تلاعب الشيطان بعقولاليهود {أكثر منعشرين لعبة من ألاعيب الشيطان بعقول اليهود وحاخاماتهم} جزء منتقى من كتاب «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» للعلامة شمس الدين ، محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية ( 196 – 156 هـ ويليه: نبذة مختصرة في أصول العقيدة الإسلامية تأليف: ماجد بن سليمان ، رحمه الله
عدد الصفحات ١مقدمة 1 مقدمة بسم الله الرحمـٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدن ا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: فهذا جزء منتقى من كتاب «إغاثة اللهفان من مصائ د الشيطان »لشمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى ، يُــبين التغير التدري ـجي الذي حصل في عقيدة اليهود على مر القرون ، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من التناقض و الاضطراب الشديد. و الذي دعاني لإفراد هذا الجزء كونه مغمور ا في الكتاب المشار إليه ، فربما لا يفطن الناس له ، لا سيما اليهود ، فأخرجته مستقلا ، ليعم النفع ويسهل الانتشار. والهدف الكلي من نشر هذا الجزء ليس هو مغالبة اليهود على دينهم أو الانتصار لمنهج معين ، لا والله ، وإنما هو بيان الخلل الحاصل ، ثم التعاون للوصول إلى الطريق الذي أراده الله تعالى لعباده كلهم ، وبي ـــنه على لسان أنبياءه ، ولم يرتض طريقا غيره . ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أ نه لما حصل الاضطراب بين أهل الكتاب – اليهود والنصارى - في عقائدهم ؛ لم يتركهم الله تعالى – حيارى مضطربين ، بل أرسل إليهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ليرد هم إلى جادة الصواب.
عدد الصفحات ٢مقدمة 2 وقدجاءت الإشارة إلى هذا النبي في التوراة و الإنجيل ، والمنصفو ن من اليهود يعلمون تلك الإشارات ، ولذا يحصل التحول عندهم إلى دين الإسلام ، لأنهم علموا أن ات ــباع دين محمد ما هو إلا اتباع لتعاليم موسى عليهما جميعا أفضل الصلاة والسلام. وأما ابن القيم رحمه الله فهو محمد بن أبي بكر بن سعد الزُّرَعي ثم الدمشقي ، المعروف بابن قيم الجوزية ، من علماء المائة الثامنة ، لازم شيخه ابن تيمية إلى أن مات سنة 827 ، فكان من كبار تلامذته ، ثم حمل بعده لواء الدعوة والجهاد العلمي إلى أن مات سنة 857 ، كان واسع المعرفة ، قوي الحجة ، دقيق الاستنباط ، كثير المصنفات ، ومؤلفاته مقبولة عند جميع الناس ، حتى صار من بعده عيالا عليه ، نصر العقيدة الإسلامية نصرا مؤزرا ، ورد على المبتدعة نظما ونثرا ، لاسيما المتفلسفة والقبورية والمؤولة والمتصوفة ، رحمه الله رحمة واسعة ، فقد جدد هو و شيخه – ابن تيمية - دين الله ، فكانا منعطفا في حياة الأمة الإسلامية.7 وبعد فقد اعتمدت في إخراج هذا الجزء على الله تعالى أولا ، ثم على النسخة التي نشرتها دار عالم الفوائد بتحقيق المحقق الفاضل محمد عزير شمس حفظه الله2 ،فهي الأصل ، وربما أشرت في بعض المواطن إلى فروق عن النسخة المنشورة من ق ــبَ ـــل دار ابن الجوزي ، والتي حققها فضيلة الشيخ الـمحقق علي بن حسن بن عبد الحميد حفظه الله3. 1 انظر ترجمته موسعة في «شذرات الذهب »لابن العماد و«ذيل طبقات الحنابلة»لابن رجب ، ومن أج ـمع من ترجم له الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله في كتابه «ابن قيم الجوزية ، حياته وآثاره » 2 يقع الجزء في الصفحات ص 7781 إآخر الكتاب. 3 يقع ازء في الصفحات: ص 7753 إآخر الكتاب ، وقد أذ ن لي حفظه الله في الاستفادة من تخريجاته وتعليقاته على الكتاب.
عدد الصفحات ٣مقدمة 3 والله أسأل أن يوفق جميعالناس لسلو ك طريق الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده كلهم ، إنسهم وجنهم ، كما قال تعالى ومن يبتغ غ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في اآخخرة من الخاسرين . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . وكتبه ، ماجد بن سليمان ، في صبح الثاني و العشرين من شوال ، لعام 7133 هجري . otmail.comThink.logic.always@h
عدد الصفحات ٤4 {عقولاليهود قال ابن القيم رحمه الله في كتابه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»: {فصل في ذكر تلاعبه بالأمة الغضبية وهم اليهود} قال الله تعالى في حقهمبئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنـز ل الله بغيا أن ينـز ل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين 1 ، وقال تعالى قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغض ب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل * وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرج وا به والله أعلم بما كانوا يكتمون * وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون 2 ،وقال تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قد مت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون3. وقد أمرنا الله سبحانه أن نسأله صلواتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين . وثبت عن النبي أنه قال: اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون .4 1 سورة البقرة 09 . 2 سورة المائدة 09 – 01 .والآيات من قولهوعبد الطاغوت إلى قولهلبئس ما كانوا يصنعون مثبتةفي نسخة علي وليست مثبتة في نسخة عزير. 3 سورة المائدة 09 . 4 رواه الترمذي2093 ،2094) وابن حبان0240) وأحمد9/370 - 370) ، وصححه الألباني رحمه ا
عدد الصفحات ٥5 فأول تلاعب الشيطان بهذه الأمة في حياة نبيها ، وقرب العهد بإنجائهم من فرعون ، وإغراقه وإغراق قومه ، فلما جاوزوا البحر رأوا قوما يعك فون1 علىأصنام لهم فقالوا يا موسى اجعل لناإلـٰها كما لهم آلهة 2 ، فقال لهم موسى عليه السلام إنكم قوم تجهلون* إن هؤلاء م ــتــب ــر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون 3 ، فأي جهل فوق هذا ، والعهد قريب ، وإهلاك المشركين أمامهم برأي عيونهم ، فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلـٰها ، فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلـٰها مخلوقا ، وكيف يكون الإلـٰه مجعولا ؟ فإن الإ لـٰه هو الجاعل لكل ما سواه ، والـمجعو ل مربوب مصنوع ، فيستحيل أن يكون إلـٰها.4 ومــا أكثــر الـخ ـــل ف لهــؤلاء في اذــاذ إلـــٰه مجعــول ، فكــل مــن اذــذ إلـــٰها غــير الله فقــد اذــذ إلـــٰها مجعــولا ، وقــد ثبــت عــن النــبي أنــه كــان في بعــت غزواتــه ، فمر وا بشجرة ي عل ق عليها المشركون أسـلحت هم وشارات ــهم9 وثياب ــهم ، ي سـمونها «ذات أنواط» ،فقال بعضهم: يا رسول الله ، اجعل لنا «ذات أنواط»كمـا لهم «ذات أنواط». فقال: الله أكبر ، قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لناإلـٰها كما لهم آلهة. 1 يعكفون أي يقيمون في مكان ويلزمونه مدة. انظر «النهاية» 2 سورة الأعراف 130 . 3 سورة الأعراف 130 – 130 . 4 هذا من وجوه بطلان دعاء غ الله ، وقد يسر الله القيام ببح بعنوان «خمسون دليلا على بطلان دعاء غير ا»، وهو من منشورات مكتبة الاستقامة بمصر. 9 شاراتهم جمع شارة وهي اللباس الحسن كما «المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ٦6 ثم قال: لتركب ـن س ـن ن 1 من كان قبلكم (ح ذو الق ذ ة بالقذة)2.3 فصل ، ومن تلاعب ه بهم عبادتهم الع جل من دون الله تعالى 4 وقد شاهدوا ما حل بالـمشركين من العقوبة والأخذة الر ابية9 ،ونبيهم حي لم يمت ، هذا وقد شاهدوا صانع ه يصنـ ع ه ويص وغه وي صليه النار ، ويد ق ه بالمطرقة ، ويسطو عليه بالمبرد ، وي قل به بيديه ظهر ا لبطن . ومن عجيب أمرهم أنهم لم يكتفوا بكونه إلـٰه هم حتى جعلوه إلـٰه موسى ، فنسبوا موسى عليه السلام إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى ، بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفع ا عن نفسه ، بحي ي ضرب به المثل في البلادة والذل ، فجعلوه إلـٰه كليم الرحمـٰن 0. ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى عليه السلام ضالا مخطئا فقالوا فنسي7 ،قال ابن عباس: أي : ضل وأخطأ الطريق . وفي رواية عنه: أي إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه . وعنه أيضا: نس ي أن يذكر لكم أن هذا إلـٰه ه و إلـٰه كم. وقال الس د ي: أي ترك موسى إلـٰه ه هـٰ هنا وذهب يطلبه. 1 الـس ـن ن جمع سنة وهي الطريقة والمسلك 2 ما بين القوسين ليس من لفظ الحدي ، فقد وهم المؤلف فأدخله في هذا الحدي . 3 رواه الترمذي2109) وابن حبان19/04) وأحمد9/210) والنسائي«الكبرى»11121) ، وصححه الألباني ، وفي بعت الألفاظ أن النبي كبر ، وفي بعضها أنه س ـــب ح 4 هذا هي الألعوبة الثانية 9 معأخذة رابية: أي شديدة ، يريد بها إغراق فرعون وقومه. 0 كليم الرحمـٰن هو موسى ، لأنه الله تعاكلمه ، كما قال سبحانه وكلم الله موسى تكليما . 7 وتلك هي حجتهم ، قالوها لما عاتب موسى أخاه هارون في تركه لبني إسرائيل يعبدون العجل ، فقال هارون إنهم قالوا هذا إلـٰهنا وإلـٰه موسى فنسي. سورة طـٰه00 .
عدد الصفحات ٧7 وقال قتادة: أي إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر. على هذا القول : المشهور أن قوله فنسي من كلام الس امري وع ب اد العجل معه. وعن ابن عباس رواية أخرى : أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامري أنه نسي ، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان. والصحيح القول الأول ، والسياق يدل عليه ، ولم يذكر البخاري في «التفس» غه ، فقال: هم يقولونه: أخطأ الرب .1 فإنه لما جعله إلـٰه موسى استحضر سؤالا من بني إسرائيل يور دونه عليه فيقولون له: إذا كان هذا إلـٰه موسى ، فلأي شيء ذهب عنه لموعد إلـٰه ه ؟ فأجاب عن هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله : فنسي. وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم، فانظر إلى هؤلاء كيف اذذوا إلـٰها مصنوع ا مص وغ ا من جوهر أرضي ، إنما يكون تحت التراب ، محتاجا إلى سبك بالنار ، وتصفية وذليص ل ـخبثه منه ، مدقوقا بمطارق الحديد ، م قل ب ا في النار مرة بعد مرة ، قد ن ت بالـم بارد ، وأحدث الصانع صورته وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذ ل والض يم ، وجعلوه إلـٰه موسى ، ونسبوه إلى الضلال حي ذهب يطلب إلـٰه ا غير ه. قـــــال مـحمد بن جـــــرير 2: (وكان سب ـب اتـــــــخاذهم العـــــجل ما حدثــنـي به عـــــبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا 1 انظر«صحيح البخاري »، كتاب التفسير ، تفسير سورة طـٰه ، وقد تم ضبط كلامه منه 2 هو العالم المجتهد المحدث الفقيه المقرىء المفسر ، علامة وقته ، محمد بن جرير بن يزيد ، أبو جـعفر الطبري ، مات سنة 319 ، انظر ترجمته في «الس»14/207) ، و«وفيات الأعيان»4/101-102.)
عدد الصفحات ٨8 سفيان بن عيـينة قال: حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما هجم فرعون على البحر هو وأصحاب ه ، وكان فرعون على فرس أدهم 1 ، ذنوب 2 حصان ، فلما هجم فرعو ن على البحر هاب الحصان أن يقتحــم في البحر ، فتمث ـل له جبـريل على فرس أنثى ود يق3 ،فلما رآها الحصان تقح م خلفها. قال: وعر ف السامري جبريل ... فقبت قبضة من أثر فرسه ، قال: أخذ من تحت الحافر قبضة . قال سفيان : فكان ابن مسعود يقرؤها فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول . قال أبو سعيدقال عكرمة عن ابن عباس : وأ لق ي في ر وع 4 السامري : إنك لا ت لقيها على شيء فتقول: (كن كذا وكذا ) إلا كان . فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر ، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون اخلف قومي وأصل ح ،ومضى موسى لموعد ربه . قال: وكان مع بني إسرائيل ح ل ـي من ح لي آل فرعون قد تعو روه9 ،فكأنهم تأثـ موا منه ، فأخرجوه لت نـز ل النار فتأكله ، فلما جمعوه قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا ، فقذفها فيه ... وقال: (كن عــــجلا 1 فرس أدهم أي أسود ، انظر«المعجم الوسيط» 2 ذنوب أي وافرة الذنب ، وتأتي بمعنى طويلة ، انظر «المعجم الوسيط» 3 فرس وديق أي تشتهي الفحل. انظر«المعجم الوسيط» 4 ر وع السامري أي نفس ه وخ ـل ـد ه . انظر «النهاية» 9 تعوروه أي استعاروه.
عدد الصفحات ٩9 جسدا له خوار1) ، فصار عجلا جسدا له خوار ، و كان يدخل الريح من د ب ر ه و يخر من ف يه ، ي سمع له صوت ، فقالواهذا إلـٰهكم و إلـٰه موسى ، فعكفوا على العجل يعبدونه ، فقال هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمـٰن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين ح تى يرجع إلينا موسى).2 وقالالس د ي: لما أمر الله موسى أن يخر ببني إسرائيل من أرض مصر ؛ أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا ، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من الق بط3 ، فلما نج ى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر وأغرق آل فرعون ؛ أتى جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الله ، فأقبل على فـ ر س ، فرآه السامري فأنكره ، ويقال إنه فرس الحياة ، فقال حين رآه : (إن لهذا لشأنا) ، فأخذ من تربة حافر الفرس ، فانطلق موسى عليه السلام واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة ، فأت ها الله تعالى بعشر ، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا ت ـح ل لكم ، وإن ح لي القبط إنما هو غنيمة فاجم عوها جميعا واحف روا لها حفرة فادفنوها ، فإن جاء موسى فأحل ها أخذتوها. فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة ، وجاء السامري بتلك القبضـة فقـذفها ، فــأخر الله مــن الحلــي عجــلا جســدا لــه خــوار ، فلمــا رأوه قــال لهــم الســامري هذاإلـٰهكم و إلــٰه موسـى فنسـي ، يقـول: (تـرك موسـى إلــٰهه هــٰهنا وذهـب 1 الخ ــوار هو صوت البقر. انظر«النهاية» 2 انتهى هنا كلام ابن جرير ، وقد نقله المؤلف باختصار بعت ألفاظه كما أوضحت بالنقاط ، وقد ضبطت النص من المطبوع ، الناشر دار الكتب العلمية – بيروت. 3 القبط هم نصارى مصر. انظر «المعجم الوسيط»
عدد الصفحات ١٠01 يطلبـه) ، فعكفــوا عليــه يعبدونــه ، وكــان يخـور ويمشــي ، فقــال لهــم هــارون يــا بـني إسـرائيل إنمـا ف تنــتم بـه ،يقـول: إنمـا ابت ليــتم بالعجـل وإن ربكـم الرحمـــٰن ، فأقام هارون ومن معـه مـن بـني إسـرائيل لا ي قـاتلونهم ، وانطلـق موسـى إلى الله يكلم ه ، فلمـا كلمـه قـال لـه ومـا أعجلـك عـن قومـك يـا موسـى * قـال هـم أولاء علــى أ ث ــــري وعجلــت إليــك رب لترضــى * قــال فإنــا قــد فتنــا قومــك مــن بعــــدك وأضــــلهم الســــامري ، فــــأخبره خــــبر هم ، قــــال موســــى: يــــا رب هــــذا السامري أمرهم أن يت خذوا العجل ، فالروح م ن نفخها فيه؟ قال الرب تعالى : أنا. قال: يا رب أنت إذ ا أضللتهم. وقال ابن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان السامري من قوم يعبدون البقر ، فكان يحب عبادة البقر في نفسه ، وكان قد أظهر الإسلا م في بني إسرائيل ، فلما ذهب موسى إلى ربه قال لهم ه ارون: (أنتم قد حملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحلي ا ، فتطه روا منها فإنها ن ـج س) ، وأوقد لهم نارا فقال : (اقذ فوا ما كان معكم من ذلك فيها ) ، فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة و الحلي فيقذفون به فيها ، حتى إذا انكسر الحلي فيها ورأى السامري أثر فرس جبريل ؛ فأخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: (يا نبي الله ، أ لق ي ما في يدي؟) ، ولا يظن هارون إلا أنه كبعت ما جاء به غيره من الحلي والأمتعة ، فقذفه فيها فقال: (كن عجلا جسدا له خوار) ، فكان البلاء والفتنة فقال : (هذا إلـٰهكم و إلـٰه موسى) ، فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم ي ـحبوا شيئا مثله قط.
عدد الصفحات ١١00 يقول الله عز وجل فنسي ، أي تر ك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - أفلا يرون أ يرجع إليهم قولا ولا ي ـملك لهم ضرا ولا نفعا ، فلما ر أى هارون ما وقعوا فيه قال يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمـٰن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نب ـرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ، فأقام هارون فيمن معه من المسلمين1 ممن لم يفتتن ، وأقام من يعب د العجل على عبادة العجل ، وذو ف هارون إن سار بمن مع ه من المسلمين أن يقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترق ب قولي ، وكان له هائبا مطيعا ، فقال تعالى م ذك را لبني إسرائيل بهذه القصة التي جرت لأسلافهم مع نبيهم وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اذذتم العجل من بعده ، يعني من بعد ذهابه إلى ربه ، وليس المراد من بعد موته ، وأنتم ظالمون ، أي بعبادة غير الله تعالى ، لأن الشرك أظلم الظلم ، لأن المشرك وضع العبادة في غير موضعها. فلما قد م موسى عليه السلام ورأى ما أصاب قوم ـــــه من الفتنة ؛ اشتد غضبه ، وألقى الألواح عن رأسه وفيها كلام الله الذي كت به له ، وأخذ برأس أخيه ولحيته ، ولم ي عت ب الله عليه في ذلك ، لأنه ح ـمل ه عليه الغضب لله ، وكان الله عز وجل قد أع ل مه بفتنة قومه ، ولكن لما رأى الحال مشاهدة حدث له غضب آخر ، فإنه ليس الخبر كالمعاينة . فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة في حياة نبيهم أيضا ما قص ه الله تعالى في كتابه حي يقول وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك ح 1 سمى الله تعالى جميع الأنبياء و أتباعهم بالمسلمين ، لأن الإسلام بمعناه العام هو الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والبراءة من الشرك ، وهذه دعوة جميع الأنبياء ، فلذا سموا بالمسلمين ، وأما المعنى الخاص للإسلام فهو الدين الذي ب ع به محمد .
عدد الصفحات ١٢01 نرى الله جهرة ، أي ع يان ا ، قال ابن جرير : ذك رهم الله سبحانه بذلك اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم ، مع كثرة معاينتهم من آيات الله ما ي ــثل ج بأقل ها الصدور ، وتطمئن بالتصديق معها النفوس ، وذلك مع تتابع الـح جج عليهم ، وس ـبوغ 1 ن عم الله تعالى لديهم ، وهم مع ذلك مر ة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلـٰها غير الله ، ومر ة يعبدون العجل من دون الله ، ومر ة يقولون: (لا نصدقك حتى نرى الله جهرة ) ، وأخرى يقولون له إذا د عوا إلى القتال فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هـٰهنا قاعدون ، ومر ة يقال لهم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ، فيقولون: (ح نطة في شعرة) ، ويدخلون من ق ــب ل أ ستاه ه م2 ،ومر ة ي عر ض عليهم العمل بالتوراة فيمتنعون من ذلك ، حتى ن ــت ــق 3 الله تعالى عليهم الجبل كأنه ظ ــل ة ، إلى غير ذلك من أفعالهم التي آذ وا بها نبي هم التي يكثر إحصاؤها. فأ علم رب نا تبارك وتعالى الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله أنهم لن يـع د وا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا وجحودهم نبوته وتر ك ـــهم الإقرار به وبما جاء به - مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره - ؛كأسلافهم وآبائهم الذين قص الله علينا ق صصهم. 1 سبوغ النعم أي كما لها وتامها. انظر «المعجم الوسيط» 2 أستاههم جمع (أست) وهو الد ب ـــر 3 نتق أي اقتلع ورفع. انظر «تفسير ابن جرير»و«النهاية»
عدد الصفحات ١٣01 قال محمد بنإسحاق: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ، وقال لأخيه وللسامري ما قال ، وحر ق العجل وذر اه 1 في اليم 2 ؛ اختار موسى منهم سبعين رجلا ، الـخي ـر فالـخي ـر ، وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل فتوبو ا إليه مما صنعتم ، وس لوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطه روا وط ـــه روا نياتكم. فخر بهم إلى ط ور سيناء لميقات وق ـته له رب ه ، وكان لا يأت يه إلا بإذن منه وع لم ، فقال له السبعون - فيما ذ ك ر لي - حين صنعوا ما أمر هم به وخرجوا للقاء ربه : يا موسى ، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا . قال: أفعل. فلم ا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام 3 حتى تغشى الجبل كل ه ، ودنا موسى فدخل عليه ، وقال للقوم: ادنوا ، وكان موسى إذا كلمه رب ه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فض ر ب دون ه الـحجاب ، ودنا القوم ، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا ، فسم عوه4 وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه ، افعل ولا تفعل ، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام ، فأقبل إليهم فقالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ،فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فافت ـــل تت أرواحهم فماتوا ، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه وي رغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي.9 1 الـذ ر هو نثر الفتات ، والفتات هنا هو ما خل فه حرق العجل من رماد. انظر«النهاية» 2 اليم هو البحر 3 أي السحاب 4 أي الله تعالى. 9 رواه كلام ابن أسحاق المتقدم ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية 90 من سورة البقرة ، وقد ضبطت النص منه.
عدد الصفحات ١٤04 فإن قيل: فما مقصود موسى بقوله لو شئت أهلكتهم من قبل؟ فقد ذ ك ر فيه وجوه : فقال الس د ي: لما ماتوا قام موسى يبكي ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيت هم وقد أهلكت خيارهم . وقال ابن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلا الـخي ـر فالـخي ـر ، أ رجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد ؟ فما الذي ي صدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا فالمعنى لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمو نني. وقال الزجا : المعنى: لو شئت أمت هم من قبل أن تبتليهم بما أ وجب عليهم الرجفة . قلت: وهؤلاء كلهم حام وا حول المقصود ، والذي يظهر - والله أعلم بمراده ومراد نبيه - أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه وتوسل إليه بعفوه عنهم من ق بل ، ح ين ع ـبد قوم هم العجل ولم ينكروا عليهم ، يقول موسى إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم ، ومع هذا فـ و س ـع هم عفو ك ومغفرت ك ولم تهلكهم ، ف ــل ي س ع ه م اليوم ما و س ع ه م من قبل. وهذا كما يقول من واخذه س ي د ه ب ـجرم : لو شئت واخذتني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم ، ولكن وس عني عفوك أو لا ، فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ،فقال ابن الأنباري وغير ه: هذا استفهام على معنى الجحد ، أي لست تفعل ذلك ، والسفهاء هنا ع ــب د ة العجل.
عدد الصفحات ١٥05 قال الفراء : ظن موسى أنهم أ هلكوا باذاذ قومهم العجل ، فقال أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ، وإنما كان إهلاكهم بقولهم أرنا الله جهرة ،ثم قال إن هي إلا فتنتك ،وهذا من تام الاستعطاف ، أي ما هي إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك ، فأنت ابتليتهم وامتحنتهم ، فالأمر كل ه لك وبيدك ، لا يكشفه إلا أنت ، كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت ، فنحن عائذون بك منك ، ولاجئون منك إليك . فصل ، ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيد ه لهم أنهم قيل لهم وهم مع نبيهم والوحي ي نـز ل عليه من الله تعالى ادخلوا هذه القرية ، قال قتادة وابن زيد و الس د ي وابن جرير وغيرهم : هي قرية بيت المقدس . فكلوا منها حي شئتم رغدا ، أي هنيئا واسعا ، وادخلوا الباب سجدا ، قال الس د ي: هو باب من أبواب بيت المقدس. وكذلك قال ابن عباس ، قال: والسجود بمعنى الركوع ، وأصل السجود الانناء لمن ت عظ م ه ، فكل م نحن لشيء معظ ما له فهو ساجد. قاله ابن جرير وغيره . قلت: وعلى هذا فانناء المتلاق يين عند السلام أحدهما لصاحبه من السجود المحرم ، وفيه ن ـهي صريح عن النبي .1 ثم قيل لهمقولوا حطة ، أي ح ط عنا خطايانا ، هذا قول الحسن وقتادة وعطاء. وقال عكرمة وغيره : أي قولوا « لاإلـٰه إلا الله». 1 جاء النهيعن الانناء عند السلام في حدي رواه الترمذي (2720) وابن ماجه3792) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: الرجل منا يلقى صاحبه أو ص ديقه أينحني له؟ قال: لا . والحدي صححه الألباني رحمه الله.
عدد الصفحات ١٦