11 فصل ، قالت الأمة الغضبية: التوراة قد حظ رت أمورا كانت مباحة م ن قبل ولم تأت بإباحة محظور ، والنسخ الذي ن نكره ونمنع منه هو ما أوجب إباحة محظور ، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفس دة ، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها وم قر راتها ، فإذا جاء م ن أباحه عل منا بإباحته الـم فس دة أنه غير نبي ، بخلاف تحريم ما كان مباحا ، فإن ا نكون مت ـعب دين بتحريمه . قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة ، مع أنه إنما ح ر م لما فيه من المفسدة. فهذه النكتة هي التي تعتمد عليها الأمة الغضبية ويتلق اها خال ـف منهم عن سالف ، والم تكلمون لم ي شفوهم في جوابها1 ،وإنما أطالوا معهم الكلام في رفع البراءة الأصلية بالشرائع وفي نسخ الإباحة بالتحريم. ول ع مر الله إنه لمما ي بط ل شبهتهم ، لأن رفع البراءة الأصلية ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيـير لما كان عليه الحكم الاستصحابي أو الشرعي بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغ يـير ه ، ولا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغ يـير الإباحة بالتحريم أو تغيـير التحريم بالإباحة. والشبهة التي ع رضت لهم في أحد الموضعين هي بعينها في الموضع الآخر ، فإن إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته ، إذ لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته ، فإذا حر مته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريم ه فيها هو المصلحة كما كان إباحت ه في الشريعة الأولى هي 1 أيلم يعطوهم جوابا شافيا.
عدد الصفحات ٣٣11 المصلحة، فإن تضم ن إباحة المحر م في الشريعة الأولى إباحة المفاسد - وحاشا لله - ت ضم ن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح ، وكلاهما باطل قطعا. فإذا جاز أن تأتي شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقد مه يستبيح ه ؛ فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل بعت ما كان في التوراة محظو را. وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هي التي ر د ت بها الأمة الغضبية ن ــب وة سيدنا محمد ،هي بعينها التي رد بها أسلاف هم نبوة المسيح ، وتوارثوها كافرا عن كافر ، وقالوا لمحمد كما قال أسلافهم للمسيح: لا ن ـق ــر بنبوة م ن غ ــي ـر شريعة التوراة ! فيقال لهم : فكيف أقررتم لموسى بالنبوة وقد جاء بتغ يـير بعت شرائع من تقد مه ، فإن ق د ح ذلك1 في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قد ح في موسى ، فلا تقدحون في نبوتهما بقادح إلا ومثل ه في نبوة موسى سواء ، كما أنكم لا ت ــثبتون نبوة موسى ببرهان إلا وأضعاف ه شاهد على نبوة محمد ، فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول ، أو يكون المسيح رسولا ومحمد ليس برسول . ويقال للأمة الغضبية أيضا : لا يخلو ال ـم ـحر م ؛ إما أن يكون تحريمه لعين ه وذات ه بحي ت تنع إباحته في زمان من الأزمنة ، وإما أن يك ون تحريمه لما تضم نه من المفسدة في زمان دون زمان ، ومكان دون مكان ، وحال دون حال ، فإن كان الأول ؛ لز م أن يكون ما حر م ته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان ، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء صلوات الله 1 أي تغيير الشرائع
عدد الصفحات ٣٤14 وسلامه عليهم أجمع ، وإن كان الثا ني ؛ ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح ، وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال ، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة ، وفي وقت دون وقت ، وفي مكان دون مكان ، وفي حال دون حال ، وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع ، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. ألا ترى أن تحريم السبت لو كان ل عينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيـين؟ وكذلك ما حر مته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها ؛ لو كان حراما لعين ه وذات ه ل ــو ج ب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة . وإذا كان الرب تعالى لا ح ج ر عليه ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ويبتلي عباده بما يشاء وي ـحكم ولا ي ـحكم عليه ، فما الذي ي ـحيل 1 عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنه ، أو ي ـحر م محر ما على أمة ويبيحه لأمة أخرى ، بل أي شيء يمنع ه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين بحسب المصلحة ، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شي ء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ؟ فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وم لكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء وي ثبت ما يشاء ، كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء وي ـــثبت ، فهكذا أحكامه الدينية الأ مرية ينسخ منها ما يشاء 1 أي يستحيل
عدد الصفحات ٣٥15 ويثبت منها ما يشاء ، فم ن أكفر الكفر وأظلم الظلم أن ي عار ض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى ، وت دفع نبوت ه ، وت ـجحد رسالت ه ، بكونه أتى بإباحة بعت ما كان محرما على من قبله ، أو بتحريم بعت ما كان مباحا لهم ، وبالله التوفيق ، ي ضل من يشاء ويهدي من يشاء. ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية ت ـح ج ر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه ، وقد تركوا شريعة موس ـــى عليه السلام في أكثر ما هم عليه ، وتس كوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم ! فمن ذلك أنهم يقولون في صلواتهم ما ترج ـمت ه هكذا: اللهم اضرب ببوق عظيم لف يف نا1 ،واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى ق دسك ، سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل . ويقولون كل يوم ما ترج ـمته هكذا : ا ردد حكامنا كالأو لين ، وم شيرينا كالابتداء ، وابن أو رشليم قرية ق دسك في أيامنا ، وأع ز نا ببنيانها ، سبحانك يا باني يورشليم . فهذا قولهم في صلاتهم ، مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك ، ولكنها فصول لف قوها بعد زوال دولتهم. وكذلك صيامهم - كصوم إحراق بيت المقدس ، وصوم حصبا ، وصوم ك د ل ــيا - التي جعلوها فرضا ، لم يصمها موسى ولا يوشع بن نون ، وكذلك صوم ص لب هامان ، ليس شيء من ذلك في التوراة ، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. 1 اللفيف هو الجمع من الناس. انظر«المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٣٦16 هذا مع أنه في التوراة ما ترج ـمته: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا ولا ت نق صوا منه شيئا. وقد تضم نت التوراة أوامر كثيرة جدا هم مجمعون على تعطيلها وإلغائها ، فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة ، أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام ، أو باجتهاد علمائهم وأحبارهم ، وعلى التقادير الثلاثة فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ. ثم من العجب أن أكثر تلك الأوامر التي هم م ـجمعون على عدم القول بها والعمل بها إنما يستن دون فيها إلى أقوال علمائهم و آرائهم ، وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزاني ، وهو نص التوراة ، وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة في التوراة . ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحل وا لهم الشيء صار حلالا ، وإذا حر موه صار حراما ، وإن كان نص التوراة بـخلافـه ، وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة ، فحج رو ا على الرب تعالى وتقد س أن ينسخ ما يريد من شريعته وجو زوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم ، كما تكب ـر إبليس أن يسجد لآدم ، ورأى أن ذلك يـ غ ت منه1 ،ثم رضي أن يكون قو اد ا2 لكل عاص وفاسق. وكما أن ف ع ــب اد الأصنام أن يكون النبي المرسل إليهم ب شرا ، ثم رضو ا أن يكون إلـٰه هم ومعبود هم ح ج را. 1 أي ي نق ص من قدره 2 القو اد في الأصل هو الساعي بين الرجل والمرأة ليوقعهما في الفجور ، واستعيرت الكلمة هنا فو ص ف إبليس بها ، إذ هو يسعى بين بني آدم وبين المعاصي عموما. انظر «المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٣٧17 وكما نـز هت النصارى ب تارك هم1 عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من ن سبة ذلك إلى الله سبحانه وتعالى. وكما نـز هت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستو يا على عرشه - لئلا ي ـلزم الحصر - ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات وأجواف الحيوانات. فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهم ما شد دوه على أنفسهم في باب الذبائح وغيرها مما ليس له أصل عن موسى عليه السلام ولا هو في التوراة ، وإنما هو من أوضاع الحخاميم 2 وآرائهم ، وهم فقهاؤهم. ولقد كان لهذه الأمة في قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدار س وفقهاء كثيرون ، وذلك في زمن دولة الباب لي ـــين والفرس ، ودولة اليونان والروم ، حتى اجتمع فقهاؤهم في بعت تلك الدول على تأليف «الـم ش نا» و «التلمود». فأما«الـم ش نا» فهو الكتاب الأصغر ومبلغ حجمه نو ثمان مئة ورقة ، وأما «التلمود» فهو الكتاب الأكبر ، ومبلغه نو نصف ح ـم ل بغل لكثرته ، ولم يكن الفقهاء الذين أل فوه في عصر واحد ، وإنما ألفوه جيلا بعد جيل ، فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف ، وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا فيه ، وأن في الزيادات المتأخرة ما ي ناقت أوائل هذا التأليف ؛ عل موا أنهم إن لم ي قطعوا ذلك ويم نعوا من الزيادة فيه أدى إلى الخلل الذي لا يمكن س د ه ، قطعوا3 الزيادة فيه ومنعوا منها ، وحظ روا على الفقهاء الزيادة فيه وإضافة 1 البتارك جمع بـترك ويسمى البطريق والبطريك ، هو رئيس رؤساء الأساقفة ، وم ق د م النصارى. انظر«المعجم الوسيط» 2 الحخاميم جمع حاخام ، وهو فقيه اليهود كما بين الشيخ بعده 3 تقدير الكلام: لذلك قطعوا الزيادة فيه
عدد الصفحات ٣٨18 شيء آخر إليه، وحر موا من يضيف إليه شيئا آخر ، فوق ف 1 على ذلك المقدار. وكانت أئمت هم قد حر موا عليهم في هـٰذين الكتابين مؤاكلة الأجانب ، وهم من كان على غير ملتهم ، وحظ روا عليهم أكل اللحمان من ذبيحة من لم يكن على دينهم ، لأن علماءهم عل موا أن دينهم لا يبقى في هذه الخلوة2 مع كونهم تحت الذل والعبودية إلا أن يصدوهم عن مخالطة من هو على غير ملتهم ، فحر موا عليهم الأكل من ذبائحهم وم ناكحتهم ، ولم ي ـم ك نـ ه م تقرير ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم ويكذبون بها على الله تعالى ، لأن التوراة إنما ح ر مت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا ي وافقوا الأزوا في عبادة الأصنام والشرك بالله ، وح ـر م عليهم في التوراة أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانا إلى الأصنام لأنه قد س ـم ي عليها اسم غير الله تعالى ، فأما الذبائح التي لم ت ـذبح قربانا للأصنام فلم ت نطق التوراة بتحريمها ، وإنما نطقت بإباحة الأكل من أيدي غيرهم من الأمم ، وموسى عليه السلام إنما نهاهم عن مناكحة ع ــب اد الأصنام وأكل ما يذبحونها على اسمها ، فما بال هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين وهم لا يذبحون للأصنام ولا يذكرون اسمها عليها؟! فلما نظر أئمتهم إلى أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا ع ب اد الأصنام ، وأن التورا ة قد صرحت بأن تحريم مؤ اكلت هم ومخالطت هم 1 أي وقف الكتاب. 2 الخلوة هي الحال التي يكون فيها صاحبها غير مختلط بالناس ، والمقصود هناأن اليهود كانوا يريدون الحفاظ على دينهم وعدم الاختلاط بالأمم الأخرى لئلا يدخل في عقيدتهم ما ليس منها.
عدد الصفحات ٣٩19 خوف1 استدار المخالطة إلى المناكحة ، وأن مناكحت هم إنما م ن ع منها خوف استتباعها إلى الانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم ، ووجدوا جميع هذا واضحا في التوراة ؛ اختلقوا كتابا في علم الذ باحة ، ووضعوا فيه من التشديد والآصار والأغلال ما شغلوهم به عم ا هم فيه من الذ ل والمشقة ، وذلك أنهم أمروهم أن ينفخوا الرئة حتى يملؤ و ها هواء ويتأملو نها ، هل يخر الهواء من ثقب منها أم لا ، فإن خر منها الهواء حر موها ، وإن كان بعت أطراف الرئة لاصقا ببعت لم يأكلوه ، وأمروا الذي يتفق د الذبيحة أن ي دخ ل يده في بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه ، فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو أحد الجانبين - ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة - حر موه ولم يأكلوه ، وسـم وه «طريفا » ،يعنون بذلك أنه نجس وأكله حرام ، وهذه التسمـــية هي أصل بلائهم ، وذلك أن التوراة حر مت عليهم أكل «الطــريفا » ،و «الطريفا » هي الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيرهما من السباع ، وهو الذي عبر عنه القرآن بقوله تعالى وما أكل الس ــب ع ،والدليل على ذلك أنه قال في التوراة : (ولحم ا في الصحر اء فريسة لا تأكلوه ، وللكلب ألقوه). وأصل لفظ «طريفا » طوارف ، وقد جاءت هذه اللفظة في التوراة في قصة يوسف عليه السلام لما جاء إخوته على قميصه بدم كذب ، وزعموا أن الذئب افترسه ، وقال في التوراة : (ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا) ، والفريسة إنما توجد غالبا في الصحراء . 1 تقدير الكلام: لخوف
عدد الصفحات ٤٠41 وكان سبب نـز ول هذا عليهم أنهم كانوا ذو ي أخبية1 يسكنون ال، لأنهم مكثوا يترددون في البر و الت ـــيه أربعين سنة ، كانوا لا يجدون طعاما إلا المن والسلوى ، وهو طائر صغير يشبه الس مان ، وفيه من الخاص ية أن أكل لحمه ي لي ـن القلب وي ذهب بالـح زون والقساوة ، فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد ، كما أن الـخ ط اف2 يقتله البرد، فألهمه الله سبحانه وتعالى أن ي سكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد ، فيخر من الجزائر وينتشر في الأرض ، فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به ويكون اغتذاؤهم به كالدواء ، ل ــغ ل ظ قلوبهم وقسوتها. والمقصود أن مشايخهم تـ ع د وا في تفسير «الطريفا » عن موضوعها وما أريد بها ، وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم ه ذ يانات وخ رافات تتعلق بالرئة والقلب ، وقالوا: (ما كان من الذبائح سليما من تلك الشروط فه و دخنا) ، ومعنى هذه اللفظة 3 أنه طاهر ، وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو «طريفا » ،وتفسيرها أنه حرام . قالوا: ومعنى نص التوراة (ولحم ا فريسة في الصحراء لا تأكلوه ، وللكلب ألقوه) ؛ أي إنكم إذا ذب ـحتم ذبيحة ولم توجد فيها هذه الشروط فلا تأكلوها ، بل تبيعونها على من ليس من أهل ملتكم. وفس روا قول ه (للكلب ألقوه) أي لمن ليس من أهل ملتكم فأطع موه وب يعوه ، وهم أحق بهذا اللقب وأشبه بالكلاب. 1 أخبية جمع خباء ، وهو البيت المصنوع من وبر أو شعر أو صوف. انظر «المعجم الوسيط» 2 الـخ ط اف نوع من الطيور. انظر«المعجم الوسيط» 3 أي: دخنا
عدد الصفحات ٤١40 ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان ؛ إحداهما عرفوا أن أولئك السلف الذين أل فوا «الـم ش نا» و «التلمود» - وهم فقهاء اليهود - كذبوا على الله وعلى موسى النبي ، وهم أصحاب حماقات وتنط ع ودعاوى كاذبة ، يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء من تلك المسائل يوحي الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهور هم يقول: (الحق في هذه المسألة مع فلان) ، ويسم ون هذا الصوت «ب قول» ،فلما نظرت اليهود القر اؤ ون - وهم أصحاب عانان وبنيامين - إلى هذه الـم ـحالات1 الشنيعة وهذا الافتراء الفاحش والكذب البارد ؛ انفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء وعن كل من يقول بمقالاتهم ، وكذ بوهم في كل ما افتروا على الله ، وزعموا أنه لا يجوز ق بول شيء من أقوالهم ، حي ادعوا أن الله تعالى كان ي وحي إليهم كما ي وحي إلى الأنبياء . وأما تلك الت ـرهات التي ألفها الحخاميم - وهم فقهاؤهم - ونسبوها إلى التوراة وإلى موسى ؛ فإن القر ائين اط ــرحوها ك لها وألغوها ، ولم ي ـحر موا شيئا من الذبائح التي يتولون ذبيحتها البتة ، ولم ي ـحر موا سوى لحم الـج د ي بلب أمه فقط ، مراعاة لنص التوراة : (لا ي نضج الجدي بلب أمه ) ، وليسوا بأصحاب قياس بل أصحاب ظاهر فقط. وأما الفرقة الثانية فهم الربان يون ، وهم أصحاب القياس ، وهم أكثر عددا من القر ائين ، وفيهم الحخاميم المفترون على الله تعالى الكذب ، الذين زعموا أن الله تعالى كان يخاطب جميعهم في كل مسألة بالصوت الذي يسمونه «ب قول». 1 أي الأمور المستحيلة
عدد الصفحات ٤٢41 وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم ، لأن حخاميمهم أوهموهم أن المأكولات إنما ت ـح ل للناس إن استعملوا فيها هذا الع ـلم الذي نسبوه إلى موسى عليه السلام وإلى الله تعالى ، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا ، وأنهم إنما شرفهم الله تعالى بهذا وأمثال ذلك من الت ـرهات ، فصار أحدهم ينظر إلى من ليس على مذهبه وملته كما ينظر إلى الحيوان ال بهيم ، وينظر إلى مآكل الأمم وذبائحهم كما ينظر إلى الع ذ رة1 ،وهذا من كيد الشيطان لهم ولعب ه بهم ، فإن الحخاميم قصدوا بذلك المبالغة في مخالفتهم الأمم والإزراء عليهم ونسبت هم إلى قلة العلم ، وأنهم اختصوا دون الأمم بهذه الآصار والأغلال والتشديدات. وكلما كان الحخاميم فيهم أكثر تكلفا وأشد إصرا وأكثر تحريما ؛ قالوا: هذا هو العالم الرباني ! ومما دعاهم إلى التشديد و التضيـيق أنهم م بد دون في شرق الأرض وغربها ، فما من جماعة منهم في بلدة إلا و إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة ي ظهر لهم الخشونة في دينهم والمبالغة في الاحتياط ؛ فإن كان من المتفق هة ف هو ي شرع في إنكار أشياء عليهم ، ويوهـمـهم الت نـز ه عم ا هم عليهم2 ،وينس بهم إلى قلة الدين ، وينس ب ما ي نكره عليهم إلى مشايخه و أهل بلده ، ويكون في أكثر تلك الأشياء كاذبا ، وقصده بذلك إما الرياسة عليهم وإما تحصيل بعت مآربه منهم ، ولا سيما إن أراد ال ـم قام عندهم ، فتراه أول ما ينـز ل بـهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم ، ويتأمل 1 الع ــــذ رة هي ما يخر من الإنسان من الغائط 2 أي يوهمهم أنه ينبغي عليهم التنزه عما هم فيه من الحال الدينية ، وكلمة (عليهم) مثب تتة في نسختي عزير و علي ، ولعله سبق قلم من ابن القيم رحمه الله ، فإن الأشبه بالسياق كلمة (عليه) ، والله أعلم.
عدد الصفحات ٤٣41 سك ين ذب احهم1 ،وي نكر عليهم بعت أمره ويقول : (أنا لا آكل إلا من ذبيحة يدي ) ، فتراهم معه في عذاب ، لا يزال ينكر عليهم المباح ، ويوهمهم تحريمه بأشياء يخترعها حتى لا ي ش ك ون في ذلك ، فإن قد م عليهم قادم آخر فخاف المقيم أن ينتقت عليه القادم2 ؛تلق اه وأكرمه وسعى في موافقته وتصديقه ، فيستحسن ما فعله الأول ، ويقول لهم: (لقد عظ م الله تعالى ثواب فلان) ، إذ قو ى ناموس الدين في قلوب هذه الجماعة ، وشد سيا الشرع عندهم ، وإذا لقيه ي ظهر من مدحه وشكره والدعاء له ما يؤكد أمره . وإن كان القادم الثاني منك را لما جاء به الأول من التشديد والتض يـيق لم يقع عندهم بموقع ، وينس بونه إما إلى الجهل وإما إلى رقة الدين ، لأنهم يعتقدون أن تضيـيق المعيشة وتحريم الحلال هو المبالغة في الدين. وهم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من ي شد د وي ضي ق عليهم ، هذا إن كان القادم من فقهائهم. فأما إن كانوا من ع بــ ادهم وأحبارهم فهناك ترى الع جب الع جاب من الناموس3 الذي يعتمده والس نن التي ي ـح د ثها وي لحقها بالفرائت ، فتراهم م سل مين له منقادين ، وهو ي ـح ــت ل ب د ر ه م 4 ،وي ـج ت ــل ب د رهـم هم ، حتى إذا بلغه أن يهوديا جلس على قارعة الطريق يوم السبت أو اشترى لبنا من مسلم ثـ ل ب ه 9 وسبه في مجمع اليهود ، وأباح عرضه ونسبه إلى قلة الدين . 1 أي الجزار 2 أي ي فس د عليه ما فعله. 3 كلمة الناموس لها عدة معاني ، وتعني في هذا السياق القانون والشريعة. انظر«المعجم الوسيط» 4 يحتلب در هم أي يحتلب البهيمة التي تدر حليبا كثيرا ، كناقة ونوها ، يعني بذلك أن ه يأخذ أنفس ما عندهم من الخير. 9 الثلب هو العيب والتنقص. انظر«المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٤٤44 فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية أنهم إذا رأوا الأمر أو النهي مما أ مروا به أو نه وا عنه شاق ا عليهم طلبوا التخلص منه بوجوه الـحيل ، فإن أ عيتهم الحيلة قالوا: هذا كان علينا لما كان لنا ال ـم لك والرياسة . فمن ذلك أنهم أ م روا إذا أقام أ خ وان في موضع واحد ومات أحد هما ولم يـ ع ـــق ب ولدا ؛ فلا تـخر امرأة الميت إلى رجل أجنبي ، بل و ل د ح ـم ي ها1 ينكحها، وأول ولد ي ول د ها ي نسب إلى أخيه الدار 2 ،فإن أبى أن ينك حها خرجت مشتكية منه إلى مشيخة قومه تقول: (قد أبى ابن ح ـم ي أن ي ستبقي اسما لأخيه في إسرائيل ولم ي ر د نكاحي) ، في حضر ه الحاكم هناك وي كل ــف ه أن يقف ويقول: (ما أردت نكاحها) ، فتتناول المرأة ن عله فتخرجه من رجله وتس ك ه3 بيدها وتبصق في وجهه وتنادي عليه : (كذا فلـي صن ع بالر جل الذي لا يبني بيت أخيه) ، وي دعى فيما بعد بـ «المخلوع الن عل» ،وي ــنـــب ــز 4 بنوه بـ «بني مخلوع النعل ». هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون في التوراة ، وفيه حكمة م لج ئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدار ، فإنه إذا علم أن ذلك ينال ه إن لم ينك ح ها آثر نكاحها عليه ، فإن كان مبغضا لها ، ز ه د ا في نكاحها ، أو كانت هي زاهدة في نكاحه مبغضة له ؛ استخر له ما الفقهاء حيلة ي تخلص بها منها وتتخلص منه ، في لزمونها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشايخهم ، وي لق نونها أن تقول: (أ ب ـى ابن ح ـمي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل ، لم ي رد 1 حميها أي ح ــمـو ها وهو أخو زوجها. 2 أخيه الدار أي الميت. انظر «لسان العرب » 3 أي الر ج ل 4 ي ـــــنبز أي ي لقب. انظر «لسان العرب »
عدد الصفحات ٤٥45 نكاحي) ، في لزمونها بالكذب عليه لأنه أراد نكاحها وكر هته ، فإذا لق نوها هذه الألفاظ قالتها ، فيأمرونه بالكذب وأن يقوم ويقول : (ما أر دت نكاحها) ، ولعل ذلك سؤل ه وأمنيت ه ، فيأمرونه بأن يكذب ، ولم يكف ـهم أن كذ بوا عليه وألزموه أن يكذ ب حتى سل طوها على الإخراق به 1 والبصاق في وجهه ، وي سمون هذه المسألة «البياما واالوس». وقد تقدم من التنبيه على حيلهم في استباحة محارم الله تعالى بعت ما فيه كفاية ، فالقوم بيت الحيل والمكر والخب . وقد كانوا يتنو عون في عهد رسول الله بأنواع الحيل والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه ، وير د الله سبحانه وتعالى ذلك كله عليهم ، فتحي لوا عليه وأرادوا قتله مرارا ، والله تعالى ي نج يه من كيدهم ، فتحي لوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا رح ا2 أرادوا طرحها عليه وهو جالس في ظل حائط ، فأتاه الوحي ، فقام منصرفا ، وأخذ في حربهم وإجلائهم. ومكروا به وظاهروا عليه أعدائه من المشركين ، فظف ره الله تعالى بهم . ومكروا به وأخذوا في جمع العدو له ، فظف ر الله تعالى برئيسهم فقتله . ومكروا به و أرادوا قتله بالس م ، فأعلمه الله تعالى به ونجاه منه. ومكروا به و سحروه ، حتى كان ي ـخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله ، فشفاه الله تعالى وخل صه. ومكروا به في قولهم آمنوا بالذي أ نزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ، يريدون بذلك تشكيك المسلمين في نبوته ، فإنهم إذا أسلموا أو ل 1 الإخراق به أي الكذب عليه. انظر«المعجم الوسيط» 2 الرحا: أداة ي طحن بها. انظر«المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٤٦46 النهاراطمأن المسلمون إليهم ، وقالوا: (قد ات بعوا الحق وظهرت لهم أدلته ) ، فيكفرون آخر النهار وي ـجحدون نبوته ويقولون : (ل ـم نقصد إلا ال ـحق وات ـباعه ، فلما تبين لنا أنه ليس به ؛ رجعنا عن الإيمان به ) ، وهذا من أعظم خ بثهم ومكرهم . ولم يزالوا م وض عين1 مجتهدين في المكر والخب إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله وأتباعه ورضي عنهم أعظم الخزي ، ومز قهم كل ممزق ، وشت ت شملهم كل مشت ت. وكانوا ي عاهدونه ويصالحونه ، فإذا خر لحرب عدوه نقضوا عهده. ولما س لب الله تعالى هذه الأمة م لك ها وع ز ها ، وأذلها وقط عهم في الأرض ؛ انتقلوا من التدبير بالق درة والسلطان إلى التدبير بالمكر والدهاء والخداع ، وكذلك كل عاجز جبان ، سلطان ه في مكره وخداعه وب ـه ــت ه وكذ به ، ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة ، كما قال الله تعالى عن شاه د يوسف عليه السلام أنه 2 قالإنه من كيدكن إن كيدكن عظيم . ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة أنهم يم ث ــلون أنفسهم بع ــــــناقيد الك ــر م3 ،وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالي حيطان الكر م ، وهذا من غاية جهلهم وس ف ه هم ، فإن المعتنين بمصالح الكر م إ نما ي ـجعلون على أعالي 1 م وض عأي مسرعين ، من الإيضاع وهو السرعة ، ومنه قول النبي في حجته: عليكم بالسكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع 2 في نسخة عزير (أن) ، والمثبت من نسخة علي. 3 الكر م هو العنب
عدد الصفحات ٤٧47 حيطانه الشوك حفظ ا له وح ياطة وصيانة ، ولسنا نرى لليهود من سائر الأمم إلا الضرر والذل والص غار ، كما يفعل الناس بالشوك. ومن تلاعبه بهم أنهم ينتظرون قائما من و ل د داود النبي إذا حر ك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ، وأن هذا ال ـم نتظ ر - بزعمهم - هو المسيح الذي و ع دوا به ، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مســــيح الضلالة الدجال1 ،فهم أكثر أتباع ه ، وإلا فمسيح الهدى عيسى ابن مريم عليه السلام يقتل هم ، ولا ي بقي منهم أحدا. والأمم الثلاث تنتظر منت ـظ ر ا يخر في آخر الزمان ، فإنهم و ع دوا به في كل ملة ، والمسلمون ينتظرون نـز ول المسيح عيسى ابن مريم من السماء لكسر الصليب وقتل الخ نـز ير وقتل أعدائ ه من اليهود وع ـب اد ه من النصارى ، وينتظرون خرو المهدي من أهل بيت النبوة 2 ،يملأ الأرض عدلا كما م لئت جورا وظلما. فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية أنهم في العشر الأ و ل من الشهر الأ و ل من كل سنة يقولون في صلاتهم : (كم تقول الأمم: أين إلـٰه هم؟ انتبه ، كم تنام يا رب ؟ استيقظ من رقدتك)3. وهؤلاء إنما أقدموا على هذه الك فريات من ش دة ضجرهم من الذل والعبودية وانتظار فر لا يزداد منهم إلا ب عدا ، فأوقعهم ذلك في الكفر 1 جاء ذلك في الحدي الذي رواه مسلم2044) عن أنس بن مالك رضي الله عنه: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا وأصبهان من مدن إيران ، وانظر للتوسع كتاب الشيخ الألباني رحمه الله «قصة المسيح الدجال ، ونزول عيسى عليه السلام وقتل ه إياه» 2 ورد في خرو المهدي عدة أحادي ، نقل جملة منها الشيخ الألباني رحمه ا «الصحيحة»1920 ،2230 ،2203 ،2390.) 3 انظر الى قلة أدبهم مع الله تعاوسوء توقيرهم له.
عدد الصفحات ٤٨