64 فصل ، وقد اختلف أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم ، هل هي م بد لة ، أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون الت نـز يل ، على ثلاث ــــة أقوال ؛ طرفين ووسط : فأفرطت طائفة وزعمت أنها كل ها أو أكثرها مبد لة مغيرة ، ليست التوراة التي أ نـز لها الله تعالى على موسى عليه السلام ، وتعر ض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعت. وغلا بعضهم ، فجو ز الاستجمار بها من البول. وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحدي والفقه والكلام فقالوا: بل التبديل وقع في التأويل لا في التنـز يل ، وهذا مذهب أبي عبد الله ، محمد بن إسماعيل البخاري ، قال في «صحيحه»: يـحر فون: ي ــزيلون ، وليس أحد ي زيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ، ولكنهم ي ـحر فونه ، يتأولونه على غير تأويله.1 وهذا اختيار الرازي «تفسيره». وسمعت شيخ نا2 يقول: وقع ال نـز اع في هذه المسألة بين بعت الفضلاء ، فاختار هذا المذهب ووه ن غيره ، فأ نك ر عليه ، فأ حضر لهم خمسة عشر نقلا به.3 ومن حجة هؤلاء أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها ، وانتشرت جنوبا وشمالا ، ولا ي علم عدد ن س خها إلا الله تعالى ، ومن الممتنع أن ي قع التواطؤ على التبديل والتغيـير في جميع تلك النسخ بحي لا يبقى في الأرض 1 قاله البخاري رحمه ا «صحيحه»، كتاب التوحيد ، باب 99 ، وقد ضبطت النص منه 2 يعني بشيخه: ابن تيمية رحمه ا 3 أي أ حضر لهم خمسة عشر نقلا يثبت كلامه
عدد الصفحات ٦٥65 نسخة إلا مبدلة مغي ـرة ، والتغيـير على م نها واحد ، وهذا مما ي ـحيله العقل ويشهد ببطلانه. قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه محتجا على اليهود بهاقل فأتوا بالتور اة فاتلوها إن كنتم صادقين . قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغ يـير ها من التوراة ، ولهذا لـم ا قرؤوها على النبي وضع القارئ يده على آية الرجم فقال له عبد الله بن سلام: (ارفع يدك عن آية الرجم ) ، فرفعها ، فإذا هي تلوح تحتها.1 فلو كانوا قد بد لوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما يبدلونه . قالوا: وكذلك صفات النبي ومخرجه هو في التوراة بي ـن جدا ، ولم يمكنهم إزالته وتغ يـير ه ، وإنما ذم هم الله تعالى بكتمانه ، وكانوا إذا احت ج عليهم بما في التوراة من نعته وصفته يقولون: ليس هو ، ونن ننتظره . قالوا: وقد روى أبو داود في «سننه» عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله إلى القف 2 ،فأتاهم في بيت الـم د راس 3 فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم. فوضعوا لرسول الله وسادة فجلس عليها ثم قال: (ائتوني بالتوراة ) ، فأ تـــي بـها ، فنـز ع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ، ثم قال: (آمنت ب ك وبمن 1 قصة الرجم رواها البخاري 3039) ومسلم1000) ، وهي أن رجلا من اليهود زنى بامرأة منهم ، فذكروا ذلك لرسول ا ، فسألهم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويج لدون. فقال عبد الله بن سلام وكان من أحبارهم: كذبتم ، إن فيها – أي التوراة – الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها فجعل أحدهم يده عل ى آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك ، فرفعها فإذا فيها آية الرجم ، فقال اليهود: صدق يا محمد ، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله فر جم ا 2 الق ف واد من أودية المدينة. انظر «النهاية» 3 الم دراس هو البيت الذي يدرس فيه اليهود. انظر «النهاية»
عدد الصفحات ٦٦66 أنـز لك ) ، ثم قال : (ائتوني بأعل م كم) ، فأ تي بفتى شاب ، ثم ذكر قصة الرجم .1 قالوا: فلو كانت مبد لة مغيرة لم يضعها على الوسادة ، ولم يقل : آمنت بك . قالوا: وقد قال تعالى وتت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبد ل لكلماته وهو السميع العليم ، والتوراة من كلماته . قالوا: والآثار التي في كتمان اليهود ص فة رسول الله في التوراة ، وم نع هم أولاد هم وعوام هم من الاطلاع عليها مشهورة ، ومن اط لع عليها منهم قالوا له: ليس به2. فهذا بعتما احتجت به هذه الفرقة . وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا: قد ز يد فيها وغ ـي ــر ألفاظ يسيرة ، ولكن أكثر ها باق على ما أ نـز ل عليه ، والتبديل في يسير منها جدا ، وممن اختار هذا القول شيخ نا3 في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» ، قال: وهذا كما في ال توراة عندهم أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك ، ب ك ر ك ووحيد ك إسحاق. فــــ «إسحاق» زيادة منهم في لفظ التوراة . قلت: وهي باطلة ق طعا من وجوه عشرة : أحدها: أن ب ك ــر ه ووحيده هو إسماعيل باتفاق ال ـم لل الثلاث ، فالجمع بين كون ه مأمو را بذبح ب ك ـــر ه وتعيـينه بإسحاق جمع بين النقيضين. 1 رواه أبو داود4440) ، وحسنه الألبا«الإرواء»9/04.) 2 أي ليست الأوصاف به 3 يعني بشيخه: ابن تيمية رحمه ا كما تقدم.
عدد الصفحات ٦٧67 الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينق ل هاج ر وابنها إسماعيل عن سارة وي سكنهما في ب ــر ي ة مكة لئلا ت ـــغ يـر سارة 1 ،فأمر بإبعاد الس ـــ ر ي ــة2 وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغ يرة عنها ، فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن الس ـــر ي ــة ، فهذا مما لا تقتضيه الحكمة. الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ، ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده. الرابع: أن الله سبحانه بش ر سارة أم إسحاق بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ،فبش رها بهما جميعا ، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق وقد بش ر أبويه ب ولد ولد ه؟! الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح ، وتسليم ه نفسه لله تعالى ، وإقدام إبراهيم على ذبحه ، وفرغ من قصته ؛ قال بعدها وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ، فشكر الله تعالى له استسلام ه لأمره ، وبذ ل ولد ه له ، وجع ـل م ن إثابته على ذلك أن آتاه إسحاق ، فنج ى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحاق. السادس: أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل رب ه الول د فأجاب الله دعاء ه وبش ره به ، فلما بلغ معه السعي3 أمره بذبحه ، قال تعالى وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب ه ب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم ،فهذا دليل على أن هذا الولد إنما ب ش ر به بعد دعائ ه وسؤال ـه ربه 1 أي تغار من المملوكة كما سيأتي قريبا 2 أي الأم ة المملوكة 3 أي صار الابنشي مع والده ويسعى للعمل ، وهو سن يكون فيه الابن قد بلغ حبه عند والده مبلغا عظيما.
عدد الصفحات ٦٨68 أن يـه ب له ولدا ، وهذا الـم بش ر به هو الـمأمور بذبـحه قطعا بنص القرآن ، وأما إسحاق فإنه ب ـش ر به من غير دعوة منه ، بل على ك ـبـ ر الس ن وكون مثل ه لا ي ولد له ، وإنما كانت الب شارة به لامرأته سارة ، ولهذا تعج بت من حصول الولد منها ومنه ، قال تعالى ولقد جاءت ر سلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لب أن جاء بعجل حنيذ * فلما رأى أيدي هم لا تصل إليه نك رهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا ذف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتا ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله ،فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجد هما بشارتين متفاوتتين ، مخر إحداهما غير مخر الأخرى ، والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها ، والبشارة الأولى هي التي أ مر بذبح من ب ـش ر به فيها دون الثانية. السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم ي قد م بإسحاق إلى مكة البتة ، ولم ي فر ق بينه وبين أمه ، وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ض ر تها ، و في بلد ها ، ويد ع ابن ضر تها؟! الثامن: أن الله تعالى لما اذذ إبراهيم خليلا – والـخ ل ة تقتضي أن يكون قلب ه كل ه م علقا بربه ، ليس في ه شعبة لغيره - فلما سأل الولد 1 وهبه إسـماعيل ، فت عل ق به شعبة من قلبه ، فأراد خليل ه سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق ، فامتحنه بذبح ولده ، فلما أقدم على 1 أي سأل إبراهيم رب ــــه الولد
عدد الصفحات ٦٩69 الامتثال خل صت له تلك الـخ ل ة ، وتح ضت لله وحده ، فن س خ الأمر بذبحه لحصول المقصود ، وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال . ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها ، فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم ي ـحتج في الولد الآخر إلى مثله ، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الـخ لة لأ م ر بذبحه كما أمر بذبح الأول ، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقر ه في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ، ثم أمره بما يزيل المزاح م بعد ذلك ، وهذا خلاف مقتضى الحكمة ، فتأمله. التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما ر ز ق إسحاق عليه السلام على الك ب ـر ، وإسماعيل عليه السلام ر ز قه في عنفوانه وقو ته ، والعادة أن القلب أع لق بأول الأولاد ، وهو إليه أ م ـــي ل وله أحب ، بخلاف من ي رز ق ه على الك ب ـر ، ومحل الولد بعد الك ب ـر كمحل الشهوة للمرأة .1 العاشر: أن النـبي كان يفتخر بقوله: أنا ابن الذ بيحيـن.2 يعني أباه عبد الله ، وجده إسماعيل . والمقصود أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة ، ونن نذكر السبب الموج ب لتغيير ما غ ـي ـر منها ، والحق أحق ما ات ـــب ع ، فلا نغلو غلو المستهينين بها ، المستجم رين بها3 ، بل معاذ الله من ذلك ، ولا ن قول إنها باقية كما أ نزلت من كل وجه كالقرآن ، فنقول وبالله التوفيق : 1 أي مكانة الولد في القلب بعد الكبر كمكانة الشهوة للمرأة بعدما تكبر ، فإن المكانة تكون ضعيفة في الحالين. 2 للأمانة العلمية ، فالحدي ضعيف كما بينه الألباني رحمه الله في «الضعيفة»331 ،1077) ، ويغني عنه ما تقدمه من الأدلة العقلية والنقلية ، والحمد لله. 3 أي الذين يقولون أنها تصلح للاستجمار ، يشيرون إلى أنها غير محترمة لأنها– برمتها - ليست كلام الله أصلا ، حسب قولهم.
عدد الصفحات ٧٠71 إنعلماء اليهود وأحبارهم لا يعتقدون أن هذه التوراة التي بأيـديهم هـي الـتي أنزلهـــا الله تعـــالى علـــى موســـى بـــن عمـــران ب عين هـــا ، لأن موســـى عليـــه الســـلام صان التوراة عن بني إسرائيل خوفا من اختلافهم من بعـده في تأويلهـا المـؤدي إلى تفــر قهم أحزابـــا ، وإنمــا ســـل مها إلى عشــيرته أولاد «لاوي» ، ودليـــل ذلـــك قولــــه في التــــوراة : (وكتــــ ـب موســــى هــــذه التــــوراة ودفعهــــا إلى الأئمــــة مــــن بــــني «لاوي» ، وكــان بنــو هــارون قضــاة اليهــود وحكــام هم ، لأن الإمامــة وخ دمــة القــراب ين وبيــت المقــدس كانــت موقوفــة علــيهم ، ولم يبــذ ل موســى عليــه الســلام من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة ، وهي التي قـال فيهـا : وكتـب موسـى هذه السورة وعل مها بني إسرائيل). هذا نص التوراة عندهم ، قال : (وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل ) ، وفيها قال الله تعالى : (إن هذه السورة لا ت ـنسى من أفواه أولادهم) . و هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم ، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة ، وأن الس خط يأتيهم بعد ذلك ، وت ـخر ب ديارهم ، وي س بون في البلاد ، فهذه السورة تكون متداو لة في أفواههم كالشاهد عليهم ، ال ـم وق ف لهم على صحة ما قيل لهم. فلما نصت التوراة أن هذه السورة لا تـ نسى من أفواه أولادهم ؛ دل ذلك على أن غيرها من السور ليس كذلك ، وأنه يجوز أن ي نسى من أفواههم. وهــذا يــدل علــى أن موســى عليــه الســلام لم ي عــط بــني إســرائيل مــن التــوراة إلا هذه السورة ، فأما بقيتها فد فعها إلى أولاد هـارون ، وج علهـا فـيهم ، وصـانها
عدد الصفحات ٧١70 عــن ســواهم ، وهــؤلاء الأئمــة الهــارونيون الــذين كــانوا ي عرفــون التــوراة ويحفظــون أكثرهــا قـ ــت لهم «بـخ تـــنص ر» علــى دم واحــد يــوم فــتح بيــت المقــدس ، ولم يكــن ح فظ التوراة فرضا عليهم ولا س ـنة ، بـل كـان كـل واحـد مـن الهـارونيين يحفـظ فصــلا مـــن التـــوراة ، فل مـــا رأى «عزيـــر » أن القــوم قـــد أحـــرق هـــيكل هم وزالـــت دولــتهم وتفــر ق جمعهــم ور فــع كتــابهم ؛ جمــع مــن محفوظاتــه ومــن الفصــول الــتي يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيـديهم ، ولـذلك بـالغوا في تعظيم «عزير » هذا غاية المبالغة. فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح1 العراق لأنه جـمع لهم ما ي ـحفظ دينهم. وغلا بعضهم فيه حتى قال هو ابن الله ، ولذلك نسب الله تعالى ذلك2 إ اليهود إلى جنسهم ، لا إلى كل واحد منهم .3 فهذه التوراة الـتي بأيـديهم في الحقيقـة كتـاب «عز يـر» ، وفيهـا كثـير مـن التـوراة الـتي أنزلهــا الله تعـالى علــى موســى عليـه الصــلاة والســلام ، ثم تـداولتها أمــة قــد مز قها الله تعالى كل ممزق وشت ت شملها ، فلح قها ثلاثة أمور: أحدها: بعت الزيادة والنقصان . الثاني: اختلاف الترجمة. الثالث: اختلاف التأويل والتفسير. ونن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال : 1 بطائح جمع أبطح ، وهو المكان المتسع يمر به السيل ، فيترك فيه الرمل والحصى الصغار. انظر «المعجم الوسيط» 2 أي ذلك القول 3 كما قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن ا.
عدد الصفحات ٧٢71 المثال الأول: ما ت قدم من قوله: (ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلو ا ، وللكلب ألقوه). وتقدم بيان تحريف هم هذا النص ، وحمل ه على غير محم له. المثال الثاني: قول ه في التوراة : (نبيا أ قيم لهم من وسط إخوتهم مثلك 1 ، فليؤمنوا به) ، فحر فوا تأويل ه ، إذ لم يمك نهم أن يـ ب دلوا تـنزيله ، وقالوا : هذه بشارة بني من بني إسرائيل ، وهذا باطل من وجوه : أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال : (من أنفسهم) ، كما قال في حق محمد لقد من الله على المؤمنين إذ بع فيهم رسولا من أنفسهم ، وقال تعا لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، ولم يقل (من إخوتكم . الثاني: أن المعهود في التـوراة أن إخـوته م غـير بـني إسـرائيل ، ففـي الجـزء الأول مــــن الس ــــفر الـــــخامس قول ــــه لهــــم: (أنــــتم عــــابرون في ت ـــــخوم2 إخــــوتكم«بــــ الع ــــــــيص» ، الـــــــمقيمين في «ســــــيع» ، إيــــــاكم أن تطمعــــــوا في شــــــيء مــــــن أرض ــهم) ، فإذا كان «بنو العــيص» إخوة لبـني إسـرائي ل لأن العـيص وإسـرائيل ولــدا إســحاق ، والـــروم هــم «بنــو العـــيص» ، واليهــود هــم بنـــو إســرائيل وهـــم إخوته م ؛ فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم . الثالث: أن هذه البشارة لو كانت ب ــــ «شمويل» أو غيره من بني إسرائيل ي صح أن يقال: (بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل ) ، وإنما المفهوم من هذا أن بني إسماعيل أو «بني العيص» هم إخوة بني إسرائيل . 1 المخاطب هو موسى عليه الصلاة والسلام ، والمقصود بالنبي هو النبي محمد . 2 ت ـخوم جمع ذم ، وهو الحد الفاصل بين أرضين. انظر«المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٧٣71 الرابع: أنه قال: (أ قيم لهم نبيا مثلك) ، وفي موضع آخر: (أ نزل عليه توراة مثل توراة موسى ) ، ومعلوم أن «شمويل» وغه من أنبياء بني إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى ، لا سيما وفي التوراة : (لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى) ، وأيضا فليس في بني إسرائيل م ن أ نزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد والمسيح صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، والمسيح كان من أ نف س بني إسرائيل لا من إخوتهم ، بخلاف محمد فإنه من إخوتهم ب إسماعيل. وأيضا فإن في بعت ألفاظ هذا النص: (كلكم له تسمعون) ، وشمو يل لم يأت بزيادة ولا نسخ ، لأنه إنما أ رسل لي قو ي أيدي هم على أهل فلسطين ولير د هم إلى شرع التوراة ، فلم يأت بشريعة جديدة ولا كتاب جديد ، وإنما ح ـكمه حكم سائر أنبياء بني إسرائيـــل ، فإنـهم كانت تسوس هم1 الأنبياء ، كلما هلك نبي قام فيهم نبي ، فإن كانت هذه البشارة بــ «شمويل» فهي بشارة بسائر الأنبياء الذي ب عثوا فيهم ، ويكونون كل هم مثل موسى عليه السلام ، وكل هم قد أ نزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى عليه السلام. المثال الثالث: قوله في التوراة : (جاء الله تعالى من ط ور سيناء ، وأشرق نوره من «سيع» ، واستعلن من«جبال فاران » ، ومعه ربوات المقدس . وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل الس راة الذي يسكنه «بنو العيص» الذين آمنوا بعيسى ، ويعلمون أن في هذا الجبل كان م قام المسيح ، ويعلمون أن سيناء هو جبل الطور ، وأما «جبال فاران » فهم يحملونها على جبال الشام ، وهذا من ب ـهتهم وتحريف التأويل ، فإن «جبال فاران » هي 1 تسوسهم من ساس ، أي تولى القيادة والرئاسة. انظر«المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٧٤74 جبال مكة ، وفاران اسم من أسماء مكة ، وقد دل على هذا نص التوراة أن إسماعيل لما فارق أباه سكن في «برية فاران » ، ولفظ التوراة : (أن إسماعيل أقام في «برية فاران » ، وأنكحته أ م ـــه امرأة من أرض م صر). فثبت بنص التوراة أن «جبال فاران » مسكن لولد إسماعيل ، وإذا كانت التوراة قد أشارت إلى نبوة تـ نزل على «جبال فاران » لزم أنها تـ نزل على ولد إسماعيل لأنهم سكانها ، ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تـ نزل على غير محمد من ولد إسماعيل عليه السلام ، وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى. فصل ، ومما يدل على غ لط أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم وفساد رأيهم وعقولهم - كما جاء في التوراة (أنهم شعب عاد مو الرأي ، فليس فيهم فطانة) - أنهم سمعوا في التوراة : (ب كور ثمار أرضك ت ـحم ل إلى بيت الله ربك ، ولا ي نض ج الجدي بلب أمه) ، والمراد من ذلك أنهم أ م روا ع ـق يب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم أن يستصحبوا معهم إذا حج وا أبكار أغنامهم1 وأبكار مستغ ــلات أرضهم 2 ، لأنه كان ف رض عليهم قبل ذلك أن تبقى س خولة 3 البقرو الغنم وراء أ مها سبعة أيام ، وفي اليوم الثامن فصاعد ا ي صل ح أن تكون قربانا ، فأشار في هذا النص بقوله : (لا ي نض ج الجدي بلب أمه) إلى أنهم لا ي بال غون في إطـــــالة مك باكور4 أولاد البقر والغنم وراء أمها ، بل يستصحبون أبكاره ن اللاتي قد عبـ ر ن سبعة أيام منذ ميلادهن معهم إذا حجوا إلى بيت المقدس ليتخذوا منها القرابين . 1 أبكار أغنامهم أي أول ن تاجها 2 أبكار مستغلات أرضهم أي أول ن تاجها 3 سخولة جمع سخلة وهي صغار الغنم والبقر بعد ولادتها. انظر «المعجم الوسيط» 4 باكور أولاد البقر أي أول نتاجها .
عدد الصفحات ٧٥75 فتوه م المشايخ الب ـل ه أن الشرع يريد بالإنضا إنضا الطبيخ في القدر ، وأنهم نه وا أن يطبخوا لحم الجدي باللب ، ولم يك فهم هذا الغ ل ط حتى حر موا أكل سائر الل حمان باللب ، فألغوا لفظ الجدي وألغوا حليب أمه ، وحم ـلوا النص ما لا يحتمل ، وإذا أراد أن يأكلوا اللحم واللب أكلوا ك لا منهما على حدة ، والأمر في هذا ونو ه قريب . فصل ، ولا ي ستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على ال ـم حال واتفاقهم على أنواع الضلال ، فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذ ها بلاد ها انطمست معالـم دينها واندرست آثارها ، فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصاف ات1 وإخراب البلاد وإحراقها ، ولا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن تعود2 علو م ها جهلا ، وعزها ذلا ، وكثرتها قلة ، وكلما كانت الأمة أقدم واخت لفت عليها الدول المتـناولة لها بالذ ل والص غار كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر . وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر لأنها من أقدم الأمم ، ولكثرة الأمم التي استولت عليها من الك شدانيين و الك لدانيين والبابليين والفرس واليونان والنصارى وآخر ذلك المسلمون ، وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم وبالغ في إ حراق بلادهم وكتبهم وقطع آثارهم إلا المسلمين ، فإنهم أعدل الأمم فيهم وفي غيرهم ، ح فظا لوصية الله لهم حي يقول يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمن كم شنآن قوم 1 المصاف ات أي صفوف الجيش ، ومقصود المؤلف تتابع الحروب عليهم ، وانظر«المعجم الوسيط» 2 في المطبوع (يعود) ، والمثبت من نسخة علي
عدد الصفحات ٧٦76 على أن لا تعد لوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ، وصادف الإسلام 1 هذه تحت ذمة الفرس وذمة النـــــــــصارى ، بحي لم ي ــبــق لهم مدينة ولا جيش ، وأعز ما صاد فه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها ، فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية ل ما كانوا و ع دوا به من ظهور رسول الله بها، وكانوا ي قاتلون المشركين من العرب فيستـنصرون عليهم بالإيمان برسول الله قبل ظهوره ، ويع دونهم بأنه سيخر نبي نت ـــب عه ونقت لكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بع الله عز وجل نبيه سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب ، فحملهم الحسد والبغي على الكفر به وتكذيبه. وأشد ما على هذه الأمة من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغير هم من ملوك الإسرائيليين ، الذين قتلوا الأنبياء وبال ـــــغوا في تطل بهم ، وعبدوا الأصنام ، وأحضروا من البلاد سد نتها لي عل موا ر سوم ها في العبادة2 ، وبنوا لها الب ــي ع والهياكل ، وعكفوا على عبادتها ، وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة3. فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من ق ـب ل ملوكهم ؛ فما الظن بالآفات التي نالتهم من غير ملوكهم وإحراقهم كتبهم ومنعهم من القيام بدينهم ؟ فإن الفرس كثيرا ما منعوهم من الختان ، وكثير ا ما منعوهم من الصلاة ، لمعرفتهم بأن م عظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار ، وعلى العالم بالخراب ، فلما رأت هذه الأمة الج د من الفرس في منعهم من الصلاة 1 صادف الإسلام هذه الأمة أي قابلها على غير موعد. انظر«المعجم الوسيط» 2 أي ليعل موا الناس صفة عبادة تلك الأصنام. 3 أي عصورا متواصلة
عدد الصفحات ٧٧77 اخترعوا أدعية سموها «الحزانة» ، وصاغوا لها ألحانا، وصاروا يجتمعون في أوقات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها ، وسم وا القائم بها «الـــحــــز ان». والفرق بينها وبين الصلاة أن الصلاة بغير لحن ، والمصلي يتلو الصلاة وحده ولا يجهر معه غيره ، وال ـحز ان يشاركه غيره في الجهر بال ـحز انة ، ويعاونونه في الألحان. و كانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم قالت اليهود : (إنا ننعي1 أحيانا وننوح على أنفسنا) ، فيتركونهم وذلك . فلما قام الإسلام وأقر هم على صلو اتهم استصحبوا تلك الـحز انة ولم ي عط لوها. فهذه فصول مختصرة في كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة ، ي عرف بها المسلم الحنيف قدر نعمة الله عز وجل عليه ، وما م ن به عليه من العلم والإيمان ، ويهتدي بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبي الحق من هذه الأمة . وبالله التوفيق.2 1 في نسخة عزير (نـــغ ـــن ـي) ، والمثبت من نسخة علي. 2 تم الكتاب بحمد الله ، وقد تكلم غير ابن القيم رحمه الله من علماء المسلمين في بيان تلبيس ابليس على اليهود ، كابن الجوزي رحمه الله في كتابه «تلبيسإبليس»، باب«ذ كر تلبيسإبليس على اليهود»، فليرجع إليه من أراد الاستزادة
عدد الصفحات ٧٨www.saaid.net/kutob نبذة مختصرة عن أصولالعقيدة الإسلامية تأليف الفقير إلى عفو ربه الغـني ماجد بن سليمان ، رحمه الله
عدد الصفحات ٧٩مقدمة 87 بسم االرحمـٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والص ـلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: فإن العقيدة الإسلامية تقوم على ستة أركان ، وهي الإي ـمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر ، خيره وشره . والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين 1 ،وقوله تعالى آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن با وملائكته وكتبه ورسله 2 الآية ودليل القدر قوله تعالى ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ .3 والدليل على هذه الأركان من السنة النبوية حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله ذات يوم ؛ إذ طلععلينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى ا لنبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال: يا محمد ، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله : الإسلام أن تشـــهد أن لا إلـٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . 1 سورة البقرة : 111 . 2 سورة البقرة : 282 . تنبيه: لما كانت سورة البقرة تحوي أصول الإيمان كان شأنها عظيما ، فقد أخبر النبي أنهالا تستطيعها السحرة ، أي لا تُ طيق سماعها ، ولا ينفُ ذ سحرُ هم فيمن حافظ عليها ، وفي الآخرة تأتي كأنها سحابة تظل ل صاحبها. 3 سورة القمر : 94 .
عدد الصفحات ٨٠