المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أساليب التفسير

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٤ من ١١

- 53 - والمقصود أن التبشير بهذا الفضل، وبيان اختصاصه بالمؤمنين، والنص على أنه فضل من الله، وإبهام هذا الفضل إبهام تعظيم وتفخيم؛ ووصفه بأنّره كبير، كل ذلك من دلائل تعظيمه لتشرئب الأعناق إليه، وتتطلع النفوس إليه، ويزداد شوقها ﭪ ﴿إليه، وزادهم الله عز وجل بيانًا وتشويقاً بأن وصف هذا الفضل بأنه كبير: .﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ف وما وعد الله به المؤمنين من الفضل العظيم منه ما بينّر في نصوص الكتاب والسنة، ومنه ما أخفي تشويقا لهم، ولأن عقولهم في هذه الحياة الدنيا لا تحتمله، وأمانيهم لا تبلغه. ومما يسن أن نذكّرر به أنفسنا ما بيّرنه الله تعالى وبيّرنه رسوله صلى الله عليه وسلم من فضائل الإيمان في الدنيا والآخرة، وهذا التذكر ينفع المؤمن فيتبصّر وينيب إلى ربّره، ويجتهد في تحقيق الإيمان واستكماله. . ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴿وقد قال الله تعالى: فمما جعله الله للمؤمني من الفضل الكبير: رؤيته جلّر وعلا في دار الكرامة. : أعلى الفضائل وأشرفها1 ، والتمتع بما فيها من النعيم، والإقامة فيها إقامة: ودخول جنّته دخول تكريم2 ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ﴿دائمة لا تحوّرل عنها، ولا نكد فيها: ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ .﴾ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ

عدد الصفحات ٥٤

- 54 - النجاة من سخط الله وعذابه، بل جعل الله تعا: ومن أعظم فضائل الإيمان:3 ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ﴿ذلك حقاً أوجبه على نفسه كما قال الله تعالى: .﴾ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ معيّرة الله تعالى لعباده المؤمنين كما قال الله : ومن أجلّ فضائل الإيمان وأشرفها: 4 ، وهذه المعية الخاصة لها آثارها المباركة، وأعظم﴾ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴿تعالى: آثارها محبّرة الله تعالى لهم وحفظه وتأييده. ما جعله الله لعباده المؤمنين، من الحياة الطيّربة المباركة : ومن فضائل الإيمان:5 بطمأنينة القلب، وسكينة النفس، وانشراح الصدر، وقرّرة العين، وكفايتهم، والتكفّرل لهم بحسن عاقبتهم. وإذا عصى العبد ربّره وأراد الله به خيراً عجّرل له عقوبته في الدنيا. روى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مغفل، أن رجلا لقي امرأة كانت بغيا في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت المرأة: مه، فإن الله عز وجل قد ذهب بالشرك وجاءنا بالإسلام؛ فتركها وولى، وجعل ينظر إليها حتى أصاب وجهه الحائط فشجَّه؛ ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، «فقال .ذنبه، وإذا أراد بعبد شرا أمسك عليه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة كأنه ع ما أوجبه الله لعبده المؤمن من حرمة حقّره، وتكفّرله : ومن فضائل الإيمان: 6 بحفظ حقه والمدافعة عنه، وانتصاره له ممن يظلمه، أو يناله بكلمة فأكثر أو يسيء به الظنّر به، أو يكيده بمكيدة، فكلّر ذلك محفوظ للمؤمن لا يضيع عند الله تعالى، يعجّرل الله لبعض المؤمنين بعض حقّرهم من ذلك في الحياة الدنيا، ويدّرخره لبعضهم ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴿فيأتيهم موفوراً يوم تنصب الموازين، وقد قال الله تعالى: .﴾ﮯﮰ

عدد الصفحات ٥٥

- 55 - ما أكرم الله به عباده المؤمنين من إجابة دعواتهم وذكره: ومن فضائل الإيمان: 7 ، وسماعه لما يبثونه من الشكوى﴾ ﯩ ﯪ﴿لهم إذا ذكروه، كما قال تعالى: والحاجات، وإجابته لهم في صلواتهم؛ ورحمته إياهم؛ بكشف كروبهم، وإنزال ﭞ ﴿السكينة عليهم، وكشف الغمّر عنهم، وهداية قلوبهم عند نزول المصائب .﴾ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ما جعله الله من روابط الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، : ومن فضائل الإيمان:8 وهذه الأخوة لها حقوق وآثار مباركة، فأوجب للمؤمن على إخوانه حقوقاً، وأدّربهم في معاملته والحديث معه. ما فتحه الله للمؤمن من أبواب الخير الكثيرة، حتى : ومن فضائل الإيمان: 9 جعله له من كلمات يسيرة يقولها أجوراً عظيمة مضاعفة، ومن تأمل ما جعله ا من ثواب الأذكار والأعمال الصالحة والأجور العظيمة المضاعفة عليها أدرك هذه الحقيقة، وأنها من دلائل محبّرة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبّرته لأن يستكثروا من فضله، وهذا الفضل خاصّر بالمؤمنين، فغير المؤمن لو عمل من هذه الأعمال ما عمل لم يقبله الله منه. أنّر المؤمن ما بقي صحيح الإيمان فإنّره يستجاب دعاء : ومن فضائل الإيمان:10 المؤمنين له، دعاء الملائكة ودعاء الأنبياء والصالحين، من أوّرل ما خلق الله الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فهذا الدعوات المتقبّرلة ينالها كلّر عبد مؤمن صحيح الإيمان، ويرم منها من حرم الإيمان. فهذه عشرة أنواع من فضائل الإيمان؛ كلّر نوع منها خير من الدنيا وما فيها.

عدد الصفحات ٥٦

- 56 - � والمقصود أنّر هذه البشرى العظيمة بالفضل الكبير من الله تعالى لها شرط قد تضمّرنته هذه الآية، وهو شرط الإيمان؛ فمن كان مؤمنا كان من أهل هذه البشرى العظيمة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الإيمان. ومما ينبغي أن يعلم أن الإيمان يتفاضل، فأعظم المؤمنين نصيباً من هذه البشرى أحسنهم إيماناً، والإيمان قول وعمل واعتقاد؛ وشأن إيمان القلب عظيم وهو أصل صلاح الجوارح، فإذا صلح القلب صلح سائر الجسد، وكم من الأعمال التي تتشابه في صورتها الظاهرة ويكون تفاوت الناس فيها عند الله تعالى تفاوتاً عظيماً في المحبّرة والأجر والتكريم. ومن تأمّرل فضائل الإيمان العظيمة، وتأمّرل عظيم الخسان لمن حرم هذه الفضائل، وسوء عاقبته، علم سبب شدة خوف السلف رحمهم الله من أن يُحسلب أحدهم الإيمان؛ فإن الفتن والمعاصي قد تغري العبد فيسترسل فيها حتى يسلب الإيمان وينسلخ من الدين؛ فيشقى الشقاء العظيم، والعياذ بالله تعالى. بل قد يقول المرء كلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّرم، كما صحّر بذلك الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في صحيح البخاري وغيره. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله «عليه وسلم قال .ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا «وكان سفيان الثوري رحمه الله يبكي ويقول .الموت ولذلك اشتدّر تحذير النبي صلى الله عليه وسلم وتحذير العلماء من التهاون في الذنوب والمعاصي؛ فإن العبد ما دام مصّرا على ذنب فهو على خطر من عقوبته؛ ومرض قلبه، وتعرّرضه لذنوب أعظم بسبب تهاونه في ذلك الذنب وإصراره عليه؛

عدد الصفحات ٥٧

- 57 - فالمعاصي بريد النفاق؛ ومن كثر غشيانه للمعاصي حصل له من مرض القلب أو موته بسبب تفشّر النفاق فيه ما يخشى عليه أن يزيد به حتى يموت قلبه بالكلية ويسلب الإيمان عند الموت والعياذ بالله تعالى. (إذا أصر على ترك ما أمر به من السنة، وفعل ما نهي عنه، فقد قال ابن تيمية: يعاقب بسلب فعل الواجبات، حتى قد يصير فاسقا أو داعيا إلى بدعة، وإن أصر على الكبائر، فقد يخاف عليه أن يسلب الإيمان، فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير، حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة، كما وقع هذا لغير واحد ممن كان ا.هـ.لهم أحوال من المكاشفات والتأثيرات) (اعلم أن العقوبات تختلف فتارة تعجَّل، وتارة تؤخَّر، وقال ابن القيم رحمه الله: وتارة يجمع الله على العاصي بينهما. العقوبة بسلب الإيمان، ودونها العقوبة بموت القلب، ومحو وأشد العقوبات: لذة الذكر والقراءة والدعاء والمناجاة منه، وربما دبَّت عقوبة القلب فيه دبيب الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بهما؛ فتعمى البصيرة. ا.هـ. ما كان واقعا بالبدن في الدنيا، وأهون منها ما وقع بالمال)وأهون العقوبة اللهم أحينا مؤمنين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، يا أرحم الراحمين.

عدد الصفحات ٥٨

- 58 - المثال الثاني: ر ﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴿ ﯽ ﴿ طمأنينة قلب المؤمن بذكر الله، كما قال الله تعالى: أصدق عامات الإنابة: ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍﰎ ﰏ .﴾ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ . رواه ابن جرير.(سكنت إلى ذكر الله واستأنست به)قال قتادة: سكونه واستئناسه ورضاه بسبب ذكر الله وما دلَّ فطمأنينة القلب بذكر الله: عليه. والباء فست بالسببية والمصاحبة والملابسة والاستعانة والتبرك، وكلها معانٍ صحيحة تتسع لها دلالة هذا الحرف. وهذه العلامة ما فسّر به ذِكْر الله هنا: الذكر: هو القرآن.فقيل: الذكر هو ذكر العبد ربَّه بلسانه.وقيل: الذكر هو ذكر العبد ربَّه في نفسه.وقيل: الذكر هو التذكر الذي ينتفع به العبد من تفكره في آيات الله ومخلوقاته.وقيل: وكل هذه المعاني صحيحة وهي من مدلول معنى ذكر الله جلَّ وعلا، وبها تحصل وعلم فإن المؤمن إذا دهمه ما يُزْعِجُه ويُْزِعه ثم ذَكَرَ ربَّه في نفسه طمأنينة القلب؛ أن له ربّرا سميعاً بصيراً رحيماً ودوداً لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء ولا يخذل أولياءه ولا يتخلىَّ عنهم، بل يهديهم وينصهم ويفظهم اطمأنَّ قلبُحه لما تذكَّر من

عدد الصفحات ٥٩

- 59 - أسماء الله وصفاته وآثارها التي لا تتخلف عنها أن لا يخاف ولا يزن وأن لا يضل ولا - وإذا ذكرَ وَعْدَ الله تعالى لمن اتبع هداه يشقى، وأن الله مع عباده المؤمنين المتقين يبهم ويؤيدهم وينصهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور: اطمأنَّ قلبه بذكر الله، وصدق وعده. وجد من نفسه طمأنينة لها وفرحاً بها ورضا ينشرح به الصدر - وإذا تا آيات الله وتسكن به النفس فيطمئنُّ القلب بذكر الله الذي أنزله على عباده؛ فيتبع العبد ما فيه من الهدى، ويعتبر بما فيه من العبر والمواعظ، ويعقل ما فيه من الأمثال، فيثبت بإذن ربه على الحق والهدى فيزيده الله هدى وفضلاً وثباتاً على الحق. واعتبر بما فيها من العبر العظيمة وتعرَّف بها على - وإذا تأمَّل آيات الله الكونية أسماء الله وصفاته، وأن من خلق هذا الكون العظيم فإنه أعظم منه، ومن سيرَّ هذه الأفلاك العظيمة بنظام دقيق عجيب محكم حكيم عليم قدير، وأن من يدبّرر أمور الكائنات على كثرتها الهائلة وتنوعها العظيم واختلافها وتزامنها لا يشغله شأن عن شأن، ولا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. ولا يزال يتفكر في نفسه وفي الآفاق وفي ما يراه من عجائب خلق الله تعالى للكائنات وتدبيره لأحوالها وتقديره لأوصافها وقسمه لأقواتها وأرزاقها وطبائعها وأخلاقها. فيكون هذا التفكر دليلاً يذكّرره بالله فيطمئنّر قلبه بذكر الله، ويثمر له هذا التفكر والتذكر ما يثمر من خشية الله والإنابة إليه وتعظيمه ومحبته والخضوع لأمره، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له. ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴿ويدلّر على هذا المعنى قول الله تعالى: ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ .﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

عدد الصفحات ٦٠

- 60 - ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﴿وقوله تعالى: ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ .﴾ﮁﮂ مؤمناً بالله جلَّ وعلا عَصَمَه الله من كيد الشيطان - وإذا ذَكَرَ العبدُ ربَّه بلسانه الوسواس الخناس الذي يوسوس فإذا ذكر العبد ربَّه خنس، وَوُحقِي أيضاً شرَّ وسوسة نفسه الأمارة بالسوء وشر وسوسة شياطين الإنس والجن، وإذا اندفعت هذه الوساوس عن القلب وعُحصم العبد من شرها اطمأن القلب لعصمته من الأذى الذي كان يزعجه ويقلقه؛ فإن ما يجب الطمأنينة عن القلب راجع إلى معانٍ متقاربة من التحزين والتيئيس والتشكيك والتخويف وكلها إنما مصدرها شرور النفوس ووساوس الشياطين؛ فإذا عُحصم العبد منها بقي القلب مطمئناً بذكر الله جلَّ وعلا. وهذه المعاني إذا تأملتها حقَّ التأمل وجدتها من أظهر علامات الإنابة إلى الله تعالى. وأن الشقي المحروم هو المعرض عن ذكر ربه، الذي إذا ذكر الله اشْمَأَزَّ قلبه، وإذا ﭛ ﭜ ﭝ ﴿تليت عليه آياته أعرض عنها؛ فهذا من المجرمين كما قال الله تعالى: .﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ومن تأمَّل العقوبات التي جعلها الله لمن أعرض عن ذكره علم شدة انتقام الله جلَّ وعلا ممن لا يُحنيب إليه ولا يطمئنّر قلبه بذكره. ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﴿قال الله تعالى: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ .﴾ﮩﮪ فتأمّرل شدة هذه العقوبة، وكيف أنها في مقابل ما يمنّر الله به على أهل الإنابة والخشية من فهم القرآن وفقهه والانتفاع به.

عدد الصفحات ٦١

- 61 - ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ فانظر حفظني الله وإياك ووقانا أسباب سخطه ونقمته عظم هذا الذنب وهو عمل قلبي وكيف أنه سبب لهذه العقوبات العظيمة من الشقاء والخذلان، وتسلط الإعراض عن وسبب ذلك: الشياطين، والحرمان من الهدى والانتفاع بالقرآن، ذكر الله. الإنابة إلى الله تعالى، وطمأنينة القلب بذكره.وعاجه: ﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓﰔ﴿ وتقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: يدلك على أن القلوب لا طمأنينة لها على الحقيقة إلا بذكر الله جلَّ وعلا؛ الذي هو ربهّرا وخالقها ومعبودها الحق لا إله إلا هو. وأنَّ ما يصل لأهل المعصية والإعراض من الفرح والانبساط إنما هو سكرة نفسية وخفَّة شيطانية كما يسكر صاحب الهمّر بالخمر فيجد لها انبساطاً فإذا صحا من سكرته عاد إليه كَدَرُحه، وحضرََهُح ضيقُحه وهمُّه أشد مما كان عليه؛ فيدفع أثر السُّكْرِ بِسُحكْرٍ مثلِهِ أو أشد.

عدد الصفحات ٦٢

- 63 - الباب الرابع: الاأ الأسلوب الاستنتاجي هو أسلوب قائم على استنباط الفوائد واستخراج المسائل والأحكام من الآيات القرآنية، سواء أكانت تلك الفوائد فقهية أم عقدية أم سلوكية أم لغوية. فالجامع الذي يجمعها هو أسلوب الاستنتاج والاستخراج والاستنباط، ومن أهل العلم من تكون له براعة في الاستنباط في هذه الأنواع كلها، ومنهم من تغلب عليه العناية بنوع منها. وغرض هذا الأسلوب الأصلي هو إفادة المتلقي بتلك الأحكام والفوائد، وبيان دلالة الآية عليها، والتنبيه على سعة معاني ألفاظ القرآن وتنوّرع دلالاتها. فوائد الاأ هذا الأسلوب فيه تمرين ذهني حسن، وإعمالٌ للأدوات العلمية التي تُحستخرج بها المسائل والفوائد والأحكام، ويعين على تنمية ملكة الاستنباط وتقويمها، ويقوّري نظر المفسّر، ويزيد من تفطّرنه لمآخذ الأقوال وعللها، وتقرير الاستدلال لها ونقدها. وإذا أحسن الطالب التدرب على هذا الأسلوب حتى يتمهّرر فيه فقد أوتي حظاً عظيماً من علم التفسير.

عدد الصفحات ٦٤

- 64 - طرق ينبغي لطالب العلم أن يتهد في تحسي أسلوبه الاستنتاجي من ثاثة جوانب: تنمية الإلمام بأصول التفسير وقواعده وضوابطه، حتى يكون الجانب الأول: كلامه في التفسير منضبطاً بالأصول العلمية، عالماً بتحرير مسائل التفسير، وطرق التعامل مع أقوال المفسين واستدلالاتهم، لئلا يقع في كلامه مخالفة للمنهج العلمي الصحيح في التفسير. التأهّرل في العلوم التي تتطلبها البراعة في الاستنتاج؛ فيدرس والجانب الثاني: مختصات في أصول الفقه والنحو والصف والبلاغة ومعاني الحروف وفقه اللغة والاشتقاق، وهذه العلوم غنيّرة بالأدوات العلمية التي تُحستخرج بها المسائل والفوائد، والتمكن من هذه العلوم من أعظم أسباب التفاوت بين المفسّرين في الاستنباط. وليحرص طالب العلم عند دراسته لتلك العلوم أن ينتفع بما يدرسه منها في التفسير. التمرّرن على محاكاة أساليب العلماء في الاستنباط، واستعمال والجانب الثالث: الأدوات التي يستعملونها، والتعرّرف على طرق استخراجهم للمسائل والفوائد وتطبيق ما تعلّرمه على ما يدرسه من الآيات. ومِن أحسن ما يعينه على تحسين أسلوبه الاستنتاجي قراءة الرسائل التفسيرية التي تظهر فيها العناية بهذا الأسلوب، والتمعّرن فيها.

عدد الصفحات ٦٥

- 65 - المخاطَبون بالاأ عامّرة المخاطبين بهذا الأسلوب هم من أهل العلم وطلابه، ولذلك ينبغي أن تكون لغة الخطاب في هذا الأسلوب لغة علمية رصينة، وأن يكون لما يذكره المفسّر من المسائل والفوائد وجهاً صحيحاً في الاستدلال والاستخراج، وأن يتجنب التكلّرف والتمحّرل، والتسّرع بإطلاق الأحكام والدعاوى من غير نظرٍ في موافقتها للنصوص ومقاصد الشريعة، ولذلك ينبغي أن يعرض المفسّرُح ما استخرجه من المسائل والفوائد على النصوص فما خالفها فهو مردود. عناية العلماء بالاأ عناية العلماء بالأسلوب الاستنتاجي ظاهرة جلية في كتب التفسير، والرسائل الشافعي منهم: وبرع في الاستنباط والاستخراج جماعة من العلماءالتفسيرية، وقد ابن جرير الطبري وابن خزيمة وابن المنذر والبخاري وأبو عبيد القاسم بن سامو . ابن حبّان والطحاويو شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب - ثم أتى بعدهم: وابن الجزري. الحافظ ابن حجر والسيوطي، وله كتاب مفرد في ذلك سماّره - ثمّ أتى بعدهم: .»الإكليل في استنباط التأويل« شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وله عناية بالغة بهذا- ثمّ أتى بعدهم: الأسلوب في عدد من رسائله في التفسير، والشوكاني كذلك له عناية حسنة بالاستنباط. عبد الرحمن السعدي، وعبد الرحمن المعلّرمي، ومحمد الأمين ثمّ أتى بعدهم: الشنقيطي، وابن عثيمين.

عدد الصفحات ٦٦

- 66 - ولهؤلاء العلماء وغيرهم في كتبهم ورسائلهم ما يدلّر على براعتهم في استخراج المسائل والفوائد والأحكام واللطائف. وبعض المفسّرين يستعمله في تفسير بعض الآيات من تفسيره فيميّرزها بمزيد عناية كما استنبط السعدي في تفسيره لآية الوضوء نحو خمسين فائدة؛ فخرج في هذا الموضع عن طريقته التي انتهجها في تفسيره إلى الأسلوب الاستنتاجي. وله رسالة في استنباط مائة فائدة من قصة يوسف، ولتلميذه الشيخ محمد العثيمين رحمه الله عناية حسنة بهذا الأسلوب في مواضع من تفسيره. ومن أمثلة ما كُتب بهذا الأسلوب: ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴿ الفوائد المستفادة من قول الله تعالى: .1 لابن القيّرم رحمه ا﴾ﮤ ﮥ تفسير صدر سورة المدثر لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.. 2 تفسير آية الوضوء للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه ا.3 القسم الثاني من تفسير آية الكرسي للشيخ محمد بن صالح العثيم.4 اأمثلة .﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴿ فوائد سلوكية من قول الله تعالى: .1 ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴿ تأمّرلات في قول الله تعالى: .2 .﴾ﮚ التطبيق: - اكتب رسالة تفسيرية بالأسلوب الاستنتاجي.

عدد الصفحات ٦٧

- 67 - المثال الاأول: فوائد ...﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴿ الحمد لله الذي له المحامد كلها، على كرمه وعلمه، وعلى عفوه وحلمه، وعلى هدايته وتوفيقه، والصلاة والسلام على خير عباده، وصفوة أوليائه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أما بعد: وبيان ﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴿ فهذه فوائد سلوكية من تدبر قول الله تعالى: ما تضمَّنه من هدايات جليلة القدر عظيمة النفع لمن وفّرقه الله: تضمّرن هذه الآية الكريمة بيان سرّر السعادة وسبب الفوز والفلاح في فمنها: الدنيا والآخرة، وهو الاستجابة لله تعالى؛ فالمستجيب هو السعيد الذي له كتب الله له الحُحسْنى. والله لا يخلف – ما في هذه الآية ضمان كريم ووعد صادق من الله تعالى ومنها: الميعاد - أن من استجاب له تعالى فسيكون في أحسن حال. ُحسنى في الآية عامّر للحال والمآل على أظهر أقوال المفسّرين. أنَّ وصف الح ومنها: ُحسنى أنَّ بناء لفظ ومنها: حسن الحال وحسن الجزاء، كما يقال: المثلى والوُحثقى والعظمى والكبرى للدلالة على بلوغ منتهى الغاية في ذلك. أن هذا الجزاء منحة خاصة لأهل الاستجابة لا يشاركهم فيها غيرهم؛ ومنها: ﯿ ﴿فلهم بها أعظم الامتياز عن غيرهم، دلَّ على ذلك تقديم الجار والمجرور .﴾ﰀ ﰁ ﰂ أن الاستجابة لا تكون إلا بعد دعوة فدلَّ ذلك على سبق بيان الهدى؛ ومنها: وتكفّرل الله تعالى به في كل ما يتاجه العبد وإنما عليه الاستجابة.

عدد الصفحات ٦٨

- 68 - أن هذا الثواب عام في الدنيا والآخرة، وسيجد المستجيب لربه أحسن ماومنها: يُحنال وأفضله في الميزان الصحيح. اقران ذكر الاستجابة بوصف الربوبية له دلالات عظيمة: أن ومنها: أنه تعالى هو ربّر المستجيبين ربوبية خاصة تملأ قلوبهم ثقة وطمأنينة إحداها: بحسن هداه وصدق وعده. أنه تعالى أعلم بما يصلح عباده وأرحم بهم من أنفسهم؛ فقد يمنعهم والثانية: بعض ما يشتهونه وقاية لهم مما يفضي إلى شقاوتهم وهلاكهم. أنه تعالى هو الربّر الكفيل ببيان هداه وإنجاز وعده. والثالثة: أنَّ المستجيب الصادق سيجد العون على الاستجابة لربّره جلّر وعلا. والرابعة: أن هذه الاستجابة ميسَّة لا حرج فيها دلَّ على ذلك ومن الفوائد أيضاً: استصحاب أصل رفع الحرج في كلّر ما يأمر الله به عباده. ﯿ ﰀ ﴿ أن استجابة العبد يجب أن تكون خالصة لربه جلّر وعلا ومنها: أي ﴾ﰁ﴿ دلّر على ذلك معنى الاختصاص في حرف اللام في قوله تعالى: ﴾ﰁ لا لغيره؛ فيعمل الطاعات امتثالاً لأمر الله وابتغاء وجهه. أن استجابة العباد لربهّرم على درجات متفاوتة، دلّر على ذلك ظهور ومنها: التفاوت في تحقيق الاستجابة؛ فمن المستجيبين من هو محسن في استجابته مسارع بها إلى الله تعالى؛ فله أحسن الجزاء وأحسن العاقبة، ومنهم المقتصد الذي يستجيب استجابة تبرأ بها عُحهدته، فينال بذلك حسن ثواب المتّرقين، ومنهم الظالم لنفسه الذي في استجابته نقص وتفريط؛ فيستجيب له في أصل الدين وما يفظ به إسلامه ويقصّر في بعض ما يجب عليه فيما وراء ذلك؛ فله من حسن العاقبة ما وعد الله به أهل الإسلام من النجاة من النار ودخول الجنّرة وإن عُحذّرب قبل ذلك ما عذّرب. فهؤلاء كلهم من أهل الاستجابة، والتفاضل بينهم في الحال والجزاء عظيم كما تفاضلوا في الاستجابة.

عدد الصفحات ٦٩

- 69 - فتبينّر بذلك أن أسعد الناس بأحسن الأحوال والجزاء أحسنهم استجابة لربه جلّر وعلا. ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﴿وأمّرا الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴾ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙﰚ ﰛ ﰜﰝ فهم الذين لم يستجيبوا له في أصل الدين وهم الكفار والمنافقون، والعياذ بالله. أنَّ العبدَ لو تأمّرل أسباب شقائه وسوء حاله لوجده راجعاً إلى أصل ومنها: واحد، وهو تقصيره في استجابته لربه فساءت حاله لما أساء. أنَّ كل أمر يعترض العبد يقابله هدى من الله تعالى يُحِبُّ أن يستجاب له ومنها: فيه؛ فمن استجاب فاز بالحسنى ومن أعرض عرّرض نفسه لسوء الحال والعقاب. أنَّ يقين العبد بأن مدار سعادته وفوزه وفلاحه على استجابته لله تعالى ومنها: يجعله دائم الفكر فيما يرضي ربه وما يب أن يستجاب له فيه، وهنا سر العبودية. أنَّه من المُححَال شرعا وعقلاً عند أهل العلم والإيمان أن تكون عاقبة ومنها: المستجيب لربه سيئة، فمن أيقن بهذا أحسن الظنّر بالله، ورضي به ربّرا، وتيسّر له تحقيق التوكل. ﴾ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴿فهذه بضع عشرة فائدة سلوكية في قوله تعالى: من تبصَّ بها وفقه معانيها وعرف قدرها تبيَّنت له مناسبة قول الله تعالى في الآية .﴾ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴿التي تليها: هذا مما فتح الله تعالى به من بيان بعض ما تضمنته هذه الآية من الفوائد السلوكية على تقصير في الشرح وقصور في التعبير عن دلائل هذه الكلمة العظيمة، أسأل الله تعالى أن يتقبلها ويبارك فيها إنه حميد مجيد. وأستغفر الله تعالى من الخطأ والزلل، وصلى الله وسلّرم على نبيّرنا محمد وعلى آله وصحبه.

عدد الصفحات ٧٠