06 وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التي ت ـحط بها الخطايا ، وهي كلمة التوحيد . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أ م روا بالاستغفار. وعلى القولين فيكونون مأمورين با لدخول بالتوحيد والاستغفار ، وض م ن لهم بذلك مغفرة خطاياهم . فتلاعب الشيطان بهم ، فبد لوا قولا غير الذي قيل لهم ، وفعلا غير الذي أ مروا به ، فروى البخاري في «صحيحه» ومسلم أيضا من حدي همام بن م ـــنب ــه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول ا لله : قيل لب إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم ، فبد لوا فدخلوا الباب يزحفون على أ ستاه ه م ، وقالوا: (حب ة في شعرة ).1 فبدلوا القول والفعل معا ، فأنـز ل الله عليهم رجزا من السماء . قال أبو العالية: هو الغضب. وقال ابن زيد : هو الطاعون. وعلى هذا فالطاعون بالر ص د لمن بدل دين الله قولا وعملا . فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم كانوا في البرية قد ظ ـــل ل عليه الغمام ، وأ نـز ل عليهم الـم ن والسلوى ، فمل و ا ذلك ، وذكروا عيش الثوم والبصل والعدس والبقل والق ث اء ، فسألوه موسى عليه السلام ، وهذا من سوء اختيارهم لأنفسهم ، وقلة بصرهم بالأغذية النافعة الملائمة ، واستبدال الأغذية الضارة القليلة التغذية منها ، ولهذا قال لهم موسى عليه 1 رواه البخاري 3493 ،4041) ومسلم3919.)
عدد الصفحات ١٧07 السلامأتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا ،أي مصرا من الأمصار ، فإن لكم ما سألتم ،فكانوا في أفسح الأمكنة وأوسعها وأطيب ها هواء ، وأبعدها عن الأذى ومجاورة الأنتان والأقذار ، سقف هم الذي يظلهم من الشمس الغمام ، وطعامهم السلوى ، وشرابهم الـم ن. قال ابن زيد : كان طعام بني إسرائيل في ال ـت يه واحدا وشرابهم واحدا ، كان شرابهم عسلا ي نـز ل من الس ماء يقال له الـم ن ، وطعامهم طير يقال له السلوى ، يأكلون الطير ويشربون العسل ، لم يكن لهم خبز ولا غيره ، ومعلوم فضل هذا الغذاء والشراب على غيرهما من الأغذية والأشربة ، وكانوا مع ذلك يتفجر لهم من الح ج ر اثنتا عشر عينا من الماء ، فطلبوا الاستبدال بما هو دون ذلك بكثير ، فذ م وا على ذلك ، فكيف بمن استبدل الض لال بالهدى ، والغي بالرشاد ، والشرك بالتوحيد ، والسنة بالبدعة ، وخدمة الخالق بخدمة المخلوق1 ،والعيش الطيب في المساكن الطيبة في جوار الله تعالى بحظ ه م ن العيش الن ك د الفاني في هذه الدار. فصل ، ومن تلاعبه بهم أنهم لما ع ر ضت عليهم التوراة لم يقبلوها وقد شاهدوا من الآيات ما شاهدوه ، حتى أم ر الله سبحانه جبريل فقلع جبلا من أصله على قدر هم ثم رفع ــــه فوق رؤوسهم ، وقيل ل ـهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم ، فقب لوها ك رها ، قال الله تعالى وإذ ن تقنا الجبل 1 يعني رحمه الله بخدمة الخالق أي طاعته وامتثال أمره ، وليس القيام به ، إذ الخالق ليس بحاجة إلى من يخدمه ، بل هو القيوم سبحانه ، أي القائم بخلقه.
عدد الصفحات ١٨08 فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. قال عبد الله بن وهب: قال ابن زيد : لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لبني إسرائيل : إن هذه الألواح فيها كتاب الله وأمر ه الذي أمركم به ، ونهي ه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يط ــل ع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما كل مك أنت يا موسى ، فيقول: هذا كتابي فخذوه . فجاءت غضبة من الله تعالى ، فجاءتهم صاعقة فصع قتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله تعالى بعد موتهم ، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله . فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: م تنا ثم حي ـينا. فقال: خذوا كتاب الله . قالوا: لا. قال: فبع الله ملائكته فن ــت قت الجبل فوقهم ، فقيل لهم: أتعرفون هذا ؟ قالوا: نعم ، الطور. قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم . قال: فأخذوه بالميثاق. وقال الس د ي : لـما قال الله تعالى ل ـهم وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ،فأبوا أن يسجدوا ، فأمر الله الجبل أن يرتفع فوق رؤوسهم ،
عدد الصفحات ١٩09 فنظروا إليه وقد غشـيهم ، فسقطوا س ج د ا على ش ق ونظروا بالش ق الآخر ، فكشفه عنهم ، ثم تولوا من بعد هذه الآيات وأعرضوا ولم يعملوا بما في كتاب الله ، ونبذوه وراء ظهورهم ، فقال تعالى م ذك را لهؤلاء بما جرى من أسلافهم وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين . فصل ، ومن تلاعبه ب ـهم أن الله سبحانه أن ـجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه ، وف ـر ق بهم البحر1 ،وأراهم الآيات والعجائب ، ونصرهم وآواهم وأعز هم وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التي كتب الله لهم ، وفي ضمن هذا ب شارت ـهم بأنهم منصورون ومفتوح لهم ، وأن تلك القرية لهم ، فأبوا طاعته وامتثال أمر ه ، وقابلوا هذا الأمر والبشارة بقولهم فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هـٰهنا قاعدون ،وتأمل ت لط ف نبي الله تعالى موسى عليه السلام بهم ، وحسن خطاب ه لهم ، وتذكيرهم بنعم الله عليهم ، وب شارته م بوعد الله لهم بأن القرية مكتوبة لهم ، ونهي هم عن معصيت ه بارتدادهم على أدبارهم ، وأنهم إن عصوا أمره ولم يمتثلوا انقلبوا خاسرين ، فجمع لهم بين الأمر والنهي ، والب شارة والن ذارة ، والترغيب والترهيب ، والتذكير بالنعم ال سالفة ، فقابلوه أقبح المقابلة ، فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم يا موسى إن فيها قوما جبارين ، فلم يـ و ق ــروا رسول ه وكليمه حتى نادوه باسمه ، ولم يقولوا : يا نبي الله ، وقالوا: يا 1 أي جعله ف رقتين.
عدد الصفحات ٢٠11 موسى إن فيها قوما جبارين ،ونسوا ق درة جبار السماوات والأرض ، الذي ي ذل الجبابرة لأهل طاعته ، وكان خوف هم من أولئك الجبارين الذين نواصيهم بيد الله أعظم من خوف هم من الجبار الأعلى سبحانه ، وكانوا أشد رهبة في صدورهم منه ، ثم صر حوا بالمعصية والامتناع من الطاعة فقالوا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد : أحدها: تهيد عذر العصيان بقولهم يا موسىإن فيها قوما جبارين ، والثاني: تصريحهم بأنهم غير مطيعين ، وصد روا الجملة بحرف التأكيد وهو (إن ) ، ثم حققوا النفي بأداة (لن) الدالة على نفي المستقبل ، أي لا ندخل ها الآن ولا في الـمستقبل ، ثم عل قوا دخولها بشرط خرو ال ـجبارين منها ، فقال لهم رجلان من الذين أنعم الله عليه ـما بطاعته والانقياد إلى أمره ، م ن الذين يـخافون الله ، هذا قول الأكثرين ، وهو الصحيح. وقيل: م ن الذين يخافونهم من الجبارين ، أسل ما وات ــب عا موسى عليه السلام. ادخلوا عليهم الباب ،أي باب القرية ، فاهجموا عليهم فإنهم قد م ــل ئوا منكم رعبا ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. ثمأرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهـم وهـو التوكـل ، فكـان جـواب القـوم أن قــالوايــا موســى إنــا لــن نــدخلها أبــدا مــاداموا فيهــا فاذهــب أنــت وربــك فقاتلا إنا هـٰهنا قاعدون ، فسبحان من ع ظ م ح لمه حي ي قاب ـل أمـر ه بمثـل هــــذه المقابلــــة ، وي واج ــــه رســــول ه بمثــــل هــــذا الخطــــاب ، وهــــو يحل ــــم عــــنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة ، بل وس ع هم حلم ه وكرم ه ، وكان أقصى ما عاقبهم بـه أن
عدد الصفحات ٢١10 رددهــم في بريــة الت ــــيه أربعــين عامــا ، ي ظ ــــل ل 1 علــيهم الغمــام مــن الحــر ، وي نـــز ل عليهم المن والسلوى. وفي «الصحيح» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قـال : شـه دت مـن المقداد بن الأسود مشـهدا لأ ن أكـون صـاحب ه أحـب إلي ممـا ع ـد ل بـه2 ؛ أتـى النبي وهو يـدعو علـى المشـركين فقـال : لا نقـول لـك كمـا قـال قـوم موسـى لموســى اذهــب أنــت وربــ ك فقــاتلا إنــا هـــٰهنا قاعــدون ، ولكنــا نقاتــل عــن يمينك و عن شمالك ، وبين يديك و خلف ك. فرأيت النبي أشرق وجهه وس ــر ه3.4 فلما قابلوا نبي الله بهذه المقابلةقال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافر ق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين. فصل ، ومن تلاعبه بهم في حياة نبيهم أيضا ما قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه من قصة القتيل الذي قتلوه وتدافعوا فيه 9 ،حتى أ م روا بذبح بقرة وضربه ببعضها ، وفي القصة أنواع من العبر ، منها: أن الإ خبار بها من أعلام نبوة رسول الله 0. ومنها ، الد لالة على نبوة موسى ، وأنه رسول رب العالمين . 1 في المطبوع (ي ــظ ل) ، وما أثبته من نسخة (علي 2 أين أكون صاحب ذلك الموقف أحب إلي من كل شيء ، والمراد التنبيه إلى ع ظمة ذلك المشهد. انتهى الغرض من كلام ابن حجر عليه في «فتح الباري » 3 أي سر ه كلام المقداد 4 رواه البخاري 3092) ، وأما مسلم فلم يروه ، فلعل المؤلف وه م رحمه الله. 9 تدافعوا فيه أي أن كل واحد دفع عن نفسه تهمة القتل واتهم بها غيره. 0 أي محمد .
عدد الصفحات ٢٢11 ومنها ، الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أول ـهم إلى خات ـم هم ، من معاد الأبدان وقيام الموتى من قبورهم . ومنها ، إثبات الفاعل الـمختار ، وأنه عالم بكل شيء ، قادر على كل شيء ، عدل لا يجوز عليه الظلم والجور ، حكيم لا يجوز عليه العب . ومنها ، إقامة أنواع الآيات والبراهين وال ـحجج على عباده بالطرق الـمتنوعات ، زيادة في هداية المهتدي ، وإعذار ا وإنذارا للض لال. ومنها ، أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله تعالى بالت عن ت 1 وكثرة ا سئلة ، بل يبادر إلى الإمتثال ، فإنهم لما أ م روا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الإمتثال بذبح أي بقرة ات فقت ، فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا إشكال ، بل هو بـمنـز لة قوله: (اعت ق رقبة ، وأطع م مسكينا ، وص م يوما) ، ونو ذلك ، ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، فإن الآية غ ن ـــي ة عن البيان المنفصل ، مبي ــنة بنفسها ، ولكن لما تعن ــتوا وشد دوا ش د د عليهم. قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبي العالية : لو أن القوم حين أ م روا أن يذبحوا بقرة استعر ضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ، ولكنهم شد دوا على أنفسهم فشد د الله عليهم. ومنها ، أنه لا يجوز مقابلة أمر الله - الذي لا ي علم المأمور به2 وجه الحكمة فيه - بالإنكار ، وذلك نوع من الكفر ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ؛ قابلوا هذا الأمر بقولهم أتتخذنا هزوا ، 1التعنت هو التشدد وتصعيب الأمور وتعقيدها. انظر «المعجم الوسيط» 2 المأمور به هو العبد المكلف
عدد الصفحات ٢٣11 فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه قالوا أتتخذنا هزوا ، وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ولم يكن هو الآمر به ، ولو كان هو الآمر به لم ي ـج ز ل ـمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك ، فلما قال لهم أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، وتيق نوا أن الله سبحانه أمره بذلك ؛ أخذوا في التعنت بسؤالهم عن ع ي نها ولونها ، فلما أ خبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها ، فلما تعي نت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ولم يكادوا يفعلون. ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قول ـهم لنبيهم الآن جئت بالحق ، فإن أرادوا بذلك أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة فتلك ر دة وكفر ظاهر ، وإن أرادوا أنك الآن بي ــنت لنا البيان التام في تعيـين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر ، فإن البيان قد حصل بقوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح ، فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة ، قال محمد بن جرير : وقد كان بعت من س ل ف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى الآن جئت باق ، وزع م أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك كفر منهم ، قال1: وليسالأمر كما قال عندنا ، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قو لهم الذي قالو ا لموسى جـه لة منهم وهفوة من هفواتهم. 1 أي ابن جرير الطبري
عدد الصفحات ٢٤14 فصل ، ومنها الإخبار عن قساوة قلوب هذه1 الأمة وغل ظ ها وعدم تكن الإيمان فيها ، قال عبد الصمد بن معق ل عن وهب: كان ابن عباس يقول: إن القوم بعد أن أحيا الله تعالى الميت فأخبرهم بقات له أنكروا قتله ، وقالوا: (والله ما قتلناه) بعد أن رأوا الآية2 والحق، قال الله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة . ومنها مقابلة الظالم الباغي بنقيت قصده شرعا وقد را ، فإن القاتل قص د ه ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه ، ففضحه الله تعالى وهت كه وحرم ه ميراث المقتول. ومنها أن بني إسرائيل ف ـتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب ، فف تنوا بعبادة العجل وف تنوا بالأمر بذبح البقرة ، والبقر من أبلد الحيوان حتى ل ي ضرب به المثل . والظاهر أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل ، ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي لا يصل ح أن يكون إلـٰها معبودا من دون الله تعالى ، وأنه إنما ي صل ح للذبح والحرث والسقي والعمل. فصل ، ومن تلاعبه بهذه الأمة أيضا ما قصه الله سبحانه علينا من قصة أصحاب الس بت ، حين مسخهم قردة لما تحي لوا على استحلال مـحارم ه ، ومعلوم أنهم كانوا يعصون الله تعا لى بأكل الحر ام واستباحة الفرو 1 كلمة (هذه) ليست عند عزير ، والمثبت من نسخة علي. 2 يعني بالآية إحياء الميت الذي أنبأ بقاتله
عدد الصفحات ٢٥15 الحرام والدم الحرام ، وذلك أعظم إثما من مجرد العمل يوم السبت ، ولكن لما استحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل وتلاعبوا بدينه وخادعوه كمخادعة الصبيان ومسخوا دينه بالاحتيال ؛ مسخهم الله قردة ، وكان الله سبحانه قد أباح لهم الصيد في كل أيام ا لأسبوع إلا يوما واحدا ، فلم يد ع هم حرص هم وجش ع هم حتى تعد وا إلى الصيد فيه ، وساعد القد ر بأن عوقبوا بإمساك الـحيتان عنهم في غير يوم السبت وإرسالها عليهم يوم السبت ، وهكذا يفعل الله سبحانه بمن تعر ض لمحارمه ، فإنه يرسل ها عليه بالقد ر ، حتى تزدلف 1 إليه بأي ها يبدأ ، فانظر ما فعل الحرص وما أوجب من الحرمان بالك ل ية ، ومن هـٰهنا قيل: من طلبه كل ه فاته كل ه. فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهم أيضا أنهم لما ح ر مت عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها ، وهذا من عدم فقههم وف همهم عن الله تعالى دين ه ، فإن أثمانها بدل منها ، فتحريمها تحريم لبدلها والمعاوضة عنها ، كما أن تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخنـز ير يتناول تحريم أعيانها وأبدالها. ومن تلاعبه بهم أيضا اذاذ قبور أنبيائهم مساجد ، وقد لعنهم رسول الله على ذلك، ولعنت ه تتناول من ف ـع ــل ف عل هم.2 1 أي تتقرب 2 من ذلك حدي زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسـول ا قال: لعن الله اليهود ، اذذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه أحمد (9/104 ،100) ، وقال محققو المسند: صحيح لغيره
عدد الصفحات ٢٦16 ومن تلاعبه بهم أيضا أنهم كانوا ي قتلون الأنبياء الذين لا ت ـنال الهداية إلا على أيديه م1 ،ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى ، يح ر مون عليهم وي ـح ل ون لهم ، فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم ولا يلتفتون ؛ هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا. قال ع دي بن حاتم : أتيت رسول الله وهو يقرأ اذذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ،فقلت: يا رسول الله : ما عبدوهم. فقال: حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم ، فكانت تلك عبادتهم إياهم. رواه الترمذي وغيره.2 وهذا من أعظم تلاعب الشيطانبالإنسان ، أن ي قت ل أو ي قاتل من ه داه على يده ، ويت خذ من لم ت ضمن له عصمته ن ـد ا لله ، ي ـحر م عليه وي ـحل ل له. ومن تلاعبه بهم ما كان منهم في شأن زكريا ويحيى عليهما السلام وقتل هم لهما ، حتى سل ط الله عليهم بختنصر و سنجاريب 3 وجنودهما ، فنال وا منهم ما نالوه. 1 آخر من قتلوا من الأنبياءهو نبينا محمد ، حين أهدت له امرأة من خيبر شاة فدست السم فيها ، فأثر فيه حتى مات 2 رواه الترمذي3909) ، والبيهقي19/110) وغيرهما ، وصححه ابن تيمية رحمه الله كما «المجموع »7/07) ، والألباني بشواهده في «الصحيحة»3203) ، وهذا تام لفظ البيهقي: أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب ، قال: فسمعته يقولاذذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . قال: قلت: يا رسول الله ، إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال: أجل ، ولكن يح لون لهم ما حرم الله فيستحلونه ، ويح رمون عليهم ما أحل الله في حرمو نه ، فتلك عبادتهم لهم. 3 انظر قصة تسليط الله بختنصر وسنجاريب وجنودهما على اليهود في تفسير ابن جرير لسورة الإسراء عند قوله تعا وقضينا إلى ب إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا .
عدد الصفحات ٢٧17 ثم كان منهم في شأن المسيح ورميه وأم ه بالعظائم ، وهم يعلمون أنه رسول الله تعالى إليهم ، فكفروا به بغيا وعنادا ، ورام وا قتله وصلبه ، فصانه الله تعالى من ذلك ورف عه إليه وطه ره منهم ، فأوقعوا القتل والصلب على ش ـب ه ه وهم يظنون أنه رسول الله عيسى ،فانتقم الله تعالى منهم ودم ر عليهم أعظم تدمير ، و ل ز م ه م كل هم حكم الكفر بتكذيبهم بالمسيح كما ل ز م النصار ى معهم حكم الكفر بتكذيبهم بمحمد . ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به في سفال ونقص إلى أن قط عهم الله تعالى في الأرض أمما ، ومز قهم كل ممزق ، وسل بهم ع ز هم وملكهم ، فلم يق م لهم بعد ذلك م لك ، فلما بع الله تعالى محمدا فكفروا به وكذبوه أتم عليهم غضب ه ودمرهم غاية التدمير ، وألزمهم ذلا وص غار ا1 لا يرفع عنهم إلى أن ينـز ل أخوه المسيح من السماء ، فيستأصل شأفتهم وي طه ر الأرض منهم ومن ع ب اد الصليب ، قال تعالى بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـز ل الله بغيا أن ي نـز ل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين . فالغضب الأول بسبب كفرهم بالمسيح ، والغضب الثاني بسبب كفرهم بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما.2 فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة أن ألقى إليهم أن الرب سبحانه و تعالى محجور عليه3 في نسخ الشرائع ، فح جروا عليه أن يفعل ما 1 الص غار هو الذل. انظر«النهاية» 2 ولهذا سمى الشيخ ابن القيم رحمه الله أمة اليهود بالأمة الغضبية 3 الـح جر هو المنع من التصرف. انظر «النهاية»
عدد الصفحات ٢٨18 يشاء ويحكم ما يريد ، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ت رس ا1 لهم في جحد نبوة رسول الله ،وقر روا ذلك بأن النسخ يستلزم الب داء2 ،وهو على الله تعالى م ـحال. وقد أ ك ذبهم الله سبحانه في نص التوراة كما أكذبهم في القرآن ، قال الله تعالى كل الطعام كان ح لا لبني إسرائيل إلا ما حر م إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـز ل التوراة ق ل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . فتضمنت هذه الآيات بيان كذ به م صريحا في إبطال النسخ ، فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كل ه ك ان ح لا لبني إسرائيل قبل نـز ول التوراة س وى ما حر م إسرائيل على نفسه منه ، ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل ومل ته ، وأن الذي كان لهم حلالا إنما كان بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نـز ول التوراة ، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالا لبني إسرائيل ، وهذا محت النسخ. وقوله تعالى من قبل أن ت نـز ل التوراة ، متعلق بقوله كان حلا لب إسرائيل ،أي كان لهم حلالا قبل نـ ز ول التوراة وهم يعلمون ذلك ، ثم قال تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتل وها إن كنتم صادقين ، هل تجدون فيها أن 1 الترس في الأصل آلة مستديرة يتوقى بها الجندي ضربات الأعداء في ا رب. انظر «المعجم الوسيط» 2 البداء هو ظهور الرأي وبد و ه بعد أن لم يكن ، واليهود ير د ون نسخ الشرائع الشابقة بشريعة الإسلام زعما منهم أن ذلك يستلزم أن الله بدا له هذا الرأي ولم يكن يعلمه من قبل. انظر «التعريفات »للجرجا
عدد الصفحات ٢٩19 إسرائيل حرم على نفسه ما حر م ته التوراة عليكم ، أم تجدون فيها تحريم ما خص ه بالتحريم ، وهو لحوم الإبل وألبانه ا خاصة؟ وإذا كان إنما حر م هذا وحده ، وكان ما سواه حلالا له ول ـــب ــنيه ، وقد ح ر مت التوراة كثيرا منه ؛ ظ هر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع والحجر على الله تعالى في نسخها. فتأمل هذا الموضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين وما أوردوه. وهذا أولى من احتجا كثير من أهل الكلام عليهم بأن التوراة ح ر مت أشياء كثيرة من المناكح والذبائح والأفعال والأقوال ، وذلك نسخ لحكم البراءة الأصلية1 ،فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا ، فإن القوم لم ي نكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب ، إذ هذا شأن كل الشرائع ، وإنما أنكروا تغيير ما أباحه الله تعالى فيجعل ه حراما ، أو تحليل ما كان حر مه فيجعل ه مباحا ، وأما رفع البراءة والاستصحاب2 فلم ينكره أحد من أهل الملل . ثم يقال لهذه الأمة الغضبية: هل ت ـق ــر ون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا ، فهم لا ينكرون أن يكون قبل التوراة شريعة ؟ فيقال لهم: فهل رفـ ع ت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة أم لا ؟ 1 أي البراءة من التحريم وااب حتى ينص الشرع بذلك ، كالبراءة من إيجاب الزكاة إلى أن ورد الشرع بإيجابها ، والبراءة من تحريم الخمر إلى أن ورد الشرع بتحريمها. 2 الاستصحاب فى اصطلاح الاصـوليين هـو اسـتبقاء حكـم ثبـت فى الـزمن الماضـ ي للـزمن الحاضـر والمسـتقبل مـا لم يطـرأ الحـد ث عليـه ، سـواء كـان الحكــم حرامــا أو حــلالا ، فكــأن الحكــم بق ــي مستصــحبا مـن الماضــي إلى الحاضــر ثم إلى المســتقبل ، وضــده رفــع الــبراءة ، أي رفــع بقــاء الحكم ، وكلاهما لا يقول به أحد مـن أهـل الملـل – كمـا قـال ابـن القـيم – ، فإنـه لا بـد كلمـا اسـتجدت شـريعة أن تحـر م أمـور كانـت حـلالا وتحل ـــل أمـــور كانـــت حرامـــا. انظـــر «إرشـــاد الفحـــول إلى تحقيـــق الحـــق مـــن علـــم الأصـــول » (2/074) ، الناشـــر: دار الفضـــيلة– الريـــاض ، للشوكاني رحمه الله.
عدد الصفحات ٣٠11 فإن قالوا :لم ت رفع شيئا من أحكام تلك الشرائع فقد جاهروا بالكذب والب هت ، وإن قالوا: قد ر ف ــعت بعت الشرائع المتقدمة فقد أقر وا بالنسخ قطعا. وأيضا فيقال للأمة الغضبية: هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى عليه السلام؟ فإن قالوا (نعم) قلنا: أليس في التوراة أن من مس عظم ميت أو وط ئ قبرا أو حضر ميتا عند موته فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخر له منها إلا رماد البقرة التي كان الإمام الهاروني 1 يـحر قها؟ فلا يمكنهم إنكار ذلك. فيقال لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فإن قالوا : (لا نقد ر عليه ) ؛ فيقال لهم : فلم جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت طاهرا2 يصلح للصلاة، والذي في كتابكم خلافه ؟ فإن قالوا : لأنا ع د منا أسباب الطهارة وهي رماد البقرة ، وع د منا الإمام الـم طه ر المستغفر) ؛ فيقال لهم: فهل أغناكم عدم ه عن فعله أو لم يغنكم؟ فإن قالوا: (أغنانا ع دم ه عن فعله ؛ قيل لهم: فقد تبد ل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة الت عذر) ؛ فيقال: وكذلك يتبدل الحكم الشرعي بن سخه لمصلحة النسخ ، فإنكم إن بنيتم على اعتبار المصالح والمفاسد في الأحكام فلا ريب أن الشيء يكون مصلحة في وقت دون وقت وفي شريعة دون أخرى ، كما كان تزويج الأ خ بالأخت مصلحة في شريعة 1 يعني بالهاروني من كان من نسل هارون عليه السلام 2 أي يكون طاهرا ، يمكنه أن يصلي
عدد الصفحات ٣١10 آدم عليه السلام ثم صار مفسدة في سائر الشرائع ، وكذلك إباحة العمل يوم السبت كان مصلحة في شريعة إبراهيم عليه السلام وم ن قبل ه ، مفسدة 1 في شريعة موسى عليه السلام ، وأمثال ذلك كثيرة . وإن منعتم مراعاة المصالح في الأحكام ومنعتم تعليله ا ب ـها فالأمر حينئذ أظهر ، فإنه سبحانه ي ـحلل ما يشاء وي ـحرم ما يشاء ، والتحليل والتحريم تبع لمجرد مشيئته ، لا ي سأل عما يفعل. وإن قلتم: لا نستغني في الطهارة عن ذلك الط هور الذي كان عليه أسلافنا ؛ فقد أقررتم بأنكم الأنجاس أبدا ، ولا سبيل لكم إلى حصول ال طهارة . فإن قالوا: (ن عم ، الأمر كذلك ) ؛ قيل لهم: فإذا كنتم أنجاسا على مقتضى أصولكم فما بالكم تعتزلون الحائت بعد انقطاع الحيت وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا ذرجون فيه إلى ح د لو أن أحدكم ل م س ثوبه ثوب المرأة ن ـج ستموه مع ثوبه؟ فإن قلتم: (ذلك من أحكام التور اة) ؛ قيل لكم: أليس في التوراة أن ذلك ي راد به الطهارة ، فإذا كانت الطهارة قد تعذ رت عندكم ، والنجاسة التي أنتم عليها لا ترتفع بالغسل ؛ فهي إذ ا أشد من نجاسة الحيت. ثم إنكم ترون أن الحائت طاهر إذا كانت من غير ملتكم ، ولا ذشون من لمسها ولا الثوب الذي تل م س ه ، فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس في التوراة . 1 التقديرو كان مفسدة في شريعة موسى عليه السلام.
عدد الصفحات ٣٢