المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ١١ من ٣٢

066 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ويَكفِي في هذا أن النبيَّ ﷺ أعمرَ عائشةَ من التنعيمِ سوى عمرتهِا التي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحدٍ، ولا يُقال: عائشة كانت قد رفضت العمرةَ التي كانت أهلَّت فهذه التي من التنعيم قضاءٌ عنها؛ لأن العمرةَ لا يصح رفضُها. 4- فصل في سماقِ هديه ﷺ في حجتِ ه لا خلافَ أنه لم يحجَّ بعد هجرتِه إلى المدينة سوى حجةٍ واحدةٍ وهي حجة الوداعِ، ولا خلافَ أنها كانت سنةَ عشرٍ. ولما نزلَ فَرضُ الحجِّ، بادرَ رسول الله ﷺ إلى الحجِّ من غير تأخيرٍ، فإن فرض الحجِّ تأخر إلى سنة تسعٍ أو عشرٍ، وأما قوله تعالى: (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ) [196] فإنها وإن نزلت سنة ستٍّ عام الحديبيةِ، فليس فيها فرضيةُ الحجِّ، وإنما فيها الأمرُ بإتمامِه وإتمامِ العمرةِ بعد الشروعِ فيهما. فصل ولما عزمَ رسولُ الله ﷺ على الحجِّ أعلمَ الناسَ أنه حاجٌّ، فتجَهَّزوا للخروجِ معه، وسمعَ بذلك مَن حولَ المدينة؛ ف قدِموا يُريدون الحجَّ مع رسولِ الله ﷺ ووافاه في الطريقِ خلائقُ لا يحُصَون، وخرجَ من المدينة نهارًا بعد الظهرِ لسِتٍّ بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهرَ بها أربعًا، وخَطَبَهم قبل ذلك خطبةً علَّمَهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننَه. وقال ابنُ حزم: وكان خروجُه يومَ الخميس (1). قلت: والظاهرُ أن خروجَه كان يومَ السبت. (1) حجة الوداع لابن حزم (ص230.)

عدد الصفحات ١٦٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |067 ثم ترجَّلَ وادَّهَن، ولبس إزارَه ورداءه، وخرج بين الظهرِ والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصرَ ركعتين، ثم بات بها وصلىَّ بها المغربَ والعشاءَ والصبحَ والظهر، فصلى بها خمس صلواتٍ، وكان نساؤه كلُّهن معه، وطافَ عليهن تلك الليلة، فلما أرادَ الإحرامَ اغتسلَ غسلاً ثانيًا لإحرامِه غير غسلِ الجماعِ الأولِ. ثم طيَّبتهُ عائشةُ بيدها بذَريرةٍ وطِيب فيه مسكٌ في بدنه ورأسِه، حتى كان وبيصُ المسك يُرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامَه ولم يغسِله، ثم لبسَ إزاره ورداءَ ه، ثم صلى الظهرَ ركعتين، ثم أَهَلَّ بالحج والعمرة في مصلاه، ولم يُنقَل عنه أنه ﷺ صلى للإحرامِ ركعتين غير فرضِ الظهر. وقلَّدَ قبل الإحرامِ بدنته نَعلَين، وأشعَرَها في جانبها الأيمن، فشقَّ صفحةَ سنامِها، وسلتَ الدمَ عنها. وأحرم قارنًا لبضعةٍ وعشرين حديثًا صريحة صحيحة في ذلك، منها: ما خُرِّج في «الصحيح» عن ابنِ عمرَ، قال: تمتعَ رسولُ ا ﷺ في حجةِ الوداعِ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وأَهدَى، فساقَ معه الهدي من ذي الحليفةِ، وبدأَ رسولُ الله ﷺ فأهَلَّ بالعمرةِ، ثم أهلَّ بالحجِّ (1). وذكر الحديثَ ومنها: ما خرج في «الصحيح» أيضًا، عن عروةَ، عن عائشةَ أخبرَتهُ عن رسولِ الله ﷺ بمثلِ حديثِ ابنِ عمرَ سواء (2). (1) أخرجه البخاري1691)، ومسلم1227 .) (2) أخرجه البخاري1692)، ومسلم1228.)

عدد الصفحات ١٦٨

068 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ومنها: ما روى مسلمٌ في «صحيحه» من حديثِ قُتيبةَ، عن الليثِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه قَرَنَ الحجَّ إلى العمرةِ، وطافَ لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ(1). فصل ولَبَّدَ رسول الله ﷺ رأسَه بالغِسلِ -على وزن كِفل وهو ما يُغسل به الرأسُ من خَطمي أو نحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشرَ - وأهلَّ في مُصلاَّه، ثم ركبَ على ناقتِه فأهلَّ أيضًا، ثم أهلَّ لما استقلَّت به على البيداءِ. وكان يهلُّ بالحج والعمرةِ تارةً، وبالحج تارةً؛ لأن العمرةَ جزء من ه، فمِن ثَم قيل: قَرنَ. وقيل: تمتَّعَ. وقيل: أفرَدَ. والمحفوظُ أنه إنما أهلَّ بعدَ صلاةِ الظهرِ، ثم لبَّى فقال: «لَبَّيكَ اللهمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شِيكَ لك لَبَّيكَ، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملكَ، لا شِيكَ لك »(2)، ورفعَ صوتَه بهذه التلبية حتى سمِعَها أصحابُه، وأمرَهم بأمرِ الله له أن يَرفَعوا أصواتهَم بالتلبيةِ. وكان حجه على رحلٍ، لا في محملٍ ولا هَودَجٍ ولا عِماريةٍ، وزاملتُه تحتَه. وقد اختُلِفَ في جوازِ ركوبِ المحرمِ في المحملِ والهودجِ والعِماريةِ ونحوها على قولين، هما روايتانِ عن أحمدَ، أحدهما: الج وازُ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. والثاني: المنع، وهو مذهب مالك(3). (1) أخرجه مسلم1230.) (2) أخرجه البخاري1549)، ومسلم1184.) (3) البيان للعمرا4/207، والمغني لابن قدامة5/129.

عدد الصفحات ١٦٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |069 فصل ثم إنه ﷺ خيرََّهم عند الإحرامِ بين الأنساكِ الثلاثة، ثم نَدَبهَم عند دنوِّهم من مكةَ إلى فسخِ الحجِّ والقرانِ إلى العمرةِ لمن لم يكن معه هديٌ، ثم حتَّمَ ذلك عليهم عند المروةِ. ووَلَدَت أسماءُ بنت عُميسٍ بذي الحليفةِ محمدَ بن أبي بكرٍ الصديقِ، فأَمَرَها رسولُ الله ﷺ أن تَغتَسِل وتستَثفِر بثوبٍ وتحُرِمَ وتهل. وكان في قصَّتِها ثلاثُ سننٍ: إحداها: غُسلُ المحرمِ، والثانية: أن الحائِضَ تغتسلُ لإحرامِها، والثالثة: أن الإحرامَ يصحُّ من الحائضِ. ثم سارَ رسولُ الله ﷺ وهو يُلبِّ ي، والناسُ معه يَزيدون فيها وينق صون، وهو يُقِرُّهم ولا يُنكِرُ عليهم. ولزمَ تلبيتَه، فلما كانوا بالروحاءِ رأى حمارَ وحشٍ عقيرًا، فقال: «دعوه فإنه يوشكُ أن يأتيَ صاحبُه »، فجاء صاحبُه إلى رسولِ ا ﷺ، فقال: يا رسول الله، شأنَكُم بهذا الحمارِ، فأمرَ رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ فقسمَهُ بين الرفاقِ (1). وفي هذا دليلٌ على جوازِ أكل المحرِمِ من صيدِ الحلالِ إذا لم يصدهُ لأجلِه فصل فمرَّ بوادي عُسفان، فلما كان بسرَِف، حاضت عائشةُ ، وقد كانت أهَلَّت بعمرةٍ فدخَلَ عليها النبيُّ ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يُبكيك؟ لعَلَّكِ (1) أخرجه النسائي2818.)

عدد الصفحات ١٧٠

071 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد نَفِست!» قالت: نعم. قال «هذا شيءٌ كتبه الله على بناتِ آدمَ، افعلي ما يَفعلُ الحاجُّ، غير ألا تَطوفي بالبيتِ حتى تطهري »(1). وحديثُ عائشةَ هذا يُؤخذُ منه أصولٌ عظيمة من أصولِ المناسك: أحدها: اكتفاءُ القارنِ بطوافٍ واحد وسعي واحدٍ. الثاني: سقوطُ طوافِ القدومِ عن الحائضِ، كما أن حديثَ صفية زوجِ النبي ﷺ أصلٌ في سقوطِ طوافِ الوداعِ عنها. الثالث: أن إدخالَ الحجِّ على العمرةِ للحائضِ جائزٌ، كما يجوزُ للطاهِرِ وأولى؛ لأنها معذورةٌ محتاجةٌ إلى ذلك. الرابع: أن الحائضَ تفعلُ أفعالَ الحجِّ كلَّها. الخامس: أنها لا تَطوفُ بالبيتِ. السادسُ : أن التنعيمَ من الحِلِّ. السابعُ : جوازُ عمرتين في سنةٍ واحدةٍ، بل في شهرٍ واحدٍ. الثامنُ : أن المشروعَ في حق المتمتِّع إذا لم يأمن الفواتَ أن يُد خِلَ الحجَّ على العمرة، وحديثُ عائشةَ أصلٌ فيه. التاسع: أنه أصلٌ في العمرةِ المكيةِ، وليس مع من استحَبَّها غيرُه، ولا دلالةَ لهم فيها. (1) أخرجه البخاري294)، ومسلم1211.)

عدد الصفحات ١٧١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |070 فصل فلما كان بسرَِف، قال لأصحابِه: «من لم يكن معهُ هديٌ، فأحبَّ أن يََعلَها عمرةً فليَفعل، ومن كان معه هدي فلا »(1) وهذه رتبةٌ أخرى فوقَ رتبةِ التخييرِ عند الميقاتِ. فلما كان بمكةَ، أمرَ أمرًا حتماً من لا هدي معه أن يجَعَلَها عمرةً ويحلَّ من إحرامِه، ومن معه هديٌ أن يُقيمَ على إحرامِه، ولم يَنسَخ ذلك شيءٌ البتة، بل سألَهُ سراقةُ بن مالكٍ عن هذه العمرةِ التي أمرَهم بالف سخِ إليها: هل هي لعامِهم ذلك أم للأبدِ؟ فقال: «بل للأبدِ، وإن العمرةَ قد دَخَلت في الحج إلى يوم القيامةِ »(2). وقد روى عنه ﷺ الأمرَ بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ أربعةَ عشرَ من الصحابة  وأحاديثهم كلُّها صحاحٌ فصل ثم نهضَ ﷺ إلى أن نَزَلَ بذي طُوى، وهي المعروفة الآن بآبارِ الزاهِرِ، فبات بها ليلةَ الأحدِ لأربعٍ خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبحَ، ثم اغتسلَ من يومِه ونهضَ إلى مكة، فدخلها نهارًا من أعلاها من الثنيةِ العليا التي تُشرف على الحَجونِ، وكان في العمرةِ يدخل من أسفلِها ، وفي الحجِّ دخلَ مِن أعلاها وخرج من أسفلِها، ثم سار حتى دخلَ المسجدَ وذلك ضحًى. (1) أخرجه البخاري1556)، ومسلم1211.) (2) أخرجه مسلم1216.)

عدد الصفحات ١٧٢

072 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فلما دخلَ المسجدَ عمدَ إلى البيت، ولم يركع تحيةَ المسجدِ، فإن تحية المسجدِ الحرامِ الطوافُ، فلما حاذى الحجرَ الأسود استلمه ولم يُزاحم عليه، ولم يتقدَّم عنه إلى جهة الركنِ اليما ني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويتُ بطوافي هذا الأسبوعَ كذا وكذا، ولا افتَتَحه بالتكبيرِ، ولا حاذى الحجرَ الأسودَ بجميعِ بدنِه ثم انفتلَ عنه وجعله على شقِّه، بل استقبلَه واستلمَه ثم أخذَ على يمينِه وجعلَ البيتَ عن يسارِه، ولم يدعُ عند الباب بدعاءٍ ولا تحت ا لميزابِ، ولا عند ظهرِ الكعبةِ وأركانهِا، ولا وَقَّت للطوافِ ذكرًا معينا، لا بفعله ولا بتعليمِه، بل حفظ عنه بين الركنين: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) [201](1). ورَمَلَ في طوافِه هذا الثلاثةَ الأشواطِ الأول، وكان يُسرِعُ مشيَه، وكان يُقارب بين خطاه، واضطَبَعَ بردائِه فجعلَه على إحدى كتفَيه وأبدى كتفَه الأخرى ومَنكبَه، وكلما حاذى الحجرَ الأسودَ، أشارَ إليه أو استلمَه بمحجَنِه، وقبَّلَ المحجَن. والمحجنُ: عصا محنيةُ الرأسِ. وثبتَ عنه أنه استَلَم الركن اليمانيَّ، ولم يثبت عنه أنه قبَّلَه، ولا قبَّل يده عن د استلامِه، ولكن ثبتَ عنه أنه قبَّل الحجرَ الأسود، وثبت عنه أنه استلمَه بيده فوضعَ يده عليه ثم قبَّلها، وثبتَ عنه أنه استلَمَه بمحجنٍ، فهذه ثلاثُ صفاتٍ. وكان كلَّما أتى على الحجرِ الأسودِ قال: «الله أك»(2). (1) أخرجه أبو داود1892.) (2) أخرجه البخاري1560)، ومسلم1211.)

عدد الصفحات ١٧٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |073 ولم يستَلِمﷺ ولم يمسَّ من الأركانِ إلا اليمانيين فقط. فصل فلما فرغَ من طوافِه، جاء إلى خلفِ المقامِ فقرأَ: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) [125]، فصلىَّ ركعتين والمقامُ بينه وبين البيتِ، قرأَ فيهما بعد الفاتحة سورَتي الإخلاصِ (1). فلما فرغَ من صلاتِه أقبلَ إلى الحجرِ الأسودِ فاستلمَهُ، ثم خَرَجَ إلى الصفا من البابِ الذي يقابِلُه، فلما دنا منه قرأ: «(ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [ 156] أَبدَأُ بما بَدَأَ الله به »(2)، ثم رقي عليه حتى رأى البيتَ، فاستقبَلَ القبلةَ فوحَّدَ الله وكبرَّه، وقال: «لا إله إلا الله وحدهُ لا شَِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو ع كل شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله وحدهُ، أنجَزَ وَعدهُ، ونَصَِ عبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحدَهُ »، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاثَ مراتٍ (3). ثم نزلَ إلى المروةِ يَمشِ، فلما انصبَّت قدماه باطنِ الوادي سَعى، حتى إذا جاوَزَ الوادي وأصعَدَ مشى، هذا الذي صَحَّ عنه، وذلك قَبلَ الميلين الأخضْين في أولِ المسعى. وظاهرُ هذا أنه كان ماشيًا، وقد روى مسلم في «صحيحه» عن أبي الزبير، أنه سمع جابرَ بن عبد الله يقول: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلتِه (1) يعني: سورة(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ) وسورة: (ﭑ ﭒ ﭓ ). (2) أخرجه مسلم1218.) (3) أخرجه مسلم1218.)

عدد الصفحات ١٧٤

074 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ؛ ليراه الناسُ، وليشرفَ، وليسألوه، فإن الناسَ قد غشوه»(1). وعندي في الجمع بينهما وجهٌ حسن، وهو أنه سعى ماشيًا أولاً، ثم أتم سعيَه راكبًا، وقد جاء ذلك مصرحًا به (2). فصل وأما طوافُه بالبيت عند قدومه، فاختُلفَ فيه: هل كان على قدميه، أو كان راكبًا؟ وهذا والله أعلم في طوافِ الإفاضةِ؛ فإن جابرًا حكى عنه الرملَ في الثلاثةِ الأولِ، وذلك لا يكون إلا مع المشِ. لكن ليس في شيءٍ من الأحاديثِ أنه كان راكبًا في طوافِ القدوم. والله أعلم. فصل وكان ﷺ إذا وَصلَ إلى المروةِ، رَقِيَ عليها، واستق بَلَ البيتَ، وكبرَّ الله ووحَّده، وفعلَ كما فعلَ على الصفا، فلما أكملَ سعيه عند المروةِ، أمر كلَّ من لا هَديَ معه أن يحلَّ حتماً ولابدَّ، قارنًا كان أو مفرِدًا، وأمرَهم أن يحلوا الحلَّ كلَّه مِن وطءِ النساءِ والطيبِ والمخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم الترويةِ ، ولم يحل هو من أجلِ هديِه، وهناك قال: «لو استَقبَلتُ من أمري ما استَدبَرتُ لما سُقتُ الهدي، ولجعلتُها عمرة»(3). (1) أخرجه مسلم1273.) (2) أخرجه مسلم1264.) (3) أخرجه البخاري1651.)

عدد الصفحات ١٧٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |075 وهناك دعا للمحلِّقين بالمغفرةِ ثلاثًا، وللمقصرِّين مرةً وكان يُصلي مدةَ مُقامِه إلى يوم الترويةِ بمنزله الذي هو نازلٌ فيه بالمسلمين بظاهرِ مكةَ، فأقام بظاهرِ مكةَ أربعةَ أيامٍ يقصرُُ الصلاةَ: يومَ الأحدِ والإثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ. فلما كان يوم الخميسِ ضحًى توجه بمن معه من المسلمين إلى مِنًى، فأحرَم بالحجِّ مَن كان أحلَّ منهم مِن رحالهم، ولم يَدخُلوا إلى المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا ومك ة خلفَ ظهورِهم، فلما وَصَلَ إلى منًى نَزَلَ بها، وصلى بها الظهرَ والعصرَ وبات بها، وكان ليلةَ الجمعةِ، فلما طلعتِ الشمسُ سارَ منها إلى عرفةَ، وأخذ على طريقِ ضبٍّ على يمين طريقِ الناسِ اليوم، وكان من الصحابة الملبِّي، ومنهم المكبرِّ، وهو يسمعُ ذلك ولا يُنكِ ر على هؤلاء ولا على هؤلاء، فوجدَ القبةَ قد ضُِِبَت له بأمرِه بنَمِرة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمسُ أمرَ بناقتِه القصواءِ فرُحِلَت. ثم سارَ حتى أتى بطنَ الوادي من أرضِ عُرنة، فخطبَ الناس وهو على راحلته خطبةً عظيمةً، قرر فيها قواعدَ الإسلامِ، وهَدَمَ فيها قو اعدَ الشركِ والجاهلية، وقرر فيها تحريمَ المحرمات التي اتفقت المللُ على تحريمها، وهي: الدماءُ والأموالُ والأعراضُ، ووَضع فيها أمورَ الجاهلية تحتَ قدميه، ووَضعَ فيها ربا الجاهليةِ كلَّه وأبطَلَه، وأوصاهُم بالنساءِ خيرًا، وذَكرَ الحقَّ الذي لهن وعليهن، وأن ال واجبَ لهن الرزقُ والكسوةُ بالمعروف، ولم يُقدِّر ذلك بتقديرٍ، وأباح للأزواجِ ضَِبهَن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يَكرَهُه أزواجهن، وأوصى الأُمة فيها بالاعتصامِ بكتاب الله، وأخبرَ أنهم لن يَضِلوا ما داموا مُعتصِمين به، ثم أخبرََهم

عدد الصفحات ١٧٦

076 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد أنهم مسؤولون عنه، واستنطَقَهم: ماذا يقولون، وبماذا يَشهَدون؟ فقالوا: نشهدُ أنك قد بلَّغت وأدَّيتَ ونَصَحت، فرفعَ أصبعه إلى السماء، واستشهدَ الله عليهم ثلاث مرات، وأمرَهُم أن يبلغَ شاهدُهُم غائبَهم. وموضعُ خطبتِه لم يكن من الموقفِ، فإنه خطبَ بعُ رَ نةَ، وليست من الموقفِ، وهو ﷺ نَزلَ بنَمِر ة، وخطبَ بعُرَنة، ووَقَف بعَرَفةَ، وخطبَ خطبة واحدةً، ولم تكن خطبتين جلسَ بينهما، فلما أتمَّها أمرَ بلالاً فأذَّن، ثم أقامَ فصلى الظهرَ ركعتين، أسرَّ فيهما بالقراءةَ، وكان يوم الجمعةِ، فدل على أن المسافرَ لا يصليِّ جمعة، ثم أقام فصلى العصرَ ركعتين أيضا، وم عه أهل مكةَ، فصلوا بصلاتِه قصرًا وجمعًا بلا ريبٍ، ولم يأمُرهُم بالإتمام، ولا بتركِ الجَمعِ. فلما فرغَ من صلاتِه ركب حتى أتى الموقِفَ، فوقفَ في ذيلِ الجبلِ عند الصخرات، واستقبَلَ القبلةَ، وجعل حبلَ المشاةِ بين يديه، وكان على بعيرِه، فأَخَذَ في الدعاءِ والتضُّْ عِ والابتهالِ إلى غروب الشمسِ، وأمر الناسَ أن يَرفَعوا عن بطن عُرنةَ، وقال: «وَقَفتُ ها هنا، وعَرفةُ كلُّها مَوقِفٌ »(1). وأرسلَ إلى الناسِ أن يكونوا على مشاعِرِهم، ويقفوا بها؛ فإنها مِن إرثِ أبيهم إبراهيمَ. وكان في دعائِه رافعًا يديه إلى صدرِه كاستطعامِ المسكين، وأخبرَهم أن خيرَ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ (2). (1) أخرجه مسلم1218.) (2) أخرجه الترمذي3585.)

عدد الصفحات ١٧٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |077 وهناك أُنزِلت عليه (ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ) [3]. وهناك سقطَ رجلٌ من المسلمين عن راحلتِه، وهو محرمٌ فمات، فأمرَ رسول الله ﷺ أن يُكفَّن في ثوبَيهِ، ولا يُمَسَّ بطيبٍ، وأن يُغسلَ بماءٍ وسدرٍ، ولا يُغطى رأسُه ولا وجهُه، وأخبرَ أن الله تعالى يبعثُه يوم القيامة يُلبي (1). فصل فلما غربت الشمسُ، واستحكَمَ غُروبهُا بحيث ذَهبت الصفرةُ أفاضَ من عرفةَ، وأردَفَ أسامةَ بنَ زيدٍ خلفَه، وأفاضَ بالسكينةِ، وضمَّ إليه زمامَ ناقتِه، حتى إن رأسَها ليُصيبُ طرف رحلِه وهو يقول: «أيَا الناسُ عليكم السكينةَ، فإن ال ليس بالإيضاعِ »(2) أي: ليس بالإسراعِ. وأفاضَ من طريق المأزمين، ودخلَ عَرفة من طريق ضبٍّ، وهكذا كانت عادتُه صلوات الله عليه وسلامه في الأعيادِ، أن يخُالفَ الطريقَ. ثم جعل يسيرُ العَنَقَ، وهو ضِبٌ من السيرِ ليس بالسريعِ ولا البطيءِ، فإذا وجدَ فجوةً نصَّ سيرَهُ، أي: رفعَهُ فوقَ ذلك، وكلما أتى ربوةً من تلك الرُّبى، أرخى للناقةِ زمامَها قليلاً حتى تصعَدَ. (1) أخرجه البخاري1267)، ومسلم1206.) (2) أخرجه البخاري1671.)

عدد الصفحات ١٧٨

078 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يُلبي في مسيرِه ذلك، لا يَقطَع التلبيةَ، فلما كان في أثناءِ الطريقِ نَزلَ صلوات الله وسلامه عليه فبالَ وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، فقال له أسامةُ: الصلاةَ يا رسولَ الله؟ فقال: «المُص أمامَك »(1). ثم سارَ حتى أتى المزدلِفةَ فتوضأَ وضوءَ الصلاةِ، ثم أمرَ بالأذانِ، فأذنَ المؤذِّن، ثم أقامَ فصلى المغربَ قبل حطِّ الرحالِ وتبريك الجمالِ، فلما حطُّوا رحالهم أمرَ فأُقيمَت الصلاةُ، ثم صلى عشاءَ الآخرةِ بإقامةٍ بلا أذانٍ، ولم يصلِّ بينهما شيئًا(2). ثم نامَ حتى أصبحَ، ولم يحُي تلك الليلةَ، ولا صحَّ عنه في إحياء ليلتي العيدين شيءٌ. وأَذِنَ في تلك الليلةِ لضَعَفةِ أهلِه أن يتقدَّموا إلى منًى قبل طلوعِ الفجرِ، وكان ذلك عند غيبوبةِ القمرِ، وأَمَرَهم ألا يَرموا الجمرةَ حتى تَطلُع الشمسُ. فصل فلما طلعَ الفجرُ صلاها في أولِ الوقتِ بأذانٍ وإقامةٍ يومَ النحر، وهو يومُ العيدِ، وهو يومُ الحجِّ الأكبر، وهو يومُ الأذانِ ببراءةِ الله ورسوله مِن كلِّ مشركٍ. ثم ركب حتى أتى موقِفَه عند المشعَرِ الحرام، فاستقبَلَ القبلة، وأخذ في الدعاءِ والتضْع والتكبيرِ والتهليلِ و الذِّكر حتى أسفَرَ جدًّا، وذلك قبلَ طلوعِ الشمسِ. (1) أخرجه البخاري181)، ومسلم1280.) (2) أخرجه البخاري1672)، ومسلم1280.)

عدد الصفحات ١٧٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |079 فصل وَقفَ ﷺ في موقِفِه، وأعلمَ الناسَ أن مزدلفةَ كلَّها موقِفٌ، ثم سارَ من مزدلفةَ مردفًا للفضلِ بن عباسٍ وهو يلبي في مسيرِه، وانطلَقَ أسامةُ بن زيد على رِجلَيهِ في سُبَّاق قريشٍ. وفي طريقِه ذلك أمرَ ابنَ ع باسٍ أن يلقطَ له حصىَ الجِمارِ: سبعَ حصيات، ولم يكسرِها من الجبلِ تلك الليلة، ولا التَقَطَها بالليلِ، فالتقطَ له سبعَ حصيات من حصى الخذفِ، فجعلَ ينفضهنَّ في كفِّه ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغُلُو في الدينِ فإنما أهلَك من كان قبلَكم الغلوُّ في ال دين»(1). وفي طريقِه تلك عرضَتْ له امرأةٌ من خثعم فسألته عن الحجِّ عن أبيها، وكان شيخًا كبيرًا لا يستمسكُ على الراحلةِ، فأمرها أن تحجَّ عنه. فلما أتى بطنَ محُسرِّ حركَ ناقتَه وأسرعَ السيرَ، وهذه كانت عادتُه في المواضِعِ التي نزلَ فيها بأسُ الله بأعدائِه، فإن هنالك أصاب أصحابَ الفيلِ ما قصَّ الله علينا؛ ولذلك سُمِّيَ ذلك الوادي وادي محُسرِّ؛ لأن الفيلَ حسرَ فيه، أي: أُعْيِيَ وانقطع عن الذهابِ إلى مكةَ. وسلكَ ﷺ الطريقَ الوسطى بين الطريقين، وهي التي تخَرُج على الجمرةِ الكبرى، حتى أتى منًى، فأتى جمرةَ العقبةِ، فوقفَ في أسفلِ الوادي، وجعلَ البيت عن يسارِه، ومنًى عن يمينِه، واستقبلَ الجمرة، وهو على راحلَتِه فرماها راكبًا بعد طلوعِ الشمسِ، واحدةً بعد واحدةٍ، يكبر مع كل حصاةٍ، وحينئذٍ قطعَ التلبيةَ. (1) أخرجه النسائي3057)، وابن ماجه3029.)

عدد الصفحات ١٨٠

081 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان في مسيرِه ذلك يُلبي حتى شرعَ في الرمي، ورَمى وبلالٌ وأسامةُ معه أحدُهما آخذٌ بخطامِ ناقته، والآخرُ يظله بثوبٍ من الحرِّ، وفي هذا: دليلٌ على جوازِ استظلالِ المحرم بالمحملِ ونحوه إن كانت قصةُ هذا الإظلال يومَ النحر، وإن كانت بعده في أيام منًى فلا حجةَ فيها، وليس في الحديثِ بيانُ في أي زمنٍ كانت. فالله أعلم. فصل ثم رَجعَ إلى منًى، فخطبَ الناس خطبةً بليغةً أعلمهم فيها بحرمةِ يوم النحرِ وتحريمِه وفضلِه عند الله، وحرمةِ مكةَ على جميعِ البلادِ، وأمرَ بالسمعِ والطاعةِ لمن قادَهم بكتابِ الله، وأمرَ الناسَ بأخذِ مَناسِكِهم عنه، وقال: «لَعَلي لا أحجُّ بعد عامي هذا»(1). وعلَّمهم مناسكَهم، وأنزل المهاجرين والأنصارَ منازلهم، وأمرَ الناس أ يَرجعوا بعده كفارًا يضْبُ بعضُهم رقاب بعضٍ، وأمرَ بالتبليغِ عنه، وأخبرَ أنه رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامِعٍ (2). وقال في خطبتِه«لا يََني جانٍ إلا على نفسٍه »(3). وأنزلَ المهاجرين عن يمينِ ا لقبلةِ، والأنصارَ عن يسارِها، والناسَ حولهَم، وفتحَ الله له أسماعَ الناس حتى سمِعَها أهل منًى في منازِلهم. (1) أخرجه الترمذي886)، والنسائي3062.) (2) أخرجه البخاري1741.) (3) أخرجه الترمذي2159)، وابن ماجه3055.)

عدد الصفحات ١٨١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |080 وودَّعَ حينئذٍ الناسَ، فقالوا: حجةَ الوداعِ قال عبد الله بن عمرٍو: ما رَأيتُه ﷺ سُئِلَ يومئذٍ عن شيءٍ إلا قال: «افعلوا ولا حرجَ ». وقال ابن عباسٍ: إنه قيلَ له ﷺ في الذبحِ والحَلقِ والرمي والتقديمِ والتأخيرِ، فقال: «لا حَرَجَ ». ثم انصرفَ إلى المنحرِ بمنى، فنحرَ ثلاثا وستين بدنةً بيدِه، وكان ينحرُها قائمةً معقولةً يدها اليُسرى، وكان عدد هذا الذي نحرَهُ عددَ سنين عمرِه، ثم أمسكَ وأمَرَ عليًّا أن ينحرَ ما بقي من المئة، ثم أمر عليًّا  أن يتصدَّقَ بجلالها وجُلودِها ولحُومِها في المساكين، وأمرهُ ألا يعطِيَ الجزارَ في جزارتهِا شيئًا منها، وقال نحن نُعطيه من عندِنا، وقال: «مَن شاءَ اقتَطَعَ »(1). فصل ونحَرَ رسولُ الله ﷺ بمنحرِه بمنًى، وأعلمَهم أن مِنًى كلَّها منحرٌ، وأن فجاجَ مكةَ طريق ومنحر (2). وسئِلَﷺ أن يُبنَى له بمنًى مظلَّةٌ من الحرِّ فقال: «لا، منًى مناخُ من سبقَ إليه»(3)، وفي هذا دليلٌ على اشتراكِ المسلمين فيها، وأن من سبقَ إلى مكانٍ منها فهو أحقُّ به حتى يرتحِلَ عنه ولا يَملِكه بذلك. (1) أخرجه البخاري1717)، ومسلم1317.) (2) أخرجه مسلم1218.) (3) أخرجه أبو داود2019)، وابن ماجه3006.)

عدد الصفحات ١٨٢