- 21 - المثال الاأول: ر ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴿ الغُحرور في اللغة مصدر غرَّ يغُحرُّ غُحروراً، وهو الخداع بالباطل بسبب الجهل والغفلة وقلة التجربة، ومنه الانخداع بالأماني الباطلة، قال الله تعالى في الشيطان: .﴾ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ﴿ وقال آكل المرار والد امرئ القيس: إن م ب وقال طرفة بن العبد: أب ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي أي: منيتموني بالباطل حتى خدعتموني بتلك الصحيفة. والمغترّر: المنخدع. ورجل غرَّته الدنيا: أي خدعته بزينتها وباطلها؛ فهو مغرور منخدع بها. وغرَّرَ الرجلُح بنفسه إذا عرَّضها للهلكة. والغِرُّ الذي لم يجرّرب الأمور فيسهل انخداعه. والتغرير بالشخص تعريضه للخديعة لضعف رشده. والغَرور هو الذي يَغُحرُّ غيرَه. والمغرور هو المنخدع به. ﯫ ﴿، وقال: ﴾ﯶ ﯷ﴿والغُحرور هو وصف فعل الخديعة؛ قال الله تعالى: .﴾ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ
عدد الصفحات ٢٢- 22 - .(الغَرور الذي يغرُّك، والغُحرور الأباطيل قال الأصمعي: فهذا تلخيص كلام علماء اللغة في معنى الغرور، وأقوال المفسين في تفسير الآية لا تخرج عن هذا المعنى اللغوي. وما شاع في القرون المتأخرة من إطلاق لفظ الغرور على معنى الزهو والعجب، وقولهم عن صاحب العجب والزهو: إنه مغرور، هو تخصيص لمعنى اللفظ وصرف له عن صريح دلالته في اللغة. وصاحب العجب يصدق عليه أنه مغرورٌ لأنه منخدع بما غرَّه وفتَنه حتى أصابه ما أصابه من العجب والزهو. لكن من الخطأ أن يظن أن دلالة اللفظ اللغوية على هذا المعنى هي باعتبار العجب والزهو، وإنما هي باعتبار الجهل والانخداع. ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴿واأما قوله تعالى: ففيه مسائل: ما معنى هذا الأسلوب في اللغة؟ أي: ما غرك بكذا؟ أو ما غرك المسألة الأولى: بفلان؟ ما معنى الاستفهام في الآية؟المسألة الثانية: ما جواب الاستفهام؟ وما مناسبة ذكر اسم الله (الكريم) في هذه المسألة الثالثة: الآية؟ فالعرب تقول: ما غرك بفلان؟! تريد: ما جرَّأك فأما جواب المسألة الأولى: عليه؟ وما خدعك حتى أصابك منه ما أصابك أو فاتك من خيره ما فاتك؟ . ونقله أبو علي (ما غرك بفلان؟ أي: كيف اجترأت عليه؟)- قال الأصمعي: القالي عن أبي نص الباهلي.
عدد الصفحات ٢٣- 23 - - وفي مواعظ عبد الله بن عمرو بن العاص أن القبر يقول لصاحبه إذا وضع . رواه ابن أبي شيبة وغيره، «فيه فداداً أي اختيالاً. - وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي بعد أن ظفر ببني أسد وقتل منهم من قتل بعد أن اجترؤا عليه ونالوا منه: فقل ل م دودان لقبٌ لبني أسد. (أي ما خدعك وسوَّل لك حتى قال أبو إسحاق الزجاج في تفسير هذه الآية: .أضعت ما وجبَ عليك؟) وقد تناقله كثير من المفسين. فالاستفهام جامع لمعنى الإنكار والتوبيخ والتقريع، وأما جواب المسألة الثانية: والقول في معنى الاستفهام فرع عن فهم دلالة الآية. ولذلك كان مِنَ السلف مَن يَعِظُح بهذه الآية لما فهم منها من معنى الزجر، كما (رأيت سعيد بن جبير وهو يؤمّرهم في رمضان يردد هذه الآية: قال سعيد بن عبيد: ﴾ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴿، ﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴿ . رواه عبد الرزاق.يرددها مرتين أو ثلاثا) فقد اختلف فيه على ثاثة أقوال: وأما جواب المسألة الثالثة أنَّ الذي غرّره هو جهله، وروي هذا المعنى عن عمر وابن عباس القول الأول: وأبي موسى الأشعري والربيع بن خثيم والحسن البصي. أنَّ الذي غرَّه هو الشيطان، وهذا قول قتادة رواه عنه ابن جرير والقول الثاني: بإسناد صحيح.
عدد الصفحات ٢٤- 24 - أي خدعكم وجرأكم ع﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴿واستدلَّ له بقول الله تعالى: عصيان الله الغَرورُح وهو الشيطان في أظهر الأقوال. أنَّ الذي غرَّه هو كرم ربّره، وهذا القول نقل معناه عن الفضيل والقول الثالث: بن عياض وييى بن معاذ وأبي بكر الوراق، وذكر الماوردي ما في معناه احتمالاً، ثم ذكره ابن الجوزي من غير نسبة، ثم اشتهر هذا القول في كتب التفسير. ؛ فالشيطان هو مصدر التغرير، وجهل فالقولان الأولان صحيحان متازمان الإنسان هو منفذ الاغترار، وبه تسلط الشيطان على المغرور. وهو معارض لمقصد الآية، لأنَّ كرم الله لا يغرُّ بل وأما القول الثالث فخطأ بي يوجب الشكر، وتذكّرر العبد لكرم الله تعالى وتنزّرهه عن النقائص والعيوب يمله على خشيته والاستحياء منه، وإنما الذي يغر جهل الجاهل بما يجب أن يقابل به هذا الكرم، وعمايته عن العبر والآيات. والجهل هنا ليس المراد به مجرّرد عدم العلم الذي يُحعذر به غالباً، وإنما المراد به الجهل الحكميّر الناتج عن الغفلة والإعراض عن ذكر الله؛ فيوصف به صاحبه بأنه ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴿من الجاهلين وصاحب جهالة، كما في قول الله تعالى: وكل ما عصي الله به فهو عن جهالة ونوع سفاهة منافية للرشد. ﴾ﭿ ﮀ ﮁ ﭧ ﴿(وقوله: وقد أحسن ابن القيم وابن كثير في رد هذا القول فقال ابن كثير: : هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه ﴾ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم-أي: العظيم-حتى «أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث .)القيامة: ابنَ آدم! ما غرك بي؟ ابنَ آدم! ماذا أجبتَ المرسلين؟
عدد الصفحات ٢٥- 25 - ﭧ﴿(كاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: : »الجواب الكا«وقال ابن القيم فيقول: كرمه، وقد يقول بعضهم: إنه لقَّن المغترَّ حجته!! ﴾ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ وهذا جهل قبيح، وإنما غرَّه بربه الغَرور، وهو الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه، وأتى سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه؛ فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه واغتر بمن لا ا.هـ.ينبغي الاغترار به) دون سائر ﴾ ﭫ ﭬ﴿(وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: وقال البغوي: .أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة) (وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ قال ابن كثير معقباً على هذا القول: لأنه إنما أتى باسمه الْكَرِيم لينبه على أنه لا ينبغي أن يُحقَابَل الكريم بالأفعال القبيحة، .وأعمال السوء) والكريم من أسماء الله الحسنى ومعناه المتصف بكل كمال وصفات حسنى، فهو كريم في ذاته، كريم في صفاته، كريم في أفعاله، كريم في أحكامه لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، كريم في ثوابه، كريم في إنعامه لا تحصى نعمه، ولا يُحَدُّ فضله، وهو الكريم الذي بيده الخير كله، فكل خير هو موليه والمتفضل به، وهو الكريم المتنزه عن كل نقص وسوء. وهو الكريم فيما يأمره به وينهى عنه ويرشد إليه، إن الله نعما يعظكم به فما الذي غرَّ هذا الجاهل المغرور بربه الكريم المكرَّم عن كلّر سوء الذي لا يليق أن يقابلَ إحسانُحه بعمل السيئات؟! وما الذي غرَّه بربّره الكريم الذي أنشأه من العدم وأسبغ عليه النعم وعرَّفه بحقّره عليه وعاقبة عصيانه؛ فما الذي غرَّه حتى صرفه عن طاعته وعرَّضه لسخطه؟!
عدد الصفحات ٢٦- 26 - وما الذي غرَّه بربّره الكريم فمنعه من تصديق وعده واتّرباع هداه؟! وحرمه من ثواب ربه وعطائه وفضله العظيم؟! وما الذي غره بربه الكريم الذي لا أكرم منه في ذاته وصفاته، الذي من كرمه تشتاق نفوس العارفين به أعظم شوق إلى لقائه والنظر إلى وجهه الكريم فما الذي غره بربه وحجبه عنه؟! وما الذي غره بربه الكريم الذي لا يأمر إلا بالعدل والإحسان وما فيه زكاة نفس العبد وطهارتها وقيام مصالح العبد ورشاد أمره، فما الذي غرَّه بربّره وأوقعه في أسر الهوى وعواقب الذنوب وتسلط الشيطان؟! وما الذي غره بربه الكريم الذي أنعم عليه بالنعم العظيمة من مبدأ خلقه إلى موته فقابلَ نعمه وإحسانه بهذا الكفر والنكران؟!! فتدبُّر هذه المعاني ومعرفة أوجه اتصالها بمعنى اسم الكريم وآثاره في الخلق والأمر والجزاء يفتح لك أبواباً من فهم القرآن، والله الموفق والمستعان.
عدد الصفحات ٢٧- 27 - المثال الثاني: تف ﴾ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴿ التفريق بي الإسام والإيمان استُدِل له بآيات من القرآن الكريم: ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴿ قوله تعالى: منها: .]14[ ﴾ﮙ ﮚ ﮛ وللسلف في تفسير هذه الآية قولان مشهوران: أن الإسلام المثبَت لهم هو مرتبة الإسلام، وأنهم لم يبلغوا مرتبة القول الأول: الإيمان. أن الإسلام المثبَت لهم هو الإسلام الظاهر الذي لا يقتضي أن يكون القول الثاني: صاحبه مسلماً حقاً في الباطن، وذلك كما يكم لأهل النفاق بالإسلام الظاهر، وإن كانوا كفاراً في الباطن؛ لأن التعامل مع الناس هو على ما يظهر منهم؛ فمن أظهر الإسلام قبلنا منه ظاهره ووكلنا سريرته إلى الله، فيعامل معاملة المسلمين ما لم يتبين لنا بحجة قاطعة ارتداده عن دين الإسلام. هو قول الزهري وإبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل واختاره ابن القول الأول جرير وابن تيمية وابن كثير وابن رجب. هو قول مجاهد والشافعي والبخاري ومحمد بن نص المروزي وأبي والقول الثاني المظفر السمعاني والبغوي والشنقيطي. ﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴿واستدل أصحاب القول الثاني بقوله تعالى: قالوا: فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم بنص القرآن، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فليس بمسلم على الحقيقة، وإنما إسلامه بلسانه دون قلبه.
عدد الصفحات ٢٨- 28 - وأصحاب القول الأول يقولون إن الإيمان المنفي عنهم إنما هو ما تقتضيه مرتبة الإيمان، فهم لم يعرفوا حقيقة الإيمان وإنما أسلموا على جهل فيثبت لهم حكم أي لم تباشر ﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴿الإسلام، فيكون معنى قوله تعالى: حقيقةُح الإيمان قلوبَكم. ، وقال بالقول الثاني في »بدائع الفوائد«وابن القيم رحمه الله قال بالقول الأول . »إعلام الموقع« والتحقيق أن دلالة الآية تَسَعُح القولين، فإذا أريد بنفي الإيمان في قوله تعا نفي أصل الإيمان الذي يَثبت به حكم الإسلام؛ فهؤلاء كفار في ﴾ﮒ ﮓ ﴿ الباطن، مسلمون في الظاهر، فيكون حكمهم حكم المنافقين، وقد يتوب الله على من يشاء منهم ويهديه للإيمان. وإذا أريد بنفي الإيمان نفي القدر الواجب من الإيمان الذي مدح الله به المؤمنين وسماهم به مؤمنين؛ فهذا لا يستلزم نفي أصل الإيمان والخروج من دين الإسلام، فيثبت لهم حكم الإسلام، وينفى عنهم وصف الإيمان الذي يطلق على من أتى بالقدر الواجب منه. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى »صحيح البخاري«وهذا ك «الله عليه وسلم قال قيل: من يا رسول الله؟ .«قال فهذا نفى عنه حقيقة الإيمان والقدر الواجب منه الذي مدح الله به المؤمنين وسماهم به، ولا يقتضي أن من فعل ذلك فهو خارج عن دين الإسلام. قد يقوله الصادق والكاذب؛ فإذا ﴾ﮖ﴿والذي يوضح هذا الأمر أن قول قاله الكاذب فهو منافق مدَّعٍ للإسلام مخادع للذين آمنوا، يُحظهر الإسلام ويبطن الكفر.
عدد الصفحات ٢٩- 29 - وإذا قاله الصادق فهو مسلم ظاهراً وباطناً، ومعه أصل الإيمان .﴾ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ﴿ولهذا قال الله تعالى: فعلق وصف الإيمان بالصدق؛ فمن صدق منهم فهو من أهل الصنف الأول، ومن لم يصدق منهم فهو من أهل الصنف الثاني، وهذا يبينّر جواز أن يكون فيمن نزلت فيهم هذه الآيات من هو من أصحاب الصنف والأول، ومنهم من هو من أصحاب الصنف الثاني، وشملت هذه الآيات الصنفين كليهما. وهذا مثال بديع لحسن بيان القرآن الكريم، ودلالته على المعاني العظيمة بألفاظ وجيزة. والمقصود أن الآية على القول الأول في تفسيرها فيها دلالة على التفريق بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان. نقول إن الرجل قد يسمى مسلما على وجهي:(قال محمد بن نص المروزي: أن يخضع لله بالإيمان والطاعة تدينا بذلك يريد الله بإخلاص نية.أحدهما: أن يخضع ويستسلم للرسول وللمؤمنين خوفا من القتل والجهة الأخرى: والسبي؛ فيقال قد أسلم أي خضع خوفا وتقية، ولم يسلم لله، وليس هذا بالإسلام ا.هـ.الذي اصطفاه الله وارتضاه الذي هو الإيمان الذي دعا الله العباد إليه) ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴿وكذلك قوله تعالى: .]36-35[ ﴾ﭷ ﭸ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴿نجَّى الله جميع المؤمنين من العذاب كما قال تعالى: .﴾ﭯﭰ دليل على أنه لم يكن في قرى قوم ﴾ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴿وقوله: لوط إلا بيت واحد على الإسلام، وهو بيت لوط عليه السلام.
عدد الصفحات ٣٠- 30 - وأهل لوط كلهم مؤمنون إلا امرأته كانت كافرة بنص القرآن كما في قوله تعا اختلف أهل العلم، ، لكن ﴾ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴿ هل كانت مسلمة في الظاهر أو كانت على دين قومها ظاهراً وباطنا على قولي: أنها كانت على دين قومها، وإنما كانت خيانتها أنها تدل قومها القول الأول: الذين يعملون السوء على أضياف لوط، وهذه خيانة له. أنها كانت تظهر الإسلام وتبطن الكفر.القول الثاني: والقول الأول أصح وأشهر وهو المأثور عن ابن عباس وسعيد بن جبير. فإن قيل: كيف يبقيها في ذمته وهي كافرة؟ قيل: إن ذلك كان جائزاً في شريعتهم، كما كان جائزاً في أول الإسلام ثم نسخ. وسواء أكانت امرأة لوط مسلمة في الظاهر أم غير مسلمة في الظاهر؛ فإن ذلك لا ينقض الحكم على البيت بأنه بيت إسلام، كما أن وجود بعض الكفار في بلاد الإسلام لا يجعلها بلاد كفر. ومقصود الآية أن قرى قوم لوط لم يكن فيها بيت على الإسلام إلا بيت لوط عليه السلام. وهذه الآية فيها لطيفة وهي أن المؤمنين موعودون بالنجاة، والمسلم غير المؤمن ليس له عهد بالسلامة من العذاب والنجاة منه؛ فقد يعذب بمعاصيه في الدنيا وقد يعذب في قبره وقد يعذب في النار، لكنه لا يخلد فيها. وهذا نظيره ما ورد في قصة أصحاب السبت فإن الله تعالى أنجى المؤمنين الذين ينهون عن السوء وسكت عن الساكتين عن إنكار المنكر وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس، فتبين أن أصحاب الكبائر من المسلمين ليس لهم عهد أمان من العذاب كما جعل الله ذلك لأهل الإيمان؛ فقد يُحعذَّبون، وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، وهذا يبين لك الفرق العظيم بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان.
عدد الصفحات ٣١- 31 - فالمؤمن له عهد أمان بأن لا يعذبه الله ولا يخذله، وأنه لا يخاف ولا يزن، و يضل ولا يشقى، وقد تكفل الله له بالهداية والنجاة والنص والرفعة . وهو في أمان من نقمة الله تعالى وسخطه، وفي أمان من عذاب الآخرة كما قال .﴾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴿الله تعالى:
عدد الصفحات ٣٢- 32 - المثال الثالث: تف الحمد لله الذي له المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على الرسول النبي الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: بهذا اللفظ - في آيتي من القرآن العظيم:– فقد ورد ذكر ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﴿ في سورة النحل وهي قوله تعالى: - إحداهما .﴾ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴿ في سورة الروم وهي قوله تعالى: - والأخرى .﴾ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ وقد تنوعت عبارات السلف في بيان معنى من الصحابة والتابعي في بيان معنى المثل الأعلى ثاثة: الأول: ابن عباس رضي الله عنه: فروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم « قال﴾ﮘ ﮙ ﮚ﴿ .»كتاب الأسماء والصفات« و»كتاب الاعتقاد«والبيهقي وهذا تفسير بعض المعنى باللازم؛ فكونه تعالى له المثل الأعلى يقتضي أنه ليس (يستحيل أن : »الصواعق المرسلة«في كتابه– رحمه الله –كمثله شيء، قال ابن القيم يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحدَه، يستحيل أن يكون لمن له المثل .الأعلى مثل أو نظير) وقد استدل رحمه الله بهذه الآية على تفرد الله تعالى بصفات الكمال.
عدد الصفحات ٣٣- 33 - الثاني: قتادة بن دعامة السدوسي رحمه ا ﮘ ﮙ ﴿روى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: .«؛ قال﴾ﮚ .»الدعاء«ورواه أيضاً ابن جرير وابن أبي حاتم والطبرا وروى ابن جرير من طريق يزيد عن سعيد عن قتادة أن المراد بالمثل الأعلى .«الإخلاص والتوحيد، وفي لفظ عنده وقد نسبه أبو المظفر السمعاني لمجاهد وتبعه على ذلك القرطبي والشوكاني وهو خطأ. الثالث: محمد بن المنكدر: (وعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنْكَدِر، في قوله قال ابن كثير: .، قال: لا إله إلا الله)﴾ﭷ ﭸ ﭹ﴿تعالى: فهذا ما علمته أُحثر عن الصحابة والتابعين في تفسير المثل الأعلى. وأكثر المفسين على أن المثل الأعلى الصفات العليا التي تستوجب إخاص العبادة له وحده لا شريك له، واعتقاد الكمال المطلق له جل وعا، وأنه لا يساميه في ذلك أحد. يقول: ولله المثل الأعلى، ﴾ﮘ ﮙ ﮚ ﴿( ه310قال ابن جرير (ت وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا .إله غيره) يقول: ولله المثل الأعلى في ﴾ﭷ ﭸ ﭹ﴿(وقوله: وقال في تفسير آية الروم: السماوات والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، .فذلك المثل الأعلى، تعالى ربنا وتقدّرس)
عدد الصفحات ٣٤- 34 - ﴾ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴿( ه338قال أبو جعفر النحاس (ت آية، روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال يقول ليس كمثله شيء. وقيل: يعني لا إله إلا الله. .وحقيقته في اللغة وله الوصف الأعلى) أي: الصفة ﴾ﮘ ﮙ ﮚ ﴿( ه375قال أبو الليث السمرقندي (ت .العليا، وهي شهادة أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له) الصفة العليا وهي التوحيد ﴾ﮘ ﮙ ﮚ﴿( ه427وقال الثعلبي (ت . والإخلاص) أي: ﴾ﮘ ﮙ ﮚ ﴿ (وقوله: ه489وقال أبو المظفر السمعاني (ت . الصفة العليا، وذلك مثل قولهم: عالم وقادر ورازق وحي، وغير هذا) الصفة العليا، وهي التوحيد ﴾ﮘ ﮙ ﮚ﴿( ه516وقال البغوي (ت وأنه لا إله إلا هو. وقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من .الصفات) قال المفسون: ﴾ﭷ ﭸ ﭹ﴿ (قوله تعالى: ه597وقال ابن الجوزي(ت .وهي أنَّه لا إِله غيره) ﴾ﭺ ﭻ ﭼ﴿ أي: له الصِّفة العُحليا والمثَل في اللغة يطلق على معانٍ: وهذا المعنى كثير في الاستعمال، وله شواهد كثيرة، منها المعنى الأول: الصفة، الآية فوصفها ﴾...ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴿ قوله تعالى: وسمَّى ذلك الوصف مَثَلاً. (أخبرني عمر وروى أبو منصور الأزهري عن محمد بن سلام الجمحي قال: بن أبي خليفة، قال: سمعت مقاتلا صاحب التفسير يسأل أبا عمرو بن العلاء عن
عدد الصفحات ٣٥- 35 - ما مثلها؟﴾ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴿ قول الله تعالى: .﴾ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴿ قال: قَالَ: مَا مثَلها؟ فسكَت أَبُحو عَمْرو. .قال: فسألت يونس عنها، فقال ﭭ ﭮ ﭯ ﭰﭱ ﭲ ﭳ ﴿ (ومثل ذلك قوله تعالى:قال محمد بن سلام: . أي صِفتهم) ﴾ﭴ أي آية ﴾ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ﴿، ومنه قوله تعالى: المعنى الثاني: الآية ، ﴾ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴿، وقال: ﴾ﮱ ﯓ ﯔ﴿لهم، كما قال تعالى: يقول: وجعلناه آية لبني ﴾ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴿(قال ابن جرير: . وروى مثله عن قتادة. إسرائيل) ﮯ ﮰ ﮱ ﴿، ومنه قوله تعالى: المعنى الثالث: العبرة والعظة .﴾ﯓ ﯔ يقول: وعبرة وعظة يتعظ ﴾ﮱ ﯓ ﯔ ﴿(وقوله: قال ابن جرير: . وروى نحوه عن مجاهد وقتادة بهم مَنْ بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله) والسدي. ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴿ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى: .﴾ﯟ ، وفيه يقال: (فأرسلها مثلاً) أي جعل كلمته قولاً المعنى الرابع: القول السائر سائراً يتمثل الناس به في نظائره. .﴾ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴿، ومنه قوله تعالى: المعنى الخامس: المثل المضروب وهذه المعاني الخمسة بينها تناسب واشتراك في قدر من المعنى، ولذلك تنوعت عبارات المفسين في تفسير ما ورد فيه هذا اللفظ بما يدل على تقارب بين هذه المعاني.
عدد الصفحات ٣٦- 36 - (والمَثَل: المِثْل أيضاً، كشَبَه وشِبْه. والمثَلُح المضروبُح مأخوذٌ من قال ابن فارس: .هذا، لأنَّه يُحذكَر مورَّىً به عن مِثلِه في المعنى) وكام السلف في تفسير المثل الأعلى غير مخالف لما ذكره علماء اللغة من معنى المثل، فإن الله تعالى هو الإله المتفرد بصفات الكمال المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، فكونه الإله الحق يتضمن اتصافه بصفات الكمال واستحقاقه لأعظم الحقوق. أي: النقص ﴾ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴿( ه774قال ابن كثير (ت أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو ﴾ﮘ ﮙ ﮚ ﴿ إنما ينسب إليهم، .)﴾ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴿ منسوب إليه، (وقد أنشد بعض المُحفَسين عند ذكر هذه الآية لبعض وقال في تفسير آية الروم: أهل المعارف: إذَا سَ وَجُ ت كَ كَ ).يُ (وحديث حارثة هو من هذا المعنى؛ فإنه قال: : »فتح الباري«وقال ابن رجب كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل « النار يتعاوون فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث مرسل، وقد روي مسندا بإسناد ضعيف. الإيمان في قلبه وكذلك قول ابن عمر لعروة لما خطب إليه ابنته في الطواف فلم يرد عليه ثم لقيه .« فاعتذر إليه وقال يقول الله: ما أنا مطلع على أحبائي ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: ( إذا جنّرهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري.
عدد الصفحات ٣٧