نبذة في العقيدة الإسلامية وأعظم الكتب الثلاثة هو القرآن بلا شك ، ولهذا جعله الله مهيمنا على كل الكتب ا لسماوية قبله كما تقدم ، وفيه من الإعجاز ما ليس في غيره من الكتب ، وسيأتي ذكر وجوه إعجاز القرآن الكريم في خاتمة مبحث الإيمان بالرسل لكونه من معجزات النبي محمد . فائدة في ميزة التوراة على الإنجيل قال ابن كثير رحمه الله في خاتمة تفسير سورة الأحقاف ما محصَّلُ هُ أن الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم ، وهو في الحقيقة كال ـمتمم لشريعة التوراة ، فالعمدة ه ي التوراة ، فلهذا قالت الجن عن القرآن إنه أُنزِل من بعد موسى ولم تقل إنه أنزل من بعد عيسى ، لأن التوراة التي أنزِلت على موسى هي الأصل. انتهى الغرض منه. ولهذا فإن الله علَّ م نبيه عيسى ابن مريم التوراة والإنجيل كليهما، قال الله تعالى عن الملائكة أنها قالت لأمه مريم ﴿ويُعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾، أي: أن الله يعلمه الكتابة، والسَّ داد في القول والفعل، والتوراة التي أوحاها الله إلى موسى علي ه السلام، والإنجيل الذي أنزل الله عليه . فالحاصل أن الإنجيل متمم للتوراة ومكمل لها، وليس ناسخا لها . فصل في بيان مواطن اتفاق الكتب السماوية و مواطن اختلافها الكتب السماوية قاطبة متفقة على أمور ومختلفة في أمور ، فأما مواطن الاتفاق فستة: الأول: أن جميع الكتب دعت الى شيء واحد وهو عبادة الله وحده وترك عبادة من سواه ، سواء كانوا أصناما أو أشخاصا أو أنبياء أو أحجار ا أو غيرها. فدين الأنبياء واحد بهذا الاعتبار ، وهو عبادة الله وحد ه. الثاني: تتفق الكتب السماوية على وجوب الإيمان بأصول العقيدة ، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره . الثالث: تتفق الكتب السماوية على وجوب الـــتَّعبدُ للهِ تعالى بعبادات معينة ، وقد تشترك بعض الأمم في عبادات معينة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ، ولكن تلك العبادات تختلف عن بعضها في كيفية أدائها بحسب الناس الذين بُعِث إليهم ذلك النبي ، فبني إسرائيل مثلا أمرهم النبي موسى بالصلاة ، ثم لما بعث الله نبيه عيسى أمرهم بالصلاة أيضا ، ثم لما أرسل الله نبيه محمدا أمر الناس بالصلاة ، لكن كيفية الصلاة وتوقيتها يختلف من شريعة موسى إلى شريعة عيسى إلى شريعة محمد ، ولكنها في النهاية تشترك في كونها عبادة لله وحده ، ينبغي أن تؤدى على نحو ما ، بينه ذلك النبي لأتباعه. ونفس الشيء يقال بالنسبة لعبادة الصوم وغيرها من العبادات.
عدد الصفحات ١٢٩نبذة في العقيدة الإسلامية قال تعالى مبينا اشتراك بعض الأمم في الصلاة والزكاة ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾1 ،وقال تعالى في الصوم ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾2 ،وقال لإبراهيم كما في سورة الحج ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ﴾3. الرابع: اتفاقها على الأمر بالعدلِ والقِ سطِ ، قال تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنـز لنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ 4. والأمر بالعدل مذكور في شريعة موسى وإبراهيم ، ومن أمثلة ذلك ألا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، قال تعالى ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفّى * ألا تزر وازرة وزر أخرى ﴾5. الخامس: اتفاقها على الأمر بحفظ الضروريات الخمس ، وهي الدين والعقل والمال والعرض والنفس. السادس: اتفاقها على الأمر بمحاسن الأخلاق والنهي عن قبيحها ، فتأمر مثلا ببر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الضي ف والعطف على الفقراء والمساكين والقول الحسن ونحو ذلك ، كما أنها تنهى عن القبائح ، كالظلم والعدوان وعقوق الوالدين وانتهاك الأعراض والغيبة والكذب والسَّ رقة وغير ذلك . و أما مواطن الاختلاف بين الشرائع السماوية ففي أمرين ، وهذا الاختلاف من حكمة الله تعالى ليكون لكل أمة من الشرائع ما يناسب طبيعتها ، قال تعالى ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ 1 ، وموطِنا الاختلاف هما: الأول: كيفية العبادات المشتركة بين الشرائع ، فالصلاة كانت مفروضة في شريعة عيسى ، ولكنها تختلف في كيفيتها عن الصلاة المفروضة في شريعة محمد ،وربما تتفق معها في بعض صورها ، كما قال النبي :إنا معاشر الأنبياء أُ مِ رْ نا أن نُ عجقً ل إفطار نا ، ونؤخقً ر سحورنا ، و نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة.1 وكذلك الصوم المفروض في شريعة من قبلنا ؛ تختلف كيفيته عن الصوم في شريعة محمد ،فقد كان الإمساك في شريعة من قبلنا يبدأ إذا استيقظ الإنسان من نومه إذا نام في أي وقت من الليل ، أوله أو 1 سورة الأنبياء 13 . 2 سورة البقرة 143 . 3 سورة الحج 21 . 4 سورة الحديد 25 . 5 سورة النجم 31 - 34 . 1 سورة المائدة 44 . 1 رواه البيهقي (4/234) عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأشار إلى ثبوته الألبا«الصحيحة»4/315.)
عدد الصفحات ١٣٠نبذة في العقيدة الإسلامية وسطه أو آخره ، ويمتد ذلك الإمساك إلى مغرب الليلة القابلة ، ثم جعل الله ابتداء الإمساك في شريعة محمد عندطلوع الفجر ، بدون اعتبار للنوم قبله ، وهذا من حكمة الله تعالى وتيسيره على هذه الأمة. الثاني: الاختلاف في تشريع بعض الأحكام ، فقد يُ ـحِ ل الله طعاما لأمة ، ويُ ـحرقً مه على آخرين لحكمة يعلمها الله عز وجل ، قد نعلمها وقد لا نعلمها ، كما حرم الله على اليهود أنواعا من الأطعمة ، قال تعالى ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾1. ثم في شريعة عيسى أُحِلَّت تلك الأطعمة، فقد قال عيسى لقومه ﴿ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ 2. ثم جاءت شريعة محمد ،فأَ حلَّ ت الطيبات كافة وحَ رَّ متِ الخبائث كافة. الحكمة من إنزال القرآن3 بيَّـن الله تعالى في كتابه العزيز الحكمة الكبرى من إنزال القرآن في قوله جل وعلا ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾4 ، وقد بيَّـن الله تعالى في آيات أخرى الحكمة من ذلك الإخراج وهي: الأولى والثانية والثالثة: تدبُّر آياته وتذكُّر أولوا الألباب ومن ثَـمَّ حصول التقوى ، ودليل ذلك قوله تعالى ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب﴾5 ، وقال تعا﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرَّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ﴾1. الرابعة: البِشارة بالثواب للمتقين والإنذار بالعقاب لمن أعرض عنه ، قال تعالى ﴿فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لُـــدَّا﴾1. الخامسة: تبيين الأحكام الشرعية للناس ، قال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُــزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾1 ، وقال تعا﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾2. 1 سورة النساء 141 . 2 سورة آل عمران 59 . 3 استفدت هذا الفصل من«أضواء البيان»، تفسير سورة ص ، قوله تعا كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألبا ب. 4 سورة إبراهيم 1 . 5 سورة ص 24 . 1 سورة طـٰه133 . 1 سورة مر 41 .
عدد الصفحات ١٣١نبذة في العقيدة الإسلامية السادسة: تثبيت المؤمنين على الإيمان والهدى ، قال تعالى ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾3. السابعة: الـحُكم بين الناس به – أي بالقرآن - ، قال تعالى ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾4 ، أي: بما علَّمك في هذا القرآن من العلوم ت ــمي ـــز القرآن العظيم عن غيره من الكتب السماوية تـميَّ ـــــز القرآن بخصائص عدة عن غيره من الكتب السماوية ، نذكر منها ثلاث خصائص: 1. أن فيه تبيانا لكل شيء ، كما قال تعالى ﴿ونزلنا عليك الكت اب تبيانا لكل شيء﴾5 ،وكما قال تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾6، وقد بين جلال الدين السيوطي1 رحمه الله ذلك التبيان مقدمة كتابه «الإكليل في استنباط التنزيل »4 ، فقال ما ملخصه: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء . أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أص ل إلا وفي القرآن ما يدل عليها. وفيه علم عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى ، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة ، وعيون أخبار الأمم السالفة; كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من الجنة، وإغراق قوم نوح ، وقصة عاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم يونس، وإلياس، وأصحاب الرَّ س، وقصة موسى في ولادته وفي إلقائه في اليم ، وقتلِ ه القِ ـــبطي، ومسيره إلى مدين، وتزوجه ابنة شعيب، وكلام الله تعالى له بجانب الطور، وبعثه إلى فرعون ، وخروجه من البحر وإغراق عدوه فرعون ، وقصة العجل، و قصة القوم الذين خرج بهم وأخذتهم الصعقة ، وقصة القِ تال وذبح البقرة ، وقصته في قتال الجبارين ، وقصته مع الخضر، وقصة طالوت وداود مع جالوت وقتله، وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبإ وفتنته، وقصة القوم 1 سورة النحل 44 . 2 سورة النحل 41 . 3 سورة النحل 192 . 4 سورة النساء 195 . 5 سورة النحل 44 . 6 سورة الأنعام: 34 . 1 هـو عبـد الرحمــٰن بـن أبي بكـر الخضـيري السـيوطي ، إمـام حـافظ مـؤرخ أديـب ، بـرز في جميـع الفنـون ، لـه نحـو 199 مصـنف ،منهـا في علــوم القرآن «الإتقان في علوم القرآن »، وله في التفس«الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، وله في علوم الحديث«ألفيـة السـيوطي في الحـديث» ، وله في الحديث «الجامع الكب»و«الجامع الصغ»توفي عام411 .انظر ترجمته «البدر الطالع»للشوكاني ، و «اعلام» للزركلي 4 هو من منشورات دار الأندلس الخضراء بجدة ، بتحقيق: د. عامر بن علي العرا .
عدد الصفحات ١٣٢نبذة في العقيدة الإسلامية الذين خرجوا فرارا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم ، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته النمروذ، ووضعه إسماعيل مع أمه بمكة، وبنائه البيت ، وقصة الذَّ بيح إسماعيل، وقصة يوسف، وقصة مريم وولادتها عيسى وإرساله ورفعِ ه، وقصة زكريا وابنه يحيى، وأيوب وذي الكِ فل، وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مطلع الشمس ومغربها وبنائه السَّ د، وقصة أصحاب الكهف والرقيم ، وقصة بُ ــــــخـــــتنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة ، وقصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليقطعُنَّ ثمار حديقتهم مبكقًرين في الصباح، فلا يَطْعَم منها غيرهم من المساكين ونحوهم، وقصة مؤمِ ن آل فرعون ، وقصة أصحاب الفيل. وفيه من شأن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - دعوة إبراهيم به1، وبِ شارة عيسى بنبوته2، وبَ ــــعثِ ه وهجرته 3 . ومن غزواته : غزوة بدر في «سورة الأنفال »، وأُ حُ ــد في «سورة آل عمران »، و غزوة الخندق في «سورة الأحزاب »، والنضير في «سورة الحشر »، والحديبية في «سورة الفتح »، وتبوك في «سورةبراءة »، وحجة الوداع في «سورة المائدة»، ونكاحه زينب بنت جحش ، وتظاهُ ر أزواجه عليه ، وقصة الإفك ، وقصة الإسراء ، وانشقاق القمر، وسِ حر اليهود إياه. وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت وق بض الروح وما يُ ــــفعل بها بعد صعودها إلى السماء، وفتح الباب للروح مؤمنة وإلقاء الروح الكافرة ، وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، وأشراط الساعة الكبرى العشرة ، وهي: نزول عيسى، وخروج الدجال ، ويأجوج ومأجوج ، والدابة، والدخان، ورفع القرآن ، وطلوع الشمس من مغر بها، وإغلاق باب التوبة، والخسف. وأحوال البعث من نفخة الصور، والفزع ، والصَّ عق، والقيام، والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس، وظل العرش، والصراط ، والميزان ، والحوض، والحساب لقوم، ونجاة آخرين منه ، وشهادة الأعضاء، وإيتاء الكُ تب بالأيمان والشمائل وخلف الظهور، والشفاعة، والجنة وأبوابها، وما فيها من الأشجار والثمار والأنهار والـحُ ــــلِ ي والألوان والدرجات ورؤيته تعالى. والنار وما فيها من الأودية، وأنواع العقاب ، وألوان العذاب، والزقوم والحميم ، إلى غير ذلك مما لو بُ سِ ط جاء في مجلدات. 1 أيدعاء النبي إبراهيم – عليه السلام - أن يبعث في الأمة نبيا، فكان هو محمد صلى الله عليه وسلم. 2 يوجد في التوراة وا ناجيل المنتشرة بين اليهود والنصارى بشارات كثيرة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 3 أيهجرته من مكة إلى المدينة فرارا بدينه لما ضيَّق عليه قومه وحالوا دونه ودون نشر الإسلام في مكة.
عدد الصفحات ١٣٣نبذة في العقيدة الإسلامية وفي القرآن جميع أسمائه تعالى الحسنى، وفيه من أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة 1. وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون. وفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة وخمس عشرة . وفيه ذكر أنواع الذنوب الكبائر وكثير من الذنوب الصغائر. وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم. هذه جملة القول في ذلك. انتهى باختصار يسير وتصرف من كلام السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه «الإكليل في استنباط التنزيل». *** 2. ومن خصائص القرآن أنه كتاب هداية للناس كافة ، بخلاف الكتب الأخرى ، فإنها كانت تصلح لناس دون آخرين ، حكمة منه جل وعلا ، كما جاء في القرآن ذكرُ المصالح التي يحتاجها البشر وتدور عليها الشرائع ، وفيه حلول المشاكل العالمية ، انظر ما قاله الشنقيطي رحمه الله في هذا الباب في تفسير قوله تعالى ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾2،فقد تكلم عليه في نحو من خمس وخمسين صفحة. *** 3. ومن أعظم خصائص القرآن العظي م أن ه محفوظ من التغيير والتبديل والتحريف على مر الدهور والعصور إلى نهاية العالم ، فقد تعهَّد الله بحفظه كما قال تعالى ﴿إِنَّا نَ ـحــْ نُ نـزلْنَا الذىكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحََافِظُون﴾3،أي: إن الله نزل الذقًكـــر وهو القرآن ، ثم حَــــفِظه ، وطريقة حفظه على مدى العصور الماضية كانت كالتالي: بعد إنزال القرآن على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عن طريق الـمَـلَـك جبريل ؛ حفظه النبيٌّ في قلبه، ثم قرأه على أصحابه فحفظوه في صدورهم وكتبوه على الألواح ، وكان عدد أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ألوفا ، ثم تتابع الناس في الآفاق على حفظ القرآن بعد الصحابة ولم يفرطوا فيه ، جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، وكان حِفـظهم متطابقا ، ولا يزال متطابقا ، لا يختلف حرفا واحدا ، فبهذا 1 أي مجموعة من الأسماء، كأحمد والسراج المنير ونحو ذلك 2 سورة الإسراء 4 . 3 سورة الحِــــجْــــر4 .
عدد الصفحات ١٣٤نبذة في العقيدة الإسلامية حفِ ظ الله ألفاظ القرآن من التغيير والزيادة والنقص ، و حفِظ معانيه من التبديل ، فلا يوجد في القرآن مؤلف مجهول ، لأن الكلام كلام الله ، لم يتدخل فيه أحدٌ بتأليف أو تحريف ، كما لا يوجد في القرآن جزء مفقود أو تناقض بين الآيات أو سقط في بعض الآيات ، ولم يتجرَّأ أحدٌ على مر التاريخ على تحريف معنى من معانيه إلا وقَ ــــيَّـــض الله له من يرد عليه ، ويكشف كذبه وزو ره وبــهتانه ، و يُ ــــبـَ يقً ـــن الحق الـمُ بين ، وهذا من أعظم آيات الله على أنه كتاب منزل ، و من أعظم نعمه على عباده المؤمنين إلى نهاية الدنيا. قال السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله في كتابه «النبي الخاتَ»: «أما القرآن الكريم الذي كان آخر الكتب ا نزلة من الله ومُصدقًقا لها ومهيمنا عليها، وعليه الاعتماد في هداية البشر، وربط الخلق بالخالق، والدعوة إلى الله بعد البعثة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فشأنه يختلف عن شأن جميع الكتب السماوية كل الاختلاف، فقد تكفل الله بحفظه وسلامته من كل تحريف وتبديل، وزيادة ونقص، فقال ﴿وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴾ 1 . وكذلك تكفل الله بسلامته من مسخ وعبث ومحوٍ من الذاكرة، وارتفاعٍ عن صدور الناس، أو تعرضٍ لنكبةٍ تقضي عليه أو تُبيده، كما وقع أكثر من مرة للتوراة، فقال ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ 2 ، وهي الكفالة بحفظه وبقائه وانتشاره وازدهاره وبقائه متلوا ومدروسا ومفهوما ، وغير مهجورٍ قد انقطع العمل به بتاتا وتُـــنُوسي، فكل هذا – من معانٍ ولوازم وآفاق- مما تنطوي عليه كلمة "الحفظ" العربية البليغة ». انتهى كلام ه رحمه الله. 3 فإن قيل: وما هي الدلائل على أن القرآن محفوظ لم يتعرض للتحريف؟ فالجواب على ذلك من وجوه: 1 سورة فصلت: 41 - 42 . 2 سورة الـحِـجْـر : 4 . 3 ص34، الناشر دار الكلمة– مصر.
عدد الصفحات ١٣٥نبذة في العقيدة الإسلامية أن البشر كلهم ما استطاعوا أن يأتوا بآية مثل آية واحدة في القرآن في بلاغته وحسن كلامه ، ولو أنه تعرض للتحريف لاتضح هذا في سياق القرآن، لأن أسلوب كلام البشر مخ تلف عن أسلوب كلام الرب. ثم إن القرآن متميزٌ في نظمه وأسلوبه عن كلام البشر، وقد حاول أناس على مر التاريخ إدخال تحريفات في القرآن فانكشفوا وذهبت جهودهم. ثم إن القرآن محفوظ في الصدور علاوة على كونه محفوظا في القراطيس، فإن ملايين البشر يحفظونه في آن واحد على مر الأزمان، ومن المعلوم أن ما كان في الصدور فلا يمكن تحريفه. كذلك فإن التاريخ يشهد بأن القرآن لم يتعرض قط للتحريف ، ولو أنه تعرض للتحريف لذكره المؤرخون وأتوا بإثباتات، لاسيما مع وجود أعداء للقرآن على مر التاريخ. فلم يُذكر قط في التاريخ أن المسلمين اختلفوا في سورة أو آية أو كلمة واحدة أو حتى حرف واحد من القرآن، هل هو من القرآن أم مُدخلٌ عليه. بل التاريخ يشهد على ثبوت النص القرآني كما هو على مر العصور والقرون، وفي مختلف بقاع الدنيا، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا. ومما يدل على حفظ القرآن أن القارئ الكريم لو أتى ب نسخة من القرآن وقارنها بنسخة أخرى في أمريكا، و بنسخة ثالثة في الصين، و نسخة رابعة في الهند، لوجد بأمقً عينيه أن هذه النسخ متطابقة، ليس فيها اختلاف بحرف واحد، فهذا دليل مادي حِـسقًـي على حفظ القرآن. ثمإن النسخة الأصلية من القرآن محفوظة منذ أربعة عشر قرنا، وهي موجودة في متحف في اسطنبول بتركيا، وجميع النسخ المطبوعة في العالم هي مقابلة بتلك النسخة. فالحاصل أن القرآن هو هو كما أُنـــــزِل قبل أربعة عشر عاما، لا يتعرض لتحديثrevision ، كما هو الحال في الكتب الأخرى التي يُـحدقًثها البشر، ثم يقولون إنها من عند الرب، و إنها كلامه! وبهذا تتضح قدرة الرب سبحانه وتعالى في حفظ القرآن ، مقارنة بقدرة البشر على حفظ غيره من الكتب كالتوراة والإنجيل ، فالنص القرآني محفوظ كما هو منذ أنزل ، والتاريخ شاهد بذلك ، لأن الله تكفل بحفظه ، بينما النصوص الأصلية لجميع الكتب السابقة كالتوراة و الإنجيل غير محفوظة ،
عدد الصفحات ١٣٦نبذة في العقيدة الإسلامية والتاريخ شاهد بذلك ، مع أنهما أقرب كتابين للقرآن من الناحية الزمانية، و السبب في ذلك أن الأحبار والرهبان لم يحفظوها ، فالإنجيل الأصلي «الكتاب المقدس»الذي كان بيد المسيح عيسى ابن مريم والحواريين تعرض للضياع، فليس له وجود الآن ، وحَــلَّ مكانه أربعة أناجيل كتبها أربعة أشخاص (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) ، وملحقٌ بها ثلاثة وعشرون رسالة ، كلها قد أُلقًــفت بعد رفع المسيح، فيكون المجموع سبعة وعشرين سفرا، وقد بدأ تدوين تلك الأناجيل الأربعة من سنة 31 م إلى سنة 119م،وهؤلاء الأربعة لم يثبت أن التقوا بالمسيح ولو للحظة واحدة ، بل كتبوها بعد رفعه إلى السماء ، وبينها من التناقض والاختلاف الشيء الكثير. وإذا أُضيفت أسفار العهد القديم الستة وأربعين (الـمكونة من التوراة وغيرها) إلى أسفار العهد الجديد (الإنجيل) السبعة وعشرين صار مجموع الأسفار ثلاثة وسبعين ، ي ؤمن البروتستانت بستة وستين منها ، ولا يؤمنون بالبقية ، بينما يؤمن الأرثو ذ كس والكاثوليك بها كلها. ومما يدل بوضوح على تحريف رجال الدين المسيحيين للإنجيل أن هذه الأناجيل الأربعة يتم تحديثها بشكل مستمر مِن قِـبَـل متخصصين في الأناجيل ، حيث يكتشف هؤلاء المتخصصو ن من وقت لآخر أن هناك عبارات مقحمة في النص الأصلي منها ، فيُ خرجون نسخة جديدة من الأناجيل revision ، ويقولون إنهامنقحة من تلك العبارات الـمُ قحمة في النص ، أليس هذا دليلا واضحا على تلاعبهم بها؟ فبهذا يتبين لنا بوضوح أن الرجوع إلى هذه الكتب التي تسمى أناجيل والاعتماد عليها لمعرفة رسالة المسيح عيسى ابن م ـريم الأصلية خطأ فادح ، لأنه رجوع إلى كلام البشر الذي يعتريه الصواب والخطأ ، فهي مثل كتب التاريخ ونحوها ، وكتب القصص والحكايات ، التي تؤلف بعد مرور فترة من الزمن على الأحداث التي تكلموا عنها ، فيكون فيها الصح و الخطأ ، والاختلاف والاضطراب ، وليس رجوع ا إلى كتاب الله المقدس ((الإنجيل الأصلي)) الذي أنزله الله على المسيح عيسى ابن مريم ، ولو أن هذه الأناجيل التي يتداولها النصارى (( المسيحيو ن)) هي فعلا الإنجيل الأصلي لَ ـمَ ا تعددت ولَ ـمَ ا تناقضت فيما بينها ، لأنه من المعلوم قطعا أن الإنجيل الذي كان بيد المسيح إنما هو كتاب
عدد الصفحات ١٣٧نبذة في العقيدة الإسلامية واحد ، وكذلك الأمر يقال بالنسبة للتوراة، و هذا مِصداق قول الله تعالى ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾1. فبناء على هذا فلا يستطيع باحث أو عالم منصف أن يقول إن الأناجيل الأربعة محفوظة كما هي كما كتبها مؤلفوها ، فضلا عن أن يقولوا إنها – أو واحد منها - تُ ـمَـثقًـل النص الأصلي للإنجيل الذي أنزله الله على المسيح ، و كان بيد المسيح والحواريين. ولكن ارحيم بعباده ، لم يترك الناس هكذا بلا كتاب هداية وإرشاد ، فقد أنعم على الناس كلهم بكتاب خالد وهو القرآن ، فيه هدى ونور ، وحَـــــفِــــظَــــهُ على هيئته كم ــــــــــــــا هو غضا طريا ، وسيبقى مـحفوظا إلى نهاية الدنيا ، كما قال تعالى ﴿إِنَّا نَ ـحــْ نُ نـزلْنَا الذىكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحََافِظُون ﴾ ، وجعله صالحا لكل زمان ومكان ، ولجميع أصناف البشر 2 ، فبهذا ت وعد الله بـحفظ القرآن ليكون كتاب هداية للناس كلهـــــــم ، بني إسرائيل وغير بني إسرائيل ، الأبيض والأسود ، العرب والعجم ، الإنس والجن ، إلى نهاية هذا العالم ، وتضمن هذا القرآن شريعة الإسلام التي هي خاتمة الشرائع . وفيما يلي قصة لطيفة من التاريخ تثبت حفظ القرآن على مر العصور والدهور، وقد حصلت لأحد خلفاء المسلمين كان يسمى المأمون ، دخل عليه في مجلسه رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة ، فتكلم فأحسن الكلام والعبارة ، فلما انتهى المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ فقال: نعم. فقال له: أسلِم حتى أفعل بك وأصنع ، أي يعطيه مالا ونحو ذلك. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. يعني لن أترك ديني ودين آبائي. فلما كان بعد سنة جاء اليهودي مسلما إلى مجلس المأمون ، فتكلم في أمور الدين الإسلامي فأحسن الكلام ، فلما انتهى المجلس دعاه المأمون فقال له: ألست صاحبنا بالأمس؟ فقال: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ 1 سورة النساء 42 . 2 بإمكانالقارئ الكريم تصفح القرآن من خلال هذا الموقع www.quran.ksu.edu.sa
عدد الصفحات ١٣٨نبذة في العقيدة الإسلامية قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان ، فعمدت إلى التوراة فكتبتُ ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت ، وأدخلتها الكنيسة فاشتُـــرِيت مني. وعمدت إلى الإنجيل فكتبتُ ثلاث نسخ فزدتُ فيها ونقصت ، وأدخلتها البيعة فاشتُ ـــرِيت مني. وعمدت إلى القرآن فعمِ لت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت ، وأدخلتها على الورَّاقين (هم الذين يكتبون الكتب ويبيعونها ، قبل وجود المطابع) فتصفحوها ، فلما وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها ، فعلِمت أن هذا كتاب محفوظ ، فكان هذا سبب إسلامي. انتهت القصة. فصل في بيان الأدلة القرآنية على تحريف الأحبار والرهبان للتوراة والإنجيل قال الشنقيطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة عند ذكر حال الأحبار والرهبان مع الكتب المنزلة إليهم وتفريطهم في حفظها ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهد اء﴾1 ، قال رحمه ا أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استُحفظوا كتاب الله يعني استُودعوه ، وطُلب منهم حفظه ، ولم يـبـين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفِظوه ، أو لم يـمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه ، ولكنه بيـَّن في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر ، ولم يحفظوا ما استُحفظوه ، بل حرَّفوه وبدلوه عمدا ، كقوله ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ الآية ، وقوله ﴿يحرفون الكلم من بعد مواضعه ﴾ الآية ، وقوله ﴿تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ﴾ ، وقوله ﴿فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ الآية ، وقوله جل وعلا ﴿وإنَّ منهم فريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ الآية ، إلى غير ذلك من الآيات ... ثم قال رحمه الله: والقرآن العظيم لم يكِلِ الله حفظه إلى أحد حتى يُـمْكِنه تضييعَه ، بل تولى حِفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة ، كما أوضحه بقوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ وقوله ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ الآية ، إلى غير ذلك من الآيات. انتهى كلامه رحمه الله. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إغاثة اللهفان»: ثم بعث اسبحانه عبدَه ورسولَه و كلمتَه المسيح ابنَ مريم ، فجدَّد لهم الدين ، وبيَّـن لهم معالمه ، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ، والتبرقً ي2 من تلك الأحداث والآراء الباطلة ، فعادوه وكذبوه ، ورموه وأمه بالعظائم ، وراموا 3 قتله ، فطهَّره الله تعالى منهم ، ورفعه إليه فلم يصِلوا إليه بسوء ، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارا 1 سورة المائدة 44 . 2 أي التبرؤ 3 أي: قصَدوا.
عدد الصفحات ١٣٩نبذة في العقيدة الإسلامية دعوا إلى دينه وشريعته ، حتى ظهر دينُه على من خالفه ، ودخل فيه الملوك ، وانتشرت دعوته ، واستقام الأمر على السَّداد بعده نحو ثلثمئة سنة. ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء ، بل ركَّ ـبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عُبَّـاد الأصنام ، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يُدخلوهم في النصرانية ، فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها ، ونق لوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق ، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن وروح القدس. هذا ومعهم بقايا من دين المسيح ، كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم السبت وتحريم الخنـزير وتحريم ما حرَّمته التوراة إلا ما أُحِل لهم بنصها ، ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلَّوا الخنـزير وأحلَّوا السبت وعوَّضوا منه يوم الأحد وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة ، وكان المسيح يُصلي إلى بيت المقدس فصلُّوا هم إلى المشرق ، ولم يُعظقً م المسيح عليه السلام صليبا قط ، فعظَّموا هم الصليب وعبدوه ، ولم يصُم المسيح عليه السلام صومَهم هذا أبدا ولا شرَعه ولا أمر به البتة ، بل هم وضعوه على هذا العدد ونقلوه إلى زمن الربيع ، فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عِوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية ، وتعبدوا بالنجاسات وكان المسيح عليه الس لام في غاية الطهارة والطيب والنظافة وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم ، فغيروا دين المسيح وتقربوا إلى الفلاسفة عباد الأصنام بأن وافقوهم في بعض الأمر ليُـرضوهم به وليستنصروا بذلك على اليهود. انتهى كلامه رحمه الله.1 تنبيه مهم ومع ذلك التحريف والتبديل الذي تعرضت له التوراة والإنجيل ؛ فإن ه لا زال في التوراة والأناجيل المتوافرة بأيدي اليهود والنصارى الآن شيئا من الحق الذي جاء به موسى والمسيح ، وشهِد له القرآن أيضا، 1«إغاثة اللهفان»2/219) ، تحقيق الفقي قلت: وقد أَ لَّ ف بعض علماء الإسلام كتبا في تحريف الكتب السابقة ، كما أُ لقً ـــــفت بعض الرسائل العلمية في ذلك ، منها: 1. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه ا 2. مصادر النصرانية - دراسة ونقدا ، عبد الرزاق بن عبد المجيد الأرو ، الناشر: دار التوحيد للنشر - الرياض 3. تحريف رسالة المسيح عليه السلام عبر التاريخ - أسبابه ونتائجه ، تأليف: بسمة جستنيه 4. تخجيل من حرف التوراة والإنجيل ، تأليف: القاضي أبي البقاء صالح بن الحسين ، الناشر: مكتبة العبيكان – الرياض 5. النصرانية - الأصل والواقع ، تأليف: د. محمد السحيم ، الناشر: دار العاصمة - الرياض 1. الأسفار المقدسة قبل الإسلام- دراسة لجوانب الاعتقاد في اليهودية والمسيحية ، تأليف: د. صابر طعيمة ، الناشر: عالم الكتب - لبنان
عدد الصفحات ١٤٠نبذة في العقيدة الإسلامية كنبوة محمد1 ، وبشرية عيسى ،ووجوب إفراد الله بالعبادة ، نذكر هذا من باب الإنصاف، لأن الله أمر المسلمين بالإنصاف كما في قوله تعالى ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾. وجوه إعجاز القرآن القرآن الكريم مُعجِــزٌ في ذاته من عشرة وجوه 2: الأول: بيانه وفصاحته ، فالقرآن الكريم نزل على العرب بلغتهم ، وفي زمان بلغ وا فيه الذَّرْوَةَ في الفصاحة والبلاغة والبيان وحسن نظم الشعر ، فظنوا في أول الأمر أنهم يستطيعو ن الإتيان بمثله فقالوا ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾3 ، فنزل القرآن بتحديهم على ثلاثة مراحل ؛ الأولى أن يأتوا بمثله4 ، والثانية أن يأتوا بعشر سور مثله5، والثالثة أن يأتوا بسورة مثله 1 ، فعجِزوا مع شدة حرصهم على مغالبة القرآن وقوة فصاحتهم ، فقطع الله طمعهم إلى قيام الساعة في قوله تعالى ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ 1.4 قال ابن تيمية رحمه ا والقرآن آيته با قية على طول الزمان من حين جاء به الرسول ، تُتلى آيات التحدي به ويتلى قوله ﴿فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين﴾ و ﴿فأتوا بعشر سورٍ مثله﴾ و ﴿بسورةٍ مثله وادعوا من استطعتم من دون الله﴾ ، ويُتلى قوله ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان 1 انظر كتاب «البشارات العجاب في صحف أهل الكتاب »44 دليلا على وجود النبي المبشر به في التوراة والإنجيل) ، تأليف د. صلاح الراشد ، الناشر: دار ابن حزم – بيروت. 2 قوإنها عشرة ليس على سبيل التحديد ، ولكن بحسب ما يسر الله الوقوف عليه ، وربما كانت هناك وجوه أخرى ، فالله تعالى أعلم ، وانظر للاطلاع وجوه إعجاز القرآن الكريم العشرة كما ذكرها القرطبي رحمه الله في مقدمة كتابه «الجامع لأحكام القرآن »، باب: ذكر نكت في إعجاز القرآن ، وشرائط المعجزة وحقيقتها. 3 سورة الأنفال 31 . 4 سورة الطور 33 – 34 . 5 سورة هود 13 . 1 سورة البقرة 23 . 1 سورة الإسراء 44 . 4 وانظـرأيضـا مــا قالـه الشــنقيطي رحمـه الله في تفسـير قولــه تعـالى ﴿ومــا كـان هـذا القــرآن أن يفـترى مــن دون الله ولكـن تصـديق الــذي بـين يديــه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ (سورة يونس: 31.)
عدد الصفحات ١٤١نبذة في العقيدة الإسلامية بعضهم لبعضٍ ظهيرا ﴾ ، فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الأمر 1 وقطعِه بذلك مع علمه بكثرة الخلق دليل على أنه كان خارقا يُ عجز الــثَّـــقَــــلين2 عن معارضته ، وهذا لا يكون لغير الأنبياء ثم مع طول الزمان قد سـمِعه الموافق والمخالِف ، والعرب والعجم ، وليس في الأمم من أظهرَ كتابا يقرأه الناس وقال إنه مثله ، وهذا يعرفه كل أحد ، وما من كلام تكلم به الناس - وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظا ومعنى - إلا وقد قال الناس نظيرَه وما يشبهه ويقاربه ، سواء كان شعرا أو خطابة أو كلاما في العلوم والحكم و الاستدلال والوعظ والرسائل وغير ذلك ، وما وُجِد من ذلك شيء إلا وَوُجِد ما يُ شبهه ويُ قاربه. والقـــرآن مـــ ـِ ما يَعلـــم النـــاس عربـــــهم وعـــــــجمهم أنـــه لم يوجـــد لـــه نظـــير مـــع حـــرص العـــرب وغـــير العـــرب علـــى معارضته ، فلفظُه آية ، ونظمُه آية ، وإخبارُه بالغيوب آية ، وأمـرُه ونهيُـه آيـة ، ووعـدُه ووعيـدُه آيـة ، وجلالتُـه وعظمتُه وسلطانُه على القلوب آيـة ، وإذا تُـرجم بغـير العـربي كانـت معانيـه آيـة ، كـل ذلـك لا يوجـد لـه نظـير في العالم.3 قال مقيده عفا الله عنه: تحـدى الله في خمـس آيـات مــن القـرآن جميـع الإنـس والجــن أن يـأتوا بمثـل هـذا القــرآن أو سـورة منـه أو آيـة منــه فما استطاعوا ، وهي: 1. ﴿وَإِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ ممقًَّا نـَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مقًن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مقًن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي : وإن كنـتم في شَــك مــن القــرآن الـذي نـَزَّلنــاه علــى عبــدنا محمـد صــلى الله عليــه وســلم، وتزعمـون أنــه لــيس مــن عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقـدرون عليـه مِـن أعـوانكم، إن كنـتم صـادقين في دعواكم. 2. ﴿أَمْ يـَقُولُونَ افـْتـَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُور ة مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَ عْتُم مقًن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي : 1 أي في أول أمر نبوته 2 الثــــــــقَ ــــلين هما الإنس والجن. 3 كتاب«النبوات»، ص515 - 511 .
عدد الصفحات ١٤٢نبذة في العقيدة الإسلامية أم يقول الكفار الذين لا يؤمنون بـأن القـرآن مـن عنـد الله: إن هـذا القـرآن افـترا ه محمـد مـن عنـد نفسـه؟ فقـل لهــم أيهــا الرســول: فــأتوا أنــتم بســورة واحــدة مــن جــنس هــذا القــرآن في نظمــه وهدايتــه، واســتعينوا علــى ذلــك بكل مَن قَدَرْت عليه من دون الله من إنس وجن، إن كنتم صادقين في دعواكم. بــل ســارَعوا إلى التكــذيب بــالقرآن أول مــا سمعــوه قبــل أن يتــدبروا آياتــه، و كفــروا بمــا لم يحيطــوا بعلمــه مــن ذكــر البعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك من الأمور التي لم يأتهم بعدُ حقيقة ما وُعِدوا به في الكتاب. وكمــا كـــذَّب المشــركون بوعيـــد الله كـــذَّبت الأمــم الـــتي خلــت قـــبلهم، فـــانظر أيهــا الرســـول كيــف كانـــت عاقبـــة الظالمين، فقد أهلك الله بعضهم بالخسف، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بغير ذلك . 3. ﴿أَمْ يـَقُولُونَ افـْتـَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتـَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مقًن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي : بـل يقــول هـؤلاء المشــركون مـن أهــل "مكــة" : إن محمـد ا قــد افـترى هــذا القــرآن، فقـل لهــم: إن كـان الأمــر كمــا تزعمـون فــأتوا بعشـر ســور مثلــه مفتريـات، وادعــوا مـن اســتطعتم مــن جميـع خلــق الله ليسـاعدوكم علــى الإتيــان بهذه السور العشر، إن كنتم صادقين في دعواكم . 4. ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِْنسُ وَالجِْنُّ عَلَىٰ أَن يَأْ تُوا بِمِثْلِ ه َٰذ ا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بمِِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بـَعْضُهُمْ لِبـَعْضٍ ظَهِير ا ﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي : قـل يــا محمــد للـذين لا يؤمنــون بــأن القـرآن كــلام الله : لــو اتفقــت الإنـس والجــن علــى محاولـة الإتيــان بمثــل هــذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك. 5. ﴿أم يقولون تــــقَ ـــوَّ له بل لا يؤمنون * فـَلْيَأْتُوا بحَِدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِين﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي : أم يقول هؤلاء المشركون إن محمدا اختلق القرآن من تلقاء نفسه؟ بـل هـم لا يؤمنــون، فلـو آمنــو ا لم يقولـوا مـا قــالوه. فليـأتوا بكــلام مثـل القـرآن إن كــانوا صـادقين في زعمهــم أن محمد ا اختلقه من عنده. 1. ﴿وَمَا كَانَ ه َٰذ ا الْقُرْآنُ أَن يـُفْتـَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بـَينَْ يَدَيْهِ وَتـَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبقً الْعَالَمِين﴾. وتفسير الآية الكريمة كالتالي :
عدد الصفحات ١٤٣نبذة في العقيدة الإسلامية ومـا كــان يتهيَّــأ لأحــد أن يـأتي بهــذا القــرآن مِــن عنـد غــير الله، لأنــه لا يقــدر علـى ذلــك أحــد مــن الخلــق، وفي هذا القرآن بيان وتفصيل لما شرعه الله لأمة محمـد صـلى الله عليـه وسـلم، ولا شـك في أن هـذا القـرآن مـوحى من رب العالمين. فائدة ومما يـدل علـى بطـلان مقولـة إن محمـدا صـلى الله عليـه وسـلم افـترى هـذا القـرآن؛ أن محمـدا لم يجـالس علمـاء ولا شعراء في فترة ما قبلَ القرآن، ولم يكن يحفظ الشعر في فترة مـا قبـل القـرآن ولا بعـدها، فمِـن أيـن لـه نظـم هذا القرآن الذي أعجز العرب والعجم بنظمه وأسلوبه؟ ومن أين له معرفة الأخبار التاريخية الـتي تضـمنها القـرآن وقـد عُلِـم أن بلـده مكـة لم تكـن فيهـا مـدراسُ تُـدرَّسُ فيها تلك الأخبار؟ ومِـن أيــن لـه معرفــة الأمـور العلميــة المـذكورة في القــرآن الـتي لم تكتشــف إلا في الـزمن الحاضــر بعـد مــرور أربعــة عشر قرنا على نزول القرآن؟ ومن ذلك مرا حل خلق الإنسان في بطن أمه، وتكوين الجبال والبحار وغيرها من الأمور الطبيعية. فائدة – التوراة والإنجيل لا يُجزم بأنها معجزة في لفظِها لا يجُزم بأن التوراة والإنجيل مُعجزة من حيث اللفظ والنَّ ــــظم كالقرآن ، فهذا يرجع إلى اللغة التي أنزِل بها وهي العبرانية ، وإنما هي مُعجزة لما تضمنته من الـمعاني ، كالإخبار عن الغيوب ، وما فيها من الهدى والنور ، وما فيها من الإخبار بنبوة محمد .1 الوجه الثاني من وجوه إعجاز القرآن: أنه ليس فيه عوج لا من جهة الألفاظ ولا من جهة المعاني ، قال الشنقيطي رحمه الله في تعليق له على قو له تعالى ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ﴾: أي: لم يجعل فيه اعوجاجا كائنا ما كان ، لا من جهة الألفاظ ولا من جهة المعاني ، فألفاظه في غاية الإعجاز والسلامة من العيوب والوصمات ، ومعانيه كلها في غاية الكمال ، أخباره صدق ، وأحكامه عدل ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ﴾ أي: صدقا في الأخبار ، وعدلا في الأحكام.2 ثالثا حِفظه من التحريف على مر العصور والدهور ، ووجه الإعجاز أنه لم يُـحفظ كتابٌ من الكتب السماوية كما حُـفِظَ هذا الكتاب ، وصدق الله ﴿إنا نحن نـزلنا الذقً كر وإنا له لحافظون﴾1. 1 انظر كتاب «النبوات»514.) 2 «الرحلة إلى أفريقيا »، ص14 .
عدد الصفحات ١٤٤