المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أساليب التفسير

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٦ من ١١

- 87 - فقال الشيخ: تكلم فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله تعالى، حين أنزل القرآن على رسول الله ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴿صلى الله عليه وسلم فقال: أكان الله تعالى الصادق في إكمال دينه، أم أنت الصادق في نقصانه، ﴾ﮃ ﮄ ﮅ فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجبه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الأذرمي: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الأذرمي: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الأذرمي: يا أحمد، فاتسعَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ علمها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال ابن أبي دؤاد: نعم. قال الأذرمي: واتسع لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم). وفي رواية (أنه قال له: ما تقول في القرآن؟ قال ابن أبي دؤاد: مخلوقٌ.

عدد الصفحات ٨٨

- 88 - قال الأذرمي: هذا شيءٌ علمه النّربيّر -صلىّر اللهّر عليه وسلّرم- وأبو بكرٍ، وعمر، والخلفاء الرّراشدون، أم شيءٌ لم يعلموه؟ قال: شيءٌ لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيءٌ لم يعلمه النّربيّر -صلىّر اللهّر عليه وسلّرم- علمته أنت؟ فخجل، فقال: أقلني. قال الأذرمي: المسألة بحالها. قال ابن أبي دؤاد: نعم، علموه. فقال: علموه، ولم يدعوا النّراس إليه؟ قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟). فكانت تلك المناظرة من أسباب رفع محنة القول بخلق القرآن؛ وهي مناظرة مشهورة رويت بأسانيد وألفاظ مختلفة، وعمادها مجاراة صاحب الباطل وتوجيهه إلى الموضع الذي يتبينّر به عثار قوله. فيراد به تقريع صاحب الدعوى الباطلة بما يعرّرفه بخطئه ويشعره - وأما التبكيت بقبح دعواه، ويعقبه الحسة والندم إن كان في قلبه بقيّرة حياة، وفي مسند الشافعي وسنن أبي داوود والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أُحتي بشارب خمر؛ فقال: اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب، ثم فبكّرتوه، ثم أرسلوه. «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد ورد تفسير هذا التبكيت في رواية عند أبي داوود أنهم أقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله؟! ما خشيت الله؟! وما استحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! (التبكيت هاهنا التقريع باللّرسان وهو أن يُحقال لَهُح: أَمَا قال أبو سليمان الخطابي: .اتّرقيْتَ الله أما خَشِيتَ اللهَ أما استَحيَيتَ من النّراس ونحو هذا من الكلام)

عدد الصفحات ٨٩

- 89 - والمقصود أن التبكيت أسلوب يخاطب به المذنب والمبطل ليستقبح ذنبه وباطله، ويذهب عنه الطيش والغرور، فقد يمله ذلك على التبص فينيب ويرجع، وقد يكابر فيكون في التبكيت ما يخزيه ويقطع حجّرته. ﭧ ﭨ ﴿والتبكيت له أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: .﴾ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﴿وقوله تعالى: ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦﮧ ﮨ ﮩ ﮪ .﴾ﮫﮬ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴿وقوله: .﴾ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴿وقوله: .﴾ﯛ ﯜ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴿وقوله: .﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴿وقوله: .﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴿وقوله: ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ .﴾ﮗ ﮘ والمقصود أن من المبطلين من يكون تبكيته أنفع له وأقطع لحجته من مجادلته؛ فإن في التبكيت مخاطبة للقلب ووعظاً له، ودعوة لصاحب الدعوى الباطلة أن يتفكّرر

عدد الصفحات ٩٠

- 90 - في نفسه وفي مقالته وفيما أورد عليه من التبكيت ليكفّر عن دعواه الباطلة، ويتب قبحها. على المبطل فهو بيان شناعة قوله وقبح مقالته، وتعظيم خطرها - وأما التشنيع عليه، واستعمال ما يناسب ذلك من العبارات؛ فإنّر المبطل يزيّرن قوله بزخرف القول وياول تسويغه وتهذيبه وإظهاره في مظهر الخير ورعاية الأصلح حتى يغترّر به من يغتر، فإذا عُحرّري قوله عن زخارفه، وأظهرت مفاسد لوازمه وآثاره انكشفت حقيقته وتبيّرنت شناعته، والتشنيع إذا كان بالحق فهو نافع جداً في التأثير على صاحبه وعلى من كان مغتراً بقوله، وعلى غيرهم حتى يذروا تلك المقالة الباطلة وتستقر في نفوسهم شناعتها. ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴿ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﰁ ﰂ .﴾ﭡ ﭢ ﭣ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴿وقوله تعالى: ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ .﴾ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ وفي هذا غاية ما يكون من التشنيع الذي ترتجف له القلوب الحية. ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭰﭱ والمقصود من ذكر هذه الأدوات العلمية في دورة حثُّ طلاب علم التفسير على العناية بها والتدرب عليها؛ ولا سيّرما من يريد الكتابة بأسلوب الحجاج الشرعي وكشف الشُّبَهِ والردّر على المبطلين؛ وأن يستعمل منها ما تدعو الحاجة إليه في كل موضع بحسبه.

عدد الصفحات ٩١

- 91 - ومن رُحزق حسن المعرفة بهذه الأدوات، وجودة البيان عنها، وصدق النية والتزام العدل رجي أن ينفع الله بما يكتبه في هذا الباب، وأن يبارك فيه. عناية العلماء باأ للعلماء عناية بالغة بأسلوب الحجاج لكثرة ما تدعوهم الحاجة إلى إقامة الحجج والبراهين، على تبيين أصول الدين، والرد على المخالفين والمبطلين، وقد علموا أن أقرب الطرق إلى ذلك وأنفعها بيان حجج القرآن وتقريبها وشرحها والجهاد بها. ومن أمثلة ما كتب بهذا الأسلوب: ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴿ تفسير قول الله تعالى: .1 لشيخ الإسلام ابن تيمية﴾...ﮈ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴿ تفسير قول الله تعالى: .2 ،﴾ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ لابن القيّرم. لشيخ ﴾...ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴿ تفسير قول الله تعالى: .3 الإسلام محمد بن عبد الوهاب مثال: .﴾...ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴿ تفسير قول الله تعالى: .1 التطبيق الرابع - اكتب رسالة تفسيرية مختصة بأسلوب الحِجَاج.

عدد الصفحات ٩٢

- 92 - تف ...﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴿ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴿قال الله تعالى: ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ -73[ ﴾ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ .]76 تضمنت هذه الآيات الكريمات من الحجج القاطعة، والآيات البينات ما أظهر الله به بطلان ما اعتقدته طوائف كثيرة من النصارى في عيسى بن مريم وأمّره عليهما السلام، واتخاذهم إياهما إلهين من دون الله، وزعمهم أن الله ثالث ثلاثة. وقد صرَّف اللهُح الآياتِ في خطابهم تنبيهاً وتعريفاً، وتبصيراً وتذكيراً، وترغيباً وترهيباً، ببيان بديع محكم، وإلزام بالحجة الظاهرة التي لا يردّرها إلا مكابرٌ معاند. ومن تأمّرل هذه الآيات بقلب حيّر منيب تبينّر له ما يفيد اليقين ببطلان مقالاتهم الكفرية، وضلالهم عن الصاط المستقيم. وبيان ذلك من وجوه: ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﴿الحكم بتحقق كفر قائلي هذه المقالة الشنيعة، أحدها: .﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ فحرف (قد) مفيد للتحقيق، واللام مؤكّردة لهذا الحكم.

عدد الصفحات ٩٣

- 93 - وهو حكم إلهيّر قُحدّرم في أوَّل عرض القضيّرة ليقذف في نفسِ المخاطَب حكمها، وشناعة جرم أصحابها، وليقطع عليه جميع محاولات البحث عن تخريجٍ لمقالتهم، أو تبريرٍ لها؛ إذ بينّر الله تعالى أنَّ حكمها الكفر المتحقق الذي لا ريب فيه. ؛ وهذا نفي قاطع بأسلوب ﴾ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴿ قوله تعالى: والثاني: الاستغراق والحص، (ما) نافية، و(من) للاستغراق، أي ليس في الكون كلّره إلا إله واحد. وكلّر ما يُحدعى من دون الله فإنَّما عُحبد بغير حقّر، فالإله الحق لا يكون إلا واحداً، ، وهذا يبطل التثليث.﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴿و ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴿ قوله تعالى: والوجه الثالث: .﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ وهذا فيه تقريع شديد، وتشنيع على قائلي هذه المقالة الكفرية. ولم يقل: (ليمسنّرهم) لتأكيد بيان كفر ﴾ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴿وقال: قائلي هذه المقالة، وليشمل الحكم كلَّ من قال مقالة كفرية منهم غير هذه المقالة؛ فإنَّ لضُحلاَّل النصارى أقوالاً كفرية ذكرها الله تعالى عنهم في القرآن؛ فمنهم من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومنهم من قال: المسيح ابن الله، ومنهم من قال: إن الله ثالث ثلاثة. فهذا الحكم شامل لكلّر مقالاتهم الكفرية. فيه فتح لباب النجاة من هذا الكفر ما داموا في دار ﴾..ﮛ ﮜ ﮝ﴿وقوله: الحياة الدنيا قبل أن تقبض أرواحهم. وهذا له وقع عظيم على نفس المذنب الذي في قلبه جذوة من إرادة الحقّر ليتدارك نفسه، ويسلك سبيل النجاة.

عدد الصفحات ٩٤

- 94 - ؛ وهذا فيه﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴿ قوله تعالى: والوجه الرابع: تقرير أنهّرم أذنبوا ذنباً عظيماً بهذه المقالة الكفرية؛ يستوجب التوبة والاستغفار. وتأمل سعة رحمة الله عز وجل وعظيم حلمه كيف دعاهم - وقد قالوا هذه المقالة ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴿الشنيعة - إلى التوبة بأجمل عرضٍ وألطفه: ثم ذكر ما يرغبهم في ذلك ويزيل اليأس والقنوط من قلوبهم إن صدقوا التوبة كثير المغفرة، واسع المغفرة، لا يستعظمه ذنبٌ ﴾ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴿بقوله: أن يغفره، ورحمته وسعت كل شيءٍ، وعمت كل حي، وفي ضمن ذلك وعدهم بالمغفرة والرحمة والعفو عما بدر منهم إن هم تابوا إليه واستغفروه. فإذا علم العبد ذلك تحركت دواعي الرجوع إلى الله في قلبه، ولم يقنط من رحمة الله عز وجل مهما بلغت ذنوبه. أنَّ هذا العرض الكريم اللطيف أتى بعد التقريع الشديد والوجه الخامس: ليجتمع في هذه الآيات خطاب الترهيب والترغيب، وخطاب العقل والقلب؛ فبصَّهم وذكَّرهم، ووعظهم وزجرهم، ثم فتح لهم باب المغفرة والتوبة التي تجبّر ما قبلها؛ فلا يتخلّرف عن هذه الدعوة إلا شقيّر محروم مكابر مستحقّر للعذاب الشديد. تبصيرهم بالأدلّرة التي يتبينّر بها لكل عاقل بطلان غلوّرهم في والوجه السادس: عيسى ابن مريم وأمّره، من غير أن ينقص قدرهما، ولا أن يسلبهما ما مَنَّ به عليهما من الفضل العظيم، والمنزلة العالية بين عباده، بل أثبت لعيسى الرسالةَ ولأمّره الصديقية. ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴿ قوله تعالى: والوجه السابع: فهو رسولٌ من جملة رسلٍ ماتوا وهو على إثرهم سيموت، والإله ﴾ﯛ ﯜ الحق إنما هو الحي الذي لا يموت.

عدد الصفحات ٩٥

- 95 - أنَّه رسولٌ مكلَّف بأداء الرسالة؛ يأمرهم بعبادة الله وحده والوجه الثامن: شريك له؛ كما هو ظاهر مستفيض لديهم من كلامه ووصاياه، ولو كان إلهاً يستحقّر العبادة لأمر بعبادة نفسه لا بعبادة غيره. أن الرسل أعظم الناس عبادة لربهّرم وافتقاراً إليه، وهذا أمر والوجه التاسع: معلوم علماً قطعياً من أحوالهم وأخبارهم، والعابد محتاج إلى إلهه الذي يعبده، والمحتاج لا يمكن أن يكون إلهاً، إنما إلههم الله الغنيّر الحميد الذي تحتاج إليه جميع المخلوقات ولا يتاج إلى أحد. وفي هذا عدة أدلةٍ: ﴾ﯝ ﯞ﴿ قوله تعالى: والوجه العاشر: أنه مخلوقٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، فلم يوجد إلا بعد ولادة أمه له؛ ومثل - أولها: هذا لا يصلح أن يكون إلهاً؛ فإن الإله الحق إنما هو الأول الذي ليس قبله شيء. أنه محتاجٌ في أصل حياته إلى غيره فوجوده إنما كان بواسطة أمه؛ والإله - الثاني: الحق إنما هو الحي القيوم الذي قيام كل شيءٍ به، الغني الحميد الذي لا يتاج إلى أحدٍ سواه طرفة عينٍ. أنه مولودٌ؛ والإله الحق إنما هو الصمد الذي لم يلد ولم يولد.- الثالث: أنه خارجٌ من المكان الذي قد علموا؛ ومثل هذا لا يصلح أن يكون - الرابع: إلهاً؛ فالإله الحق إنما هو القدوس السلام المتنـزه عما لا يليق بجلاله وعظمته. أن أمه صديقةٌ؛ فهي أمةٌ عابدةٌ فقيرةٌ إلى من تعبده، والفقير لا ينتج - الخامس: إلا فقيراً. وفي هذا عدة أدلةٍ: ﴾ﯠ ﯡ ﯢ﴿قوله: والوجه الحادي عشر: أن كونهما يأكلان الطعام دليلٌ على حاجتهما وفقرهما إليه، والفقير - الأول: المحتاج لا يصلح أن يكون إلهاً.

عدد الصفحات ٩٦

- 96 - أن العقلاء قد علموا أن الذي يأكل الطعام له جوفٌ وآلاتٌ تهضم - الثاني: الطعام، وقنواتٌ يسير فيها الطعام، والإله الحق إنما هو الصمد الذي لا جوف له، ولا يتاج إلى ما يتاج إليه البشر. أن الذي لا يستطيع تصيف الطعام داخل جسده وتسييره في قنواته، - الثالث: وإيصال كل موضعٍ من جسمه ما يتاج إليه من الغذاء؛ وإنما الذي يسيره ويصفه فيه غيره كيف يستطيع أن يدبر شئون الخلائق، ويجيب دعواتهم، ويعلم سرائرهم وأحوالهم؟!! إنما إلههم الملك القيوم الذي قام بشؤونهم ووسعهم علمه وحفظه ورحمته. أن العقلاء قد علموا أن الذي يأكل الطعام لا بد له من إخراجه بعد - الرابع: هضمه، والذي تخرج منه هذه الفضلات المستقذرة لا يصلح أن يكون إلهاً؛ بل الإله الحق إنما هو القدوس السلام المتنـزه عن مثل هذا وسائر ما لا يليق بجلاله وقدسيته. أن الذي يأكل الطعام عرضةٌ لأن يأكل ما يضره أو يسيء أكل ما فيه - الخامس: نفع فيمرض ويسقم؛ ومثل هذا لا يصلح أن يكون إلهاً. ﴾ﯠ ﯡ ﯢ ﴿فهذه الأدلة البينة التي نبه عليها بقوله تعالى: قاطعة ببطلان ما زعموه من إلهية عيسى وأمه. ﯤ ﯥ ﯦ ﴿ قوله تعالى بعد هذا البيان البديع: والوجه الثاني عشر: ، وهذا فيه بيان للسبب الذي ﴾ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ صرفهم عن الحقّر بعدما تبينّر لهم، وأنهم مأفوكون بإفكٍ عظيم؛ أضاعوا حياتهم وخسوا سعادتهم باتّرباعهم هذا الإفك. .الصرفِ عن الحقّ ، و الكذبِ العظيم :جامع بي معنييولفظ (الإفك) هنا فالإفك هو الفرية الكبيرة.

عدد الصفحات ٩٧

- 97 - وتقول العرب: أرض مأفوكة، أي محرومة من المطر، قد صرُحف المطرُح عنها إ غيرها. ويقولون: أُحفِكَ الرجُحلُح عَن الخيرِْ أَي صرُحف عَنهُح؛ فانقلب خائباً. ولهذا ﴾ ﯫ ﯬ ﯭ ﴿ التبكيت في قوله تعالى: والوجه الثالث عشر: التبكيت وقع شديد على النفس لمن عقل معناه، إذ كيف يرضى المرء لنفسه أن يُحرم الخير والسعادة بسبب اتّرباع من يخادعه ويزيّرن له الطريق المفضية إلى النار حتى يدخلها. عدم النصّر على ذِكْرِ من أَفَكَهُحم وصرََفَهُحم عن الحقّر والهدى والوجه الرابع عشر: وما فيه نجاتهم وسعادتهم، ليشمل ذلك كلّر مشترك في تضليلهم وخداعهم وصرفهم عن الحقّر، وليتفكّرروا في كلِّ سبب أدّرى إلى ضلالهم وانحرافهم عن الصاط المستقيم. ومن تأمّل ذلك وجد أن أعظم أسباب انحرافهم: اتّرباعهم لخطوات الشيطان وتضليله.- واتّرباعهم لأهوائهم المردية، ورغباتهم المخزية.- وإعراضهم عن الحقّر البينّر الذي أتاهم من الله تعالى. - وطاعتهم لمن فَسَدَ من أحبارهم ورهبانهم ومعظّرميهم الذين زيّرنوا لهم تلك - المقالات الكفرية وأمروهم باعتقادها واتّرباعهم عليها. فهذه من أعظم الأسباب التي أُحفكوا بها عن الحقّر، وخُحدِعُحوا بها عن سلوك سبيل الفوز والسعادة. ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴿ قوله تعالى: والوجه الخامس عشر: فإن العبد العاقل إنما يعبد من يجلب له النفع ويدفع عنه ﴾ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ الضر، وليس هذا لغير الله تعالى؛ فهو النافع الضار، وغيره إنما ضرره ونفعه بمشيئة

عدد الصفحات ٩٨

- 98 - الله تعالى، وهو مربوبٌ مدبرٌ، ناصيته بيد ربه لا يستقل بنفعٍ ولا ضر؛ فمن الحماقة عبادة من هذا شأنه!! ما دلّرت عليه هذا الآية من التنبيه على ما عرفوا من أنَّ والوجه السادس عشر: اليهود قد همّروا بقتل عيسى عليه السلام، وأنَّ عيسى لم يكن له طاقة بقتالهم ولا بدفعهم عن نفسه ولا تحصين أتباعه منهم، فلم يكن يملك الضرّر لأعدائه ولا النفع لأتباعه، وإنما الذي بيده النفع والضرّر هو الله تعالى، فكيف يزعمون أنّره إله من دون الله أو أنّره ابن الله. يسمع دعاءهم ﴾ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴿ قوله تعالى: والوجه السابع عشر: ويعلم أحوالهم، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمرهم؛ وهذا هو الإله الحق، ليس الذي لا يسمع دعاء عابديه ولا يعلم أحوالهم. فاستبدال عبادة الله تعالى الذي بيده النفع والضر وهو السميع العليم بعبادة من لا يملك لهم ضرا ولا نفعاً، ولا يسمع دعاءهم ولا يعلم أحوالهم من أعظم الجهل والسفه. ﴾ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﴿ أسلوب الحص في قوله تعالى: والوجه الثامن عشر: وهذان الاسمان الجليلان لو تفكّرر العباد فيهما لعلموا أنه لا ينبغي أن يعبد غير الله تعالى، فهو الذي وسع سمعه جميع الأصوات، على اختلاف اللغات، وتعدد الدعوات وتزامنها، لا يشغله سمع عن سمع، ولا يخفى عليه شيء، يعلم قصد كلّر داعٍ بدعوته، ومطّرلع على حاله ونيّرته، ويسمع كلّر ما ينطق به، ويعلم كل ما يدّرث به نفسه. وهذا لا يكون إلا لله تعالى؛ فكيف يُحعبد غيره؟!! من ﴾ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﴿ ما تضمّرنه قوله تعالى: والوجه التاسع عشر: الوعد باستجابة الدعاء لمن وحّرد الله تعالى واستجاب لدعوته.

عدد الصفحات ٩٩

- 99 - فيستجيب الله دعاء من يستجيب لدعوته؛ ويعرض عمن أعرض عن دعائه واستجابة دعوته، استجابة باستجابة، وإعراض بإعراض، والله تعالى يعلم حال المستجيبين والمعرضين. ويوم القيامة يجزي الذين استجابوا أحسن الجزاء في جنات النعيم، ويعاقب المعرضين أشدّر العقاب في نار جهنّرم وبئس المصير. فرجع الأمر إلى أنّر كلَّ إنسان يكون حكمه بحسب ما يضع نفسه من دعوة ربّره له، وحجة الله قائمة على كلّر خلقه، فمن أطاع الله واستجاب لدعوته سعد وفاز، ومن أعرض فلا يلومنّر إلا نفسه. ما تضمنته هذه الآيات الجليلة من الدلالة على أسماء الله والوجه العشرون: الحسنى وصفاته العليا، ولو تأمّرلت كلَّ وجه من الأوجه المتقدّرمة وجدت أنَّه من آثار بعض أسماء الله وصفاته. فانظر كيف اجتذب القلوب إلى عبادته وتوحيده بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وانظر إلى كمال حجة الله وإحكامها، حيث لا يبقى بعدها لذي باطل ما يستمسك به. وفقني الله وإياكم، لحسن تدبر كتابه الكريم، وتلاوته حق تلاوته، وفقه حججه، ونصة دينه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

عدد الصفحات ١٠٠

- 101 - الباب ال الأسلوب البياني هو الأسلوب الذي يُحعنى فيه صاحبه ببيان بلاغة القرآن، والتعريف بسمو ألفاظه، وسعة معانيه، وائتلافها وعدم اختلافها، وتناسب الألفاظ والمعاني، وتبيين لطائف الفروق بين الألفاظ، واستخراج الحكم من اختيار بعضها على بعض، وتجلية معاني الأساليب والتراكيب، وبيان أسرار التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والذكر والحذف، والإظهار والإضمار، والالتفات في الخطاب، والإسهاب والاقتضاب، وبيان معاني الحروف والإطلاقات، إلى غير ذلك من المباحث البيانية التي يُحعنى بها المفسّرون بهذا الأسلوب. ثمرات التف التفسير البياني لون من ألوان تبليغ معاني القرآن، والدعوة إلى الله تعالى بتمجيد كلامه، وبيان حسنه وعظمته، وذبّر الطعن عنه، ونفي الاختلاف فيه. وله ثمرات جليلة: بيان سعة معاني القرآن وسمو ألفاظه وتسنّرمه الذروة العليا من البيان. منها: تقرير ائتلاف معاني القرآن وعدم اختلافها، والجواب عما يثيره بعض ومنها: الطاعنين في بيان القرآن. الجواب عما يشكل على بعض العلماء والعامة من المسائل التي يرون في ومنها: ظاهرها إشكالاً يسبق إلى أذهانهم يستحثّرهم للسؤال عما يرفعه، وطلب الكشف

عدد الصفحات ١٠٢

- 102 - عن المعنى الصحيح الذي لا إشكال فيه؛ فيحصل بالبحث والسؤال واستعمال الأدوات البيانية ما يفيد السائل بأكثر مما سأل عنه غالباً، ويعرّرف بحسن بيان القرآن واتساق ألفاظه وائتلاف معانيه. أن الأدوات البيانية تفيد فوائد جليلة في تقرير الاستدلال لبعض أقوال ومنها: المفسّرين وتقوية حجّرتهم، وإعلال الأقوال الضعيفة وبيان ما يردّرها، والترجيح بين أقوال المفسين. التأثير بقوّرة بيان القرآن بسبب ما يصل من إدهاش المتلقّري بما يذهب ومنها: حيرته، ويكشف له عن معانٍ بديعة كانت غائبة عنه؛ وهذا الاندهاش والانبهار له تأثير بالغ على بعض النفوس فتنقاد به ويؤثر فيها ما لا يؤثره الأسلوب الوعظي. و التفسير بالأسلوب البياني يستدعي أهلية علمية حسنة في علوم البلاغة وفقه اللغة ومعاني الحروف والمفردات وأوجه الإعراب والتصيف. ويجب -مع ذلك- أن يكون التفسير البياني قائماً على قدر حسن من التأصيل العلمي في علم أصول التفسير وعلم العقيدة؛ لئلا يقود المفسَِّ استحسانُحه بعض ما يقرأ أو يخطر له من الأوجه البيانية إلى الخروج بقول باطل في التفسير أو مخالف لصحيح الاعتقاد. ومما يعي على تحسي الأسلوب البياني: دراسة مختصات في علوم اللغة المتقدّرم ذكرها دراسة حسنة يُحعنى فيها .1 بالأمثلة التطبيقية على مسائل التفسير، وهذا القدر مهمّر ليحصل للطالب تصوّرر حسن ومعرفة جيدة بمسائل التفسير البياني، وليُححْسن فهمَ كلام المفسين في هذا النوع من المسائل.

عدد الصفحات ١٠٣

- 103 - للطاهر»التحرير والتنوير« قراءة التفاسير التي تُحعنى بعلم البيان ومن أجودها.2 للزمخشري»الكشاف« للألوسي، و»روح المعا«، و»تفسير أبي السعود«ابن عاشور، و للبقاعي مع الاحتراز مما فيه من التكلف »نظم الدرر«مع الاحتراز من اعتزالياته، و حاشية الشهاب «، و»حاشية الطيبي على الكشاف«والأغلاط في بعض المواضع، و ، وغيرها. »الخفاجي على البيضاوي قراءة الرسائل التفسيرية التي يُحعنى أصحابها بالتفسير البياني، والاجتهاد .3 في محاولة محاكاتهم، واستعمال أدواتهم العلمية، وهي من أهمّر الأسباب المعينة ع تنمية ملكة التفسير البياني. قراءة الكتب التي تعدّر أصولاً في علم البلاغة ككتابي عبد القاهر الجرجاني .4 »الإيضاح« للزمخشري، و »أساس البلاغة «، و »دلائل الإعجاز « و»أسرار البلاغة « للقزويني، وغيرها، وهذه الكتب يتاجها طالب العلم لبحث المسائل البلاغية وتفصيلها. قراءة الكتب التي تعنى بالبلاغة القرآنية؛ ويكثر أصحابها من ذكر الأوجه . 5 لابن أبي الإصبع المصي، »بديع القرآن «البيانية في آيات القرآن، ومن أجودها للطيبي، وغيرها. »التبيان في علم البيان« لابن سنان الخفاجي، و»سرّر الفصاحة «و القراءة في كتب مُحشْكِل القرآن؛ والتعرف على أنواع الإشكالات التي تُحثار، .6 وأصول الرد عليها، والأدوات العلمية التي يستعملها العلماء في الجواب عنها، وتكرار هذه المسائل ينمّري ملكة طالب العلم في التعرف على أسباب الإشكالات أنموذج « لابن قتيبة، و»تأويل مشكل القرآن«وطرق كشفها، ومن أجود تلك الكتب لمحمد بن أبي بكر الرازي صاحب »جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل دفع « لابن تيمية، و»تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء«، و»مختار الصحاح« لمحمد الأمين الشنقيطي»إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب

عدد الصفحات ١٠٤