المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها تحميل PDF

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

صفحة ٧ من ٤٤

بالآلام المبرحة وتشويه الخلقة بقطع الأيدي والأرجل » فوجب حينئذ عدم الالتفات للمصالح المترتبة على فعلها تقديمًا لهذه المفاسد في الاعتبار ومن ثم لا يجوز فعلها شرعا . فالجواب : أنه تغارضت عندنا مفسدتان : إحداهما : مفسدة المرض الجراحى وآلامه » وهى مترتبة على ترك المريض دون علاجه بالجراحة اللازمة . الثانية : مفسدة الآلام المترتبة على فعل الجراحة . فوجب حيئئذ النظر في كلتا المفسدتين » وتقديم أعظمهما ضررا على أخفهما إعمالاً للقاعدة الشرعية التى تقول : « إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما )37 . فوجدنا أن مفسدة المرض الجراحى وآلامه مفسدة متعدية باقية » فهى متعدية نظر لأن الأمراض الجراحية تزداد وتتضاعف إلى أن تنتهى بالمريض إلى الموت في الغالب » وباقية لأن الآلم لا يزول إلا بزوال المرض المسبب له وهو باق في حالة عدم علاجه بالجراحة اللازمة . ثم وجدنا مفسدة الآلام المترتبة على الجراحة مؤقتة تزول بعد فترة معينة قد لا تصل في بعض الأحوال إلى اليوم » واليومين » كما أن الكثير منها أمكن تخفيفه في العصر الحاضر بسبب تقدم الوسائل الطبية وطرق العلاج » فهي إِذَا أخف من مفسدة الأمراض الجراحية وآلامها » فوجب حينئذ تقديم مفسدة الأمراض عليها » وعدم الالتفات إلى ما ينشأ عن (١)الأشياه‏ والنظائر للسيوطي ص 495 . والأشباه والنظائر لابن نجيم ض 894 . ويعبر عنها بعض الفقهاء بقوله : « يختار أهون الشرين » . قواعد الفقه للمسجددي ص 55ل وشرح القواعد الفقهية للزرقاء ص 0689 . ١٠٠

عدد الصفحات ١٠٠

ذلك التقديم ويترتب عليه من الآلام الزائلة . ثم إن مفسدة الآلام المعترض بها غير مقصودة من قبل الطبيب الجراح » وإنما المقصود حصول المصالح المترتبة على فعل الجراحة فسقط اعتبار تلك المفسدة لأنه لم يتمحض قصدها » وإنما جاءت على سبيل اللزوم . 5 . (000 5 ش٠‎ 5 قال اللإمام الشاطبي - رحمة الله - : 3 ليمع قضد الطييب لسقي الدواء المرء وقطع الأعضاء المثآكلة » وقلع الأضراس الوجعة وبط الجراحات » وأن يحمى المريض ما يشتهيه 2 وإن كان يلزم منه إذاية المريض ». لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التى هي بطريق اللزوم » وهذا شأن الشريعة أبدً )''' اه . فتبين من هذا كله عدم تأثير هذه المفاسد » نظرا للمصالح العظيمة المترتبة على فعل موجبها .6 . والله تعالى أعلم . 6خ عاج وماج 5 52 ‎)١(‏ هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي » محدث فقيه أصولي لغوي . مفسر , توفي - رحمه الله - في شعبان سئة 740 من الهجسرة وله مؤلفات منها : عنوان التعريف بأسرار التكليف في الأصولء الموافقسات في أصول الأحكام » الاعتصام . معجم المؤلفين لكخالة لد ‏(0) الموافقات للشاطبي ‎١١17/5‏ . ‎6١

عدد الصفحات ١٠١

المبحث الغالث ( شروط جواز الجراحة الطبية ) تضمن الجراحة الطبية في غالب صورها كثيرا من المخاطر » تؤدي إلى تف عضو أو أعضاء يه . لذا فإن الحكم بجوازها في الشريعة الإسلامية مقيد بشروط لابد من توفرها . وهذا من حكمة الشرع حيث راعى سد حاجة الناس » ودفع الضرر عنهم شريطة ألا يتوسع في ذلك إلى مقام الإفساد . والعبث بأرواح الناس ‏ وأجسادهم * لأن الضرر لا يال بالضور"' . مطلقًا مطلقا» راكدها رضحت الع ف موق ‎١‏ وال 0 فأعطت كل شيء حقه وقدره . فإذا كانت الجراحة الطبية مستوفية للشروط المعتبرة في الشريعة الإسلامية حكمت بجوازها ‎٠‏ لأنها في هذه الحالة تحقق فق الهدف المنشود من حصول مصلحة الشفاء بإذن الله تعالى . وأما إذا كانت على عكس ذلك مثل أن يغلب على ظن أهل الخبرة . 827 ‏والأشباه والنظائر لابن نجيم ص‎ »٠ 85 ‏الأشباه والنظائر للسيوطي ص‎ )١( ٠6

عدد الصفحات ١٠٢

والإقدام عليها ( لغلبة الظن بحصول الضرر المترتب عليها 2 وانتماء وعلى هذا فإنه ليس المقصود من الشروط التي اعتبرتها الشريعة الإسلامية لجواز الجراحة الطبية التضييق على العباد » أو الحد من العلم الجراحي ومحاربته كما قد'يتبادر إلى ضعاف الإيمان ‎٠»‏ وإنما المقصود منها تحقيق الهدف المنشود من الجراحة » وحفظ أرواح الناس وصيانة أبدانهم من الأيدي العابثة التي تهلك الحرث والنسل . وهذه الشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية أشار فقهاء الإسلام رحمهم الله إليها في كتبهم » وهي مستقاة من أصول الشرع وقواعده . وتنحصر في الشروط الثمانية التالية : الشرط الأول : أن تكون الجراحة مشروعة . الشرط الثاني : أن يكون المريض محتاجًا إليها . الشرط الثالث : أن يأذن المريض بفعلها . الشرط الرابع : أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح ومساعديه . الشرط الخامس : أن يغلب على ظن الطبسيب الجراح نجاح الجراحة . | ‎٠‏ | الشرط السادس : ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضررا منها 0 الشرط السابع : أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة . الشرط الثامن : أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض . ‎٠‏ وبيان هذه الشروط يتضح في المطالب الثمانية التالية :

عدد الصفحات ١٠٣

المطلب الأول ع ان رتكون الجراحة مشروعة ) يعتبر إذن الشارع بفعل الجراحة أهم الشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية'' فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل جراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة المطلوبة مأذونًا بفعلها شرعا . ذلك أن جسد الإنسان إنما هو ملك لله تعالى » كما دلت على ذلك النصوص الشرعية”" » ومن ثم فإنه لا يجوز لذلك الإنسان أن يأذن بالتصرف فيه » أو يقوم غيره بفعل ذلك التصرف إلا بعد أن يأذن المالك الحقيقي بفعل ذلك الشيء المأذون به . والجراحة الطبية تشتمل على أنواع مختلفة » منها ما يتفق مع الشرع » وشهدت النصوص بجوازه واعتبار مقاصده وغاياته » ومنها ما هو بخلاف ذلك ؛ فما شهدت نصوص الشرع وقواعده بجواز فعله من تلك الأنواع يعتبر من جنس ما أذن الشرع بفعله » ومالم تشهد بجواز فعله منها يعتبر من جنس ما لم يأذن الشرع بفعله » وسيأتي إن شاء الله . تعالى في الباب الثاني بيان هذه الأنواع وتفصيل القول فيها . )000( الاحكام الشرعية للأعمال الطبية د. أحمد شرف الدين ص ”5 . () من تلك النصوص قوله تعالى : 8 لله ملك السموَات والارض وما فيهن وَمُوَ عَلَى كُل شَْء فٌدير »* سورة المائدة (0) آية ‎١١١‏ . وقوله سبحانه : 8 للَّه ما فى السَّموَات وما في الارض 4 سورة البقرة (؟) آية (144؟) . وقوله سبحانه : 8 قل لمن الأرض ومن فيهًا إن كُنم تَعَلَمُونَ . سِيَقُوُونَ لله قل أقلا تَدَكَرُونَ 4 سورة المؤمنون (59) آية 44 . 5ق

عدد الصفحات ١٠٤

المطلب الثاني أن يكون المزيض محتاجًا إلى الجراحة مما يشترط لجواز الجراحة الطبية أن يكون المريض محتاجا إليهاء سواء كانت حاجته إليها ضرورية بأن خاف على نفسه الهلاك » أو تلف عضو أو أعضاء من جسده » أو كانت حاجته دون ذلك بأن بلغت مقام الحاجيات التي يلحقه فيها الضرر بسبب آلام الأمراض الجراحية ومتاعبها . ش وهذا الشرط مبني على أن الأصل حرمة فعل الجرح بدون موجب شرعي » فإذا بلغ الإنسان بسبب الأمراض الجراحية مقام الاضطرار . والحاجة فإن الشرع يأذن له حينئذ بفعلها دفعًا لذلك الضرر » وتلك المشقة التى يعانيها . وقد أشار بعض الفقهاء المتقدمين - رحمهم الله - إلى اعتبار هذا الشرط » وأن وجوده يعتبر بمثابة الإذن الشرعى بفعل الجراحة الطبية » يقول الشيخ موسى الحجاوي"! رحمه الله : « ويصح استئجاره لحلق شعر » وتقصيره ولختان . وقطع شيء من جسده للحاجة إليه » ومع عدمها يحرم » ولاايصح ”اه . (١)هو‏ : الأمام موسى بن أحمد بن مسومى الحجاوي المسقدسي الحتبلي » فسقفيه:6 أصولي » محدث . أفتى بدمشق وتوفي بها عام 054 هجرية . وله مصنفات منها : الإقناع لطالب الاتتفاع » وشرح المفردات . وشرح منظومة الآداب لابن مفلح . معجم المؤلفين عمر رضا كحالة “/4”# . ه”# . (0) الإقناع للحجاوي 505/1 .

عدد الصفحات ١٠٥

فقدنص - رحمهالله - على صحة عقد الإجارة على فعل عدمها يحرم » أي يحرم القطع عند عدم وجود الحاجة'١)‏ , وفى هذا دليل على اعتبار شرط ‎١‏ وجود الحاجة » ولزومه للحكم بجواز فعل الجراحة » بل نجد الفقهاء رحمهم الله يؤكدون هذا المعنى حينما يقولون بفسخ عقد الإجارة على فعل الجراحة إذا زالت الحاجة ففى الفتاوى الهندية ما نصه : ‎١‏ لو استأجر إنسانًا لقطع يده عند وقوع الآكلة » أو لقلع السن عند الوجع » فبرأت الآكلة وزال الوجع تنتقض الإجارة » لأنه لا يمكن الجري على موجب العقد شرع »"''اه. فقدنص - رحمه الله - على انتقاض عقد الإجارة وانفساخه معتبر شرعا » وذلك لأن فعل الجراحة بعد زوال العلة الموجبة لها يعتبر ضررً محضا » وعند وجود إلعلة الموجبة لها » يعتبر مصلحة » والشرع إنما يجيز ما كان متضمنًا للمصلحة والنفع » لاما كان متضمنًا للمفسدة . 8 اورم ‎)١(‏ كشاف القناع للبهوتي 5 ‎٠.»‏ وأشار إلى اعتبار شرط الحاجة غيره . انظر : روضة الطالبين للنووي ه66 2 والمغني والشرح الكبير 1 2 وبدائع الصنائع للكاساني 84 :. ومسغني المحتاج للشربيني 554/15 . ومنح الجليل لعليش ”/ ثلالا . لالالا . ‎)١(‏ الفتاوي الهندية 108/5 . (؟) يقول الإمام الكاساني - رحمه الله - في معرض يانه لعلة فسخ الإجارة في حال زوال الحساجة # ع وقلم الأضراس 2 والحتجامة 3 والفصد 2 إتللاف جزء من > ك6

عدد الصفحات ١٠٦

وهذا الحكم”'' متفق عليه عند جماهير الفقهاء من | لحنفيةة” ؛ والمالكية”" والشافعة9©) ‎٠‏ والحنابلة” - رحمهم الله - . وهو كما يدلنا على اعتبارهم لشرط الحاجة » فإنه يدلنا على أمر ‎٠‏ آخر يتعلق بهذا الشرط وهو أن اعتباره ليس موقوفًا على حال العقد فحسب ء بل إنه يسري إلى وقت مباشرة فعل الجراحة » فإذا شخّص الطبيب المرض وخلص إلى لزوم الجراحة » وحكمنا له وللمريض بجواز فعلها . والإذن بها . ثم زال ذلك المرض قبل مباشرة الطبيب لفعل الجراحة . فإنه حينئذ لا نقول يبقاء الحكم بجوازها بناء على تحقق الشرط المعتبر في الحالة الأولى » بل نحكم بالرجوع إلى الأصل الموجب لحرمة فعل الجراحة نظر لتخلف الشرط عند حال المباشرة ومن أمثلة ذلك ما يجري في الجراحة العصبية حيث يشتكي المريض من ألم شديد في موضع معين من جسده » وبعد الفحوصات اللازمة يقرر الأطباء المختصون بأنه لا سبيل لزوال ذلك الألم الشديد إلا بقطع العصب الموصل للإشارات الحسية من المنطقة التي يشتكي منها -البدن؛ وفيه ضرر به ء إلا أنه استأجره لمصلحة تربو على المضرة ‎٠‏ فإذا بدا له علم أنه لا مصلحة فيه بقي الفعل ضرر في نفسه فكان له الامتناع من الضرر . . )ااه. بدائع الصنائع ‎5١8/5‏ . () أي فسخ الإجارة على فعل الجراحة إذا زالت الحاجة قبل المباشرة . () المبسوط للسرخسي 315 ‎٠‏ وبدائع الصنائع للكاساني 1 . ‎١98‏ . والهداية للميرغينانى ‎١ : . »”>١80/”‏ إفرة حاشية الدسوقي لض » ومنح الجليل لعليش "/ 7و7 » وجواهر الإكليل للأبي ‎١‏ . هع المهذب للشيرازي ‎٠» 5٠57/7”‏ وروضة الطالبين للنووي ‎١86/5‏ . (5) المغني والشرح الكبير لابن قدامة ‎١55/5‏ . ١٠١ ‏/ا‎

عدد الصفحات ١٠٧

إلى الدماغ حتى يزول الإحساس بذلك الألم'"' » وقبل مباشرة الطبيب للجراحة يزول ذلك الألم ويرتاح المريض » ففي هذه الحالة وأمثالها لا يعتبر تحقق الشرط في حال الألم موجبًا لسريان الحكم المترتب عليه إلى حالة أخرى تخلف فيها ذلك الشرط » وانتفى وجوده . فالجراحة في الأصل إنما شرغت بسبب وجود الحاجة فإذا انتفت قبل المباشرة رجعت الجراحة إلى حكم الأصل الموجب لعدم جوازها للقاعدة الشرعية التي تقول : «ماجاز لعذر بطل بزواله»”" . بن معنن واي 2 ع2 . 599 ‏الجراحة العصبية د. هشام بكداش 758 » الجراحة العصبية د. النحاس ص‎ )١( ‏الأشباه والنظائر للسسيوطي ص 865 » والأشباه والنظائر لابن نجيم 85 » وشضرح‎ )0( . ١١0 ‏القواعد الفقهية للزرقاء ص‎ ١٠١م‎

عدد الصفحات ١٠٨

المطلب الثالث أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية أن يأذن المريض بفعلها إذا توفرت فيه أهلية الاذن17) 1 وأما إذا لم يكن أهلاً فإنه يعتبر إذن وليه كأبيه مثلاً . وعلى هذا فإنه لا يجوز للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة الطبية للمريض إذا لم يوافق عليها » وقد أشار الإمام ابن قدامة 1" -رحمه الله - إلى اعتبار إذن المريض ‎٠.‏ أو وليه وذلك بقوله : ‎١‏ وإن خحتن صبيا بغير إذن وليه أو قطع سلعة من إنسان بغير إذن أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن » » لأنه قطع غير مأذون فيه . وإن فعل ذلك الحاكم ‎٠‏ أو من له ولاية عليه » أو فعله من أذنا له لم يضمن لأنه مأذون فيه شرعًا )20 اه فأشار - رحمه الله - إلى اعتبار إذن المريض في قوله : ‎١‏ أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه » » وأشار إلى إذن الولي الخاص بقوله : «وإن . ) ‏انظر أهلية الآذن ص ( 00؟‎ )١( (1) هو الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقاسى ء ولد درحمه الله- بجماعيل بالشام في سنة ١04.ه‏ . وكان إمامًا في فنون عديدة وهو شيخ الحنابلة في عصره » وله مصنفات منها منها : المغني . الكافي ‎٠‏ المقنع . توفي - رحمه الله - سنة 1 ه . ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ؟/ ‎١49-1١"‏ , (9) المغني والشرح الكبير : لابن قدامة : 5/ ‎١8١‏ . ‎١‏

عدد الصفحات ١٠٩

ختن صبيًا بغير إذن وليه» . . . أو من صبي بغير إذن وليه » وأشار إلى اعتبار إذن الحاكم وهو الولي العام بقوله : «وإن فعل ذلك الحاكم ...2 . ثم أوجب الضمان في سراية القطع إذا وقع بدون إذنهم كل بحسب ولايته » وعلل إيجاب الفضمان بكونه قطعًا غير مأذون فيه فنرّله منزلة القطع المبتدأ على وجه الجناية . وأسقط ذلك الضمان فى حال توفر الإذن وعلل ذلك بكونه قطعا مأذونًا فيه شرعًا » وهذا يدل دلالة واضحة على اعتبار شرط الإذن بفعل الجراحة لازم لكي يحكم بجوازها . ومما يدل على اعتبار الفقهاء - رحمهم الله - لهذا الشرط ما نصوأ عليه من أن الطبيب لا يجوز له أن يجبر المريض إذا استأجره لقلع ضرسه أو سنه الوجعة » ثم امتنع المريض من تمكينه من فعل الجراحة مع وجود الألم » قال الخطيب الشربيني'!! - رحمه الله - :«... فإنلم تبراً”"" » ومنعه من قلعها لم يجبر عليه »" '' اه . فحكمهم بعدم إجبار المريض على فعل الجراحة مع وجود السبب الموجب لفعلها وهو الألم 2 فيه دليل واضح على أنه ليس من حق ‎)١(‏ هو الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الشربيني الخطيب » كان فقيهًا » مفسراء متكلمًا أجمع أهل مصر على صلاحه ووصفه بالعلم 3 والعمل والزهد والورع . توفى -رحمه الله - سنة 4107 من الهسجرة » ومن مصنفاته : مغني المسحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج » السراج المئير » الفستح الرباني . شذرات الذهب لابن العماد 4 2 ومعجم المؤلفين لعمر كحالة 559/48 . ‏(؟) أي السن الوجعة . ‏(*) مغني المحتاج للشربيني / 7 2 وقد نص على هذا الحكم غيره . انظر : روضة الطالبين للنووي *. ونهاية المحتاج للرملي 0 ». وأسنى المطالب للأنصاري 505/7 » والغرر البنهية للأنصتاري 718/7 ؛ والمتبدع لابن مفلح ه/*١٠‏ . ‎١‏ ‎١٠

عدد الصفحات ١١٠

الطبيب الجراح أن يقدم على فعل الجراحة بالمريض إلا بعد موافقته على فعلها باختياره وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان أهلية الشخص الآذن » والشروط المعتبرة لصحة الإذن » وغير ذلك من المسائل المتعلقة بإذن المريض في الفصل الأول من الباب الثالث عنند الكلام على أحكام المراحل الممهدة للجراحة (©. اع واد دواع 1د 26 2. )170( ‏انظرص‎ )١(

عدد الصفحات ١١١

المطلب الرابع ظ أن تتوفر الآهلية في الطبيب الجراح ومساعدية يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية أن يكون الطبيب الجراح أهلا”'' للقيام بها » وأدائها على الوجه المطلوب » ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين : الأول : أن يكون ذا علم » وبصيرة بالمهمة الجراحية المطلوبة . الثاني : أن يكون قادرًا على تطبيقها ء وأداتها على الوجه المطلوب . فأما علمه وبصيرته بالعمل الجراحى المطلوب فإنه أمر لابد منه لأن الجاهل بالجراحة لا يحل له أن يباشر فعلها لما فى ذلك من تعريض حياة المريض للهلاك فيعتبر فعله على هذا الوجه محرما شرعًا . قال الإمام ابن قدامة - رحمه الله - عند بيانه لمسألة تضمين الأطباء : (... وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين: أحدهما : أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم » ولهم بها بصارة ‎)١(‏ الأهلية : لغة : مأخوذة من قولهم : فلان أهل لكذا » أي مستحق له ومستوجب ء يقال ذلك للواحد والجمع . لسان العرب لابن منظور ‎39/1١‏ » والمصباح المنيير 8/1 . وفى الاصطلاح َ صلاحية الإنسان لصدور الشىء عله »© أو طلبه مله وقبوله إياه . عوارض الأهلية عند الأصوليين . د. الجبوري ص ‎7١‏ . ١١

عدد الصفحات ١١٢

ومعرفة » لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع » وإذا قطع مع هذا كان فعله محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء .ااه فنص - رحمه الله - على اشتر اط البصيرة والمعرفة في الطبيب الجراح ‎٠‏ وأنه إذا لم تكن متوفرة فيه فإن فعله يعتبر محرمًا شرعًا وإنه يأخذ حكم القطع على وجه الجناية » فيجب عليه ضمان سرايته . وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن مفلح”'' - رحمه الله - في معرض بيانه لمسألة تضمين الطبيب : « . . واقتضى ذلك أنهم إذا لم يكن لهم حذق في الصنعة أنهم يضمنون » لأنه لاتحل لهم افر القطع . فإذا قطع فقد فعل محرمًا ‎٠‏ فيضمن سرايته 276 اه فأكد - رحمه الله - ما تقدم من اععتبار شرط العلم والمعرفة » والحكم م عل للجراحة التي يجهلها . أحمد بن زروق - رحمه الله - بقوله ‎١:‏ وأما القصد » والكي » ‎٠‏ فلا خلاف في جوازهما بشرط معرفة الفاعل »!)اه ومن هذا يتبين لنا أنه لا يجوز للطبيب أن يقدم على فعل الجراحة . 5787/8 ‏المغنى لابن قدامة‎ )١( (1) هو : الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن مسحمد بن عبد الله بين مفاح الحنبلي » ولد -رحمه الله - سنة ‎8١5‏ هجرية ء وكان فقيها أصوليًا نابهًا فى عصره ‎٠‏ توفى - رحمه الله - بدمشق سنة 484 هجرية » وله مؤلفات منها : الآداب الشرعية ؛ والمدع . والمقصد الأرشد . شذرات الذهب لابن العماد 88/8/10 ‎٠‏ 59"ء ومعنجم المؤلفين لعمر كحالة ‎٠٠١/١‏ (*) المبدع لابن مفلح 5/ ‎١١١‏ . (4) شرح الرسالة لزروق 509/75 . ١1

عدد الصفحات ١١٣

إلا بعد أن يكون عالمًا بها » وعنده المعرفة التامة بمراحلها التفصيلية » فإذا لم يتوفر فيه ذلك بأن كان جاهلاً بها بالكلية مثل أن تكون خخارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعض فإنه يحرم عليه فعلها » ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسد المحرم بالقطع والجرح ويأخذ حكمه في الآثار المترتبة على فعله من جهة الضمان كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى - . وأما اشتراط القدرة على التطبيق وأداء الجراحة على الوجه المطلوب فهو أمر مهم جد لا يحكم بتحقق الأهلية إلا بعد وجوده . وذلك لأن العلم بالشيء غير كاف في وصف الإنسان بكونه أهلاً لعمله إذا كان عاجرا عن أدائه على الوجه المطلوب فالعلم شيء » والتطبيق شيء » ولايخفى ماتتضمنه الجراحة الطبية من الصور المفزعة والمشاهد المروعة من الدماء والجراحات التي قد يدهش الإنسان منها إذا صدم بها لأول مرة » وقد ينسى من شدة الفزع أمورًا مهمة يكون نسيانها سببًا في هلاك المريض » أو حصول بعض المضاعفات الخطيرة التي تضره في المستقبل » فتلافيا لجميع ذلك لابد للطبيب من أن يتوفر فيه شرط القدرة على التطبيق للمعلومات الجراحية على الوجه المطلوب ‎٠»‏ ‏ويحصل ذلك عادة بالتجربة » والتدرب على أداء العمل الجراحي تحت إشراف المختصين من الأطياء الجراحين الذين يقومون بتوجيهه وإرشاده» وفي ذلك أكبر عون - بعد توفيق الله عز وجل - على إتقان العمل الجراحي » والقدرة على تطبيق معلوماته بكل يسر وسهولة . وقد جرت الأعراف الطبية في عصرنا الحاضر بتدريب الطبيب ١1

عدد الصفحات ١١٤

على فعل الجراحة وتطبيقها قبل إعطائه الإجازة بالعمل الجراحي » ويتم ذلك التذريب تحت إشراف المختصين من الأطباء القدماء الذين لهم تجبرة وأسعة فى مجال الجراحة الطية9؟. ولاشك أن هذا التدريب يعتبر أمرا مهما لكي يستطيع الطبيب من خلاله الوصول إلى درجة الأهلية . إضافة إلى أنه يترتب عليه حكم شرعي وهو اعتبار شهادة هؤلاء حكمه بأهلية الطبيب في مسألة إسقاط الضمان » وذلك لأنها إجازة مشتملة على شهادة مبنية على أصل صحيح . لأن الحكم المذكور فيها من أهلية المجاز مبني على تدريبه بعد تعليمه نظريا ثم الحكم عليه من خلال نتائج ذلك التدريب » وعلى هذا فإنها تكون شهادة مبنية على علم ومعرفة تامة بالمشهود به . ظ وقد اعتبر الفقهاء - رحمهم الله - التجربة دليلاً على مهارة الطبيب إذا ظهرت من خلالها إصابته » وندرة خطئه » كما أشار إلى ذلك الشيخ شهاب الدين القليوبى الشافعى2'7 - رحمه الله - فى حاشيته7" . وبناء على ما سبق فإنه لابد من توفر شرط الأهلية في الطبيب الجراح حتى يحكم بجواز إقدامه على فعل الجراحة بالمريض وإذا لم ‎)١(‏ السلوك المهني للأطباء د. التكريتي ص ‎٠» 157 ٠. ١57‏ والموسوعة الطببية الحديئة في كثير من العلوم » توفي - رحمه الله - سنة ‎٠١589‏ هجرية ‎٠»‏ وله مؤلفات منها : حاشسيستسه على شسرح ابن قاسم الغزي . والبدور المنورة في معرفة الأأحاديث المشتهرة» والتذكرة فى الطب . مععجم المؤلفين عمر كحالة ‎١8/١‏ . حرق حاشية قليوبي وعميرة عملا : ١16

عدد الصفحات ١١٥