ بيتِه فصل وأما النهيُ عن تسميةِ الغلامِ بيسارٍ وأفلحَ ونجيحٍ ورباحٍ، فهذا لمعنًى آخرَ قد أشارَ إليه في الحديثِ، وهو قوله: «فإنه يقولُ: أثمَّ هو؟ فيقال »(1)، فإن هذه الأسماءَ لما كانت قد توجِبُ تطيرًا تكرهُه النفوسُ، ويصدها عما هي بصددِه، كما إذا قلتَ لرجل: أعندَك يسارٌ أو رباحٌ أو أفلحُ؟ قال: لا، تطيرتَ أنت وهو من ذلك، وقد لا سيما على المتطيرين؛ فاقتَضَت حكمةُ الشارعِ أن يَمنَعهُم من أسبابٍ توجِبُ لهم سماعَ المكروه أو وقوعَه، هذا إلى ما يَنضافُ إلى ذلك من تعليقِ ضد الاسمِ عليه بأن يُسمى يسارًا من هو من أعسرِ الناس. وأمرٌ آخرُ أيضًا: وهو أن يطالَب المسمى بمقتَضَ اسمِه فلا يوج دُ عنده فيُجعَلُ ذلك سببًا لذمِّه وسبِّه. وأمرٌ آخرُ: وهو ظن المسمَّى واعتقادُه في نفسِه أنه كذلك فيقعُ في تزكيةِ نفسِه وتعظيمِها وترَفُّعِها على غيره، وهذا هو المعنى الذي نهى النبيُّ ﷺ لأجلِه أن تُسمَّى (بَرَّة )، وقال: «لا تزكُّوا أنفسَكم؛ الله أعلمُ بأهلِ البَ منكم »(2). (1) أخرجه مسلم2137.) (2) أخرجه مسلم2142.)
عدد الصفحات ١٩٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |099 فصل وأما الكنيةُ فهي نوعُ تكريمٍ للمُكَنَّى وتنويهٌ به، وكنَّى النبي عليًّا بأبي تراب، وكنَّى أخا أنسِ بن مالك -وكان صغيرًا دون البلوغ - بأبي عمير. وكان هديُه ﷺ تكنيةُ مَن له ولدٌ، ومَن لا ولدَ له، ولم يثبُت عنه أنه نهى عن كنيةٍ إلا الكنيةَ بأبي القاسِم، فصحَّ عنه أنه قال: «تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بكنيَتي»(1)، فاختلفَ الناسُ في ذلك على أربعةِ أقوالٍ أحدها: أنه لا يجوزُ التكنِّي بكنيتِه مُطلقًا، سواءٌ أفردَها عن اسمِه أو قرنها به، وسواءٌ محياه وبعدَ مماته، وعمدتهُم عمومُ هذا الحديثِ الصحيح وإطلاقُه. الثاني: أن النهيَ عن الجمعِ بين اسمِه وكنيتِه، فإذا أفرِدَ أحدُهما عن الآخر، فلا بأسَ، قال أبو داود: باب: من رأى ألا يجمعَ بينهما، ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: «من تسمَّى باسمي فلا يتكنَّ بكنيتِي، ومن اكتنى بكنيتِي فلا يتسمَّ باسمِي »(2)، ورواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ (3)، وقد رواه الترمذي أيضًا من حديثِ محمدِ بنِ عجلان حسنٌ صحيحٌ (4). الثالث: جوازُ الجمعِ بينهما، وهو المنقولُ عن مالكٍ (5)، واحتجَّ أصحابُ هذا القولِ بما رواه أبو داود والترمذي عن علي قال: قلت: يا رسول الله، إن وُلِدَ (1) أخرجه البخاري6178)، ومسلم2134.) (2) أخرجه أبو داود4966.) (3) أخرجه الترمذي2842.) (4) أخرجه الترمذي2841.) (5) المنتقى للباجي7/296.
عدد الصفحات ٢٠٠211 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد لي من بعدك ولدٌ أسمِّيه باسمِك وأكنِّيه بكنيتِك؟ قال «نعم»، قال الترمذي حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (1). الرابع: أن التكني بأبي القاسمِ كان ممنوعًا في حياةِ النبيِّ ﷺ، وهو جائزٌ بعد وفاتِه،قالوا: وسببُ النهي إنما كان مختصًّا بحياته، فإنه قد ثبت في «الصحيح» من حديثِ أنس قال: نادى رجلٌ بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسولُ الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني لم أعنك إنما دعوتُ فلانًا، فقال رسول الله ﷺ: «تسمَّوا باسمِي ولا تكنَّوا بكنيتي »(2). والصوابُ: أن التسمِّي باسمِه جائزٌ، والتكني بكنيتِه ممنوعٌ منه، والمنعُ في حياتِه أشدُّ، والجمعُ بينهما ممنوعٌ منه، وحديثُ علي في صحته نظرٌ، والترمذي فيه نوعُ تساهلٍ في التصحيح، وقد قال علي: إنها رخصةٌ له، وهذا يدلُّ على بقاءِ المنع لمن سواه، والله أعلم. فصل ونهى رسولُ الله ﷺ عن تسميةِ العنبِ كَرْمًا (3)، وقال «الكَرمُ قلبُ المؤمنِ »(4)،وهذا لأن هذه اللفظةَ تدلُّ على كثرةِ الخيرِ والمنافعِ في المسمَّى بها، وقلبُ المؤمن هو المستحقُّ لذلك دون شجرةِ العنبِ. (1) أخرجه الترمذي2843)، وأبو داود4967.) (2) أخرجه البخاري2121.) (3) أخرجه البخاري6182.) (4) أخرجه البخاري6183)، ومسلم2247.)
عدد الصفحات ٢٠١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |210 فصل قال ﷺ: «لا تَغلِبَنَّكم الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، ألا وإنها العشاءُ وإنهم يُسمونها العَتَمةَ »(1)، وصحَّ عنه أنه قال «لو يَعلمون ما في العتمةِ والصبحِ، لأَتَوهمُا ولو حبوًا »(2). فقيل: هذا ناسخٌ للمنع، وقيل بالعكسِ، والصوابُ خلافُ القولين، فإن العلمَ بالتاريخ متعذرٌ، ولا تعارضَ بين الحديثين؛ فإنه لم ينهَ عن إطلاقِ اسم العتمةِ بالكليةِ، وإنما نهى عن أن يهُجَر اسم العشاءِ - وهو الاسمُ الذي سماها الله به في كتابِه - ويغلبَ عليه اس م العتمةِ، فإذا سُميت العشاءَ وأُطلقَ عليها أحيانًا بالعتمةِ فلا بأس، والله أعلم. وهذا محافظةٌ منه ﷺ على الأسماءِ التي سمَّى اللهُ بها العبادات، فلا تهجر ويؤثِّر عليها غيرُها، كما فعلَه المتأخرون في هجرانِ ألفاظ النصوص، وإيثارِ المصطلحاتِ الحادثة عليها، ون شأ بسبب هذا مِن الجهلِ والفسادِ ما الله به عليمٌ. 16- فصل في هديِ ه ﷺ في حفظِ المنطِ قِ واختمارِ الألفاظِ كان يتخيرَُّ في خطابِه ويختار لأمته أحسنَ الألفاظِ وأجملَها وألطفَها، وأبعدَها من ألفاظ أهل الجفاءِ والغلظةِ والفحشِ، فلم يكن فاحشًا ولا مُتفحشًا ولا صخابًا ولا فظًّا. (1) أخرجه البخاري563) من حديث عبد الله بن مغفل المزني، ومسلم (644) من حديث ابن عمر (2) أخرجه البخاري615)، ومسلم437.)
عدد الصفحات ٢٠٢212 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يكرهُ أن يستعملَ اللفظ الشريفَ المصون في حقِّ من ليس كذلك، وأن يستعملَ اللفظ المهين المكروهَ في حقِّ من ليس من أهلِه: فمِن الأول: منعه أن يقالَ للمنافقِ: «يا سيِّدَنا »، وقال «فإنه إن يكُ سيدًا فقد أسخطتُم ربَّكم »(1)، ومنعِه من تسميةِ أبي جهلٍ بأبي الحكمِ، وكذلك تغييرُه لاسمِ أبي الحكم من الصحابةِ بأبي شرُيحٍ، وقال: «إن الله هو الحكمُ، وإليه الحُكمُ »(2). ومن ذلك نهيُه للمملوكِ أن يقولَ لسيده وسيدتِه: ربي وربَّتي. وللسيد أن يقولَ لمملوكه: عبدي. ولكن يقولُ المالك: فتاي وفتاتي. ويقول المملوك: سيدي وسيدتي(3). ومن هذا قوله للخطيبِ-الذي قال: من يُطِع الله ورسولَه فقد رَشَد، ومن يَعصِهما فقد غَوى -: «بئس الخطيبُ أنت »(4). ومن ذلك قولُه«لا تقولوا: ما شاءَ الله وشاءَ فلان. ولكن قولوا: ما شاءَ الله ثمَّ شاءَ فلان »(5). وأماالقِسمُ الثاني وهو أن يُطلِق ألفاظَ الذمِّ على من ليس من أهلِها، فمثل نهيِه ﷺ عن سبِّ الدهرِ، وقال: «إن الله هو الدهرُ»(6). (1) أخرجه أبو داود4977.) (2) أخرجه أبو داود4955)، والنسائي5387.) (3) أخرجه أبو داود4975.) (4) أخرجه مسلم870.) (5) أخرجه أبو داود4980.) (6) أخرجه البخاري6182)، ومسلم2246.)
عدد الصفحات ٢٠٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |213 وفي هذا ثلاثُ مفاسدَ عظيمةٍ إحداها: سبُّه من ليس بأهلٍ للسبِّ، فإن الدهر خَلقٌ مسخر من خلقِ الله، مُنقادٌ لأمرِه. الثانية: أن سبه مُتضمِّن للشركِ، فإنه إنما يسبُّه لظنه أنه يضُّْ وينفعُ. الثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقعُ على من فعلَ هذه الأفعالَ التي لو اتبعَ الحقُّ فيها أهواءَهم لفسدتِ السمواتُ والأرضُ، والدهرُ ليس له من الأمرِ شيءٌ، فمسبتهم للدهر مسبةٌ لله تعالى؛ ولهذا كانت مؤذيةً للرب تعالى. ومن هذا قولُه ﷺ: «لا يقولَنَّ أحدكم: تَعِس الشيطانُ؛ فإنه يَتعاظَمُ حتى يكون مثلَ البيتِ، فيقولُ: بقوتي صرَعتُه، ولكن ليقل: بِسمِ الله، فإنه يتَصاغَر حتى يكونَ مثلَ الذبابِ »(1). فأرشَدَ النبي ﷺ من مسَّهُ شيءٌ من الشيطانِ أن يَذكُرَ الله تعالى، ويذكرَ اسمَه ويستعيذَ بالله منه، فإن ذلك أنفعُ له، وأغيظُ للشيطان. ومِن ذلك نهيُه ﷺ أن يقولَ الرجل: «خبُثَت نفسي. ولكن ليَقُل: لَقِست نفسي»(2) فكَرِه لهم لفظ الخبث؛ لما فيه من القبحِ والشناعةِ ومن ذلك أنه ﷺ نهى عن قولِ القائلِ بعد فواتِ الأمرِ: لو أني فَعَلتُ كذا وكذا، وأرشدَهُ إلى ما هو أنفعُ له، وهو أن يقول: «قدَّرَ الله وما شاءَ فعلَ »(3)؛ وذلك لأنفي ضمن (لو) ادعاءً أن الأمرَ لو كان كما قدَّره في نفسِه لكان غيرَ ما قضاه الله وقدَّره وشاءه، وإن سلمَ من التكذيبِ بالقَدرِ لم يسلَم من معارضتِه بقوله: لو أني فعلتُ لدَفَعتُ ما قدَّرَ الله عليَّ. (1) أخرجه أبو داود4982.) (2) أخرجه البخاري6179)، ومسلم2250.) (3) أخرجه مسلم2664.)
عدد الصفحات ٢٠٤214 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد [ 1- فصل في هديِ ه ﷺ في الذِّ كرِ كان النبيُّ ﷺ أكملَ الناسِ ذكرًا لله ، بل كان كلامُه كلُّه في ذكرِ ا وما والاه، وكان أمرُه ونهيه وتشريعُه للأمة ذكرًا منه لله ، وإخبارُه عن أسماءِ الرب وصفاتِه، وأحكامِه وأفعاله، ووعدِه ووعيده، ذكرًا منه له، وثناؤه عليه بآلائِه، وتمجيدُه وتحميدُه وتسبيحه ذكرًا منه له، وسؤالُه ودعاؤه إياه رغبةً ورهبةً، ذكرًا منه له، وسكوتُه وصمته ذكرًا منه له بقلبِه، وكان ذاكرًا لله في كلِّ أحيانِه، وعلى جميعِ أحوالِه، فكان ذِكرُه لله يجري مع أنفاسِه، وفي مشيِه وركوبه، وسيرِه ونزوله، وظَعنِه وإقامتِه. وكان إذا استيقظَ قال: «الحمدُ الذي أحيانا بعدَ ما أماتَنا وإليه النشورُ »(1). وقالت عائشة رضي الله عنها «كان إذا هبَّ مِن الليل ك، وحمدَ الله عشرًا، وقال: سبحانَ الله وبحمده عشرًا، وسبحانَ الملكِ القدوسِ عشرًا، واستغفر الله عشرًا، وهلَّل عشرًا، ثم قال: اللهُمَّ إني أعوذُ بك من ضيقِ الدنيا، وضيقِ يوم القيامة عشرًا، ثم يستفتحُ الصلاةَ »(2). وأخبر أنَّ مَن استيقظَ مِن الليل فقال «لا إلهَ إلا الله، وحدَه لا شِيك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قديرٌ، الحمدُ لله، وسبحانَ الله، ولا إلهَ إلا الله، (1) أخرجه البخاري6324)، ومسلم2711.) (2) أخرجه أبو داود5085)، والنسائي1617.)
عدد الصفحات ٢٠٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |215 واللهُ أكبَ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ثم قال: اللهُمَّ اغفِرْ لَ، أو دعا؛، استُجِيبَ له، فإن توضَّأ وصلىَّ قبلت صلاته » ذكره البخاري(1). وقال ابن عباس [ ﷺ ليلةَ مبيتِه عندَه: إنه لما استيقظَ رفعَ رأسَه إلى السماءِ وقرأَ العشرَ الآياتِ الخواتيم مِن سورةِ (آل عمران ): ﴿ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﴾ [190] إلى آخرها، ثم قالاللهُمَّ لك الحمدُ أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهِنَّ، ولك الحمدُ أنتَ قي مُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهِنَّ، ولك الحمدُ أنتَ الحقُّ، ووعدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤُك حق ، والجنةُ حق ، والنارُ حق ، والنبيون حق ، ومحمدٌ حق ، والساعةُ حق ، اللهُمَّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أن بتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفِرْ لَ ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي، لا إلهَ إلا أنتَ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيمِ »(2). وقد قالت عائشةُ: كان إذا قامَ من الليلِ قال «اللهمَّ ربَّ جبَائيلَ وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرضِ، عالمَ الغيب والشهادةِ، أنت تحكُمُ بين عبادِك فيما كانوا فيه يََتلِفون، اهدِني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تَُدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم »(3). وكان إذا خَرجَ من بيتِه يقول «بسمِ الله توكَّلتُ على الله، اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِم أو أُظلَمَ، أو أَجهَل أو يَُهَلَ عليَّ »(4). (1) أخرجه البخاري1154.) (2) أخرجه البخاري183)، ومسلم763.) (3) أخرجه مسلم770.) (4) أخرجه أبو داود5049)، والترمذي3427)، وابن ماجه3884.)
عدد الصفحات ٢٠٦216 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقال ﷺ: «مَن قال إذا خرَج من بيتِه: بسمِ الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، يُقال له: هُدِيتَ ووُقِيتَ وكُفِيتَ ، وتنحَّى عنه الشيطانُ » حديث حسن(1). وقال ابن عباس عنه ليلةَ مبيتِه عندَه «إنه خرَجَ إلى صلاةِ الفجرِ وهو يقولُ اللهُمَّ اجعَلْ في قلبي نورًا، واجعَلْ في لساني نورًا، واجعَلْ في سمعي نورًا، واجعَلْ في بصِي نورًا، واجعَلْ مِن خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعَلْ مِن فوقي نورًا، واجعَلْ مِن تحتي نورًا، اللهُمَّ أعظِم لَ نورًا »(2). وذكَرَ أبو داودَ عنه ﷺ: «أنه كان إذا دخَلَ المسجدَ قال أعوذُ بالله العظيمِ، وبوجهِه الكريمِ، وسلطانِه القديمِ، مِن الشيطانِ الرجيمِ، فإذا قال ذلك قال الشيطانُ: حُفِظَ مني سائرَ اليوم »(3). وقالﷺ: «إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ فليُسَل م وليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهمَّ افتَح لَ أبوابَ رحمتِك، وإذا خرجَ فليقل: اللهمَّ إني أسألُك من فضلِك »(4). وكان إذا صلى الصبحَ جلَسَ في مصلاه حتى تطلُعَ الشمسُ يذكرُ ا . وكان يقولُ إذا أصبح «اللهمَّ بك أصبَحنا، وبك أمسَينا، وبك نحيا، وبك نموتُ وإليك النشورُ » حديث صحيح(5). (1) أبو داود5095)، والترمذي3426.) (2) أخرجه البخاري6316)، ومسلم763.) (3) أخرجه أبو داود466.) (4) أخرجه مسلم713.) (5) أخرجه أبو داود5068)، والترمذي3391)، وابن ماجه3868.)
عدد الصفحات ٢٠٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |217 وكان يقول «أصبَحنا وأصبَح الملك لله، الحمدُ لله لا إله إلا الله وحدَه شِيكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قدير، رب أسألك خيرَ ما في هذا اليومِ، وخيرَ ما بعدَه، وأعوذ بك من شِ هذا اليومِ، وشِ ما بعدَه، رب أعوذ بك من الكسلِ وسوء الكبََِ، رب أعوذ بك من عذابٍ في النار، وعذابٍ في القبَِ »، وإذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملكُ» إلى آخره، ذكره مسلم(1). وقال له أبو بكرٍ الصديقُ : مُرني بكلماتٍ أقولهن إذا أصبَحتُ وإذا أمسيتُ. قال: «قل: اللهمَّ فاطرَ السموات والأرضِ، عالمَ الغيب والشهادةِ رب كل شيءٍ ومَليكَه، أشهدُ ألا إله إلا أنتَ، أعوذُ بك من شِ نفسي، ومن شِ الشيطانِ وشِِكِه، وأن أقترِفَ على نفسي سوءًا أو أجُرَّه إلى مسلمٍ » قال«قُلها إذا أصبَحتَ وإذا أمسيتَ، وإذا أخذتَ مضجعك » حديث صحيح (2). وقالﷺ: «ما من عبدٍ يقولُ في صباحِ كل يومٍ ومساءِ كل ليلةٍ: بسمِ ا الذي لا يضرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ العليم، ثلاث مراتٍ، إلا لم يضره شيء » حديث صحيح (3). وقال«من قالَ حين يُصبِح وحين يُمسي: رضيتُ بالله ربًا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمد نبيًا، كان حقًا على الله أن يُرضِيَه » صححه الترمذي والحاكم(4). (1) أخرجه مسلم2723.) (2) أخرجه أبو داود5067)، والترمذي3392.) (3) أخرجه أبو داود5088)، والترمذي3388)، وابن ماجه3869.) (4) أخرجه الترمذي3389)، والحاكم1/699 (1905.)
عدد الصفحات ٢٠٨218 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقال: «مَن قال حينَ يُصبحُ وحينَ يُمسي: اللهُمَّ إني أصبحتُ أُشهِدُك، وأُشهِدُ حملةَ عرشِك، وملائكتَك، وجميعَ خلقِك، أنك أنت اللهُ الذي لا إله إلا أنتَ، وأن محمدًا عبدُك ورس ولُك؛ أعتقَ الله رُبعَه مِن النار، وإن قالها مرتين أعتقَ الله نصفَه من النار، وإن قالها ثلاثًا أعتقَ الله ثلاثةَ أرباعِه من النار، وإن قالها أربعًا أعتقَه الله من النار»، حديث حسن(1). وقال«مَن قال حينَ يُصبحُ: اللهُمَّ ما أصبحَ بي مِن نعمةٍ أو بأحدٍ مِن خلقِك فمنك وحدَك لا شِيكَ لك، لك الحمدُ ولك الشكرُ؛ فقد أدَّى شكرَ يومِه، ومن قال مثل ذلك حينَ يُمسيِ فقد أدَّى شكرَ ليلتِه » حديث حسن(2). وكان يَدعو حين يُصبِح وحين يُمسي بهذه الدعوات «اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرةِ، اللهم إني أسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ، وأهلي ومالَ، اللهم استرُ عوراتي، وآمِن روعاتي، اللهم احفَظنِي من بين يَدَيَّ ومن خَلفي، وعن يَميني وعن شِمالَ وم ن فوقي، وأعوذُ بعظَمَتِك أن أُغتالَ من تحتي » صححه الحاكم(3). وقال«إذا أصبحَ أحدُكم فليقل: أصبَحْنا وأصبحَ الملكُ لله رب العالمين، اللهُمَّ إني أسألُك خيرَ هذا اليومِ فتحَه ونصَِه ونورَه وبركتَه وهدايتَه، وأعوذُ بك من شِ ما فيه، وشِ ما بعده، ثم إذا أمسى فليقل مثل ذلك» حديث حسن(4). (1) أخرجه أبو داود5069)، والترمذي3501.) (2) أخرجه أبو داود5073.) (3) أخرجه الحاكم1/698 (1902.) (4) أخرجه أبو داود5084.)
عدد الصفحات ٢٠٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |219 وكان إذا أصبحَ قال «أصبَحْنا على فطرةِ الإسلامِ، وكلمةِ الإخلاصِ، ودينِ نبينا محمدٍ ﷺ، وملةِ أبينا إبراهيمَ حنيفًا مسلماً وما كان من المشَكين »(1). ويُذكرُ عنه ﷺ أنه قال لفاطمةَ ابنتِه: «ما يمنعُك[ أن تقولَ إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ، بك أستغيثُ، فأصلِح لَ شأني، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين »(2). وقال«سيدُ الاستغفارِ أن يقولَ العبد: اللهمَّ أنت ربي، لا إله إلا أنتَ، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استَطَعت، أعوذُ بك من شِ ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتِك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفِر لَ إنه لا يَغفِر الذنوبَ إلا أنت، من قالها حين يُصبح موقنًا بها، فمات من يومِه؛ دخلَ الجنةَ، ومن قالها حين يُمسي موقنًا بها، فمات من ليلتِه؛ دخلَ الجنةَ »(3). وقال«من قال حين يُصبحُ وحين يُم سبحانَ الله وبحمدِه مئةَ مرة، لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلا أحدٌ قال مثلَ ما قال، أو زادَ عليه »(4). وقال«من قالَ حين يُصبحُ: لا إله إلا الله وحدَه لا شِيكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ. في اليوم مئةَ مرة، كانت له عَد لَ عشَِ رقابٍ، وكُتبَت له مئةُ حسنةٍ، ومحُِيَت عنه مئةُ سيئةٍ، وكانت له حرزًا من الشيطانِ يومه ذلك، حتى يُمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر منه »(5). (1) أخرجه أحمد24/77 (15360.) (2) أخرجه البزار6368)، والنسائي في الكبرى10330)، والحاكم1/730 (2000.) (3) أخرجه البخاري6305.) (4) أخرجه البخاري6405)، ومسلم2692.) (5) أخرجه البخاري6403)، ومسلم2691.)
عدد الصفحات ٢١٠201 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 2- فصل في هديِ ه ﷺ في الذِّ كرِ عند لبس الثو ِ ونحوه كان ﷺ إذا استجَدَّ ثوبًا سماه باسمه: عمامةً، أو قميصًا، أو رداءً، ثم يقول: «اللهمَّ لك الحمدُ أنت كَسَوتَنيه، أسألك خيرَه، وخيرَ ما صُنِع له، وأعوذُ بك من شِ ه، وشِ ما صُنع له » حديث صحيح(1). ويُذكرُ عنه أنه قال «مَن لبسَ ثوبًا فقال: الحمدُ لله الذي كساني هذا ورَزَقَنيه مِن غيرِ حولٍ مني ولا قوة غَفَرَ الله له ما تقدَّم من ذنبِه »(2). وصحَّ عنه أنه قال لأم خالدٍ -لما ألبَسَها الثوبَ الجديد -: «أَبلي وأَخلِقي، ثم أَبلي وأَخلِقي» مرت(3). 3- فصل في هديِ ه ﷺ عند دخولِ ه منزِ لِه لم يكن ﷺ ليَفجَأ أهلَه بغتةً يتخوَّنهُم، ولكن كان يدخُلُ على أهلِه على علم منهم بدخولِه، وكان يُسلِّم عليهم، وكان إذا دخلَ بدأَ بالسؤالِ وسألَ عنهم، وربما قال: «هل عندَكُم من غداء؟ »(4)، وربما سكتَ حتى يحضَْ بين يديه ما تي وفي «السنن» عنه«إذاوَلَجَ الرجلُ بيتَه فليقل: اللهُمَّ إني أسألُك خيرَ المَوْلِجِ، وخيرَ المَخْرجِ، بسمِ الله وَلجَنا، وعلى الله رب نا توكَّلنا، ثُم ليسل م على أهلِه»(5). (1) أخرجه أبو داود4016)، والترمذي1767.) (2) أخرجه أبو داود4023.) (3) أخرجه البخاري5845.) (4) أخرجه مسلم1154.) (5) أخرجه أبو داود5096.)
عدد الصفحات ٢١١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |200 وفيها عنهﷺ: «ثلاثةٌكلُّهم ضامنٌ على الله: رجلٌ خرج غازيًا في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفا ه فيدخلُه الجنةَ أو يردُّه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ راح إلى المسجدِ فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخلُه الجنةَ أو يردُّه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ دخلَ بيتَه بسلامٍ فهو ضامنٌ على الله » حديث صحيح(1). وصحَّ عنه ﷺ: «إذا دخلَ الرجلُ بيتَه فذكر الله عند دخولِه وعند طعامِه؛ قال الشيطان: لا مبيتَ لكم ولا عشاءَ، وإذا دخلَ فلم يذكر الله عند دخولِه؛ قال الشيطانُ: أدركتُم المبيت، وإذا لم يذكُر الله عند طعامِه؛ قال: أدركتُم المبيت والعشاءَ » ذكره مسلم(2). 4- فصل في هديِ ه ﷺ في الذكرِ عند دخولِ ه الخلاءَ ثبتَ عنه في «الصحيح» أنه كان يقولُ عند دخولِه الخلاءَ «اللهمَّ إ أعوذُ بك من الخُبثِ والخبائِثِ »(3). ويُذكرُ عنه ﷺ قال: «سترُ ما بين الجن وعوراتِ بني آدمَ إذا دخَلَ الكنيفَ أن يقولَ: بسمِ الله »(4). وثبَتَ عنه ﷺ أن رجلاً سلَّم عليه وهو يَبولُ فلم يردَّ عليه. (1) أخرجه أبو داود2494.) (2) أخرجه مسلم2018.) (3) أخرجه البخاري142)، ومسلم375.) (4) أخرجه ابن ماجه297.)
عدد الصفحات ٢١٢202 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد تقدَّم (1) أنه كان لا يستقبلُ القبلةَ ولا يستدبرُها بغائطٍ ولا بولٍ، وأنه نهَى عن ذلك في حديثِ أبي أيوب وسلمانَ الفارسيِّ، وأبي هريرةَ، ومعقلِ بنِ أبي معقل، وعبدِ الله بن الحارث بن جَزء الزبيديِّ، وجابرِ بن عبد الله، وعبدِ الله بن عمر ، وعامةُ هذه الأحاديث صحيحةٌ، وسائرُها حسنٌ، والمعارضُ لها إما معلولُ ا لسند وإما ضعيفُ الدلالة، فلا يُرَدُّ صريحُ نهيِه المستفيضُ عنه بذلك. وكان إذا خرجَ من الخلاءِ قال: «غُفرانَك »(2). 5- فصل في هديِه ﷺ في بذكارِ الوضوء ثبتَ عنه ﷺ أنه وضعَ يديه في الإناءِ الذي فيه الماءُ ثم قال للصحابةِ: «توضَّؤوا بسمِ ا »(3). وصح عنه ﷺ أنه قال: «من أسبغَ الوضوءَ ثم قال: أشهدُ ألا إله إلا ا وحده لا شِيكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسولُه فتِحَت له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيَ ا شاءَ »(4). وذكر النسائي بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ أبي موسى الأشعري قال «أتيتُ رسولَ الله ﷺ بوضوءٍ فتوضَّأ، فسمعتُه يقولُ ويدعو: اللهُمَّ اغفِر لي ذنبي، ووسِّع لي في داري، وبارِك لي في رزقي، فقلتُ: يا نبيَّ الله، سمعتُك تدعو بكذا وكذا، قال: وهل تركت مِن شيءٍ (5). (1) لم يتقدم ذكره، وإنما سيأتي، والله أعلم (2) أخرجه أبو داود30)، والترمذي7)، وابن ماجه300.) (3) أخرجه النسائي78.) (4) أخرجه مسلم234.) (5) أخرجه النسائي في السنن الكبرى 9/36 (9828.)
عدد الصفحات ٢١٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |203 6- فصل في هديِ ه ﷺ في الأذانِ وبذكارِ ه ثبتَ عنه ﷺ أنه سنَّ التأذين بترجيعٍ وبغيرِ ترجيع، وشرعَ الإقامةَ مَثنى وفرادى، ولكن الذي صحَّ عنه تثنيةُ كلمة الإقامة: «قد قامت الصلاةُ»، ولم يصح عنه إفرادُها البتة، وكذلك صحَّ عنه تكرارُ لفظ التكبير في أول الأذانِ أربعًا، ولم يصحَّ عنه الاقتصارُ على مرتين. وأما هديُه ﷺ في الذكرِ عند الأذانِ وبعده فشرعَ لأمته منه خمسةَ أنواعٍ: أحدها: أن يقولَ السامعُ كما يقولُ المؤذن، إلا في لفظ: «حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاح » فإنه صحَّ عنه إبدالهما بـ «لا حولَ ولا قوةَ إلا با »، وهذا مُقتضَ الحكمةِ المطابقةِ لحال المؤذنِ والسامعِ، فإن كلمَتي الحيعلةِ دعاء إلى الصلاةِ لمن سمعه، فسُنَّ للسامعِ أن يَستعين على هذه الدعوةِ بكلمة الإعانة. الثاني: أن يقولَ: «وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رَضيتُ بالله ربًا، وبالإس لام دينًا، وبمحمدٍ رسولاً » وأخبر أن من قال ذلك غُفرَ له ذنبه(1). الثالثُ: أن يُصلي على النبي ﷺ بعد فراغِه من إجابةِ المؤذِّن، وأكملُ ما يُصلىَّ عليه به ويصلُ إليه هي الصلاةُ الإبراهيميةُ، كما علَّمه أمتَه أن يصلوا عليه، فلا صلاةَ عليه أكمل منها، وإن تحذَّلق المتحذلِقون. (1) أخرجه أبو داود525.)
عدد الصفحات ٢١٤