48 والتزندق الذي لا يستحسن ه إلا أمثالهم ، وتجر أوا على الله سبحانه وتعالى بهذه المناجاة القبيحة ، كأنهم ي نخ ونه1 بذلك لينتخي لهم ويحمي لنفسه، فكأنهم ي ـخبرونه سبحانه وتعالى بأنه قد اختار الخمول لنفسه ولأحبابه وأبناء أنبيائه ، فينتخ ونه للن ــباهة واشتهار الص يت! فترى أحد هم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلد ه ، ولا ي شك في أن هذه المناجاة تقع عند الله تعالى بموقع عظيم ، وأنها تؤثر فيه وتحركه وتهز ه وت ـــنخ ـــيه. ومن ذلك2 أنهم ينسبون إلى الله سبحانه وتعالى الندم على ما يفعل ، فمن ذلك قولهم في التوراة التي بأيديهم : وند م الله سبحانه وتعالى على خلق البشر الذين في الأرض وشق عليه ، وعاد في رأيه . وذلك عندهم في قصة قوم نوح . وزعموا أن الله سبحانه وتعالى وتقدس لم ا رأى فساد قوم نوح ، وأن شر هم وكفرهم قد ع ظ م ؛ ند م على خلق البشر. وكثير منهم يقول إنه3 بكى على الطوفان حتى رمد 4 وعادته الملائكة ، وأنه عت على أنامله حتى جرى الدم منها. وقالوا أيضا إن الله تعالى ند م على تليك ه « شاؤول» على بني إسرائيل ، وأنه قال ذلك لش مويل. 1 النخوة هي العظمة والكبرياء والحماسة ،كما في «المعجم الوسيط»، وعليه فمعنى ينخونه أي يستثيرون فيه العظمة والكبرياء والحماسة . 2 أي: ومن أمثلة جرأتهم على الله تعا 3 أي ا- سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا - . 4 الرمد: مرض يصيب العين
عدد الصفحات ٤٩49 وعندهم أيضا أن نوحا عليه السلام لما خر من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى وقر ب عليه ق ربانين ، وأن الله تعالى استنشق رائحة الق تار1 ،فقال الله تعالى في ذاته : لن أ عاو د لعنة الأرض بسبب الناس ، لأن خاطر البشر مطبوع على الرداءة ، ولن أ هلك جميع الحيوان كما صنعت . وقد واجهوا رسول الله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بأمثال هذه الك فريات ، فقال قائل منهم للنبي : (إن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح) ، فشق ذلك على النبي ، فأنـز ل الله تعالى تكذيبا لهم ولقد خلقناالسماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مس نا من لغوب.2 وتأمل قوله تعالى ع ــق يب 3 ذلكفاصبر على ما يقولون ، فإن أعداء الرسول نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا فيه ما هو م نـز ه عنه ، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يصبر على قولهم ، ويكون له أسوة بربه سبحانه وتعالى حي قال أعداؤه فيه ما لا يليق به. وكذلك قال «فنحاص» لأبي بكر : (إن الله فقير ونن أغنياء ، ولهذا استقرض نا4 من أموالنا) ، فأنـز ل الله سبحانه وتعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتل هم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق 9. 1 القــتار دخان ذو رائحة خاصة ينبع عن الطبخ أو الاحتراق. انظر «المعجم الوسيط» 2 اللغوب هو التعب والإعياء. انظر«النهاية» 3 ع ــق يب أي بعد 4 أي: طلب منا أن ن قر ضه ،قال ذلك لما أنزل الله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه الله أضعافا كثيرة ، كما رواه ابن جرير في تفسير الآية المذكورة . 9 انظر تفسير الآية وسبب نزولها في تفسير ابن جرير وكذا تفسير ابن أبي حاتم ، (سورة آل عمران: 101.)
عدد الصفحات ٥٠51 وقالوا أ يضا: يد الله مغلولة كما حكى الله ذلك سبحانه عنهم في قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة غ ل ت أيديهم ول عنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء . ويقــــــولون في العشر الأ و ل من الشهر الأ و ل من كل س ــــنة: يا إلـٰه نا و إلـٰه آبائنا ، امل ـك على جميع أهل الأرض ، ليقول كل ذي ن س م ة1: اإلـٰه إسرائيل قد م ل ك ، ومملكت ه في الكل م تسل طة. ويقولون في هذه الصلاة أيضا: وسيكون لله تعالى الـم لك ، وفي ذلك اليوم يكون الله تعالى واحدا واسمه واحدا. ويعنون بذلك أنه لا ي ظهر أن الـم لك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود الذين هم صفوت ه وأ مته ، فأما ما دامت الدولة لغير اليهود فإنه سبحانه وتعالى خامل الذكر عند الأمم ، مطعون في ملكه ، مشكوك في قدرته . فصل ، ومن تلاعب الشيطان بـهم أنهم م ولعون بالقـــــدح في الأنبياء وأذ ي ــتهم ، وقد آذوا موسى عليه السلام في حياته ، ونسبوه إلى ما بر أه الله تعالى منه ، ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم في ذلك حي يقول يا أيها الذينآمنوا لا تكونوا كالذين آ ذوا موسى فبـــر أه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها . وثبت«الصحيح» من حدي أبي هريرة رضي ا لله عنه عن النبي قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعت2 ،وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا: (والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه 1 النسمة هي الروح. انظر «النهاية» 2 أي ينظر بعضهم إلى عورة بعت
عدد الصفحات ٥١50 آد ر 1) ، فذهب موسى يغتسل فوضع ثوبه على ح ج ر ، ففر الحجر بثوبه ، فجمح 2 موسى بأثره يقول: (ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر) ، حتى ن ظ ر ت بنو إسرائيل إلى موسى وقالوا : والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فط ــف ــق 3 بالحجر ضربا ، فقال أبو هريرة : والله إنه لــن ــد ب 4 بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر .9 وأنـز ل الله تعالى هذه الآية يا أي ها الذين آ منوا لا تكونوا كالذ ين آذوا موسى فبــر أه الله مما قالوا. وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد: قالت بنو إسرائيل : إن موسى آدر ، وقالت طائفة : هو أبرص من شدة ت ــس ــت ــر ه .0 وقال ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي : إنموسى كان رجلا حي ــــي ا س ــت ــيرا ، لا يكاد ي رى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا : ما ت ست ـر هذا الت ـــست ــر إلا من عيب في جلد ه ، إما برص وإما أ د رة وإما آفة ، وإن الله أراد أن ي ــبـــــر ئه مما قالوا ، وذكر الحدي .7 وقال سفيان بن حس عن الــــحكم عن ابن جبيـــــر عن ابن عـــباس عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى لا تكونوا كالذين آذوا موسى قال: 1 آدر أي به انتفاخ في خصيته 2 جمح أي أسرع إسراعا لا ير د ه شيء. انظر«النهاية» 3 ط ف ق أي أخذ في فعل ما. انظر«النهاية». 4 قال ابن الأثير رحمه ا «النهاية»الند ب أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد ، فش به به أثر الضرب في الحجر 9 رواه البخاري 270) ومسلم330) ، واللفظ للبخاري ، وقد ضبطت النص منه 0 انظركلامه هذا في تفسير الآية المذكورة في تفسيره رحمه الله. 7 انظر ك مه هذا في تفسير الآية المذكورة في تفسيره رحمه الله.
عدد الصفحات ٥٢51 صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، فقالت بنو إسرائيل 1: (أنت قتلت ه ، وكان أشد حب ا لنا منك وألين لنا منك) ، وآذوه بذلك ، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى م ـــر وا به على بني إسرائيل ، وتكل مت الملائكة بموته2 حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات ، فبـر أه الله تعالى من ذلك ، فانطلقوا به فدفنوه ، فلم يط ل ع على قب ـــره أحد من خ ــلق الله تعالى إلا الر خ م3 ،فجعله الله تعالى أصم أبكم. وقال الله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أ رسول الله إليكم . وتأمل قولهوقد تعلمون أني رسول الله إليكم ، فإنها جملة في موضع الحال ، أي: (أتؤذونني وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم ) ، وذلك أبلغ في العناد. وكذلك المسيح قال وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. فهذا قليل من كثير من أذاه م لأنبيائهم. وأما أذاهم لهم بالقتل والنفي فأشهر من أن ي ذكر . ولقد بالغوا في أذى النبي بهد هم بالقول والفعل ، حتى رد هم الله تعالى خاسئين. 1 أي قالت لموسى عليه السلام 2 أيبسبب موته وأنه لم يكن مقتولا. 3 الرخ م نوع من الطير معروف ، واحدته رخم ة ، وهو موصوف بالغدر ، وقيل: بالقذر. انظر «النهاية»
عدد الصفحات ٥٣51 ومن قدحهم في الأنبياء ما نسبوه إلى نص التوراة أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها ونج ى لوطا بابنتيه فقط ؛ ظن ابنتاه أن الأرض قد خلت ممن يستبق ين منه ن س لا1 ،فقالت الصغرى للكبر ى: (إن أبانا شيخ ، ولم يبق في الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر 2 ،فهل م ي نسقي أبانا خمرا ون ضاجع ه لنستبقي من أبينا نسلا) ، ففعلتا ذلك بزعمهم ، فنسبوا إلى النبي أنه سك ر حتى لم ي عرف ابنتيه ، ثم وط ـــئ هما وأحب لهما3 وهو لا يعرفهما ، فولدت إحداهما ولدا سـم ته «مواب» ،يعني أنه من الأب ، والثانية سـم ت ولدها «ابن عمي» ،يعني أنه من ق بيلها4. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه كان قبل نـز ول التوراة ، فلم يكن نكاح الأقارب حراما ، والتوراة ت كذ ب ـهم ، فإن فيها أن إبراهيم الخليل خاف في ذلك العصر أن يقتل ه الم صر يون حسدا له على زوجته سارة ، فأخفى نكاحها وقال: (هي أختي) ، علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليهما سبيل. وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا في ذلك الزمان ، فما ظن ك بنكاح البنت الذي لم ي شرع ولا في زمن آدم عليه السلام . وعنـــدهم أيضـــا في التـــوراة الـــتي بأيديـــ ـهم قصـــة أعجـــب مـــن هـــذه ، وهـــي أن يهوذا بن يعقوب النبي زو ولد ه الأكبر من امـرأة يقـال لهـا «تامـار» ،فكـان 1 أي: ي ـــنج ب منه نس 2 أي: يــنكحنا كحال البشر. 3 أحبلهما أي حملا منه. 4 أي من جهتها في العائلة
عدد الصفحات ٥٤54 يأتيهــا مســتدبرا 1 ،فغض ــب الله تعــالى مــن فعلــه ، فأماتــه ، فــزو يهــوذا ولــده الآخر بها ، فكان إذا دخل بها أنـز ل علـى الأرض 2 علمـا منـه بأنـه إن أو ل ـدها كــــان أو ل الأولاد مــــدعو ا باســــم أخيــــه و منســــوبا إلى أخيــــه ، فكــــر ه الله تعــــالى ذلـــك مـــن فعلـــه ، فأماتـــه أيضـــا ، فأمرهـــا يهـــوذا بالل حـــاق ببيـــت أبيهـــا إلى أن يكبـ ــر «شــي» ولــده ويــتم عقل ــه ، حــذرا مــن أن يصــيب ه مــا أصــاب أخو يــه ، فأقامــت في بيــت أبيهــا ، ثم ماتــت مــن بعــد زوجــة يهــوذا ، وصــع د إلى منـــز ل ليحرس غنمه ، فلما أ خبرت المرأة «تامار» بإصعاد حـم و ها إلى المنـز ل لب ست ز ي الز واني وجلست في م ستشر ف 3 علـى طريق ـه لعلمهـا بش ــ ــب ــق ـــه 4 ،فلمـا مـر بهـــا خال ــــها9 زانيـــة فرا و دهـــا فطالبتـــه بـــالأ جرة ، فوعـــدها ب ــــج دي وره ـــن عنـــدها عصـــاه وخاتـــه ودخـــل بهـــا ، فعل ق ـــت منـــه0 ،فلمـــا أ خب ـــــر يهـــوذا أن ك ــــن ــــت ـــــه 7 علقـــت مـــن الزنـــا أفـــتى بإحراقهـــا ، فبعث ـــت إليـــه بخاتـــه وعصـــاه ، فقالـــت: م ـــن رب 0 هـٰذينأنا حامل. فقال: صدقت ، ومتى ذلك؟ واعتذر بأنه لم يعرفها ، ولم يست ح ل معاودتها ، ولا تسليمها إلى ولده ، وعل قت من هذا الزنا ب عار ض0. 1 أي يأتيها في د ب ر ها 2 أي أنـزل م ن ــي ه في الأرض وليس في فرجها 3 مستشرف أي مكان مشر ف ظاهر 4 الشبق هو شدة الشهوة. انظر «المعجم الوسيط» 9 خال ـها أي ظنها 0 أي حملت منه 7 الكــــن ــه: امرأة الابن وامرأة الأخ . انظر «المعجم الوسيط» 0 رب هـٰذين ، أي مالكهما. 0 أي هكذا ع ــر ضا ، بسبب تلك الز ن ــــــية
عدد الصفحات ٥٥55 قالوا: وم ن ول د ها داود النبي .1 وفي ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى أهل بيت النبوة ما ي قارب ما نسبوه إلى لوط عليه السلام. وهذا كل ه عندهم وفي نص كتابهم ، وهم يجعلون هذا نس ب ا لداو د وسليمان عليهما السلام ولمسيح هم المنتظر. ومن العجب أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا ، ويسمونهم «مـمازير » ، واحدها «مـمزير » ،وهو اسم لولد الزنا ، لأن شر عهم أن الزو إذا راجع زوجته بعد أن نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا . وزعموا أن ما جاءت به شري ـــعة الإســـــلام من ذلك هو من مـــــوضــوعات عبد الله بن سلام ، قصد به أن يجعل أولاد المسلمين م ـمازير بزعمهم . قالوا: وكان محمد قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة2 ،فسافر إلى الشام في تجارة لخديجة ، واجتمع بأحبار اليهود وقص عليهم أحلامه ، فعل موا أنه صاحب دولة ، فأ صح بوه عبد الله بن سلام ، فقرأ عليه ع لوم التوراة وف قه ها مدة ، ونســــــــبوا الفصاحة والإعــــــــجاز الــــــذي في القرآن إلى عبد الله بن سلام ، وأن من جملة ما قر ر ه عبد الله بن سلام أن الزوجة لا تحل للم طل ق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها رجل آخر ، ليجعل أولاد المسلمين أولاد زنا . ولا ريب أن مثل هذا الب هت يرو على كثير من حميرهم . 1 هذه ف رية أخرى على الأنبياء 2 هذه ف رية أخرى على الأنبياء
عدد الصفحات ٥٦56 وقد خلق الله تعالى لكل باطل وب ـهت حـ م لة ، كما للحق حملة ، وليس وراء هذا الب هت ب ـهت . وليس بمستنك ر لأمة قد حت في معبودها و إلـٰهها ون س بته إلى ما لا يليق بعظمته وجلاله ، ون س بت أنبياء ه إلى ما لا يليق بهم ، ورمتهم بالعظائم ؛ أن ينس بوا محمدا إلى ذلك، وعداوت ه لهم وملاح ـم ه فيهم وإجلاؤه لهم من ديارهم وأموالهم وسبي ذراريه م ونسائ هم معلوم غير مجهول. وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر و ل د غ ــي ــة 1 ، ونسبت أمه إلى الفجور. ونسبت لوطا إلى أنه وط ئ ابنتيه وأو ل د هما وهو سكران من الخمر. ونسبوا سليمان عليه السلام إلى أنه كان مل ك ا ساحرا ، وكان أبوه عندهم مل ك ا مسيحا. ونسبوا يوسف الصديق عليه السلام إلى أنه ح ل ت ك ة 2 سراويله وت ك ة سراويل سيدته ، وأنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة ، وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب عليه السلام عاض ا على أنامله ، فلم ي قم حتى نـز ل عليه جبريل عليه السلام فقال: يا يوسف ، تكون من الز ناة وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء؟ فقام حينئذ. ومعلوم أن تر ك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه ، فإن أفسق الناس لو رأى ذلك لولى هاربا وترك الفاحشة . 1 أي ولد ز نية ، حاشا نبي الله وأمه. انظر «المعجم الوسيط» 2 الــت ــكة هي رباط السراويل. انظر «المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٥٧57 ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء ، وأنه كان ي داو ي المرضى بالأدوية ، ويوهم هم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه ، وأنه داوى جماعة من المرضى في يوم السبت ، فأنكرت عليه اليهود ذلك ، فقال لهم: أخبر وني عن الشاة من الغنم إن وقعت في بئر ، أم ا تنـز لون إليها وت ـح ل ون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فل م أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا ت ـح ل ونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من الغنم ؟ فأ فح مو ا. ويـحكون أيضا عنه أنه كان مع قوم من تلاميذه في جبل ولم يح ـض رهم الطعام ، فأذ ن لهم في تناول الحشيش يوم السبت ، فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش في يوم السبت ، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته ، و أمر هم بقطع النبات وإلقائه لدوابهم ، لا يقص دون بذلك إبطال السبت ، ألستم ت ـجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرت ـهم بقطع النبات ليأكلوه ول يغتذوا به ، لا ل قطع السبت. ومن العجب أن عندهم في التوراة التي بأيديهم : لا يزول الـم لك من آل يهوذا ، والر اس م 1 من بين ظهران يهم ؛ إلى أن يأتي المسيح. وهم لا يقدرون أن يجحدوا ذلك. 1 الراسم هو الماء الجاري كما في «المعجم الوسيط» ، ولعله ماء كان يجري في ديارهم من نبع أو نهر ونوه.
عدد الصفحات ٥٨58 فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح ، ثم انقضى ملك ك م ولم يبق لكم اليوم م لك ، وهذا برهان على أن المسيح قد أ رسل ، ومن حين ب ع المسيح وكفروا به وطلبوا قتله استولت ملوك الروم على اليهود و بيت المقدس وانقضت دولتهم وتفر ق شملهم. فيقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: و ل د يوسف النجار ، ل ــغ ــي ــة لا ل ــر شد ة 1 ،و كان قد ع رف اسم الله الأعظم ، ي س خ ر به كثيرا من الأشياء . وعند هذه الأمة الغض بية أيضا أن الله تعالى كان قد أط لع موسى عليه السلام على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا ، وبه شق البحر وعم ل المعجزات! فيقال لهم: فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله سبحانه ، فل م صد ق تم نبوته وأقررتم بها ، وجحدتم نبوة عيسى وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟ فأجاب بعضهم عن هذا الإلزام بأن الله سبحانه هو الذي عل م موسى ذلك الاسم ، فعل مه بالوحي ، وعيسى إنما تعل م من حيطان ببيت المقدس. وهذا هو اللائق بب هت هم وكذ بهم على الله تعالى وأنبيائه ، وهو يس د عليهم العلم بنبوة موسى ، لأن ك لا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات ال ظاهرة التي لا يقد ر أحد أن يأتي بمثلها ، فإن كان أحدهما قد عم لها بحيلة أو بعلم فالآخر يمكن ذلك في حقه ، وقد أخبرا جميعا أن الله سبحانه وتعالى هو 1 غ ـــي ــة أي زنية ، والر شدة أي نكاح صحيح ، انظر«المعجم الوسيط»واليهود يعنون بهذا أن عيسى عليه السلام ولد يوسف النجار ، وأن أمه مريم حملت به من س فاح لا من نكاح ، حاشا نبي الله عيسى من ذلك.
عدد الصفحات ٥٩59 الذي أجرى ذلك على أيديهما وأنه ليس من صنعهما ، فتكذيب أحد هما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين. وأيضا ، فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلق ى تلك المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى عليه السلام تلق اها أيضا عن الله تعالى ، فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى عليه السلام ، وإن كان ذلك باطلا فهذا أيضا باطل . وإذا كان هذا شأن مع جزات هـٰذين الرسـولين مـع ب عـد العهـد 1 وتــش ــت ــت شمـل أ متيهمــــا في الأرض ، وانقطــــاع معجزاتهمــــا ؛ فمــــا الظ ــــن بنبــــوة م ــــن معجزات ــــه وآيات ه تزيد على الألف ، والعهد بها قريب ، وناق لوها أصدق الخلق وأبـر هم ، ونـ ق ل هـــا ثابـــت بـــالتواتر قرنـــا بعـــد قـــرن ، وأعظــــــــمها معجـــزة كتـــاب بـــاق غـــت طـــري ، لم يتغـــير ولم يتبـــدل منـــه شـــيء ، بـــل كأنـــه م نــــز ل الآن ، وهـــو القـــرآن العظــيم ، ومــا أخــبر بــه يقــع كــل وقــت علــى الوجــه الــذي أ خــبر بــه حــتى كأنــه كان يشاهد ه ع يان ا. فصل ، ولا يمكن البتة أن يؤمن يهودي بنبوة موسى عليه السلام إن لم يؤمن بنبوة محمد ،ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمد . وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين: أنتم لم تشاهدوا هـٰذين الرسولين ، ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوتهما ، فكيف ي سع العاقل أن يكذب نبيا ذا دعوة شائعة وكلمة قائمة وآيات با هرة ، وي صد ق من ليس مثله ولا قريبا منه 1 ب عد العهد أي ب عد الزمان
عدد الصفحات ٦٠61 في ذلك لأنه لم ير أحد النب يـ ــي ـن ولا شاهد معجزاته ، فإذا كذ ب بنبوة أحدهما لز مه التكذيب بنبوت ـهما ، وإن صد ق بأحده ـما لز مه التصديق بنبوتهما ، فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم ولم ينفعه إيمانه به ، قال الله تعالى إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ا ورسله ويقولون نؤمن ببعت ونكفر ببعت ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم ي فر قوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤت يهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ، وقال تعالى آمن الرسول بما أنـز ل إليه من ربه والـــمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ، فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته ؟ فبالضرورة يقول : لا. فنقول له: بأي شيء عرفت ن بوته وص دقه؟ فله جوابان: أحدهما ، أن يقول أبي عر فني ذلك وأخبرني به. والثاني أن يقول: التواتر وشهادات الأمم حق ق ذلك عندي كما حق ـقت شهادتهم و جود الب ـلاد النائية والبحار والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها. فإن اختار الجواب الأو ل وقال: (شهادة أبي وإخبار ه إياي بنبوة موسى هي سبب تصديقي بنبوته) ، فيقال له: ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب وأنت ترى الكفار ي عل مهم آباؤهم ما هو كفر عندك؟ فإذا كنت ترى الأديان الباطلة وال ـمذاهب الفاسدة قد أخذها أرباب ـها عن آبائهم كأخذك م ــــــــذهب ك عن أبيك ، وأنت تعلم أن الذي ن1 هم عليه 1 هكذا في المطبوع وفي نسخة (علي) ، ولعل الصواب: الذي
عدد الصفحات ٦١60 ضلال؛ فيلزمك أن تبح عما أخذ ت ه عن أبيك خوفا أن تكون هذه حال ه. فإن قال : (إن الذي أخذت ه عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم) ؛ كفاه معارضة غيره له بمثل قوله.1 فإن قال: (أبي أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل ) ؛ عارضه سائر النا س في آبائهم بنظير ذلك. فإن قال: (أنا أعر ف حال أبي ولا أعرف حال غيره ) ؛ قيل له: فما يؤم ـنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك وأفضل وأعرف ؟ وبكل حال فإن كان تقليد أبيه ح ـــــجة صحيحة كان تقليد غيره لأبيه كذلك ، وإن كان ذلك باطلا كان تقليده لأبيه باطلا . فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثاني وقال : (إنما ع ل مت نبوة موسى بالتواتر قرنا بعد قرن ، فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين نبوته التي ت ضطر إلى تصديقه) ؛ فيقال له: (لا ينفعك هذا الجواب ، لأنك قد أبطلت ما شه د به التواتر من نبوة عيسى ومحمد .) فإن قلت: توات ـر ظهور موسى ومعجزاته ولم يتواتر ذلك في المسيح ومحمد ؛ قيل: هذا هو اللائق بب هت الأمة الغضبية ، فإن الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم قوم ب ـهت ، وإلا فم ن المعلوم أن الناق ل ين لمعجزات المسيح ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أضعاف أضعافكم بكثير ، و المعجزات التي شاهدها أوائلهم لا تنق ص عن المعجزات التي أتى بها موسى عليه السلام ، وقد نقلها عنهم 1 أي أن ما يعار ض به غير ه كلام ه يكفي في بطلان قوله ، فهويصف ما أخذه عن أبيه بالصدق ، وهم كذلك يصفون ما أخذوه عن آبائهم بالصدق.
عدد الصفحات ٦٢61 أهل التواتر جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن ، وأنت لا ت قبل خبر التواتر في ذلك وتر د ه ، فيلزم ك أن لا تقبله في أمر موسى عليه السلام. ومن المعلوم بالضرورة أن من أث بت شيئا ونفى نظيره فقد تناقت ، وإذا اشتهر النبي في عصر وصح ت نبوت ه في ذلك العصر بالآيات التي ظهرت عليه لأهل عصره ، ووصل خبر ه إلى أهل عصر آخر ؛ وجب عليهم تصديق ه والإيمان به ، وموسى والمسيح ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في هذا سواء. ولعل توات ر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد ، لأن الأمة الغضبية قد مز قها الله تعالى كل ممزق ، وقط عها في الأرض ، وسل بها م لكها وع ز ها ، فلا عيش لها إلا تحت قهر سواها من الأمم لها ، بخلاف أمة عيسى عليه السلام ، فإنها قد انتشرت في الأرض ، وفيهم الملوك ، ولهم الممال ك ، وأما الحنفاء فم مالكهم قد طب قت مشارق الأرض ومغاربه ا ، وملأوا الدنيا سهلا وجبلا ، فكيف يكون نقل هم لما نقلوه كذبا ، ونقل الأمة الغضبية الخاملة القليلة الزائلة ص دقا؟! فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض أن ي صد ق بنبوة موسى عليه السلام إلا بتصديقه وإقراره بنبوة محمد ،ولا يمكن نصرانيا البتة الإيمان بالمسيح عليه السلام إلا بعد الإيمان بمحمد . ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح لأنهم إنما آمنوا بهما على يد محمد ،وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد وبما جاء به ، فلولاه ما عرفنا نبوتهما ولا آمنا بهما ولا بنبيهما ، فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم ، فلولا القرآن ومحمد ما
عدد الصفحات ٦٣61 عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدم ، فمحمد وكتابه هو الذي قر ر نبوة موسى ونبوة المسيح عليهما الصلاة والسلام ، لا اليهود و النصارى ، بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما ، فإنهما أخبرا به وبش را بظهوره قبل ظهوره ، فلما ب ع ث كان ب عث ــه تصديقا لهما ، وهذا أحد الـم عن يـين في قوله تعالى ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون * بل جاء بالحق و صد ق المرسلين ، أي مجيئ ه تصديق لهم من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه ، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبرو ا به ، ومطابقة ما جاءوا به لما جاءوا به ، فإن الرسول الأو ل إذا أتى بأمر لا ي علم إلا بالوحي ، ثم جاء نبي آخر لم يقار به في الزمان ولا في ال ـمكان ، ولا تلق ى عنه بـمثل ما جاء به سواء ؛ دل ذلك على صدق الرسول ين الأول والآخ ر ، وكان ذلك بم نـز لة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن ع يان ، ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته بحي نعلم أنه لم يجتمع به ولا تلقى عنه ولا عم ن تلقى عنه - فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء ، فإنه ي ضطر السامع إلى تصديق الأول والثاني. والمعنى الثاني أنه لم يأت م كذبا لمن قبله من الأنبياء م زر ي ا عليهم ، كما يفعل الملوك الـم تغلبة على الناس بمن تقدمهم من الملوك ، بل جاء مصدقا لهم ، شاهدا بنبوتهم ، ولو كان كاذبا م تقو لا م ـنش ئ ا م ن عنده سياسة ؛ لم ي صد ق م ن ق ـبله ، بل كان ي زري بهم ويطعن عليهم كما يفعل أعداء الأنبياء.
عدد الصفحات ٦٤