المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

سلسلة الإسلام الصافي 15 تلاعب الشيطان بعقول اليهود

ماجد بن سليمان الرسي

صفحة ٧ من ١٧

مقدمة فهذه تسع وستون خصلة ، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضُم بعضه إلى بعضٍ مما ذُكر ، والله أعلم.1 أقولوفي هذا البحث المختصر وددت أن أشارك بمشاركة متواضعة بشرح ميسر لأركان الإيمان ، والتي تمثل أسس العقيدة الإسلامية ، التي من فهِمها فقد فهِم دين الإسلام وانفتح له بابه ، و قبل الدخول في هذا رغِبت أن أُوضِّح مفهومين مُ همَّ ـــين ، وهما مفهوم الغاية من الخلق ، ومفهوم العبادة. الغاية من الخلق خلق الله سبحانه وتعالى الخلق – الجن والإنس – لحكمة عظيمة وغاية جليلة ، وهي عبادته سبحانه وتعالى ، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ، وقال تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملِك الحق لا إلـٰه إلا هو رب العرش الكريم﴾ ، وقال تعالى ﴿أيحسب الإنسان أن يُترك سدى﴾ ، أي: أَ حسِب الإنسان أن يُترك هملا ، لا يُ ؤمر ولا يُنهى ، ولا يُ ـحاسب ولا يُ ــعاقب؟ مفهوم العبادة في الإسلام العبادة هي التذلل لله عز وجل محبة وتعظيما ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، كما قال تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ ، أي: ما أُمِر الناس في سائر الشـــــرائع إلا ليعبدوا الله وحده ، ويكونوا حنفاء ، أي مائلين عن الإشراك مع الله في العبادة إلى التوحيد والإخلاص لله في 1 نقله ابن حجر عنه«فتح الباري »1/78-74) في شرح الحديث المتقدم ، باختصار يسير.

عدد الصفحات ٩٧

مقدمة سائر العبادات ، ويقيموا الصلاة ، ويؤدوا الزكاة لمستحقيها من الفقراء والمساكين ونحوهم ، وذلك دين القـيِّمة ، أي دين الاستقامة ، وهو الإسلام. و الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والخلوص من الشرك. وبعد: فأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب كاتبه وقارئه وناشره ، والله أعلم وصلى الله على نـبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . وكتبه ، ماج د بن سليمان الرسي 21 ،ربيع الأول لعام 1933 هجرية majed.alrassi@gmail.com

عدد الصفحات ٩٨

نبذة في العقيدة الإسلامية أركان الإيمان الركن الأول: الإيمان بالله الإيمان بالله تعالى يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى الثاني: الإيمان بربوبيته الثالث: الإيمان بألوهيته الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته تفصيل الأول: الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى دل على وجو ده تعالى الفطرة والعقل والشرع والحس . أما دلالة الفطرة على وجوده تعالى فإن كل مخلوق قد فُطِر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم ، ومصداق هذا من كتاب الله قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهد نا﴾1. ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه طارىء ، لقول النبي  : ما من مولود إ يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُـمجِّسانه.2 ولهذا نجد أن الإنسان بطبيعته وفطرته وبدهيته إذا أصابه الضُّر قال (يا الله) ، وقد ذُكر عن بعض الملاحدة أنه إذا أصابه شيء قال على فلتات لسانه (يا الله) من غير أن يشعر ، لأن فطرة الإنسان تدله على وجود الرب عز وجل. فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على وجود الله. وقد أقر المشركون في عهد النبي  بوجود الله تعا، كما قال تعالى عنهم ﴿وَلَئِن سَأَلْتـَ هُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيـَقُولُنَّ اللَّهُ﴾3 ، والآيات في هذا الباب كثيرة 1 سورة الأعراف 172 . 2 رواه البخاري1359) عن أبي هريرة رضي الله عنه 3 سورة الزخرف 87 .

عدد الصفحات ٩٩

نبذة في العقيدة الإسلامية وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى فلأن هذه المخلوقات سابِقها ولاحِقها لابد لها من خالقٍ أوجدها ، إذ لا يمكن أن توجِد نفسَها بنفسِها لأن العدم لم يخلُق نفسه ، فإنه قبلَ وجودِه معدوم ، فكيف يكون خالقًا لغيره من الموجودات؟ ! كذلك فإن وجود تلك المخلوقات صدفة بغير مُوجِد ممتنع لسببين ؛ الأول: أن كل حادِثٍ لابد له من مُـحْدِث ، دلَّ على ذلك العقل والشرع ، قال تعالى ﴿أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ 1. والثاني: أن وجودها على هذا النظام البديع ، والتناسق المتآلف ، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها ، وبين الكائنات بعضها مع بعض ، بلا اضطراب ولا تصادم ؛ يمنع منعًا باتًا أن يكون وجودها صدفةً من غير مُوجِد ، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده ، فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره ؟! استمع إلى قول الله تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون 2.3 يُذكر عنأبي حنيفة رحمه الله – وكان معروفا بالذكاء - أنه جاءه قوم من الملاحدة الدَّهرية 4 ويُسمَّون بالسُّــمَـنِّية5 الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ، وكان أبو حنيفة رحمه الله سيفاً على الدُّهرية ، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه ، فبينما هو يوماً في مسجده قاعدٌ إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله ، فقال لهم: أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا له: هات. فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال ، مملوءة من الأثقال ، قد احتـَوَشَــــتْها6 في لـُـجّةِ البحر7 أمواجٌ متلاطمةٌ ، ورياحٌ مختلفةٌ ، وهي من بينها تجري مستوية ، ليس لها ملاح يجريها ، ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا ، هذا شيء لا يقبله العقل. 1 سورة الطور35 . 2 سورة يـٰس40 . 3 انظــر في هــذا البــاب كتــاب «إبــداع الخــالق في نظــم خلقــه دليــل علــى وحدانيتــه »، للشــيع عبــد العزيــز بــن عبــد الله الزهــراني ، الن اشــر: دار التوحيد – الرياض. 4 الدَّهري – بفتح الدال وتشديدها - هو الملحد الذي لا يؤمن بالآخرة ، والدُّهري - بضم الدال وتشديدها – هو الرجل الـمُـسِن. انظر «لسان العرب»، مادة: دهر 5 الـسُّـمَـنِّـــيَّــةُ قوم من أهل الهند دُهرِيُّــــون ، وقال الجوهري: فِرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسع وتنكر وقوع العلم بالأخبار. انتهى المراد من «لسان العرب»، مادة: سمن 6 أي أحاطت بها وجعلتها في وسَطِهَا. انظر«لسان العرب»، مادة: حوش 7 لُـجَّـةِ البحر أي وسطه حيث يكثر ماؤه ولا تُـــرى اليابسه منه

عدد الصفحات ١٠٠

نبذة في العقيدة الإسلامية فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله ، إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر ، مستوية من غير متعهد ولا مجري ؛ فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتبايُن أكنافِها1 من غير صانع وحافظ؟ فبكوا جميعًا وقالوا: صدقت ، وأغمدوا سيوفهم وتابوا. وسُئل الشافعي رضي الله عنه: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة التوت ، طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. قال: فتأكلها دودة القز2 فيخرج منها الإبريسم 3 ، والنحل فيخرج منها العسل ، والشاة فيخرج منها البـَعْر4 ، ويأكلها الظباء فيخرج منها الـمِسْك ، فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟! فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده ، وكان عددهم سبعة عشر. وضرب أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثلاً قلعة حصينة ملساء ، لا فُرجة فيها ، ظاهرها كالفضة الـمُ ذابة ، وباطنها كالذهب الإبريز 5 ، ثم انشقت الجدران ، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير. وقد عَنى بالقلعة: البيضة ، وبالحيوان: الفرخ. وسأل هارون الرشيد مالكًا عن وجود الصانع ، فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات. فهذه نقولات عن الأئمة الأربعة في هذا الباب. وسُئل أعرابي فقيل له: بم عر فت ربك؟ فقال: الـبَعرة تدل على البعير ، والروث على الحمير ، والأثر يدل على المسير ، فسماءٌ ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا تدل على السميع البصير؟ ورؤي ابن هانئ6 في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ 1 أي أطرافها 2 القز هو الحرير على الحال التي يكون عليها عندما يُستخرج ، ودودة القز أي دودة الحرير التي تنسج الحرير. انظر «المعجم الوسيط» 3 الإبريسم هو أحسن الحرير. انظر«المعجم الوسيط» 4 البعرة هي رجيع الغنم والإبل 5 الإبريز هو الذهب الخالص. انظر«المعجم الوسيط» 6 وهو المكنى بأبي نواس.

عدد الصفحات ١٠١

نبذة في العقيدة الإسلامية قال: غَفَرَ لي بأبيات قلتها في النَّرجس ، وهي: تأمّل في نباتِ الأرض وانظر إلى آثارِ ما صنع المليكُ عيونٌ من لُـجينٍ 1 شاخصاتٌ2 بأحداقٍ3 كما الذهبُ السبيكُ4 على قُضُبِ الزَّبرجَــدِ شاهداتٌ 5 بأن الله ليس له شريكُ وأن محمدا عبدٌ رسولٌ إلى الثقلين6 أرسله المليكُ7 ومن عجائب خلق الله البعوضة ، فقد أودع الله فيها من الحكم الشيء الكثير ، فأودع الله فيها قوة الحافظة والفكر ، وحاسة اللمس والبصر والشم ، ومنفذ الغذاء ، وأودع فيها جوفا وعروقا ومخا وعظاما ، فسبحان من قدر فهدى ، ولم يترك شيئا سدى. قال أبو العلاء الـمَـعَـرِّي مبتهلا: يا من يرى مدَّ البعوضِ جناحها في ظلمةِ الليلِ البهيمِ 8 الأليلِ9 ويرى مناطَ10 عروقِها في نـَحرِها والمعَّ من تلك العظامِ النُّــحَّلِ 1 1 اللجين هو الفضة ، شبّه الناظم زهرة النبات بها لأنها تشبه الفضة في لونها«انظر«لسان العرب»، مادة: لجن 2 يقال شَخَصَ الرجل ببصره إذا فتح عينيه وحدّ نظره ورفع جفنيه فلم يطرِف ، وقد وصف الناظم بعض الأزهار في إحداقها بأنها شاخِصات كعين الإنس ان إذا شخصت وأحدقت ببصرها. انظر «لسان العرب»، مادة: شخص 3 الحدَقة تطلق على حدقة العين وهي سوادها ، وقد شبَّه الناظم تلك الأزهار بالأحداق. انظر«لسان العرب»، مادة: حدق 4 سبيك أي مسبوك ، وهو الذهب المفرغ في قالَـب. انظر«لسان العرب»، مادة: سبك 5 قُـضُـب جمع قـضـيب ، والمقصود غصن النبات ، والزبرجد هو الـــزُّمُـــرُّدْ ، جوهر معروف ، وقد وصف الناظم الغصن بالزمرد للمعانه وبريقه وبهاء منظره. انظر «لسان العرب»، مادة«قضب»، و«زبرجد »، وكذا «مختار الصحاح»للرازي ، مادة«زبرجد » 6 الثقلان هما الإنس والجن 7 ذَكر بعض المفسرين هذه القصص عن الشافعي وأحمد وهارون الرشيد وأبي نواس عند تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. كما ذكر هذه الشواهد الفخر الرازي في الدلالة على وجود الصانع في كتابه «مفاتيح الغيب»2/108 – 109) ، الناشر: دار الفكر ، ط 1 ، سنة1401 هـ 8 البهيم هو الأسود الذي لا يخالطه لون آخر. انظر«اللسان»، مادة: بهم 9 أليل أي شديد الظلمة. انظر«اللسان»، مادة: ليل 10 المناط من ناطَ أي علَّق ، يقال: ناطَ سِلاحه بالشجرةِ أي علقه عليها ، والمناط هو ما يُعلَّق فيه الشيء ، ومناط العروق في البيت المذكور هو ما تلتحم فيه العروق من جوانبها كأنها معلقة بها.

عدد الصفحات ١٠٢

نبذة في العقيدة الإسلامية ويرى خرير الدم في أوداجِها 2 متنقِّلا من مفصلٍ في مفصلِ ويرى وصول غِذى الجنين ببطنِها في ظلمةِ الأحشا بغير تَــمَـــقُّلِ 3 ويرى مكان الوط ءِ من أقدامِها في سيرها وحثيثها المستعجلِ ويرى ويسمعُ حِسَّ ما هو دونَـها في قاع بحرٍ مظلمٍ متهوِّلِ 4 امنُن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمانِ الأولِ 5 وعلى هذا فيقال لمن جحد وجود الله في هذه الأزمنة: هل ما أُنتج من الطائرات والصواريع والسيارات والآلات بأنواعها محض صدفة؟ ولو حدَّثك شخصٌ عن قصرٍ مشيدٍ ، أحاطت به الحدائق ، وجرت بينها الأنهار ، ومُلئ بالـفُرُشِ والأسِرَّة ، وزُيِّــــن بأنواع الزينة من مُقوّماته ومُكمّلاته ، وقال لك : إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه ، أو وُجد هكذا صدفة بدون مُوجد ؛ أكنت مُصَدِّقه؟ الجواب: لا ، قطعا. أيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه وسمائه وأفلاكه وأحواله ونظامه البديع الباهر قد أوجد نفسه ، أو وُجد صدفة بدون موجد؟! والحاصل أنه إذا لم يمكن أن توجِد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ، ولا أن توجَد صدفة ؛ تعين أن يكون لها موجِد ، وهو الله رب العالمين . وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور ، حيث قال ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾6 ، يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق ، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم ، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى. 1 الـنُّـحَّـلِ جمع نَـحِـيـل أي رقيق ودقيق. انظر «لسان العرب»، مادة: نحل 2 الودْج عرق يجري فيه الدم. انظر«لسان العرب»، مادة: ودج 3 الـمُقلة هي سواد العين وبياضها ، والتمقل هو تقليب العين في المنظور إليه وتحديق النظر فيها ، يقال: (تمقل في البضاعة) أي قـلَّـب نظر ه فيها ، ومقصود الناظم أن الله تعالى يرى ما في أحشاء البعوضة بغير كلفة. 4 أي كثير الأهوال 5 ذكرهاشهاب الدين أحمد الأبشيهي في كتاب ه «المستطرف في كل فن متستظرف »(ص374) ، الناشر: دار الكتب العلمية– بيروت ، ط 1 ، سنة1413 هـ وكذا ذكرها الزمخشري مختصرة في تفسيره المعروف بـ «الكشاف»(ص1168) ، بتحقيق: مصطفى حسين أحمد ، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت ، ط 3 ، سنة1407 هـ 6 سورة الطور : 35 .

عدد الصفحات ١٠٣

نبذة في العقيدة الإسلامية ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رضي الله عنه رسول الله  يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِْ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَْالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾1 ، وكان جبير يومئذ مشركًا ؛ قال : كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.2 فصل وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى ؛ فالكتب السماوية كلها تنطق بذلك ، ولأن ما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه ، وكذا ما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به. وأيضا فإن ائتلاف القرآن وعدم تناقضه وتصديق بعضه بعضا ؛ يدل دلالة قاطعة على أنه من رب حكيم عليم ، قال تعالى أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ﴾3 ، فهذا دليل أيضا على وجود من تكلم بالقرآن وهو الله تعالى. فصل وأما دلالة الحس على وجود الله فمن وجهين: أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى ، إذ أن إجابة الدعاء تدل على أن هناك ربا سـمع دعاء من دعاه فأجابه ، فإنه لم يدعُ إلا الله ، قال الله تعالى ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قـَبْلُ فَاسْتَجَبـْنَا لَهُ﴾4 ، وقال تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾5. وعنأنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ورسول الله  قائم يخطب ، فاستقبل رسول ا قائما فقال: يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله  يديه فقال: اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ،اللهم اسقنا. 1 سورة الطور: 35 - 37 . 2 رواه البخاري مفرقا ، ( 4853) ،4023.) 3 سورة النساء82 . 4 سورة الأنبياء: 76 . 5 سورة الأنفال: 9 .

عدد الصفحات ١٠٤

نبذة في العقيدة الإسلامية قال أنس: ولا والله ، ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قَـــزَعَةٍ 1 ولا شيئا ، وما بيننا وبين سَلْع2 من بيتٍ ولا دار ، قال: فطلعت من ورائه 3 سحابة مثل الـتُّــرسِ4 ، ف ــــــلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، قال: والله ما رأينا الشمس سَــبْتاً 5. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول ا  قائم يخطب ، فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله ، هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله  يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام 6 والجبال والظِّـراب7 والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت ، وخرجنا نمشي في الشمس .8 وما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا لمن صدق في لجوئه إلى الله تعالى وأتى بأسباب الإجابة. الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى بالمعجزات ويشاهدها الناس أو يسمعون بها ؛ برهان قاطع على وجود مرسلِهم ، وهو الله تعالى ، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر ، يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله ونصرًا لهم. مثال ذلك: آية موسى  حين أمره الله تعا أن يضرب بعصاه البحر ، فضربه فانفلق أثنى عشر طريقًا يابسًا ، والماء بينها كالجبال ، قال الله تعالى ﴿فَأَوْ حَيـْنَا إِلىَ مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ 9. ومثال ثان: آية عيسى  حيث كان يحي ي الموتى ، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله ، قال الله تعالى ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى و الدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفع فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وَإِذْ تخُْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنيِ ﴾10. 1 القزعة هي القطعة من الغيم. انظر «النهاية» 2 سلع اسم جبل بالمدينة 3 أي من وراء سلع 4 الترس قطعة من الحديد مستديرة يتَّقي بها المحارب السهام. انظر «النهاية» 5 قال ابن الأث«النهاية»قيل: أراد أسبوعا ، من السبت إلى السبت ، وقيل: أراد بالسبت مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة 6 الآكام جمع أكمة وهي الرابية. انظر «النهاية»قلت: والرابية معروفة ، وهي المك ان المرتفع ، وتسمى بالربوة أيضا. 7 الظراب جمع ظرِب ، وهو الجبل الصغير. انظر«النهاية» 8 أخرجه البخاري 1019) ومسلم897.) 9 سورة الشعراء : 63 . 10 سورة المائدة: 110 .

عدد الصفحات ١٠٥

نبذة في العقيدة الإسلامية ومثال ثالث حصل لـمــحمد  حين طلبت منه قريش آية ، فأشار إلى القمر ، فانفلق فرقتين فرآه الناس ، وفي ذلك نـزل قوله تعالى ﴿ اقـْتـَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يـَرَوْا آيَةً يـُعْرِضُوا وَيـَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾1 ، فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله ونصرًا لهم ؛ تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى. 1 سورة القمر: 1- 2 .

عدد الصفحات ١٠٦

نبذة في العقيدة الإسلامية الثاني: الإيمان بربوبيته الإيمان بربوبية الله تعالى يعني الإيمان بأن الله وحده هو الرب لا شريك له ولا معين ، والرب: من له الخلق والملك والأمر – أي أمر تدبير هذا الكون - ، فلا خالق إلا الله ، ولا مالك إلا هو ، ولا آمر إلا هو ، قال تعالى مبينا انفراده بالخلق ﴿ أَلاَ لَهُ الخَْلْقُ وَالأَمْرُ﴾1 ،وقال بديع السماوات والأرض﴾2 ، وقال الحمد لله فاطر السماوات والأرض.3 وأعظم ما خلق الله عشرة ، وهي السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والناس والدوا ب والمطر والرياح ، وقد تمدح الله تعالى بخلقها كثيرا في القرآن لاسيما في أوائل بعض السور كسورة الجاثية ، قال تعالى  حـمٰ * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمن وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون  . ودليل انفراده بالملك قوله تعا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك و يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا 4 ، وقولهتبارك الذي بيده ا لك5 ، وقوله ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يمَْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾6. ودليل انفراده بالأمر قوله تعا ألا له الخلق والأمر ، وقالإنما قولنا لشيء إذا أردناه أننقول له كن فيكون7 ، وقاليدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ﴾8 ، وقولهوإليه يُرجع الأمر كله9. وسُئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ 1 سورة الأعراف : 54 . 2 سورة البقرة : 117 . 3 سورة فاطر 1 . 4 سورة الإسراء111 . 5 سورة الملك1 . 6 سورة فاطر: 13 . 7 سورة يـٰس: 82 . 8 سورة السجدة: 5 . 9 سورة هود: 123 .

عدد الصفحات ١٠٧

نبذة في العقيدة الإسلامية فقال: (بنقض العزائم وصرف الـهمم) ، وصدق ذلك الأعرابـي ، فالإنسان يعزم أحيانا على الشيء وفي لحظة يجد نفسه قد نقض عزمه وعزم على تركه ، وقد يهم الإنسان بالشيء متجه ا إليه ثم ينصرف بدون سبب ، وهذا يدل على أن للأمور مدبرا فوق تدبير الإنسان ، وهو الله عز وجل. فصل  والأمر نوعان ؛ أمرٌ شرعيٌّ ديني وأمرٌ كو ، فأمره الشرعي الديني هو أمره المتعلق بال شرائع والنبوات ، فإن الله هو وحده الذي يأمر بما شاء من الشرائع ، وينسع ما يشاء منها ، بحسب ما تقتضيه حكمته جلَّ وعلا ، وهو الذي يُشَرِّع للناس ما يناسبهم وما يُصلِح حالهم ، وما هو مقبول عنده من العبادات والأعمال ، لأنه هو الخبير بحالهم ، العليم بما يصلحهم ، الرحيم بهم. مثال ذلك أن الله جل وعلا نسع شريعة موسى بشريعة عيسى ، ثم نســـــع شريعة عيسى بشريعة محمد  ، وهي الإسلام ، وجعلها متضمنة لجميع ما في الشرائع قبلها من المحاسن وزاد عليها ، وألغى ما فيها من التكاليف الشديدة ، وجعلها شريعة سمحة ليس فيها حرج ولا صعوبة. ومن ذلك أيضا أن في بعض الشرائع التي سبقت شريعة الإسلام أن الإنسان إ ذا أصاب ثوبه نجاسة (بول مثلا) فعليه أن يَــــقُصَّ المكان المتنجس من ثوبه للتخلص من تلك النجاسة ، أما في شريعة الإسلام فيكفي غسل موضع النجاسة بالماء. ومن ذلك أيضا أن في شريعة التوراة أن من أراد أن يُصلي فعليه الذهاب إلى الـبَــيْـعة ، وكذلك في شريعة عيسى من أراد أن يُصلي فعليه الذهاب إلى الكنيسة ، أما في شريعة الإسلام فالإنسان له أن يُصلي في أي مكان شاء على وجه الأرض أو في السماء في الطائرة ، أو في البحر – في الباخرة. ومن أوامر الله الشرعية الدينية أن الله يأمر بالعدل والإحسان ، قال تعالى إن الله يأمر بال عدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والـمنكر والبغي يَعِظُكُم لعلكم تذكرون1. وقال تعاإن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نِـعِــمَّا يعظكم به2 ، أينِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه.  والنوع الثاني من أمر الله هو الأمر الكوني ، وهو المتعلق بتدبير أمور الكون ، فالله وحده هو الذي يأمر بجريان السحاب ونزول المطر والحياة والموت والرزق و الخلق والزلازل وتفريج الكربات ونهاية العالم ونحو ذلك من الأمور التي تحدث في الكون ، فإذا أمر الله بشيءٍ منها حصل لا محالة ، لا مُغالب له ولا 1 سورةالنحل: 90 . 2 سورةالنساء: 58 .

عدد الصفحات ١٠٨

نبذة في العقيدة الإسلامية مُبطل ، كما قال الله تعالى إنما قولنالشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون1 ، وقال تعاوما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر2 ، أي وما أمرُ نا للشيء إذا أردنا حصوله إلا أن نقول قولةً واحدة وهي (كن) فيكون ذلك الشيء كلمح البصر ، لا يتأخر طرفة عين. فالحاصل أن أمر الله ينقسم إلى نوعين ؛ أمرٌ كونيٌّ ، و أمرٌ ديني شرعي ، يترتب عليه أحكام الجزاء يوم القيامة.3 فصل ومما يدل على تفرد الله سبحانه بالأمر ؛ قدرته تعالى على إجراء تأثير ذلك الأمر على خلاف العادة ، ومن ذلك أنه جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام ، قال الشنقيطي رحمه الله: ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ 4 ، فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معان مختلفة ، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادا من حرها ، في الوقت الذي هي فيه كائنة بردا وسلاما على إبراهيم ، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقةً إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض ، وأنه يُسبِّب ما شاء من الـمُسبِّبات على ما شاء من الأسباب ، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. ومن أوضح الأدلة في ذلك أنه ربما جعل الشيء سببا لشيء آخر مع أنه مناف له ، كجعله ضربَ ميتِ بني إسرائيل ببعضٍ من بقرة مذبوحة سببا لحياته 5 ، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته ، إذ تُكسب الحياة من ضربِ ميتٍ ، وذلك يوضح أنه جل وعلا يُسبب ما شاء من المسبَّبات على ما شاء من الأسباب ، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جل وعلا. انتهى كلامه رحمه الله. 6 1 سورةالنحل: 40 . 2 سورةالقمر: 50 . 3 انظر كلام ابن تيمية رحمه الله في الفرق بين الأمر الكوني والأمر الديني في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان »، ص278 – 279 ، تحقيق: د. عبدالرحم ـٰ ن اليحيى، الناشر: دار الفضيلة – الرياض. وانظر ما قاله الشيع عبد الرحم ـٰ ن بن سعدي رحمه الله في تفسيره في تفسير قول الله تعالى ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين  . سورة الأعراف 54 . 4 سورة الأنبياء69 . 5 انظر تفس«أضواء البيان»، عند قوله تعالى من سورة مريم ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بجِِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ 6 يشير إلى قوله تعالى في سورة البقرة ﴿وإذ قتلتم نفسافادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾.

عدد الصفحات ١٠٩

نبذة في العقيدة الإسلامية فصل ولم يُعلم أن أحدًا من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه ، إلا أن يكون مكابرًا غير معتقد لما يقول ، كما حصل من فرعون حين قال لقومه ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾1 ، وقال ﴿يَا أَيـُّهَا الْ مَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلـٰه غَيرِْي﴾2 ، لكن ذلك ليـس عن عقيدة ، بل عن تَكـبُّـرٍ وتَـجَبُّـرٍ ، قال الله تعالى ﴿ وَجَحَدُوا بهَِا واسْتـَيـْقَنَتـْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ 3 ، وقال موسى لفرعون فيما حكى الله عنه ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنـزلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنيِّ لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ 4. فصل وقد كان المشركون في عهد النبي  يُقِـــرُّون بربوبية الله تعالى مع إشراكهم به العبادة ، فأنكر الله عليهم ذلك ، لأن الإقرار بالربوبية لا يكفي لل دخول في الإسلام حتى يُضم إليه إفرادُه بالعبودية ، قال تعالى لنبيه حاثا له على أن يقول للمشركين المعترفين لله بالربوبية ، المشركين معه غيره في العبادة ﴿ قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تـَعْلَمُونَ * سَيـَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُون * قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تـَعْلَمُون * سَيـَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُون * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيـَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تـَتـَّقُون * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يجُِيرُ وَلا يجَُارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تـَعْلَمُون * سَيـَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّّ تُسْحَرُون﴾5.6 1 سورة النازعات : 24 . 2 سورة القصص: 38 . 3 سورة النمل: 14 . 4 سورة الإسراء: 102 . 5 سورة المؤمنون: 84 - 89 . 6 انظر ما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآيات ، وكذا ما قاله الشنقيطي رحمه الله في تفسير آية يونس: 31 ، وآية يوسف106 ، وآية الإسراء: 9 من ابتداء قوله: ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا ... ا

عدد الصفحات ١١٠

نبذة في العقيدة الإسلامية الثالث: الإيمان بألوهيته الإيمان بألوهية الله يعني الإيـمان بأنه وحده الإلـٰه الحق لا شريك له ، المستحق للعبادة دون مَن سواه ، و معنى «الـٰه» أي المألوه ، وهوالمعبود حُــبًا وتعظيمًا ، قال الله تعالى ﴿و إلـٰهكم إلـٰه وَاحِدٌ لاَّ إ لـٰه إِلاَّ هُوَ الرحمـٰن الرَّحِيمُ﴾ 1 ، وقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إلـٰه إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إلـٰه إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ﴾2 ، وكل ما اتخُّذ إلـٰها يُعبد من دون الله أو مع الله فعبادته باطلة ، قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَْقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْ عَلِيُّ الْكَبِير﴾3. فصل في براهين توحيد الألوهية واعلم رحمك الله أن البرهان الأعظم على استحقاق الله تعالى لأن يُعبد وحده دون ما سواه هو تفرده تعالى بربوبية هذا الكون 4 ، لا شريك له في ذلك ولا مع ، والرب هو من بيده الخلق والملك والرزق والأمر – أي أمر تدبير هذا الكون - ، فلا خالق إلا الله ، ولا مالك إلا هو ، ولا رازق إلا هو ، ولا آمر إلا هو ، قال تعالى مبينا تفرده بالخلق ﴿أَلاَ لَهُ الخَْلْقُ وَالأَمْرُ﴾5 ،وقال تعالى بديع السماوات والأرض﴾6 ، بديع أي مبدِع7 ، والمعنى مُوجد السماوات والأرض وقال تعالى الحمد لله فاطر السماوات والأرض﴾8 ، ومعنى فاطر أي موجد9. ودليل انفراده بالـملك قوله تعا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك 10 ، وقوله تبارك الذي بيده الملك 11 ، وقوله تعالى ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يمَْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾12. 1 سورة البقرة : 163 . 2 سورة آل عمران : 18 . 3 سورة الحج: 62 . 4 سيأتي ذكر براهين أخرى بعد هذا الفصل 5 سورة الأعراف: 54 . 6 سورة البقرة : 117 . 7 انظر«مفردات ألفاظ القرآن الكر»للراغب الأصفهاني رحمه ا 8 سورة فاطر1 . 9 انظر«مفردات ألفاظ القرآن الكر»للراغب الأصفهاني رحمه ا 10 سورة الإسراء 111 . 11 سورة الملك: 1 . 12 سورة فاطر: 13 .

عدد الصفحات ١١١

نبذة في العقيدة الإسلامية ودليل انفراده بالأمر – ويعبر عنه أيضا بالتدبير - قوله تعالى ألا له الخلق والأمر ، وقولهإنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون 1 ، وقوله يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يع ـــــــــــرج إليه﴾2 ، وقولهوإليهيُرجع الأمر كله 3. فتدبير هذا الكون من إحياءٍ وإماتةٍ ، ومطرٍ وجــــــــدبٍ ، وغنىً وفقرٍ ، وصحةٍ ومرضٍ ، وأمنٍ وخوفٍ ، وغير ذلك مما يجري في هذا الكون ؛ إنما هو بأمر الله تعالى. ودليل انفراده بالرزق قوله تعالى الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء4. وقد كانت دعوة الرُّسـل- عليهم الصلاة والسلام - مُنصَبَّةً على هذا النوع من التوحيد – أي توحيد الألوهية - ، وكانوا قاطبة يقولون لأقوامهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلـٰه غَيـْرُه﴾ 5 ، ولكن أبى ذلك المشركون ، واتخذوا من دون الله آلهة ، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى ، ويستنصرون بهم ويستغيثون . وضد توحيد الألوهية الشرك في عبادته تعالى ، وهو صرف شيء من العبادات لغير الله ، أيًّا كانت تلك العبادة ، كعبادة القبور ، بدعائها ، والذَّبح لها ، والنّذر لها ، والطَّواف بها ، والتَّمسُّح بأعتابها ، ونحو ذلك من الأفعال ، فهذه من الأفعال الشركية التي تنقض إيمان العبد بأن الله وحده هو المستحق لأن يعبد دون ما سواه. فصل في ذكر البراهين الشرعية والعقلية على بطلان الشرك في عبادة الله وقد أبطل الله تعالى اتخاذَ المشركين آلهة يعبدونها معه ببراهين شرعية وعقلية كثيرة ، فأما الشرعية فمثل قوله تعالى إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار 6 ، وقوله تعالى لنبيه ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين 7. وأما البراهين العقلية على بطلان الشرك فكثيرة ، منها: 1 سورة يـٰس: 82 . 2 سورة السجدة: 5 . 3 سورة هود: 123 . 4 سورة الروم40 . 5 سورة الأعراف: 59 . 6 سورة المائدة: 72 . 7 سورة الزمر: 66 .

عدد الصفحات ١١٢