المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١٢ من ٣٢

082 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فلما أكملَ رسولُ الله ﷺ نَحْرَهُ استدعى الحلاقَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فقال للحلاقِ: «خُذْ »، وأشارَ إلى جانبه الأيمنِ، فلما فرغَ منه، قسمَ شعرَهُ بين من يليه، ثم أشارَ إ الحلاقِ، فحلق جانبه الأيسرَ، ثم قال: «ها هنا أبو طلحة؟» فدفعه إليه(1). ودعاللمحلقين بالمغفرةِ ثلاثًا، وللمقصرِّين مرةً. ثم أفاضَ ﷺ إلى مكة قبلَ الظهرِ راكبًا، فطاف طوافَ الإفاضةِ، ولم يَطُف غيرَه، ولم يَسْع معه، هذا هو الصوابُ. ولم يرمُل ﷺ في هذا الطوافِ ولا في طوافِ الوداعِ، وإنما رملَ في طوافِ القدومِ. ثم أَتى زمزمَ بعد أن قضَ طوافَه وهم يَستَقون فقال: «لولا أن يَغلِبَكم الناسُ لنزلتُ فسقيتُ معكم »، ثم ناولوه الدَّلوَ فشرِبَ وهو قائمٌ (2). وهل كان في طوافِه هذا راكبًا أو ماشيًا؟ فرَوى مسلم «صحيحه»، عن جابرٍ قال: «طافَ رسولُ ا ﷺ بالبيتِ في حجةِ الوداع على راحلتِه، يستلِمُ الحجرَ بمحجنِه؛ لأن يراه الناسُ وليشرفَ وليسألوه، فإن الناسَ غشوه »(3). ثم رجعَ إلى منًى، واختُلفَ أين صلى الظهرَ يومئذٍ؟ ففي «الصحيح»: عن ابنِ عمرَ، أنه ﷺ أفاضَ يومَ النحرِ، ثم رجعَ فصلى الظهرَ بمنًى (4)، و«صحيح مسلم»: عن جابرٍ أنه ﷺ صلى الظهرَ بمكةَ (5)، واختُلِفَ في ترجيحِ أحدِ هذين القولينِ على الآخر. (1) أخرجه مسلم1305.) (2) أخرجه مسلم1218.) (3) تقدم (ص173.) (4) البخاري1732)، ومسلم1308.) (5) أخرجه مسلم1218.)

عدد الصفحات ١٨٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |083 فصل وطافَت عائشةُ في ذلك اليومِ طوافًا واحدًا، وسَعَت سعيًا واحدًا أجزأَها عن حجَّتها وعمرَتهِا. وطافت صفيةُ ذلك اليومَ ثم حاضت فأجزَأَها طوافُها ذلك عن طوافِ الوداعِ ولم تودِّع، فاستقَرَّت سُنَّته ﷺ في المرأةِ الطاهرِ إذا حاضت قبلَ الطوافِ أن تقرنَ وتكتفي بطوافٍ واحدٍ وسعي واحدٍ، وإن حاضت بعد طوافِ الإفاضةِ اجتزأت به عن طوافِ الوداعِ. فصل ثم رجعَ ﷺ إلى منًى من يومِه ذلك، فباتَ بها، فلما أصبَحَ انتظَرَ زوالَ الشمسِ، فلما زالت الشمسُ مشى من رحلِه إلى الجمارِ ولم يَركَب، فبدأَ بالجمرةِ الأولى التي تلي مسجدَ الخيفِ، فرماها بسبعِ حصياتٍ، واحدةٍ بعد واحدةٍ، يقول مع كل حصاةٍ: «الله أكبَُ»، ثم تقدَّمَ عن الجم رةِ أمامَها حتى أسهلَ، فقام مستقبلَ القبلةِ، ثم رفع يديه ودعا دعاءً طويلاً بقدر سورةِ البقرةِ. ثم أتى إلى الجمرةِ الوسطى، فرماها كذلك، ثم انحدَرَ ذات اليسارِ مما يلي الوادي، فوقفَ مستقبلَ القبلةِ رافعًا يديه يدعو قريبًا من وقوفِه الأولِ. ثم أتى الجمرةَ الثالثةَ وهي جمرة العقبةِ، فاستبطَنَ الوادي واستعرَضَ الجمرةَ، فجعل البيتَ عن يسارِه، ومنًى عن يمينه، فرماها بسبعِ حصياتٍ كذلك. ولم يرمِها من أعلاها، ولا جَعَلَها عن يمينِه واستقبَلَ البيتَ وقتَ الرمي.

عدد الصفحات ١٨٤

084 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فلما أكملَ الرميَ رجعَ من فورِه، ولم يقِف عندها، فقيل: لضيقِ المكانِ بالجبلِ، وقيل -وهو أصحُّ -: إن دعاءه كان في نفسِ العبادةِ قبل الفراغِ منها أفضلُ منه بعد الفراغِ منها، وهذا كما كانت سنتُه في دعائِه في الصلاةِ كان يَدعو في صُلبِها. فصل ولم يزَل في نفسي: هل كان يَرمي قبلَ صلاةِ الظهر أو بعدَها؟ والذي يغلبُ على الظنِّ أنه كان يَرمِي قبلَ الصلاةِ، ثُم يرجعُ فيصليِّ؛ لأن جابرًا وغيره قالوا: كان يَرمِي إذا زالت الشمسُ، فعقبوا زوالَ الشمس برميِه، وأيضًا فإن وقتَ الزوالِ للرمي أيامَ منًى كطلوعِ الشمس لرمي يوم النحرِ، والنبي ﷺ يومَ النحر لما دخل وقتَ الرمي لم يقدِّم عليه شيئًا من عباداتِ ذلك اليوم. فصل فقد تضمنَتْ حجتُه ﷺ ستَّ وقفاتٍ للدعاء: الموقفُ الأولُ : على الصفا، والثاني: على المروةِ، والثالثُ : بعرفةَ، والرابعُ : بمزدلفةَ، والخامسُ : عن د الجمرةِ الأولى، والسادسُ : عندَ الجمرةِ الثانية. فصل وخطبَ رسولُ الله ﷺ الناسَ بمنًى خطبتين: خطبةَ يومِ النحرِ وقد تقدمت، والخطبةَ الثانية في أوسطِ أيام التشريقِ، فقيل: هو ثاني يومِ النحرِ وهو أوسطُها أي: خيارُها.

عدد الصفحات ١٨٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |085 فصل واستأذَنه العباسُ بنُ عبد المطلب أنه يَبيتُ بمكةَ لياليَ منًى من أجلِ سقايتِه فأَذِن له واستأذَنَه رِعاءُ الإ بلِ في البيتوتةِ خارجَ منًى عند الإبلِ، فأرخَصَ لهم. وإذا كان النبيُّ ﷺ قد رخَّصَ لأهلِ السقايةِ وللرعاءِ في البيتوتةِ، فمَن له مال يخافُ ضياعه، أو مريضٌ يخافُ من تخلفِه عنه، أو كان مريضًا لا تمكنه البَيتوتةُ، سقطَت عنه بتَنبيهِ النصِّ على هؤلاء، والله أعل م. فصل ولم يتعجَّل ﷺ في يومين، بل تأخَّر حتى أكمَلَ رميَ أيامِ التشريقِ الثلاثةِ، وأفاضَ يوم الثلاثاءِ بعد الظهرِ إلى المحصبِ، وهو الأبطحُ، وهو خيفُ بني كنانةَ، فوجدَ أبا رافعٍ قد ضِبَ قبتَه هناك، فصلى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ورقدَ رقدةً، ثم نهضَ إلى مكةَ، فطاف للود اعِ ليلاً سحرًا، ولم يرمُل في هذا الطوافِ. وأخبرتهُ صفيةُ أنها حائضٌ فقال: «أحابِسَتُنا هي؟ » فقالوا له: إنها قد أفاضَت قال: «فلتَنفِر إذن»(1). ورغِبَت إليه عائشةُ تلك الليلةِ أن يُعمِرَها عمرةً مفردةً، فأخبرََها أن طوافَها بالبيتِ وبالصفا والمروةِ، قد أجزَأَ عن حجِّها وعمرَتهِا، فأبت إلا أن تعتَمِر عمرةً مفردةً، فأمرَ أخاها عبدَ الرحمن أن يُعمِرَها من التَّنعيمِ، ففرغَت من عمرتهِا ليلاً، (1) أخرجه البخاري1733)، ومسلم1211.)

عدد الصفحات ١٨٦

086 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ثم وافَت المحصَّبَ مع أخيها، فأتَيَا في جوفِ الليل فقال رسول الله ﷺ: «فَرَغتُما؟ » قالت: نعم، فنادى بالرحيلِ في أصحابِه، فارتحلَ الناسُ، ثم طاف بالبيتِ قبل صلاةِ الصبح (1). وقد اختلفَ السلفُ في التحصيبِ هل هو سنةٌ، أو منزلُ اتفاقٍ؟ على قول فصل وها هنا ثلاثُ مسائلَ: المسألة الأولى : زَعمَ كثيرٌ من الفقهاءِ وغيرِهم أنه دخلَ البيتَ في حجتِه، ويَرى كثيرٌ من الناسِ أن دخولَ البيت من سننِ الحج اقتداءً بالنبي ﷺ، والذي تدلُّ عليه سنتُه الشريفة أنه لم يدخل البيتَ في حجتِه ولا في عمرتِه، وإنما دخلهُ عام الفتحِ. المسألة الثانية: وهي وقوفُه في الملتزمِ، فالذي روي عنه أنه فعلَه يوم الفتحِ. المسألة الثالثة : وهي موضعُ صلاتِه ﷺ الصبحَ صبيحةَ ليلةِ الوداعِ، ففي «الصحيح»: عن أمِّ سلمةَ، قالت: شكوتُ إلى رسول ا ﷺ أني أشتكي، فقال: «طُوفي من وراءِ الناسِ وأنت راكبة ». قالت: فطُفت ورسولُ ا ﷺ حينئذٍ يُصلي إلى جنبِ البيتِ، وهو يقرأُ بـ (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) [1-2](2)، فهذا يحَتملُ أن يكونَ في الفجرِ وفي غيرِها، وأن يكونَ في طوافِ (1) أخرجه البخاري1560.) (2) أخرجه البخاري464)، ومسلم1276.)

عدد الصفحات ١٨٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |087 الوداعِ وغيرِه، فنظرنا في ذلك فإذا البخاريُّ قد روى «صحيحه» في هذه القصةِ أنه ﷺ لما أرادَ الخروجَ، ولم تكن أم سلمةَ طافت بالبيت، وأرادَتِ الخروجَ، فقال لها رسولُ الله ﷺ: «إذا أقيمت صلاةُ الصبحِ، فطوفي على بعيرِك والناسُ يُصلُّون » ففَعَلَته، ولم تُصَلِّ حتى خرجت (1). وهذا محالٌ قطعًا أن يكون يومَ النحرِ، فهو طوافُ الوداعِ بلا ريبٍ، فظه رَ أنه صلى الصبحَ يومئذٍ عند البيت، وسمعتهُ أم سلمةَ يقرأ فيها بالطورِ. فصل ثم ارتحلَ ﷺ راجعًا إلى المدينةِ، فلما كان بالرَّوحاءِ لقي ركبًا، فسلَّم عليهم وقال: «مَن القومُ؟ » فقالوا: المسلمون، قالوا: فمَن القومُ؟ فقال «رسولُ ا ﷺ» فَرَفَعت امرأةٌ صبيًّا لها من محفة، فقالت: يا رسولَ الله، ألهذا حجٌّ؟ قال «نعم، ولكِ أجرٌ »(2). فلما أتى ذا الحُلَيفةَ بات بها، فلما رأى المدينةَ، كبرََّ ثلاثَ مراتٍ وقال «لا إله إلا الله وحدَه لا شِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قديرٌ، آيبونَ تائِبون عابِدون ساجِدون لرب نا حامدون، صدقَ الله وعدَهُ ونصَِ عبده وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ »(3). ثمَّ دَخَلها نهارًا من طريقِ المعرسِ، وخرجَ من طريقِ الشجرةِ، والله أعلم (1) أخرجه البخاري1626.) (2) أخرجه مسلم1336.) (3) أخرجه البخاري1797)، ومسلم1344.)

عدد الصفحات ١٨٨

088 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 5- فصل في هديِه ﷺ في الهدايَا والضَّحايَا والعقمق ِ وهي مختصةٌ بالأزواجِ الثمانيةِ المذكورةِ في سورةِ الأنعام، ولم يُعرَف عنه ﷺ ولا عن أصحابِه هَديٌ ولا أضحِيَّةٌ ولا عقيقةٌ من غيرِها، وهذا مأخوذٌ من القرآنِ من مجموعِ أربعِ آياتٍ: إِحداها: قولُه تعالى: (ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ) [1]. والثانيةُ: قوله تعا (ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ) [28]. والثالثةُ: قوله تعا (ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭑ ﭒ ) [142 – 143] ثم ذكرها. والرابعةُ: قولُه تعا (ﯲ ﯳ ﯴ) [95]. وهذا استنباطُ عليِّ بن أبي طالبٍ . والذبائحُ التي هي قُربةٌ إلى الله وعبادةٌ هي ثلاثة: الهديُ والأضحيةُ والعقيقةُ. فأهدى رسولُ الله ﷺ الغنمَ، وأهدى الإبلَ، وأهدى عن نسائِه البقرَ، وأهدى في مقامِه وفي عمرتِه وفي حجتِه، وكانت سنتُه تقليدَ الغنم دون إشعارِها. وكان إذا بعثَ بهديِه وهو مُقيمٌ لم يحرم عليه شيء كان منه حلالاً. وكان إذا أهدى الإبلَ قلَّدها وأشعَرَها، فيشقَّ صفحةَ سنامها الأيمن يسيرًا حتى يسيلَ الدم. وكان إذا بعثَ بهديِه أمرَ رسولَه إذا أشرَفَ على عطبٍ شيءٌ منه أن يَنحَرهُ، ثم يصبغَ نعلَه في دمِه، ثم يجعلَه على صفحتِه، ولا يأكلَ منه هو ولا أحدٌ من أهلِ رُفقتِه، ثم يَقسِمَ لحمَ ه.

عدد الصفحات ١٨٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |089 وشرَّكَ بين أصحابِه في الهديِ : البدنةُ عن سبعةٍ، والبقرةُ كذلك. وأباحَ لسائقِ الهدي ركوبَه بالمعروفِ إذا احتاجَ إليه حتى يجدَ ظهرًا غيرَه. وكان هديه ﷺ نحرَ الإبلِ قيامًا مقيدةً معقولةَ اليُسرى على ثلاثٍ، وكان يُسمِّي الله عند نحرِه ويكبرِّ، وكان يذبحُ ن سكَه بيده، وربما وكَّل في بعضِه، كما أمر عليًّا  أن يذبحَ ما بَقِي من المئةِ وكان إذا ذبحَ الغنمَ وضعَ قدمه على صفاحِها، ثم سمَّى وكبرَّ وذبحَ، وقد تقدَّم أنه نحرَ بمنًى وقال: «إن فجاجَ مكةَ كلَّها منحرٌ »(1). وأباحَﷺ لأُمَّتِه أن يأكلوا من هداياهُم وضحاياهُم ويتزودوا منها. وكان ربما قسمَ لحُومَ الهدي، وربما قال: «من شاءَ اقتَطَعَ »(2)، فعل هذا وفعل هذا، واستُدلَّ بهذا على جوازِ النهبة في النثارِ في العرسِ ونحوه. 6- فصل [ ﷺ في ذبنح الهدي وكان من هديِه ﷺ ذبحُ هديِ العمرةِ عند المروةِ، وهديِ القِرانِ بمنًى، ولم ينحَر هديَه ﷺ قطُّ إلا بعدَ أن حَلَّ، ولم ينحَرهُ أيضًا إلا بعد طلوعِ الشمسِ وبعدَ الرميِ، فهي أربعةُ أمورٍ مرتبةٌ: الرميُ، ثم النَّحرُ، ثم الحلقُ، ثم الطوافُ. وهكذا رتَّبها ﷺ، ولم يرخِّص في النحرِ [ مخالفٌ لهديِه، فحكمُه حكمُ الأضحية إذا ذُبحت قبلَ طلوعِ الشمس (1) أخرجه ابن ماجه3048.) (2) أخرجه أبو داود1765.)

عدد الصفحات ١٩٠

091 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 7- فصل [ ﷺ في الأضاح وأما هديُه ﷺ في الأضاحي فإنه ﷺ لم يكن يدعُ الأضحيَّةَ، وكان يُضحِّي بكبشين، وكان يَنحَرهمُا بعد صلاة العيدِ، وأخبر أن مَن ذب حَ قبل الصلاةِ فليس من النُّسكِ في شيءٍ، وإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهلِه (1). وأمَرَهم أن يَذبحوا الجذعَ من الضأنِ أو الثَّنِيَّ مما سواه، وهي المسنة و أحدها[ : والثا: أن وقتَ الذبحِ يومُ النحر ويومانِ بعدَه، وهذا مذهبُ أحمدَ (2) ومالكٍ(3) وأبي حنيفةَ(4)، قال أحمد: هو قولُ غيرِ واحدٍ من أصحابِ رسول ا ﷺ. الثالث: أن وقتَ النحرِ يومٌ واحدٌ، وهو قول ابن سيرين (5)، لأنه اختص بهذه التسميةِ فدلَّ على اختصاصِ حكمِها به، ولو جازَ في الثلاثةِ لقيل لها: أيامُ النحر، كما قيل لها: أيامُ الرمي وأيامُ منًى، وأيامُ التشريق، ولأن العيدَ يُضاف إلى النحر، وهو يوم واحد، كما يُقال عيدُ الفطر . (1) أخرجه البخاري5560)، ومسلم1961.) (2) مسائل أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه رواية الكوسج2836-2837.) (3) المدونة لسحنون1/550. (4) الأصل للشيبا5/412. (5) المغني لابن قدامة13/384.

عدد الصفحات ١٩١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |090 الرابع: قول سعيد بن جبير وجابر بن زيد (1): إنه يومٌ واحدٌ في الأمصارِ، وثلاثةُ أيامٍ في منًى؛ لأنها هناك أيامُ أعمالِ المناسك من ال رمي والطوافِ والحلقِ، فكانت أيامًا للذبحِ، بخلافِ أهلِ الأمصار. 6- فصل [ ﷺ فمدن براد التضحم ومن هديِه ﷺ أن مَن أرادَ التضحيةَ ودخلَ العشرُ، فلا يأخُذْ من شعرِه وبشرتِه شيئًا، ثبتَ عنه النهيُ عن ذلك في «صحيح مسلم» (2). 9- [فصل في هديه ﷺ في صفات الأضحم وكان من هديِه ﷺ اختيارُ الأضحية واستحسانهُا وسلامَتُها من العيوبِ، ونهََى أن يُضحَى بعضباءِ الأذنِ والقرنِ، أي: مقطوعة الأذن ومكسورة القرن، النصف(3). وأَمَرَ أن تُستَشرَف العينُ والأذنُ ، أي: يُنظر إلى سلامتها، وألاَّ يُضحَى بعوراءَ، ولا مقابلةٍ، ولا مدابرةٍ، ولا شرقاءَ، ولا خرقاءَ. والمقابلةُ: هي التي قُطِعَ مقدمُ أذنها، والمدابرةُ: التي قُطِعَ مؤخرُ أذنها، والشرقاءُ: التي شُقَّت أذنهُا، والخرقاءُ: التي خُرقت أذنهُا. ذكره أبو داود (4). (1) المغني لابن قدامة13/384. (2) أخرجه مسلم1977.) (3) أخرجه أبو داود2805.) (4) أخرجه أبو داود2804)، والترمذي1498.)

عدد الصفحات ١٩٢

092 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وذُكِرَ عنه أيضًا قال: «أربعٌ لا تُُزئُ في الأضاحي: العوراءُ البينُ عورها، والمريضةُ البينُ مرضها، والعرجاءُ البينُ عرجها، والكسير التي لا تنقي، أو العجفاءُ التي لا تنقي»، أي: مِن هزالهِا لا مخَّ فيها (1). 11- فصل [ ﷺ بنالمصلى وكان من هديِه ﷺ أن يُضحِّيَ بالمُصلىَّ، وفي «الصحيح» أن النبيﷺ كان يَذبحُ وينحرُ بالمُصلىَّ (2). 11- [فصل في بمره بنالإحسان في الذبنح وأمرَ الناسَ إذا ذبحوا أن يحُسِنوا، وإذا قَتَلوا أن يحُسِنوا القتلةَ وقال: «إن ا كَتَبَ الإحسانَ على كل شيء »(3). 12- [فصل في إجزاء الشاة عن الرجل وبهله وكان من هديِه ﷺ أن الشاةَ تُِزئُ عن الرجلِ وعن أهلِ بيته ولو كثُرَ عددُهم. 13- فصل في هديِه ﷺ في العقمق ِ عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن العقيقةِ فقال: «لا أُحبُّ العقوقَ »، وكأنَّه كَرِه الاسم، قالوا: يا رسولَ الله، يَنسُك (1) أخرجه أبو داود2802)، والترمذي1497)، وابن ماجه3144.) (2) أخرجه البخاري5552.) (3) أخرجه مسلم1955.)

عدد الصفحات ١٩٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |093 أحدنا عن ولدِه؟ فقالَ «مَن أحبَّ منكم أن ينسُك عن ولدِه فليَفعَل: عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ »(1)، وصحَّ عنه من حديث عائشةَ  :«عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ »(2). وقال«كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقتِه تُذبَح عنه يومَ السابعِ، ويُُلَق رأسُه، ويُسمَّى »(3). قال الإمام أحمد: معناه أنه محبوسٌ عن الشفاعةِ في أبويه. وظاهر الحديثِ أنه رهينةٌ في نفسِه، ممنوعٌ محبوسٌ عن خيرٍ يُرادُ به، ولا يَلزَم من ذلك أن يعاقَبَ عليها في الآخرةِ، كما أنه عند الجماعِ إذا سمَّى أبوه لم يضَّْ الشيطانُ ولدَه، وإذا ترك التسميةَ لم يحصُل للولد هذا الحفظُ. 14- فصل في هديهﷺ في تسدم المولودِ وختانه قد تقدم قوله في حديث قتادة عن الحسن عن سمرة في العقيقة: «تُذبحُ يومَ سابعِه ويُسمَّى »(4). فأمَّا الختانُ فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلامَ حتى يدرك. قال الميموني: وسمعتُ أحمدَ يقول: كان الحسنُ يكرهَ أن يختنَ الصبيَّ يومَ سابعه، وقال حنبل: إن أبا عبد الله قال: وإن ختنَ يومَ السابع فلا بأس، وإنما كَرهَه الحسنُ؛ لئلا يتشبه باليهود، وليس في هذا شيءٌ. (1) أخرجه أبو داود2842)، والنسائي4212.) (2) أخرجه الترمذي1513)، وابن ماجه3162.) (3) أخرجه أبو داود2838)، والترمذي1522)، والنسائي4220.) (4) أخرجه أبو داود2837)، والترمذي1522)، وابن ماجه3165)، والنسائي4220.)

عدد الصفحات ١٩٤

094 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 15- فصل في هديِه ﷺ في الأسماءِ والرُ نى ثَبتَ عنه ﷺ أنه قال: «إن أخنَعَ اسمٍ عند ا رجلٌ تَسَمَّى ملك الأملاك، لا مَلك إلا الله »(1). وثبتَ عنه أنه قال «أحبُّ الأسماءِ إلى الله: عبدُ الله، وعبدُ الرحمن، وأصدَقُها: حارثٌ وهمامٌ، وأقبحها: حَربٌ ومرةُ »(2). وثبتَ عنه أنه قال «لا تُسم ينَ غلامَك يَسارًا ولا رباحًا ولا نَجيحًا و أفلحَ؛ فإنه يقولُ: أثَمَّ هو؟ فلا يكونُ، فتَقولُ: لا »(3). وثبتَ عنه أنه غيرَّ اسم عاصيةَ، وقال: أنت جمَيلةُ (4). وكان اسمُ جويريةَ بَرَّةُ، فغيره رسولُ ا ﷺ باسمِ جُويرية (5)، وقالت زَينبُ بنتُ أم سلمةَ: نهى رسول الله ﷺ أن يُسمَّى بهذا الاسمِ، وقال: «لا تُزَكُّوا أنفسَكم، الله أعلَمُ بأهلِ البَ منكم »(6). وغيرَّ اسم حَزَن جدِّ سعيدِ بن المسيب، وجَعَلَه سهلاً، فأبَى وقال: السهلُ يوطَأُ ويُمتَهَن (7). (1) أخرجه البخاري6205)، ومسلم2143.) (2) أخرجه مسلم2132.) (3) أخرجه مسلم2137.) (4) أخرجه مسلم2139.) (5) أخرجه مسلم2140.) (6) أخرجه مسلم2141.) (7)أخرجه البخاري6190)، وأبو داود4956.)

عدد الصفحات ١٩٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |095 فصل في فقهِ هذا البا ِ لما كانت الأسماءُ قوالبَ للمعاني ودالةً عليها اقتَضَت الحكمةُ أن يكون بينَها وبينها ارتباطٌ وتَناسبٌ، وألاَّ يكونَ المعنى معها بمنزلةِ الأجنبي المحضِ الذي لا تعلقَ له بها، فإن حكمةَ الحكيم تأبى ذلك، والواقعُ يشهدُ بخلافِه، بل للأسماءِ تأثيرٌ في المسميات، وللمسميات تأثُّرٌ عن أسمائِها في الحُسنِ والقبحِ، والخفةِ والثقلِ، واللطافةِ والكثافةِ. وكان النبيُّ ﷺ يَستحبُّ الاسمَ الحسن، وأمرَ إذا أبردوا إليه بريدًا أن يكون حسنَ الاسمِ حسنَ الوجه، وكان يأخذُ المعاني من أسمائِها في المنامِ واليقظةِ، كما رأى أنه وأصحابَه في دارِ عقبةَ بن رافعٍ، فأُتوا برطبٍ من رطبِ ابنِ طابٍ، فأوَّله بأن لهمُ الرفعةَ في الدني ا، والعاقبةَ في الآخرةِ، وأن الدين الذي اختارهُ الله لهم قد أرطَبَ وطابَ (1). وكان يَكرهُ الأمكنةَ المنكرةَ الأسماءِ ويكرهُ العبورَ فيها، كما مرَّ في بعضِ غزواتِه بين جبلين، فسأل عن اسمَيهما، فقالوا: فاضحٌ ومخزٍ، فعدلَ عنهما، ولم يجز بينَهما. ولما كان بين ا لأسماءِ والمسمياتِ من الارتباطِ والتناسبِ والقرابةِ ما بين قوالِبِ الأشياءِ وحقائِقها، وما بين الأرواحِ والأجسامِ؛ عَبرََ العقلُ من كل واحدٍ منهما إلى الآخرِ، كما كان إياسُ بنُ معاويةَ وغيرُه يرى الشخصَ فيقول: ينبغي أن يكونَ اسمُه كيت وكيت، فلا يكادُ يخطئُ ، وضدُّ هذا العبورُ من الاسمِ إلى مسماَّ ه، (1) أخرجه مسلم2270.)

عدد الصفحات ١٩٦

096 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد كما سأل عمرُ بن الخطاب رجلاً عن اسمِه، فقال: جمرة، فقال: واسمُ أبيك؟ قال: شهابٌ، قال: ممَّن؟ قال: من الحرقةِ، قال: فمنزلك؟ قال: بحرَّة النارِ، قال: فأين مسكنُك؟ قال: بذاتِ لظى، فقال: اذهب فقد احترقَ مسكنُك، فذهب ف وجد الأمر كذلك، فعَبرَ عمرُ من الألفاظِ إلى أرواحِها ومعانيها كما عَبرَ النبيُّ ﷺ من اسم سهيلٍ إلى سهولة أمرِهم يومَ الحديبية، فكان الأمرُ كذلك. وقد أمرَ النبيُّ ﷺ أمته بتحسين أسمائِهم، وأخبرَ أنهم يُدعَون يوم القيامةِ بها. وتأمَّل كيف اشتُقَّ للنبيِّ ﷺ من وصفِه اسمان مطابِقان لمعناه، وهما أحمدُ ومحمَّدٌ، فهو لكثرةِ ما فيه من الصفات المحمودةِ محمدٌ، ولشرفِها وفضلِها على صفات غيره أحمدُ. ولما قدمَ النبيُّ ﷺ المدينة واسمُها يثربُ لا تُعرَف بغيرِ هذا الاسم غيرََّه بطَ يبة. وتأمَّل أسماءَ الستةِ المتبارزين يومَ بدرٍ كيف اقتَضَ القَدَرُ مطابقةَ أسمائِهم لأحوالهِم يومئذٍ، فكان الكفارُ: شيبةُ وعتبةُ والوليدُ، ثلاثةُ أسماءٍ من الضعفِ، فالوليدُ له بدايةُ الضعفِ، وشيبةُ له نهايتُه، كما قال تعالى: (ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ) [54]، وعتبةُ من العَتبِ، فدلَّت أسماؤهم على عتبٍ يحلُّ بهم، وضعفٍ يَنالهُم. وكان أقرانهُم من المسلمين عليٌّ، وعبيدةُ، والحارثُ ، ثلاثةُ أسماءٍ تناسبُ أوصافَهم وهي العُلو والعبوديةُ والسعي الذي هو الحرثُ، فعَلَوا عليهم بعبودِيَّتهم وسعيِهم في حرثِ الآخرة.

عدد الصفحات ١٩٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |097 ولما كان الاسمُ مقتضيًا لمسماه ومؤثِّرًا فيه كان أحبَّ الأسماءِ إلى الله ما اقت أحبَّ الأوصافِ إليه كعبدِ الله، وعبدِ الرحمن، وكان إضافةُ العبوديةِ إلى اسمِ الله واسمِ الرحمن أحبَّ إليه من إضافتِها إلى غيرهمِا من الأسماء، كالقاهر والقادر، فعبد الرحمن أحبُّ إليه من عبدِ القادر، وعبدُ الله أحبُّ إليه من عبدِ ربه؛ وهذا لأن التعلقَ الذي بينَ العبدِ وبينَ الله إنما هو العبوديةُ المحضةُ، والتعلقُ الذي بينَ الله وبينَ العبد بالرحمةِ المحضة، فبرحمتِه كان وجودُه وكمالُ وجودِه، والغايةُ التي أوجدَه لأج لِها أن يتألهَه وحده محبةً وخوفًا، ورجاءً وإجلالاً وتعظيماً، فيكون عبدًا لله، وقد عبده [ في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيلُ أن تكونَ لغيرِه، ولما غلبَتْ رحمتُه غضبَه وكانت الرحمةُ أحبَّ إليه من الغضب كان عبدُ الرحمن أحبَّ إليه من عبدِ القاهر. فصل ولما كان كلُّ عبدٍ متحركًا بالإرادةِ، والهمُّ مبدأُ الإرادةِ، ويترتَّبُ على إرادتِه حرثُه وكسبُه، كان أصدقَ الأسماءِ اسمُ همامٍ واسمُ حارثٍ؛ ولما كان المُلك الحقُّ لله وحدَهُ كان أخنَعَ اسم وأوضَعه عند الله وأغضبَه له اسمُ «شاهان شاه» أي: مَلِك الملوك وسلطانُ السلاطين، وقد ألحَقَ بعضُ أهلِ العلم بهذا «قاضِ القضاةِ » وقال: ليس قاضي القضاةِ إلا مَن يقضِِ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، الذي إذا ق أمرًا فإنما يقول له كُنْ فيكونُ. ويَلي هذا الاسمَ في الكراهةِ والقبحِ والكذبِ: سيدُ الناسِ، وسيد الكلِّ، وليس ذلك إلا لرسولِ الله ﷺ خاصةً كما قال: «أنا سيدُ ولدِ آدمَ فخرَ»(1). (1) أخرجه مسلم2278.)

عدد الصفحات ١٩٨