المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أساليب التفسير

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٣ من ١١

- 37 - ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴿وبهذا فس المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴿، ومثله قوله تعالى: ﴾ﭼ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ، قال ابن كعب وغيره من ﴾ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀﰁ السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان فعرف ربه وأَنِسَ به في خلوته وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك؟ . بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك...) إشارة إلى أن «(وقوله صلى الله عليه وسلمإلى أن قال: العابد يتخيل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة لا ببصه ولا بقلبه . وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة كما يزعم ا.هـ. ذلك من يزعمه من الصوفية - فهو زعم باطل) وهذا الذي ذكره هو ما يسمى بالمثال العلمي، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً في مواضع من كتبه، ومن أفضل من عبر عنه فيما اطلعت عليه ابن القيم رحمه (إذا شرح الله صدر عبده بنوره الذي يقذفه : »شفاء العليل«الله تعالى إذ قال في كتابه في قلبه أراه في ضوء ذلك النور حقائق الأسماء والصفات التي تضل فيها معرفة العبد إذ لا يمكن أن يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر، وأراه في ضوء ذلك النور حقائق الإيمان وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها وتفاوت معرفة الأسماء والصفات والإيمان والإخلاص وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور.

عدد الصفحات ٣٨

- 38 - ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴿ قال تعالى: . ﴾ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴿وقال: .﴾ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى مستويا على عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن؛ فيشهد بقلبه ربًّا عظيماً قاهرًا قادرًا أكبرَ من كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، السماوات السبع قبضة إحدى يديه، والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى، يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، ثم يهزُّهن ثم يقول: أنا الملك. فالسماوات السبع في كفِّه كخردلة في كف العبد، ييط ولا ياط به، ويص خلقه ولا يصونه، ويدركهم ولا يدركونه، لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق قاموا صفًا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه. ثم يشهده في علمه فوق كل عليم، وفي قدرته فوق كل قدير، وفي جوده فوق كل جواد، وفي رحمته فوق كل رحيم، وفي جماله فوق كل جميل، حتى لو كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم ثم أعطى الخلق كلهم مثل ذلك الجمال لكانت نسبته إلى جمال الرب سبحانه دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس. ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطى كل منهم مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش. ولو كان جودهم على رجل واحد وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر. وكذلك علم الخلائق إذا نسبة إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر.

عدد الصفحات ٣٩

- 39 - وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصه وإرادته فلو فرض البحر المحيط بالأرض مداد تحيط به سبعة أبحر وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شيء أقلام لفني ذلك المداد والأقلام ولا تفنى كلماته ولا تنفد. فهو أكبر في علمه من كل عالم وفي قدرته من كل قادر، وفي جوده من كل جواد، وفي غناه من كل غني، وفي علوه من كل عالٍ، وفي رحمته من كل رحيم. استوى على عرشه واستولى على خلقه، متفرد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط ولا منع ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضر إلا بيده، لا مالك غيره ولا مدبر سواه، لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا له شركة في ملكها، ولا يتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين، ولا يغيب فيخلفه غيره، ولا يعيَا فيعينه سواه، ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء وفي من شاء؛ فهو أول مشاهد المعرفة، ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه لا يتم إلا به وهو مشهد الإلهية؛ فيشهده سبحانه متجلياً في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه فيشهد ربًّا قيومًا متكلماً آمرًا ناهيًا، يب ويبغض ويرضى ويغضب، قد أرسل رسله وأنزل كتبه وأقام على عباده الحجة البالغة، وأتم عليهم نعمته السابغة، يهدى من يشاء منه نعمة وفضلاً، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلاً، يُحنزل إليهم أوامره، وتعرض عليه أعمالهم، لم يخلقهم عبثاً، ولم يتركهم سدًى، بل أَمْره جارٍ عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم؛ فلله عليهم حُحكْمٌ وأمر في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ ولحظةٍ ولفظةٍ. وَينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وبره في شرعه وأحكامه، وأنها أحكام رب رحيم محسن لطيف حكيم، قد بهرت حكمته العقول وأقرت بها الفِطَر، وشهدت لمنزلها بالوحدانية، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة، وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال، وتنزيهه سبحانه عن النقص والمثال، وإن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى، وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزه متعالٍ عنه.

عدد الصفحات ٤٠

- 40 - وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر وما أخبر به الرسول عنه حتى كأنه يشاهده عيانًا، وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده، إخبار من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به؛ فمن أراد سبحانه هدايته شرح صدره لهذا فاتسع له وانفسح، ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج لا يجد فيه مسلكا ولا منفذًا، والله الموفق المعين. وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة ويطلعه على العدل والتوحيد ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﴿الذي تضمنهما قوله: ا.هـ. )﴾ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ

عدد الصفحات ٤١

- 41 - الباب الثالث: الاأ الأسلوب الوعظي هو الأسلوبُح الذي يكون غرضُح المتكلم به وعظ المتلقّرين وتبصيرهم بالهدى وتذكيرهم بآيات الله، وترقيق القلوب، وتزكية النفوس، والحث على التقوى والإحسان، والتحذير من الفتن والأهواء، وغير ذلك من مقاصد الوعظ التي تقوم على التبصير والتذكير، والترغيب والترهيب، والبشارة والنذارة. وهو من أنفع الأساليب وأحسنها أثراً، وأعظمها ثمرة إذا كان قائماً على أصول علمية صحيحة، وقد بينّر الله تعالى أن من مقاصد إنزال القرآن الكريم وعظَ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴿المؤمنين وتذكيرَهم؛ فقال تعالى: .﴾ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ .﴾ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿وقال تعالى: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭹ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴿وقال تعالى: .﴾ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿وقال تعالى: .﴾ﮦ ﮧ

عدد الصفحات ٤٢

- 42 - بل لعظمة هذا المقصد وحُحسْنِ أثره ذُحكر بصيغة الحص المنبّرهة على تقديمه ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴿والعناية به؛ فقال تعالى: .﴾ﮀ ﮁ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﴿وقال الله تعالى: وهذا فيه أمرٌ بخطاب الوعظ والتذكير، وتنبيهٌ على أهميته وحاجة الأمة ﴾ﮰ ﮱ إليه، وفيه أيضاً تنبيه على أنّر الوعظ منه حسن ومنه غير حسن، والمأمور به هو الوعظ الحسن، وهو الذي يُحتّربع فيه هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيكون قائماً على العلم ورعاية المصلحة الشرعية لمن يدعى به. وأمّرا الوعظ القائم على الجهل ونشر الأقوال الباطلة والأخبار الواهية والقصص الخرافية؛ فهو وعظ غير حسن، وإن كان له تأثير على بعض النفوس. وكذلك الوعظ الذي لا تراعى فيه مصلحة الملتقّري؛ فإنّره قد يُحسئ فيه الواعظ من حيث يتسب النفع؛ فخطاب الخائف الوجل الذي يشفق على نفسه من شدة الخوف وربما اشتكى أذى شديدا من الوسوسة التي تدعوه إلى اليأس من رحمة الله لا يصلح أن يكون كخطاب الذي يعرف منه التهتّرك والمجاهرة بالمعاصي، ويظهر منه الفرح بها، والتفاخر بما أصاب منها. وينبغي للواعظ أن يفقه المقصد الأعظم من الوعظ وهو تعظيم الله تعالى وحمَْدِه وتمجيده وتنزيهه عما لا يليق به؛ ودعوة الناس لتوحيده وعبادته محبّرة وتعظيماً وخوفاً ورجاءً على طريقة التسديد والمقاربة. فمن الوُحعّراظ من يتشدد في الترهيب والتحذير أو يتوسّرع في الترغيب والانبساط؛ فيذكر في حديثه من الأقوال الباطلة والآثار الواهية أو التي تفهم على غير وجهها ما يلقي به إلى أذهان المتلقين معاني لا تليق بالله جل وعلا؛ حتى يكون أحقَّ بالوَعْظِ ممن يَعِظُحهم.

عدد الصفحات ٤٣

- 43 - اأ والمتكلّمون في تبليغ معاني القرآن الكريم بأسلوب الوعظ والتذكير على أصناف: صنف تكلّرموا فيه بحقّره؛ فجمعوا الأهلية العلمية وإحسان الخطاب بهذا .1 الأسلوب، فانتفعوا ونفع الله بهم، وقد سلك هذا المسلك جماعة من العلماء بيان معاني القرآن للناس، وتعريفهم بهداه؛ فكتبوا الرسائل والكتب في تفسير بعض الآيات، وكانت لغتهم فيما كتبوا لغةً وَعْظيةً مؤثرة، قائمة على أصول علمية ابن القيم وتلميذه ابن تيمية شيخ الإسلام ومن أشهر من كتب في ذلك:صحيحة، .السعدي، وابن رجبو وصنف تكلّرموا بهذا الأسلوب وكانت لهم براعة في مخاطبة العامّرة به، وقدرة .2 على تقريب المعاني، واسترعاء الانتباه، وإيصال الفكرة إلى المتلقّرين بطريقة مدهشة ممتعة، أو مؤثرة تأثيراً بالغاً، لكن دخل عليهم الغلط من جانب ضعف الأهلية العلمية؛ فأشاعوا بعض الأقوال الباطلة، والروايات الواهية، والتأملات الخاطئة. وصنف تكلموا فيه بأهليّرة علمية حسنة لكن لم تكن لهم عناية بإحسان .3 الأسلوب الوعظي؛ فدخل الضعف في كلماتهم وعباراتهم، وضَعُحفَ تأثيرها بسبب ضعف أسلوبهم. ركائز الاأ الوعظ قائم على ركيزتي: التبصير بالهدى فيما يُحتاج إليه، والتذكير به. إحداهما: فإنَّ محركات القلوب الثاثة (المحبة والخوف والرجاء) استحثاث والأخرى: هذه العبادات العظيمة هي أصل صلاح القلوب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كلّره.

عدد الصفحات ٤٤

- 44 - فيطيع الله عز وجل محبة له، مع خوفه- فمن المؤمني من يغلب عليه دافع المحبة من الله ورجائه له، لكن الذي يغلب على قلبه سلطانُح المحبة وصدق التقرب إلى الله عز وجل. فيطيع الله خوفاً منه؛ فالذي يمله - ومن المؤمني من يغلب عليه الخوف من الله على فعل الطاعات واجتناب المحرمات غالباً إنما هو خوفه من الله. فتجد أنَّ أكثر ما يمله على فعل - ومن المؤمني من يغلب عليه رجاء ثواب الله الطاعات واجتناب المحرمات هو رجاء ثواب الله وفضله. والكمال أن يجمع العبد بين هذه الثلاثة، فيطيع الله محبة له، وخوفاً منه، ورجاء لثوابه وفضله. والمقصود أن وعظ العلماء قائم على هاتي الركيزتي: تثمر التبصّر واليقين وحسن المعرفة بالله تعالى وبهداه. فالركيزة الأولى تثمر الاستقامة والتقوى. والركيزة الثانية والجمع بينهما هو في حقيقته جمع بين العلم والعمل، لأن صحة العلم مرجعها إلى تعرّرف هدى الله تعالى والتبصّر به وتذكّرره، وصلاح العمل مرجعه إلى صلاح الإرادة الذي مبعثه صلاح القلب. ت يجب على الواعظ أن يصحِّحَ مقاصده في الوعظ وأن يجتهد في تحقيق الصدق والإخلاص فيه. وكلُّ عَمَلٍ يعمله العبدُح صادقاً مخلصاً لله تعالى فيه؛ فإنَّه لا يضيع عند الله تعالى؛ لأنَّ اجتماع الصدق والإخلاص يصل به معنى الإحسان، وقد قال الله تعالى: .﴾ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴿

عدد الصفحات ٤٥

- 45 - أنَّ الإمام أحمد ذُحكرَ له الصدق »الآداب الشرعية «وقد ذكر ابن مفلح . (بهذا ارتفع القوم)والإخلاص فقال: (يكثر في كلام مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإخلاص حتى يقولون الله في الأرض ما وضع على شيء إلا قطعه .صدق اللهَ عبدٌ إلا صنع له (والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب كما يقرن بين وقال أيضاً: ا.هـ.الصدق والإخلاص) والمقصود أن الموعظة الخالصة الصادقة تنفع صاحبها والمخاطَبين بها بإذن الله؛ ويرجى أن يُحكتب لها القبول والبركة وحسن الأثر. وقد قيل: إن الحديث إذا خرج من القلب وقع في القلب. وتصحيح المقاصد يشمل جميع ما يصحّر أن ينويه الواعظ بموعظته، وهو باب واسع، وأصله إخلاص النية لله تعالى في الموعظة، والصدق في اتّرباع هداه وامتثال أمره. ثمّر يصحب ذلك مقاصد صالحة يثاب عليها ثواباً زائداً بحسب نيّرته وعمله؛ ومن ذلك: إرادة نفع الموعوظين، والتقرب إلى الله تعالى بالدعوة إليه على بصيرة، والسعي في الإصلاح، والدلالة على أبواب الخير، والإعانة عليه، وصدق الرغبة في فضل الله تعالى وبركاته، والتعرّرض لرحماته ونفحاته، وإعداد النفس وتمرينها لتصل إلى مرتبة الإحسان في الوعظ، والله تعالى قد كتب الإحسان على كلّر شيء، وهو يبّر مِن كل عامل أن يُحسن عمله، وأخبر أنه مع المحسنين. فالمقاصد الصالحة في الوعظ كثيرة متنوّرعة، ويرجى أن يضاعف للواعظ الصالح أجره بتعدد مقاصده الصالحة.

عدد الصفحات ٤٦

- 46 - وليكن الواعظ على حذر وتوقٍّ مما يفسد النية، ويبط العمل، ويجلب المقت، ويضعف الإرادة، من التسميع والمراءاة، والتنطع والتكلّرف، ومخالفة العمل للقول، والاستجابة لما يثبّرط ويعوّرق عن الدعوة إلى الله تعالى. طرق ينبغي للمفسّر أن يجتهد في تحسين أسلوبه الوعظي في التفسير لأنه أرجى لكثرة الانتفاع بعلمه، وتوسيع دائرة المخاطبين به، وبقاء أثره في النفوس. ولتحسين هذا الأسلوب ينبغي للمفسّر أن يعتني بما يؤثّرر على نفس المخاطَب من حسن البيان عن معاني القرآن، والبعد عن التعقيد اللفظي والمعنوي، وترك الإسهاب فيما لا صلة له بمقام الوعظ، وتحلية خطابه بالآثار والأخبار والقصص والأمثال ونحو ذلك مما له تأثير بالغ على القلوب؛ فيضيف إلى تفسيره ما يتقوّرى به سلطان الوعظ على القلوب، وليحرص على الاستزادة من القراءة في الكتب والرسائل التي أحسن أصحابها الحديث بهذا الأسلوب، وكان لحديثهم قبول وتأثير؛ فيقتبس من طريقتهم ما يسّرن به أسلوبه. ومما يقوّري تأثير الرسالة التفسيرية الوعظية تحليتُحها بالعبارات الموجزة المؤثّررة التي تُحنتقى من كلام أهل العلم وحِكَمِهم ووصاياهم، وكذلك ما يُحنتقى القصص والأخبار التي فيها عِبرٌَ وآيات، ولها تأثير على نفوس المتلقّرين. استخراجُح الفوائد السلوكية من ومما يعي على تحسي الأسلوب الوعظي أيضاً: الآيات ثم تضمينها في الرسالة في المواضع المناسبة.

عدد الصفحات ٤٧

- 47 - الاقت أسلوب الوعظ تحتاجه جميع النفوس بالقدر الذي يقيمها ولا يُحملّرها، وينفعها ولا يضرّرها؛ فإن النفس إذا أهمل وعظها وتذكيرها أدركتها الغفلة وتسلط عليها الجهل والهوى، وإذا أُحكثر عليها من الوعظ سئمت وأدبرت ولم تنتفع بالموعظة، ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلّرم وهدي أصحابه الاقتصاد في الوعظ والتذكير. قال أبو وائل شقيق بن سلمة: كان عبد ا خميس؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ «قال . متفق عليه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بها، مخافة السآمة علينا المخاطَبون باأ أسلوب الوعظ يناسب العامّة والخاصّة: فلتكن موعظته ميسَّة قريبة لأفهامهم، - فإذا كان المفسُّ يخاطب العامّة وليجتنب الإسهاب فيما لا يناسب أفهامهم من المسائل العلمية. ؛ فليكن وعظه مبنياً على تحرير علمي - وإذا كان يخاطب طاب العلم وأهله حسن، وعناية بتقرير الفوائد السلوكية، وإفادة المخاطبين بما ينفعهم من النقول والتقريرات ولطائف الاستدلالات. وقد تعرض للمفسّ مسألة يحتاج فيها إلى استخدام أسلوب التحرير العلمي في الرسالة الوعظية؛ فيكون تحريره على مرتبتي بحسب المتلقي: فإذا كان التفسير موجهاً للعامّرة فيكفي أن يذكر لهم الخلاصة في مسائل .1 الخلاف القوي، وأما مسائل الخلاف الضعيف فالأولى أن لا يشير إليه إلا لفائدة عارضة.

عدد الصفحات ٤٨

- 48 - وإذا كان التفسير موجهاً لطلاب العلم والدعاة والعلماء فيفصّرل فيه بالقدر .2 الذي يتمله المقام، وقد يتاج إلى التفصيل في بعض المسائل لدفع إشكال، أو بيان خطأ فهم شائع، أو بيان علّرة قول مشتهر لا يصحّر، ونحو ذلك من غير أن يخرج عن مقاصد الأسلوب الوعظي. عناية العلماء بالاأ عناية العلماء بأسلوب الوعظ العلمي عناية ظاهرة بيّرنة، وما كتبوه من الرسائل ومن أمثلة ما كُتب بالأسلوب الوعظي والفصول التفسيرية شاهد على ذلك، العلمي: ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴿ رسالة في تفسير قول الله تعالى: .1 لابن القيم﴾...ﯢ ﯣ ﯤ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴿ رسالة في تفسير قول الله تعالى: .2 ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ لشيخ الإسلام ابن تيمية.﴾ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ الاأمثلة: .﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ﴿ رسالة في تفسير قول الله تعالى: .1 ﴾ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓﰔ﴿ رسالة في تفسير قول الله تعالى: .2 التطبيق - اكتب رسالة تفسيرية بالأسلوب الوعظيّر.

عدد الصفحات ٤٩

- 49 - الاأول: رالمثال ﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً اأما بعد: .﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴿فهذه تأملات في قول الله تعالى: هذه الآية تضمّرنت دلائل عظيمة ولطائف بديعة، تدبّررها والتفكّرر فيها يزيد المؤمن إيماناً ويقيناً ومحبّرة لله تعالى، وبصيرة في دينه. فمن ذلك تصدير الآية بالأمر بالتبشير؛ لما للتبشير من أثر عظيم على النفس البشرية؛ فهو ينمّري الرجاء في القلب ويعظّرمه، ويشرع أبواب الأمل، ويعين على الاجتهاد في العمل، ويدفع عن النفس كثيراً من كيد الشيطان وتوهينه وتضليله؛ فإنّر عين البصيرة إذا انفتحت على سبيل الفضل والتكريم، وأيقنت بحسن عاقبة سلوك هذا السبيل لم تلتفت إلى غيره. وتبشير الله تعالى لعباده المؤمنين دليل من جملة دلائل على عنايته تعالى بهم، ومحبته لهم، ولهذه العناية والمحبة آثارها العظيمة المباركة، فهي محبة من لا يعجزه شيء، ولا يخفي عليه شيء، ولا يغيض من ملكه كثرةُح عطائه.

عدد الصفحات ٥٠

- 50 - ومما يدل على تأكيد عناية الله تعالى بهم ومحبته لتبشيرهم؛ أنه كرر الأمر ع ﭪ ﴿نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن مرارًا أن يبشرهم، فورد قوله تعالى: ﭑ ﴿ بهذا اللفظ في القرآن في خمسة مواضع، وورد أيضًا في موضعين: ﴾ﭫ .﴾ﮚ ﮛ﴿، وفي موضعين: ﴾ﭒ ﭓ من الله تعالى ومن نبيّره صلى الله عليه وما يقوم في قلب المؤمن عند تلقّيه البشرى وسلم له اعتبار عظيم عند الله جلّر وعلا، وقد تضافرت النصوص على أن تلقّري البشرى بالقبول والشكر والفرح بفضل الله تعالى من دلائل الإيمان ومن موجبات رحمة الله تعالى ومحبّرته لمن يقوم بقلبه تلك العبادات التي يبّرها الله. كما أنّر الإعراض عن تلك البشرى، ومقابلتها بالتشكيك والتهوين، من دلائل مرض القلب ونفاقه، واستحقاقه للحرمان من فضل الله تعالى. فإنّر نظر الله تعالى إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأجسام. إلى الله فرح بفضله فالمؤمن الذي يتلقّى البشارة التي تأتيه من الله بقلب منيب ورحمته شاكر لنعمته يرجى له أن يهديه الله إلى فقه دلائل تلك البشرى العظيمة، ومعرفة مقاصدها، والتبصّر بشروطها وآثارها وآدابها وما أراد الله تعالى من عبده المؤمن بها؛ فإنّر فقه ذلك من العلم الجليل، بل هو صفو العلم وخلاصته، الذي يختصّر الله به أهل البصائر وأولي الألباب من عباده؛ فإنّر الخطاب في القرآن أشرف الخطاب، ومعانيه أجلّر المعاني، وشأنه أعظم الشأن؛ فمن عقله وفقه دلائله ومقاصده فقد أوتي علماً عظيماً وخيراً كثيراً. وهذه الآية قد اجتمع فيها على وجازة لفظها من اللطائف الدالة على عظم هذه ما يملنا على تدبّررها والتفكر فيها وتذكير النفس بمقاصدها ودلائلها البشرى حتى نكتسب اليقين بفضل الله تعالى، وأنه فضل كبير؛ فيحملنا هذا اليقين المبني على حسن التصديق على السعي لتحقيق الشرط الذي تُحنال به هذه البشارة العظيمة، وهو شرط قد تضمّرنت الآية بيانه.

عدد الصفحات ٥١

- 51 - ؛ أن توجّره الأمر بالتبشير إلى النبي صلى الله عليه : فأوّل اللطائف في هذه الآية 1 وسلم ليبلّرغه أمّرته، وتعيين الرسول الكريم واسطة لتبليغ هذا الأمر دليل على عظم شأنه؛ فالأمور العظيمة يخُحتار لتبليغها العظماء. التوكيد بأنّر؛ وبشرّر المؤمنين بأنّر لهم من الله فضلاً كبيراً، : واللطيفة الثانية 2 والتوكيد له أثر لا يخفى على نفس المخاطب تقديم اللام المشعرة بالاختصاص: واللطيفة الثالثة: 3 فضل خاص بالمؤمنين، وهذه اللام مع دلالتها على الاختصاص تدلّر على التمك والتمليك بمقتضى هذا الوعد الكريم. ﭪ ﭫ ﴿ النصّر على أنّر هذا الفضل من الله تعالى، : واللطيفة الرابعة:4 .﴾ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ فالنص بأن هذا الفضل من الله وبالصيغة المؤكدة يحمل دلائلَ عظيمةَ الأثر في قلوب المؤمني: دلالتها على أن هذا الفضل فضل عظيم، جدّر عظيم؛ لأنه فضل من فمن ذلك:• الله، وليس من غيره، والله تعالى عليم بما يُحرضي عباده، وما تقر به عيونهم، وتحسن به عاقبتهم. دلالتها على محبة الله تعالى لهم؛ بأن نص على أن هذا الفضل منه ومن ذلك: • -جل وعلاّر-، وأنه اختصاص خصّرهم به. تحصيل اليقين بقدرة الله تعالى على الوفاء بما وعدهم من الفضل ومن ذلك: • الكبير؛ فإنّره وعد من قادر لا يعجزه شيء. أنه فضل يكفي عن وصفه وتعيين نوعه وأفراده، أنه فضل من ومن ذلك: • الله؛ وكل عطية موعودة، يزنها الناس بقدر معطيها، ألا ترون أن الناس يستشرفون لأعطيات الكبراء من الملوك والتجّرار، لمظنة أن أعطياتهم جزلة كثيرة؟!

عدد الصفحات ٥٢

- 52 - وهو تنكير إبهام لغرض ﴾ ﭰ﴿ التنكير في قوله: : واللطيفة الخامسة: 5 التفخيم والتعظيم وإبهام العطية الموعودة من قادر عليها يشوّرق النفس إليها. فلو أنّر ملكاً من الملوك أو ثريّرا من الأثرياء وعد رجلاً بعطيّرة فأبهمها إبهام تفخيم؛ لعلم الموعود أنه إنما أبهمها لتعظيمها، فيحصل له يقين بعظمها بسبب هذا الإبهام، وتذهب آماله كل مذهب لثقته بقدرة ذلك الملك أو ذلك الثريّر على الوفاء بالأعطيات العظيمة. ونحن نعلم أن هؤلاء الملوك والأثرياء والكبراء لا يساوون في ملك الله عز وجل شيئًا يذكر، ولو اجتمعوا جميعًا من أول ما خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة على أن يعطوا أعطية عظيمة؛ فإنهم لن يبلغوا في ملك الله تعالى نقرة عصفور في بحر عظيم، ولا ينقصون من ملك الله إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ثم أُحخرج منه، فهذا القدر من الماء الذي يعلق بالإبرة لا يساوي شيئًا يذكر بالنسبة للبحر العظيم، فهذا مثل ما ينفقون ولو اجتمعوا عليه بالنسبة لفضل الله تعالى، فما ظنكم بفضل الله العظيم؟ التعبير عنه بلفظ الفضل؛ فسماّره فضلاً؛ لأنهّرم يمتازون به : واللطيفة السادسة:6 عن غيرهم، ويفضلونهم به، والفضل في اللغة الزيادة في ا يقال: رجل ذو فضل إذا كان له ما يفضل به غيره من أبواب الخير؛ أي يزيد به .﴾ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴿على غيره؛ من فضل مال أو جاه أو علم قال الله تعالى: والنفس البشرية تتعلّرق بما تحبّر أن تمتاز به من الفضل؛ فوعد الله عباده المؤمنين بأنّر لهم فضلاً كبيراً. وصف هذا الفضل بأنّره كبير، فمع ما تقدّرم من اللطائف : واللطيفة السابعة:7 ودلالتها على عظم هذا الفضل نصّر هنا على وصفه بأنّره فضل كبير، وهذا الوصف يورث المؤمن يقينا بعظم هذا الفضل الموعود.

عدد الصفحات ٥٣