المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سلسلة الإسلام الصافي 15 تلاعب الشيطان بعقول اليهود

ماجد بن سليمان الرسي

صفحة ٨ من ١٧

نبذة في العقيدة الإسلامية الأول: أنه ليس في هذه الآلهة التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية ، فهي مخلوقة لا تخَلُق ، ولا تجلب نفعًا لعابديها ، ولا تدفع عنهم ضررًا ، ولا تملك لهم حيا ة ولا موتًا ، ولا تملك شيئًا من السماوات والأرض ، ولا تشارك الله في ملكيتها ، قال الله تعالى ﴿وَاتخََّذُوا مِن دُونِهِ آلهَِةً لا يخَْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يخُْلَقُونَ وَلا يمَْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نـَفْعًا وَلا يمَْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَا ةً وَلا نُشُورًا﴾1 ، وقال تعا ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم من دُونِ اللَّهِ لا يمَْلِكُونَ مِثـْقَالَ ذَرَّةٍ فيِ السَّمَاوَاتِ وَلا فيِ الأَرْضِ وَمَا لهَُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنـْهُم من ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتىَّ إِذَا فـُزِّعَ عَن قـُلُوبهِِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَْقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾2 ، وقال ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يخَْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يخُْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لهَُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَ هُمْ يَنصُرُونَ ﴾3. وإذا كانت هذه حال تلك الآلهة ، فإن اتخاذها آلهة من أسفَهِ السَّفهِ وأبطلِ الباطل . الثاني: أن هؤلاء المشركين كانوا يُـــقِرُّون بأن الله تعالى هو وحده الرب الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء ، وهو يُـجير4 ولا يُـجارُ عليه ، وهذا يستلزمأن يوحِّدوه بالألوهية كما وحَّدوه بالربوبية ، كما قال تعالى ﴿يَا أَيـُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قـَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تـَتـَّقُون * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنـزلَ مِنَ السَّمَ اء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تجَْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تـَعْلَمُون﴾5 ، وقال تعالى ﴿وَلَئِن سَأَلْتـَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيـَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّّ يـُ ؤْفَكُون﴾6 ، وقال ﴿قُلْ مَن يـَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يمَْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يخُْرِجُ الحَْيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيخُْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الحَْيِّ وَمَن يُدَبـِّرُ الأَمْرَ فَسَيـَقُولُونَ اللَّهُ فـَقُلْ أَفَلاَ تـَتـَّقُون * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَْقُّ فَمَاذَا بـَعْدَ الحَْقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّّ تُصْرَفُون﴾ 7.8 1 سورة الفرقان : 3 . 2 سورة سبأ: 22- 23 . 3 سورة الأعراف: 119- 192 . 4 يُـجِـير أي ينقذ ، وقوله: (ولا يُـجار عليه) أي لا يستطيع احد أن ينقِذ أحدا من عذابه.. انظر«لسان العرب»، مادة: جور 5 سورة البقرة : 21-22 . 6 سورة العنكبوت61 . 7 سورة يونس: 31-32 . 8 والبراهين العقلية على بطلان الشرك كثيرة ، وقد يسر ا إعداد بحث بعنوان «خمسون دليلا على بطلان دعاء غير ا»، حشدت فيه جمعا من الأدلة الشرعية والعقلية على بطلان الشرك ، وهو منشور على شبكة المعلومات ، فليراجعه من أراد الاستزادة.

عدد الصفحات ١١٣

نبذة في العقيدة الإسلامية الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته مدخل الإيمان بأسماء الله وصفاته له مكانة عظمى في العقيدة الإسلامية ، فقد تمدح الله كثيرا في كتابه العزيز بأسمائه وصفاته ، كقوله تعالى وكان الله سميعا بصيرا  ، وقولهوكان الله غفورا رحيما  ، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. كما أثنى النبي  على ربه في مواضع كثيرة من السنة الشريفة ، ونعته فيها بنعوت الجلال وصفات الكمال. والإيمان بأسـماء الله وصفاته يوجب للعبد خشيته ، و من ثَـمَّ عبادته على الوجه الذي يُرضي الله تعالى ، فإن الأمر كما قيل: (من كان بالله أعرف كان له أخوف) 1 ، ولهذا كان العلماء بأسماء الله وصفاته هم أخشى الناس لله تعالى ، كما قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء. ولما كان الإيمان بأسماء الله وصفاته بهذ ه الأهمية ؛ وجب على الـمؤمن الإيمان بها على الوجه المطلوب شرعا ، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو في سنة رسوله  من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل ، ودليل وجوب إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى قوله ولله الأسماء الحسـنى فادعوه بها﴾ 2 ، ودليل وجوب إثبات صفات الكمال له قوله تعا ﴿ولله المثل الأعلى﴾3 ، أي الوصف الكامل ، وقولهليس كمثله شيء وهو السميع البص 4. والإيمان الصحيح بأسماء الله وصفاته يقتضي أمرين ؛ الأول: فهمها كما جاءت ، وضده تحريف معانيها عما تقتضيه اللغة العربية وفهم السلف الصالح لها . والأمر الثاني: الوقوف في أسماء الله وصفاته عند ما ورد في الكتاب والسنة ، وضده ابتداع اسم أو وصف لله لم يَــرِد في أحدهما. 1 رواه محمد بن نصر المروزي «تعظيم قدر الصلاة»786) عن أحمد بن عاصم الأنطاكي. 2 سورة الأعراف 180 . 3 سورة النحل60 . 4 سورة الشورى 11 .

عدد الصفحات ١١٤

نبذة في العقيدة الإسلامية خاتمة الركن الأول ثمرات الإيمان بالله تعالى والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها: الأولى: تحقيق توحيد الله تعالى ، بحيث لا يتعلق بغيره رجاءً ولا خوفاً ، ولا يَعبد غيره. الثانية: كمال محبة الله تعالى وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا. الثالثة: تحقيق عبادته ، بفعل ما أمر به واجتـناب ما نهى عنه.1 1 قاله ابن عثيمين رحمه الله كما «شرح ثلاثة الأصول » ، ص90 .

عدد الصفحات ١١٥

نبذة في العقيدة الإسلامية الركن الثاني: الإيمان بالملائكة (الملائكة عالم غيبي مخلوقون ، عابدون لله تعالى ، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء ، خلقهم الله تعالى من نور ، ومنَحهم الانقياد التام لأمره ، والقوة على تنفيذه ، قال الله تعالى ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾1 ، وقال ﴿وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبُِِونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُون * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالن َّهَارَ لا ي َفْت ُرُونَ﴾2. وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى ، ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي  رُفع له البيت المعمور في السماء ، فسأل جبِيل عنه فقال: هذا البيت المعمور ، يُصلِّي فيه كل يوم سبعون ألف مَلَكٍ ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.3 والإيمان بالملائكة يتضمنستة أمور: الأول: الإيمان بوجودهم. الثاني: محبتهم، ومن عاداهم فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبِِْيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِين﴾4. الثالث: الإيمان بمن علِمنا اسمه منهم ، كجبِيل ، وأما من لم نعلم اسمه فنؤمن بهم إجمالا. الرابع: الإيمان بما علمنا من صفاتهم ال خَلقية ، كصفة جبِيل ، فقد أخبِ النبي  أنه رآه على صفته التي خُلق عليها وله ست مئة جناحٍ قد سدَّ الأفق .5 وقد يتحول ال مَلَكُ بأمر الله تعالى إلى هيئةِ رجلٍ ، كما حصل لجبِيل حين أرسله الله تعالى إلى مريم فتمثل لها بشرًا سويًا ، وحين جاء إلى النبي  وهو جالس في أصحابه ، جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه أحد من الصحابة ، فجلس إلى النبي  ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخِذيه ، وسأل النبي  عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة 1 سورة التحر : 6 . 2 سورة الأنبياء : 11 – 22 ، ومع﴿لا يستحسرون﴾ أي لا يتعبون ولا يسأمون. انظر «تفسير الطبِي» 3 أخرجه البخاري 3223) ومسلم (164). فائدة: وقد جاء وصفهم في التنزيل بأن هم يصُ فون صفوفا إذا قام وا لطاعة رب هم من صلاة وغيرها ، قال تعالى ﴿والصافات صفا﴾ ، وقال تعالى على لسان الملائكة ﴿وإنا لنحن الصافون﴾. 4 سورة البقرة 19 . 5 رواهالبخاري ( 3232 ،3233) ، ومسلم134 ،133) عن ابن مسعود رضي الله عنه

عدد الصفحات ١١٦

نبذة في العقيدة الإسلامية وأماراتها ، فأجابه النبي  ، فانطلق ، ثم لما سأل الصحابة الن عنه قالهذا جبِيل ، جاء ليعلم الناس دينهم.1 وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم ولوط كانوا صورة رجال )2. ولهذا لما أكرمهم إبراهيم عليه السلام رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام، لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، وإنما تمثلوا لإبراهيم بصورة رجال. ولكن هذا التحول من هيئة إلى هيئة لا يكون إلا بأمر الله عز وجل. وأعظم الملائكة وصْفاً في خَلْقه وخُ لُقه هو جبِيل عليه السلام ، فقد وصفه الله بأنه ﴿رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾3 ، أي ذو مكانة عند ربه ، ثم قال ﴿مُطاعٍ ثَ مَّ أمين﴾ 4 ، أي مُطاعٍ عند سائر الملائكة ، أمين على الوحي . كما وَصفَهُ الله بالقوة ال خَلقية في قوله عن نبيه محمد ﴿علَّ مه شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى﴾5 ،أي أن الذي علَّم محمدا الوحي هو جبِيل ، وصفه الله بأنه شديد القوى ، أي: شديد القو ة الظاهرة والباطنة ، قوي على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه ، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول  ، ومنعِه من اختلاس الشياطين له ، أو إدخالهم فيه ما ليس منه ، وهذا من حفظ الله لوحيه ، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين.6 وقوله﴿ذو مِ رَّةٍ ﴾ ، ال مِ رّةُ هي السلامة والصحة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة ، وذلك يستلزم كمال ال خِلقة وحسنها وجمالها ، فهي القوة والصحة المتضمنة صحة وجمالا ، قال ذلك ابن القيم في «الإغاثة»3. الخامسالإيمان بما علمنا من صفاتهم ال خُ لُ ق ية، ومن ذلك صفة الحياء، ودليل ذلك قول النبي  عن عثمان رضي الله عنه: ألا أستحِي من رجل تستحي منه الملائكة.9 1 رواه مسلم9.) 2 «شرح ثلاثة الأصول »لابن عثيمين ، ص12 – 11 ، بتصرف يس 3 سورة التك وير: 11 - 22 . 4 سورة التكوير 21 . 5 سورة التكوير 5 - 6 . 6 انظر«تيسير الكرالرحم ن في تفسير كلام المنان »للشيخ عبدالرحم ن بن سعدي. 3 (2/121) ، تحقيق الفقي 9 رواه مسلم2421) عن عائشة رضي الله عنها

عدد الصفحات ١١٧

نبذة في العقيدة الإسلامية والملائكة تكره ما يكرهه الله تعالى، فإنها لا تدخل بيتا فيه كلب أو تمثال، قال  :لاَ تَدْخُل المَلاَئِكَةُ ب َيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تمََاثِيل.1 والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فقد نهى النبي  من أكلالبصل أو الثوم أو الكُ رَّ اث من قُ ربان المسجد، ويُلحق بهم أصحاب الروائح الكريهة، قال  : مَنْ أَكَل الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلاَ ي َقْرَبَن مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ ت َتَأَذَّى ممَِّا ي َتَأَذَّى مِنْهُ ب َ نُو آدَم.2 السادس: الإيمان بما علِمنا من أعمالهم العامة والخاصة التي يقومون بها امتثالا لأمر الله تعالى ، فأما العامة فكتسبيح الله ، وال تَّعبُّد له ليلا ونهارًا بدون ملل ولا فتور ، قال تعالى عنهم ﴿فالتاليات ذكرا ﴾3. وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة ، مثل جبِيلَ الأمينِ على وحي الله تعالى ، يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل ، وقد يتنزل أفراد من الملائكة بشيء من الوحي ، قال تعالى ﴿فال مُ لقيات ذكرا * عذرا أو نذرا ﴾4، أي: تُلقي الذِّكر على الأنبياء لأجل الإعذار – وهو قطع العذر بالتبليغ - ، أو الإنذار. ومثل ميكائيلَ الموكَ لُ بالقطْرِ ، أي بإن زال المطر.5 ومثل ال مَلَكِ الموكَلُ بالنفخِ في الصُّور 6 ، والمشهور أن اسمه إسرافيل 3 ، والصُّور قرنٌ يُ نفخُ فيه كما 1 رواهالبخاري ( 3225) ومسلم2126) عنأبي طلحة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري. تنبيه: يستثنى من الاقتناء المحرم للكلاب ما كان لحاجة مثل كلب الصيد أو الحراسة أو الحرث أو الماشية، أما اقتناء الكلاب لأجل الترفه فحرام. 2 رواهمسلم (564) عن جابر رضي الله عنهما 3 سورة الصافات 3 . 4 سورة المرسلات 5 – 6 . 5 جاء هذا في حديث رواه النسائي في «الكبِى»، ك تاب عشرة النساء ، باب كيف تؤنث المرأة ، 1224) ، وأح مد1/234) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وحسنه الشيخ مقبل الوادعي بمجموع طرقه كما في تحقيقه لتفسير ابن كثير ( 1/242) ، وكذا محققو «المسند» 6 روى الترمذي3243) وأحمد3/3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن الن  قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القَرن القَرن، وحنى جبهته ، وأصغى سمعه ، ينتظر أن يؤمر فينفُ خ؟ قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ، توكلنا على الله ربنا ، وربما قال سفيان: على الله توكلنا. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني كما في الصحيحة ( 1231) ، وكذا محققو «المسند» 3 جزم به ابن جرير رحمه الله كما في تفسير آية الزمَر﴿ونفخ في الصور فصعق من السماوات ومن في الأرض﴾ (الآية: 69.) وانظر كلام علم اء التفسير عند هذه الآية ، وكذا عند قوله تعالى ﴿وله الملك يوم ينفخ في الصور﴾ (الأنعام: 33.) وقد ورد أن إسرافيل أحد حملة العرش ، كما روى ذلك أبو الشيخ في كتاب «العظَمة»(برقم 299 ،433) بلفظ«إن ملكا من حملة العرش يقال له إسرافيل »...، ولكنه ضعيف الإسناد كما قال ذلك قق الكتاب رضا الله المباركفوري ، الناشر: دار العاصمة – الرياض ، الطبعة الأولى 1411 ه

عدد الصفحات ١١٨

نبذة في العقيدة الإسلامية جاء في الحديث1 ، وذلك عند قيام الساعة وبعث الخلق. وهؤلاء الثلاثة هم أعظم الملائكة. وقد كان النبي  عند افتتاح صلاة الليل يتوسل بربوبية الله على هؤلاء الملائكة أن يهديه لما اختلف من الحق بإذنه ، فعن أبي سلمة بن عبد الرحم ن بن عوف قال: سألتُ عائشة أم المؤمنين: بأيِّ كان نبي الله  يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربَّ جبِائيلَ وميكائيلَ وإسرافيل ، فاطرَ السماوات والأرض ، عالمَ الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. 2 وهؤلاء الملائكة مُوكَلون بما فيه حياة ، فجبِيل مُوكَلٌ بالوحي الذي فيه حياة القلوب ، وميكائيل مُوكَ لٌ بالقطر الذي في حياة الأرض ، وإسرافيل مُوكَ لٌ بالنفخ في الصور ، وعنده تكون حياة الأجساد يوم المعاد. ومن الملائكة أيضا مَلَكُ الموت ، وهو ال مُوكَلُ بقبض الأرواح عند الموت ، قال تعالى ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ﴾.3 وملك الموت له أعوان من الملائكة ، قال الله تعالى ﴿وَلَوْ ت َرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فيِ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْي َوْمَ تُُْزَوْنَ عَذَابَ الهُْونِ بمَِا كُنتُمْ ت َقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَي ْرَ الحَْقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبُِِونَ﴾4 ، وقال تعا﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يُ فَ رِّ طون﴾.5 ومعنى يُفرِّطون أي يُ ضَيِّعون ، أي لا يُ ضَيِّعون ما وُكِلَ إليهم من مهام. 1 روى أبو داود4342) والترمذي3244) واللفظ له عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال أعرابي: يا رسول الله ، ما الصور؟ قال: قَ رنٌ يُنفخُ فيه. وصححه الألباني كما في «الصحيحة»1292.) 2 رواه مسلم332.) 4 سورة الأنعام : 13 .

عدد الصفحات ١١٩

نبذة في العقيدة الإسلامية ومنهم الملائكة السياحون في الأرض ، يلتمسون حِلَقَ الذِّكر ، فإذا وجدوا حَلْقَةَ علمٍ وذكرٍ تنادَوا وجلسوا وحَ فُّوا أصحاب الحلْقةِ بأجنحتهم إلى السماء الدنيا.1 ومنهم الملائكة ال مُوكَ لون بالأجِ نَّة في الأرحام إذا تمَّ للإنسان أربع ةُ أشهرٍ في بطن أمه ، فعندئذ يُرسل الله إليه مَلَكًا ، ويأمرهُ بِكَ تْبِ رزقِهِ وأجلِه وعملِه ، وشقي هو أم سعيد.2 ومنهم الملائكة ال مُوكَلون بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها ، لكل شخص ملكان ، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، كما قال تعالى ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾3 ، وقال تعا﴿وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون﴾4. ومنهم الملائكة ال مُوكَلون بسؤال الميت إذا وضع في قبِه ، ويسألانه عن ربه ودينه ونبيه.5 ومنهم الملائكة ال مُوكَلون بخدمة أهل الجنة ، وهم خزنتها أي المؤتمنون عليها ، قال تعالى في أهل الجنة ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم من كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بمَِا صَب َرْتمُْ فَنِعْمَ عُقْبَ الدَّار﴾6. ومنهم الملائكة ال مُوكَلون بالنار ، ورئيسهمهو مالك ، خازن النار ، أي المؤتمن عليها ، قال تعالى على لسان أصحاب النار ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾3. ومن الملائكة مَلَكَ الجبال ، الذي أتى الن  بعدما لاقى من قومه ما لاقى ، فقال له: إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين 9. فقال الن : بل أرجو أن يخرج الله تعا لى من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا. 1 ومنهم الملائكة الزاجرات للسحاب ، تسوقه إلى حيث يريد الله تعالى ، قال تعا ﴿فالزاجرات زجرا ﴾12. فالحاصل أن الملائكة تقوم بأمر الله الذي وكَ لَها به بحسبها لتدبير أمور الكون. والملائكة خلق كثير ، لا يحصيهم إلا الله تعالى ، قال تعالى ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾11. 1 انظر صحيح البخاري 6429) ، ومسلم2691.) 2 انظر ما رواه البخاري3229) ومسلم2643) عن ابن مسعود رضي الله عنه 3 سورة ق : 13 - 19 . 4 سورة الانفطار : 12-12 . 5 انظر حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري ( 1334.) 6 سورة الرعد : 23- 24 . 3 سورة الزخرف 33 . 9 الأخشبان جبلان عظيمان بمكة 1 رواه البخاري 3231) ومسلم1315) عن عائشة رضي الله عنها 12 سورة الصافات 2 . 11 سورة المدثر 31 .

عدد الصفحات ١٢٠

نبذة في العقيدة الإسلامية وقد س مَّى الله تعالى الملائكةَ رُسُلا ، لأنها تقوم بما أرسلها الله به من وظائف ، قال تعالى في سورة فاطر ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة﴾1 ، فالملائكة مرسلة بالوحي وقبض الأرواح وتسخير الرِّياح والسَّحاب – أي سَوْقها – وكَ تْبِ أعمالِ بني آدم وغير ذلك. ولِ عِ ظم شأن الملائكة وما تقوم به ؛ أقسم الله بهم فقال ﴿فَالْمُدَب ِّرَاتِ أَمْراً﴾ ، فدل هذا على شرف هم. و من الملائكة من هم قائمون بعبادة الله على الدوام ، كما قال النبي  : أطَّت2 السماءُ وحُ قَّ لها أن تَ ئِطَّ ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَكٌ واضعٌ جبهته ساجدا لله. 3 فتأمل أيها المؤمن كيف أن السماء على سعتها فإنها تضيق بالعُ بَّاد من الملائكة ، فسبحان الله العظيم.4 والملائكة تحب المؤمنين، وتدعو لهم، وتستغفر لهم، قال سبحانه عن حملة العرش: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقِ هِ م السيئات ومن تقِ السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم﴾5. والملائكة تستغفر لمن ينتظر الصلاة في المسجد تقول: اللهم اغفر له ، اللهم ارحم ه 6 والملائكة تدعو بالمغفرة والرحمة للذين يُصلون في الص فوف الأولى في المسجد، كما قال  : إن ا وملائكته يُ صلون على الصفوف الأول.3 والملائكة تُصلي على معلمي الناس الخير، أي تدعو له، فعن أَبيِ أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قال: قَالَ رَسُول اللهِ  : 1 سورة فاطر 1 . 2 الأطيط هو صوت الأقتاب ، وهو ما يوضع على ظهور الإبل من الخشب ونحوه ليكون كالكرسي للراكب ، والمعنى أن كثرة الملائكة قد أثقل السماء حتى أطَّ ت. انظر «النهاية» 3 رواه الترمذي2312) وابن ماجه4112) وأحمد5؟133) ، وحسنه الألبا «الصحيحة»1322) وكذا محققو «المسند» 4 وانظر للمزيد من الاستفا دة المراجع التالية: 1. ما قاله ابن أبي العز الحنفي في كتابه «شرح العقيدة الطحاوية »في الإيمان بالملائكة ، ص211 – 321 ، الناشر: المكتب الإسلامي – بيروت. 2. ما قاله ابن القيم رحمه ا «روضة المحب»1/33 - 35) ، الناشر: دار الكتاب العر- بيروت. 3. ما قاله الشيخ عبد الرحم ن بن سعدي رحمه الله في أول تفسير سورة النازعات. 5 سورة غافر 3 . 6 رواه أبو داود461) ، والترمذي332) ، والنسائي333) ، وابن ماجه311) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني رحمه الله. 3 رواه أبو داود463 )والنسائي646) وابن ماجه (113 )عنالبِاء بن عازب رضي الله عنه، وصححه الألباني رحمه الله.

عدد الصفحات ١٢١

نبذة في العقيدة الإسلامية إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَه وَأَهْل السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتىَّ النَّمْلَةَ فيِ جُحْرِهَا وَحَتىَّ الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيرْ. 1 والصلاة مِن الله على مُ علم الناس الخير تعني الثناء عليه في الملِ الأعلى وهم الملائكة. والملائكة تلعن من رفع حديدة أو سلاحاً على أخيه المسلم، فعن أَبيَ هُرَي ْ رَةَ رضي الله عنه قال: قَال أَبُو الْقَاسِمِ  : مَنْ أَشَارَ إِلىَ أَخِيهِ بحَِدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ ت َلْعَنُهُ حَتىَّ يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَِبِيه وَأُ مِّهِ.2 والملائكة تشهد صلاة الفجر مع المؤمنين ﴿وَق ُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ ق ُرْآنَ الْ فَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾3. وقوله ﴿وقرآن الفجر ﴾ أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنا لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث تشهدها ملائكة الليل وملائكة والنهار.4 والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها5: أو: العلم بعظمة الله تعالى وقوته وسلطانه ، فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق سبحانه. ثانيا: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم ، حيث وكَّلَ من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك من مصالحهم. ثالثا: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى. 1 رواه الترمذي2695.) 2 رواهمسلم (2616.) 3 سورة الإسراء 39 . 4 قاله الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسيره، باختصار وتصرف يسير. 5 هذا الفصل منقول من«شرح الأصول الثلاثة »لابن عثيمين ، ص12 ، بتصرف يس

عدد الصفحات ١٢٢

نبذة في العقيدة الإسلامية الركن الثالث: الإيمان بالكتب الكتب جمع كتاب ، والكتاب بمعنى (مكتوب) ، والمراد بالكتب هنا الكتب التي أنـز لها تعالى على رسله رحمة للخلق ، وهداية لهم ، ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة .1 وقد أرسل الله مع كل رسول كتاب ا ، قال تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأ نـز لنا معهم الكتاب والميزان ﴾2. كما أوجب الله تعالى الإيمان بج ميع الكتب المنـز لة ، قال تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنـز ل إلينا وما أنـز ل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾3. والمقصود بالإيمان بالكتب في الآية هو الإيمان بها على وجهها الذي أ نـز لت به على الأنبياء قبل التحريف ، و إلا فمن المعلوم أن جميع الكتب المنـز لة قد أصابها التحريف والتبديل إلا القرآن ، قال تعالى ﴿إنا نحن نـز لنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ 4. فصل في بيان ما يتضمنه الإيمان بالكتب الإيمان بالكتب يتضمن خمسة أمور5 ، نذكرها على سبيل الإجمال ثم نفصل القول فيها : الأول: الإيمان بأنها أُنـزلت من عند الله حقا . الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها. الثالث: تصديق ما صحَّ من أخبارها. الرابع: العمل بأحكا م ما لم يُنسخ منها. الخامس: الإيمان بأنها تدعو إلى عقيدة واحدة وهي التوحيد . 1 انظر«شرح ثلاثة الأصول »لابن عثيمين ، ص44 . 2 سورة الحديد 25 . 3 سورة البقرة 131 . 4 سورة الحجر 4 . 5 يراجع «شرح ثلاثة الأصول »لابن عثيمين رحمه الله ، ص 44 ، فقد ذكر الشيخ أربعة أمور ، ومنَّ الله بواحدة.

عدد الصفحات ١٢٣

نبذة في العقيدة الإسلامية تفصيل الأول: الإيمان بأنها أُ نـز لت من عند الله حقا ، كما قال تعالى في وصف المؤمنين ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴾ ، وقال تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبي و ن من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾1. وإنزال الكتب كان من طريق الوحي ، فقد أوحى الله بالكتب إلى المـلك المختص بإنزال الوحي من السماء إلى الأنبياء ، وهو جبريل ، ثم قرأها جبريل على الأنبياء فحفظوها ، ثم كل نبي يقرأ كتابه على القوم الـمُرسل إليهم. نبذة عن إنزال القرآن جبريل رسولٌ ملَك ، ومحمَّدٌ رسولٌ بشر ، والله يصطفي من الملائكة رسلا لأداء مهام معينة ، ويصطفي من الناس رسلا لأد اء مهمة تبليغ الرسالة ، فاصطفى لنقل كلامه (القرآن) الرسول الـمَـــلائكي وهو جبريل ، واصطفى لنقل القرآن الذي يحمل رسالة الإسلام رسوله البشري وهو محمد  ، فنزل الرسول الـمَـلاَئكي بالقرآن على الرسول الـبشري ولقنه إياه أجزاء على مدى ثلاث وعشرين سنة ، بحسب الأحداث. واختيار الله تعالى لجبريل عليه السلام دون غيره من الملائكة للقيام بهذه المهمة إنما هو لما فيه من صفات القوة والأمانة وغيرهما ، وقد وصفه الله بذلك في القرآن ، فقال ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ﴾ ، وقوله ﴿نزل به ﴾ أي نزل بالقرآن ، والروح الأمين هو جبريل . الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها ، وهي ستة ، صحف إبراهيم وموسى ، والتوراة التي أُ نـز لت على موسى  ،والإنجيل الذي أُ نـز ل على عيسى  ،والزبور الذي أُ وتيه داود  ،والقرآن الذي أنـز ل على محمد  ،وبعض العلماء يقول إن صحف موسى هي التوراة فتكون خمسة . وأما مالم يأت ذكر اسمه من تلك الكتب فنؤمن به إجمالا . والذي ينبغي على المؤمن الإيمان به هو الإيمان بالكتب الأصلية التي أنزلها الله على أنبياءه ، وليس بما تحرف منها ، فنؤمن مثلا بالتوراة التي أنزلها الله على موسى  ، ونؤمن بالإنجيل الذي أنزله الله على المسيح عيسى ابن مريم  ،فتلك هي التوراة وذلك هو الإنجيل ، وليست الكتب المنتشرة الآن في أيدي اليهود والنصارى هي التوراة والإنجيل الأصليين وإن سَـمَّـوها بذلك ، بل الذي بيد النصارى الآن هي أربعة 1 سورة البقرة 131 .

عدد الصفحات ١٢٤

نبذة في العقيدة الإسلامية أناجيل وثلاثة وعشرون رسالة ، وهي أسفار تمت كتابتها من قِــبَــل أشخاص لم يثبت أنهم التقوا بالمسيح ورأوه لـحظة واحدة ، بل كـــتبوها بعد رفعه إلى السماء ، وبينها من التناقض والاختلاف الشيء الكثير ... وإذا أُضيفت أسفار العهد القديم الستة وأربعو ن (الـمكونة من التوراة وغيرها) إلى أسفار ال عهد الجديد (الإنجيل) السبعة وعشرين صار مجموع الأسفار ثلاثة وسبعين ، يؤمن البرو تستانت بستة وستين منها ، ولا يؤمنون بالبقية ، بينما يؤمن الأرثو ذ كس والكاثوليك بها كلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام ، ولا أملاه على من كتبه ، وإنما أملوه بعد رفع المسيح «م»و«لوقا»، وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح وبعض أخباره ، وأنهم لم يستوعبوا ذِكر أقواله وأفعاله.1 وقال أيضاهذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل - وقد يسمون كل واح د منهم إنجيلا - إنما كتبها هؤلاء بعد أن رُ فع المسيح ، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله ، ولا أن المسيح بلَّ ـــغها عن الله ، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح ، وأشياء من أفعاله ومعجزاته ، وذكروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه .2 فالحاصل أن الله أمر بايمان بالكتب الأصلية التي أنزلها الله على أنبياءه ، وتلك هي التي وصفها الله بأنها هدى ونور ، قال الله في القرآن عن التوراة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التـَّوْرَاةَ فِيهَا هُد ى وَنُور﴾ ، وقال في القرآن عن الإنجيل ﴿وَقـَفَّيـْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيمََ مُصَدقًق ا لقًمَا بـَينَْ يَدَيْهِ مِنَ التـَّوْرَاةِ وَآتـَيـْنَاهُ الإِْنجِيلَ فِيهِ هُد ى وَنُورٌ وَمُصَدقًق ا لقًمَا بـَينَْ يَدَيْهِ مِنَ التـَّوْرَاةِ وَهُد ى وَمَوْعِظَة للمُتَّقِين﴾. ولما تعرضت كتب الأنبياء للضياع ولم تحفظ ، أرسل الله نبيه محمدا  بالقرآن ، وحفِ ظه من التحريف والضياع كما قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذقًكر وإنا له لحافظون﴾ ، والذقًكر هو القرآن. و القرآن كلام الله ، تكلم الله به حقيقة ، ثم بلَّغه الـمَـلَـك جبريل إلى النبي محمد  ، ثم بلَّ ــــغه النبي مـحمد لأصحابه ، ثم حُفظ في الصدور ، ثم حُفظ في الأوراق والقراطيس ، ثم جُـمِع القرآن في كتاب واحد في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ثم نُسِخت النسخ على تلك النسخة إلى يومنا هذا ، وصدق الله ﴿إنا نحن نزلنا الذقًكر وإنا له لحافظون﴾. الثالث: تصديق ما صحَّ من أخبارها ، كأخبار القرآن ، والأخبار التي لم تُبدل أو تحُرف من الكتب السابقة. 1 باختصار يسير من«الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (1/441) ، الناشر: دار الفضيلة– الرياض. 2 «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (2/14.)

عدد الصفحات ١٢٥

نبذة في العقيدة الإسلامية الرابع: العمل بأحكام ما لم يُ نسخ منها ، عملا بقول الله تعالى ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾1 ، وقوله تعا﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾2. فائدة وللعلم ؛ فإن القرآن حاكمٌ ومهيمنٌ على جميع الكتب السابقة ، فهي منسوخة به على وجه الإجمال ، ويستثنى من ذلك العقائد وما أقره القرآن والسنة من الشرائع كما تقدم ، قال تعالى ﴿وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَْققً مُصَدقًق ا لقًمَا بـَينَْ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِن ا عَلَيْهِ ﴾3 ، أي حاكم ا عليه. قال ابن تيمية رحمه الله: فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمََن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة ، ومن أسماء الله (المهيمن) ، ويسمى الحاكم على الناس ، القائم بأمورهم ؛ (الم هيمن) ، قال المبرد والجوهري وغيرهما: المهيمن في اللغة ؛ المؤتمن. وقال الخليل: الرقيب الحافظ. وقال الخطابي: المهيمن ؛ الشهيد. قال: وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة ؛ القيام على الشيء والرعاية له ... وهكذا القرآن ؛ فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله و عن اليوم الآخر ، وزاد ذلك بيانا وتفصيلا ، وبـَيَّـن الأدلة والبراهين على ذلك ، وقَـــرَّر نبوة الأنبياء كلهم ، ورسالة المرسلين ، وقرَّر الشرائعَ الكلية التي بُعثت بها الرسل كلهم ، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين ، وبـَيَّـن عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها ، وبـَيَّـن ما حُرقًف منها وبُدقًل ، وما فَعله أهلُ الكتابِ في الكتب المتقدمة ، وبـَيَّـن أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه ، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نـزل بها القرآن ، فصارت له الهيمنة على ما بين يدي ه من الكتب من وجوه متعددة ، فهو شاهد بصدقها وشاهد بكذب ما حُرقًف منها ، وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ، ونسخ ما نسخه الله ، فهو شاهد في الخبريات ، حاكم في الأمريات. وكذلك معنى الشهادة والحَكَم ؛ يتضمن إثبات ما أثبته الله من صِدْقٍ ومُـحكَم ، وإبطال ما أبطله من كَذِبٍ ومنسوخ ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة ، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرا نسخه الله بالإنجيل ، بخلاف القرآن. 1 سورة النساء 21 . 2 سورة الأنعام 49 . 3 سورة المائدة: 44 .

عدد الصفحات ١٢٦

نبذة في العقيدة الإسلامية ثم إنه مُعجزٌ في نفسِهِ ، لا يَقدِرُ الخلائق أن يأتوا بمثله ، ففيه دعوة الرسول ، وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته ، وفيه ما جاء به الرسول ، وهو نفسه برهان على ما جاء به. وفيه أيضا من ضربِ الأمثالِ وبيانِ الآياتِ على تفضيل ما جاء به الرسول ما لو جمُع إليه علوم جميع العلماء لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن ، ومن تأمل ما تكلَّم به الأولون والآخِرون في أصول الدين والعلوم الإلـٰهية وأمور المعاد والنبوات والأخلاق والسياسات والعبادات وسائر ما فيه كمال النفوس وصلاحها وسعادتها ونجاتها ؛ لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات ومن أهل الرأي - كالمتفلسفة وغيرهم - إلا بعض ما جاء به القرآن ، ولهذا لم تـَحتَج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر فضلا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه غيره 1 ، سواء كان من عِلم المحدَّث والملهمين ، أو من علم أرباب النظر والقياس ، الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منـزل من السماء. انتهى باختصار.2 وقالابن تيمية أيضا: وأما القرآن فإن ه مُستَقلٌّ بنفسه ، لم يُـحْوِجْ أصحابه إلى كتابٍ آخر ، بل اشتمل على جميع ما في الكتب من المحاسن ، وعلى زيادات كثيرة لا توجد في الكتب ، فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ، يقرر ما فيها من الحق ويُبطل ما حُرقًف منها ، وينسخ ما نسخه الله ، فيقرر الدين الحق ، وهو جمهور ما فيها3 ، ويُبطل الدين المبدل الذي لم يكن فيها ، والقليل4 الذي نسخ فيها ، فإن المنسوخ قليل جدا بالنسبة إلى المُحكم المقرر. انتهى5 قلت: ولما كان القرآن لا يصير منسوخا كله ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف ؛ صار مهيمنا على الكتب السابقة. وقال ابن كثير رحمه الله في معنى وصف القرآن بالــمهيمن: فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله ، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، و أشملها وأعظمها وأحكمُ ها ، حيث جمع فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفَّ ل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة ، فقال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.1 1 هكذا في المطبوع ، وأظنه خطأ مطبعي ، وصوابه: أو بغيره 2 «مجموع الفتاوى »11/43 - 45.) 3 أي: هو غالب ما فيها 4 أي وينسخ القليل 5 «مجموع الفتاوى »14/144 - 145.) 1 انظر«نفسير القرآن العظيم »، سورة المائدة ، الآية 44 .

عدد الصفحات ١٢٧

نبذة في العقيدة الإسلامية الخامس مما يتضمنه الإيمان بالكتب : الإيمان بأن ــها تدعو إلى عقيدة واحدة وهي التوحيد بأنواعه الثلاثة ، توحيد الربوبية وتوحيد الأ لوهية وتوحيد الأسماء والصفات . وأما الأحكام الشرع ــــية التفصيــــلية فقد تـــتفق فيها الكتب من جهة العموم وتختلف من جهة التفصيل ، بحسب ما تقتضيه حكمة الله واختياره ل ـما يناسب عباده الذين وُضِعت لهم تلك الشريعة ، كما قال تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما ك ان لهم الخيرة﴾ ، و قال تعالى ﴿لِكُل جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَة وَمِنـْهَاج ا﴾. فالأمر بالصلاة والصوم – مثلا - ثابت في جميع الشرائع ، ولكن كيفية الصلاة والصوم تختلف من شريعة لأخرى . و كذلك الطيبات من الأطعمة – كمثال آخر - ، فإن الله قد أحلها لأمة محمد  ، حين أنه حرَّم بعض الطيبات على بني إسرائيل بعدما كان ـــت حلالا لهم ، حكمة منه سبحانه وتعالـى واختيارا ، قال تعالى ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ﴾. وإلى هذا الاتفاق والاختلاف في الشرائع أشار النبي  بقولهو الأنبياء إخوةٌ لِ ــــعَ لاَّت ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد.1 فقولهإخوةٌ لِ ــــعَلاَّت): كلمة (علاَّت) جمع (عَلَّة) ، وهي الـضَّرَّة ، وهي المرأة يكون لزوجها امرأة أخرى ، وفي هذا الحديث شبَّــهَ النبي  الأنبياء بالأبناء من أب واحد وأمهات شتى ، فالأمهات هن الشرائع وفيها يحصل الاختلاف ، والأب هو أصل الدين وهو عبادة الله وحده ، والدليل على هذا قول الله تعالى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـٰه إلا أنا فاعبدون﴾ ، وقال ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ ، وقال الله لنبيه محمدا ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحم ـٰ ن آلهة يُعبدون﴾. وسيأتي قريبا إن شاء الله مزيد تفصيل لمواط ن اتفاق الكتب السماوية واختلافها. فصل في بيان أعظم الكتب وأعظم الكتب هي القرآن والتوراة والإنجيل ، و كثيرا ما يجيء ذكـــــرها في القرآن ، و كثيرا ما يقرن الله في القرآن بين نبوة محمد  ونبوة موسى ،وبين كتابيهما وشريعتيهما ، لأن كتابيهما أفضل الكتب ، وشريعتيهما أكمل الشرائع ، ونبوتيهما أعلى النبوات ، وأتباعهما أكثر المؤمنين.2 1 رواه البخاري 3443) ومسلم (2315) عن أبي هريرة رضي الله عنه 2 قاله الشيخ عبد الرحمـٰن بن سعدي رحمه الله في تفسيرهفي مقدمة تفسير سورة الإسراء.

عدد الصفحات ١٢٨