المبحث الأول في ( أركان المسئولية وأقسامها ومشروعيتها ) يشتمل هذا المبحث على أربعة مطالب المطلب الأول : في أركان المسئولية الطبية . المطلب الثانى : في أقسام المسكولية الطبية الجراحية . المطلب الثالث : فى أدلة مشروعية المسئولية الطبية . 5"
عدد الصفحات ٤٤٢المطلب الأول . في ١(أركان المسئولية الطبية ) أركان المسئولية الطبية : تقوم المسئولية الطبية على أربعة أركان هي : الركن الأول : السائل :207 وهو الشخص الذي يملك الحق في مساءلة الطبيب » ومساعديه. كالقاضي ونحوه . الركن الثاني : المسئول : وهو الذي يوجه إليه السؤال » ويكلف الجواب عن مضمونه » سواء كان فردا كالطبيب » أو جهة كالمستشفى . الركن الثالث : المسغول عنه : وهو محل المسئولية والمراد به الضرر وسببه » الناشئان عن فعل الطبيب أو مساعديه أو عنهما معًا . ' الركن الرابع : صيغة السؤال : وهي العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسئول . فإذا وجدت هذه الأركان الأربعة » وجدت المستئولية الطبية » وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن المسئولية الطبية تقوم على رفت
عدد الصفحات ٤٤٣ثلاثة أركان”' هى : الخطأ الطبى”'"؟ » والضرر » والرابطة السببية بين الخطأ والضرر”"» والواقع أن هذه الأمور الشلاثة ليست أركانًا للمسكولية الطبية . فأما الخطأ الطبي فإنه في الحقيقة يعتبر سببًا موجبًا للمسئولية لا ركنًا من أركانها لعدم توقف ماهية المسكولية عليه . ١ فإذا أخطأ الطبيب أو مساعده كان خطؤهما موجبًا للمسئولية وليس موجدا لها بحيث يتوقف وجود المسئولية في الخارج على هذا السبب . وأما الضرر فهو أثر من آثار الخطأ الطبى » يقوى به اعتبار السبب الموجب للمسئولية » فهو بهذه الصورة لا تتوقف عليه ماهية المسئولية . وأما الرابطة السببية بين الخطأ والضرر فهي شرط في اعتبارهما » وليست من أركان المسئولية أيضا . . . والله تعالى أعلم . د 2 )١( درج على هذا التقسيم بعض الباحشين في أحكام المسئولية الطبية من الناحية القانونية . انظر المسئولية المدنية عن الأخطاء المهنية . د. الحسيني ص 2١١5 ١1١7 ؛ المسئولية الطبية المدنية الجزائية » بسام محتسب بالله ص ١١7 » المسئولية المدنية للطبيب ٠ للتونجي ص 554 » 5050 » المسئولية الطبية في قانون العقوبات د. الجوهري ص 757 » مسئولية الأطباء والجراحين المدنية في التشريع المصري والقانون المقارن . د. الإبراشى ص .١٠١89 ٠١/8 )١( مرادهم بالخطأ الطبي : « إخلال بموجب سابق لا يرتكبه شخص متبصر وجد في مثل الظروف التي وجد فيها مرتب الضرر» . المسئولية المدنية عن الأخطار المدنية د. الحسيني ص ١١8 3 () المراد بها انتفاء تأثير الأسباب الخارجة عن إرادة الطبيب فى وجود ذلك الضرر الناشيء عن الخطأ لكي يمتنع إعفاء الطبيب من المسئولية . انظر : المسئولية المدنية عن الأخطاء المهنية . د. الحسينى ص ١515٠١56 . 5
عدد الصفحات ٤٤٤المطلب الثاني ( أقسام المسئولية الطبية الجراحية ) المسئولية الطبية في الشريعة الإسلامية جانبان : أحدهما : يتعلق بالآداب والأخلاق » وهو جانب السلوك . والثاني : يتعلق بالأعمال ؛ والطريقة التي تم بها أداؤها وهو جانب العمل وعلى هذا فإن المسئولية عن الجراحة الطبية تنقسم إلى قسمين : ١ القسم الأول: المسئولية الأخلاقية (الأدبية) . القسم الثاني : المسئولية المهنية (العملية) . قأما القسم الأول : فإنه يسأل فيه الطبيب ومساعدوه عن القضايا المتعلقة بسلوكهم. وآدابهم » ومن أمثلته : قضايا الغش . والكذب التي تصدر ضد الأطباء. ومساعديهم ؛ فيتهم الطبيب بغش المريض بأن يدعي إصابته بمرض جراحي ١ أو يقوم المحلل أو المصور بالأشعة أو المناظير الطبية بالتزوير والكذب في التقارير التي قام بكتابتها كل ذلك طلبًا لأغراض ومطامع شخصية . نفك
عدد الصفحات ٤٤٥فهذه القضايا وأمثالها تجب فيها مساءلة الطبيب ومساعديه عن صحة دعواها » وعند ثبوتها يحكم بإدانتهم أخلاقيًا فيتم تعزيرهم بما يستحقون » كما يحكم بتضمينهم » أو القصاص منهم ؛ إذا ترتبت أضرار على تزويرهم وكذبهم ٠. وأما القسم الثاني : فإنه يسأل فيه الطبيب ومساعدوه.عن القضايا المتعلقة بأعمالهم الطبية » وما ترتب عليها من أضرار ومن أمثلته : قضايا الخطأ الطبي سواء كان واقسمًا من الطبيب الفشاحص أو الطبيب الج راح » أو من المساعدين لهماء أو كان مشتركًا من الجميع . فيتهم هؤلاء مثلا بكونهم خرجوا في أثناء قيامهم بمهامهم عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص » فنتج عن خروجهم الضرر الموجود في جسم المريض المدعي . فهذه القضايا وأمثالها تجب فيها مساءلة الأطباء ومساعديهم عن صحة الدعوى » وإذا ثبتت ثبتت يحكم بالقصاص منهم » أو تضمينهم على التفصيل الذي سيأتي بيانه في موضعه بمشيئة الله تعالى وتوفيقه ٠ 5
عدد الصفحات ٤٤٦المطلب الثالث أدلة مشروعية المسئولية الطبية دلت أدلة الشريعة الإسلامية من النقل » والعقل على اعتبار المسئولية الطبية » ففي حديث عمرو بن شعيب”' عن أبيه عن جده أن رسول الله كقال: : ١ من تَطبب ولم يُعْلم منْهُ طب قَبْلَ ذلك فهو 0( ضَامن" . فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً عند أهل العلم - رحمهم الله - في تضمين المتطبب الجاهل إذا عالج غيره واستضر بعلاجه”” . وقد دل الحديث على اعتبار المسئولية الطبية التى عبر عنها بأثرها وهو وجوب الضمان على هذا النوع ممن يدعي الطب وهو جاهل به» وهو عام شامل لمن تطبب بجراحة أو غيرها من فروع الطب» ويدخل فيه من كان في حكم الأطباء كالمحللين » والممرضين » والمخدرين » والمصورين بالأشعة والمناظير الطبية . وإذا كان الجهل هو الموجب للمسئولية كما يدل عليه ظاهر )١( هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة ١١18 من الهجرة ٠ وقوله عن أبيه أي شعيب ٠ وقوله عن جده أي جد شعيب ٠» وهو عبد الله ابن مرو بن العاص رضي الله عنهما الصحابي الجليل . قال الحافظ النسائي <رحمه الله - : 9 صح سماع عمرو من أبيه » وصح سماع شعيب من جده » اه. تهذيب التهذيب لابن حجر 8/ ٠ه . (؟) رواه ابن ماجة ”5/8/5 ؟ » والحاكم في المستدرك وصححه ٠ ووافقه الحافظ الذهبي على تصحيحه بن اقيم ا 1 و اد /ا5
عدد الصفحات ٤٤٧الحديث١!؟ » فإنه يستوي فيه الجاهل بالكلية وهو الشخص الذي لم يتعلم الطب » والجاهل بالجزئية وهو الشخص الذي علم الطب » وبرع في فرع من فروعه »؛ ولكنه يجهل الفرع الذي عالج فيه »؛ مثل الطبيب الجراح المختص بجراحة العيون » إذا قام بجراحة خارجة عن اختصاصه ويجهلها » أو قام بفعل جراحة داخلة في اختصاصه لا علم له بمراحلها أو لا قدرة عنده على تطبيقها على الوجه المطلوب » وهكذا الحكم بالنسبة لمساعدي الأطباء » كل هؤلاء يتحملون المسئولية عن الأضرار الناتجة عن أعمالهم التي أقدموا على فعلها مع جهلهم بأصولها المعتبرة عند أهل الاختصاص والمعرفة . والمقصود أن هذا الحديث الشريف دل على اعتبار المسئولية الطبية التي عبر عنها بأثرها وهو الضمان وأن دلالته شاملة لمن تطبب وكان جاهلاً بالطب كلية أو كان جاهلاً بالجزئية التي تطبب فيها وأنه يدخل في حكم التطبب التمريض ٠ والتحليل » ونقل الدم » والتخدير» والتصوير بالأشعة والمناظير الطبية . وكما دلت السنة النبوية على مشروعية تحميل الطبيب عبء المسئولية عن الأضرار الناتجة عن خطئه . كذلك دل الإجماع على مشروعية ذلك واعتباره . فقد أجمع أهل العلم - رحمهم الله - على تضمين الطبيب الجاهل ؛ وكذلك تضمين الطبيب المتعدي الذي يجاوز الحدود والضوابط المعتبرة عند أهل المعرفة والاختصاص . (1) قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - : « وقوله يَكِيِهِ : « من تطبب » ولم يقل : ١ من طب » ». لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر » وكلفة » وأنه ليس من أهله » كتحلم وتشجع » وتصبر » ونظائرها » اه. الطب النبوي لابن القيم ص ٠١9 . 14
عدد الصفحات ٤٤٨فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل ؛ فإذا تعاطى علم الطب » وعمله؛ ولم يتقدم له به معرفة » فقد هجم بجهله على إتلاف النفوس ٠ وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه » فيكون قد غرر”'' بالعليل » فيلزمه الضمان لذلك » وهذا إجماع من أهل العلم »”" اه. فقد بين:- رحمه الله - إجماع أهل العلم - رحمهم الله - على تضمين الطبيب الجاهل وهذا يتعلق بالنوع الأول الذي سبقت الإشارة ١ . إليه أما النوع الثاني وهو الطبيب المتعدي فقد أشار إلى اعتبار مسئوليته وتضمينه بما نقله عن الإمام الخطابي”" -رحمه الله - بقوله : قال الخطابي : لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى » فتلف المريض كان ضامئًا 6( اه. 0 وكما دل دليل النقل على اعتبار المسئولية الطبية وثبوتها شرعا في حال الجهل ٠» والتعدي . كذلك دل دليل العقل على مشروعيتها وذلك من الوجوه التالية : الوجه الأول القياس : أ - يضمن الطبيب الجاهل ,ما أتلفته يداه » كما يضمن الجاني . 458 /7 غرر : أي خاطر ء والغرر الخطر . المصباح المنير للفيومي )١( , . ١١94 الطب النبوي لابن القيم ص )١( (7) هو الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي ينتهي نسبه إلى زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - » ولد -رحمه الله - بيست سنة 7١14 من الهجرة نبغ - رحمه الله - في الحديث » والفقه ء واللغة» والأدب » توفي -رحمه الله - ببست سنة 784 من الهجرة » وله مصنفات منها : معالم السنن في شرح سنن أبي داود » وغريب الحديث » أعلام الحديث . معجم المؤلفين عمر كحالة 5١/7 . (5) الطب النبوي لابن القيم ص ٠١9 » ومن حكى الإجماع عن تضمين الطبيب الجاهل » ابن رشد الحفيد - رحمه الله - في بداية المجتهد 418/7 . الح
عدد الصفحات ٤٤٩سراية جنايته » بجامع كون كل منهما سراية جرح لم يجز الإقدام 600 عليه ب - يضمن الطبيب المتعدي ما أتلفت يداه » كما يضمن الجاني سراية جنايته » بجامع كون كل منهما فعلاً محرمً”'" . الوجه الثاني النظر : أن الشريعة الإسلامية راعت العدل بين العباد 3 ودفع الظلم عنهم والمسئولية الطبية عن الجراحة الطبية معينة على تحقيق ذلك » فوجب اعتبارها . وبهذه الأدلة النقلية » والعقلية » يتبين لنا ثبوت المسئولية عن الجراحة الطبية واعتبار الشريعة الإسلامية لها . ظ وهذه الأدلة الشرعية صريحة في الأطباء الذين يتولون العلاج ويدخل في حكمهم الممرضون . والمحللون ». والمخدرون ء والمصورون بالأشعة والمناظير الطبية » وغيرهم ممن له علاقة بعلاج المريض سواء كان ذلك فيٍ المراحل الممهدة للجراحة أو في مراحل المهمة الجراحية » أو ما بعدها . ع ؟إة عد )١( أشار إلى أصل هذا القياس الإمام ابن القيم - رحمه الله - عند بيانه لتضمين الخاتن الجاهل بقوله : « فإن لم يكن من أهل العلم بصناعته » ولم يعرف بالحذق فيهاء فإنه يضمنها ٠ لأنها سراية جرح لم يجز الإقدام عليها » فهي كسراية الجناية » وقد اتفق الناس على أن سراية الجناية مضمونة » . تحفة المودود لابن القيم ص ١51 » 16 . (1) أشار إلى أصل هذا القياس ابن قدامة - زحمه الله - وذلك عند بيانه لسبب تضمين الطبيب الجاهل وميره من أرباب الصنائع كالحجام الجاهل فقال - رحمه الله - : .. أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم » ولهم بصارة ومعرفة » لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع , وإذا قطع مع هذا كان فعلاً محرمًاً فيضمن راينه كالقطع ابتداء » اه. المغني والشرح الكبير لابن قدامة 5/ ١7١ . 1
عدد الصفحات ٤٥٠المطلب الرابع في لجس المسلم وروحه حرمة عظيمة عند اله تبر كْ وتعالى'"؟ » وحارت المبادمن الاستخ فاق بها ء وتوعات مسي في أهلاك الأرواح وتلك الأجساد بغير حق بشديد العذاب وأليمه”) لذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على العبث بأجساد الناس : وتغيير خلقتهم السوية التي أوجدهم الله تعالى عليها وامتن بها عليهم : 0 مير - 2 ا ماه # والثين والريتون : وطور سيئينَ 6 وَهذا البَلّد الأمين # لَقَدٌ (1) يلحق بالمسلم الكافر الذمي والمستأمن . لأن لهم حقًا على المسلمين بالذمة والأمان» فلهم ما للمسلم » وعليهم ما على المسلم . (5) يشهد لذلك ما ورد من الآيات والأحاديث الكثيرة في النهي عن قتلٍ النفس بغير حت » ومنها قوله سبحانه : « ولا تفتلوا النفس الْنِي حرم الله إلا بالحق ذَلِكُمٍ وصاكم به لمكم تَعقلُونَ © سورة الأنعام (1) آية 15١ » وقوله سبحانه : 9 ولا تفتُوا أنفسكم إن الله كَان بكم رَحِيما ومن يَفْعَل ذَلِكَ عدوانًا وَظُلمًا فَسَوف تُصليه تارا وَكَانَ ذَلِكَ على الله يُسِيرا © سورة النساء (5) آية 59 . "١ . وقوله سبحانه : #ولا تلقو بأيديكم إِلَى التهلكّة © سورة البقرة (؟) آية ١96 . والآيات في هذا المعنى كثيرة » وكذلك الأحاديث » ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : ” لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس . . .. » متفق عليه . صحيح البخاري 14 .», صحيح مسلم 18/7 وقوله عليه الصلاة والسلام : « من حمل علينا السلاح فليس منا » متفق عليه . صحيح البخاري 5/ 141 » صحيح مسلم 14/١ » وقوله عليه الصلاة والسلام : « لا ترجعوا بعدي كفارًً يضرب بعضكم رقاب بعض » رواه البخاري في صحيحه 5/ 7١5 » ومسلم 39/١ . اه
عدد الصفحات ٤٥١خَلَقْنَا الإنسان في أحَسن تقو 8 ا وقال سبحانه 3ب ها الإسنارما عب بيك لكريم الذي َلك قسرَاك دك +* في أي صُورة م شَاء ركب 9914 . ولماوجدت الحاجة الداعية إلى التداوي والعلاج بالجراحة أعلات الشريتة لس 0 الاختصا ن الأطباء ومساعد هل ناص من 3 عا ا ا بدفع ضرره » ذلك أن الأطباء ومساعديهم بشر يعتريهم ما يعتري النفس البشرية الضعيفة » فقد يخرجون في بعض الأحيان عن القيود الشرعية ويتجاوزونها معرضين أرواح الناس وأجسادهم للهلاك والتلف المحقق إما طلبًا لعرض الدنيا وجاهها من مال أو شهرة ودعاية » أو إسرافًا وبغيًا واستهتار بحرمة تلك الأرواح والأجساد البريئة . وهذا الصنف من الأطباء وغيرهم كما يعتبر متجاوزًا لحدود الشرع ومحارمه كذلك يعتبر متجاوزً لواجباته الطبية التي ينبغي عليه التتزامها , وأخذ عليه العهد بأدائها على الوجه المطلوب . لذلك فإن الشريعة الإسلامية الحكيمة العادلة لم تغض الطرف عن هذه النوعية التي تهدد أرواح الناس » وأجسادهم بالهلاك » والتلف , المحقق » بل وضعت الزواجر والعقوبات البدنية والمالية والتعزيرية . ]4-١1نيتلا سورة )١( . (؟) سورة الانفطار[8-51] مغ
عدد الصفحات ٤٥٢المناسبة » وبذلك تكفلت بزجرهم وكف أذاهم عن العباد . فاعتنى فقهاء الشريعة ببيان القواعد العامة التي تتفرع عنها الأحكام معينة من الضمان تحمل الطبيب فيها المسئولية كاملة عن نتائج عمله الذي خرج فيه عن الحدود المعتبرة7" . إن اعتناء فقهاء الإسلام - رجمهم الله - ببيان موقف الشريعة الإسلامية من تصرفات الأطباء » ومساعديهم الخارجة عن الحدود والضوابط المعتبرة في مجال أعمالهم » فيه دليل بين على شمولية أحكام الشريعة الإسلامية وتصوراتها . ذلك أن فرض وجود هذه النوعية التي تستخف بحرمة الأرواح والأجساد » وتخرج عن الضوابط المعتبرة عند أهل الاختصاص يعتبر ثابنًا حسا وعقلاً , فيعتبر السكوت عن بيان حكمه قصورا في التصور برأت منه شريعة الإسلام الخالدة . ْ كما أن حكم الشريعة بمحاسبتهم » ومؤاخذتهم بإساءتهم » فيه دليل على عدها وإنصافها » ومراعاتها لدفع الأضرار والمفاسد عن العباد وذلك من قواعدها . فهي لم تطلق العنان لهذه الأيدي الآثمة لكي تعبث بأرواح الناس وأجسادهم وتعرضها للهلاك والتلف المحقق » ولم تترك تصرفاتهم الجانية تمردون محاسبة عادله توجب النظر فيها » والحكم عليها . )١( تكملة البحر الرائق للطوري 8/ 7 , الدر المختار للحصكفي 75/7 » بداية المجتهد لابن رشد 418/7 » تبصرة الحكام لابن فرحون ”/ 747 » حاشية قليوبي وعميرهة المغتي والشرج الكبير لين قدامة 15/1 + شرج متتري الإزاقات: : للبهوتي ”/ /الا”” . وت
عدد الصفحات ٤٥٣وإلزا م أصحابها بتحمل تبعاتها » ورد الحقوق المترتبة عليها إلى أصحابها من المرضى ؛ وذويهم كاملة غير متقوصة لا يَظلمُون ولا يظلمون . وهي بهذا المسلك القويم تخالف ما ذهب إليه بعض فقهاء القوانين الوضعية من إستقاط المسكولية عن الأطياء مطلقًا » وذلك بحجة أن قصد الاعتداء منتف في فعل الطبيب بالكلية » ولا يمكن أن يقصده . وإذا انتغفى قصد الاعتداء فإنه يتفي وصف الفعل بالجناية» ومن ثم تنتفي مساءلة الطبيب عن فعله لانتفاء موجبها7" . خاطتاء ذك لأ الا حلاف في أن قصد الجاي رحد مي القصه المفترضين في الأعمال المبنية على المقاصد الباعثة على فعلها فكل من قام بعمل له قصد باعث على فعله » ولا يخلو ذلك القصد إما أن يكون حسئا » أو يكون سيئًا وهذا الافتراض لا دليل على انتفاء أحد شقيه - وهو القصد السىء - فى الطبيب ومساعديه كما لا دليل على انتفاء - القصد الحسن -فيهم + قوجب إبقاء الفرض كما غو ء والعمل بالدلائل والأمارات الظاهرة الموجبة لترجيح أحد القصدين على الآخر . وهذا هو ما راعته الشريعة الإسلامية » فإن الأطباء ومساعديهم . )١( هذا المذهب أخذ به بعض فقهاء القوانين الوضعية من الألمان » ومنهم ستوس حيث نفوا عن عمل الطبيب صفة الاعتداء لانتفاء قصده له بالكلية» وقد نقل ذلك مترجما عن بعض المصادر الأجنبية . انظر : المسئولية الطبية في قانون العقوبات د. فائق الجوهري ص 91 » المسئولية الجنائية للأطباء د . أسامة عبد الله قايد ص 1١١ م المسئولية الطبية المدنية الجزائية بسام محتسب يالله ص 5 . 6
عدد الصفحات ٤٥٤بشر يعتريهم ما يعتري البشر وليس بمستحيل لا عقلاً ولا حسنًا أن يتعرضوا للمغريات والدوافع السيئة التي توجب صرفهم عن المقاصد الحسنة إلى ضدها . وعلى هذا فإن إلغاء قصد الجناية عند الأطباء ومساعديهم يعتبر ضريًا من المكابرة فيما ثبت اعتباره عقا وحسا أن يتعرضوا لل فر يات والدوافع السيئة التي توجب صرفهم عن المقاصد الحسنة إلى ضدها . ٠ وعلى هذا فإن إلغاء قصد الجناية عند الأطباء ومساعديهم يعتبر ضربًا من المكابرة فيما ثبت اعتباره عقلاً وحسا » وإذا ثبت وجود القصد السيء عند الأطباء ومساعديهم ثبتت ت المسكولية الجنائية لشبوت موجبها"' ' » ووجبت محاسبة الطبيب ومساعديه على تلك التصرفات الآثمة ومؤاخذتهم عليها بحسب جرمهم وخطيئتهم . د 1د د (1) يسلم فقهاء القانون الوضعي بترتب المسئولية على وجود القصد الجنائي «للاعتداء » ومرادهم بالقصد الجنائي في الجرائم : « هو ارتكاب الجاني فعل الضرب والجرح عن إرادة عالمًا بأن هذا الفعل يترتب عليه المساس بسلامة الجسد لشخص آخر أو صحته ) ' . وعلى هذا فإنه يتركب عندهم من وجود أمرين : أحدهما : العلم بما يترتب على الجريمة من آثار سيئة فى الجسد والصحة . الثانى : الإرادة . انظر : المسئولية الجنائية للأطباء د. أسامة عبد الله قايد ص ١19 » ١٠٠ء المسئولية الطبية في قانون العقوبات . د. الجوهري ص 40 ٠١ 95 . 1:66
عدد الصفحات ٤٥٥المبحث الثاني شي ( المسئولية الأخلاقية في الجراحة الطبية ) اعتنت الشريعة الإسلامية بجانب الآداب والأخلاق » فجاءت نصوص الكتاب والسنة داعية للتحلي بها 2 والتزامها 2 ووعدت من فعل ذلك بالأجر والثواب الجزيل » كما أنها حذرت من مخالفتها » والتخلق برذائلها المحرمة » وتوعدت من فعل ذلك بأليم العذاب » وشديد العقات(؟ . | كل ذلك لما يترتب على الالتزام بهذه الأخلاق والآداب المحمودة من العواقب الحميدة » وما تتضمنه من المصالح الجليلة التي لا يقتصر خيرها » ونفعها على الفرد وحده بل يتعداه إلى غيره من سائر أفراد المجتمع . كما أن ترك هذه الأخلاق » والتخلق بضدها من الأخلاق والآداب المذمومة يتضمن العواقب السيئة والمفاسد العظيمة التي لا يقتصر )١( يشهد لذلك آيات منها قوله سبحانه : 8 يا أيها اين اموا انَّهُوا الله وَكُونُوا مَعْ الصادقين» التوبة (9) آية 1١1 . وقوله سبحانه : # يا أيها الذِينَ مَامنوا أَوقُوا بالعقُود © المائدة (0) آية ١ . وقوله سبحانه : 8 يا أيه الّذينَ َامُوا لا يسخَر قوم من قوم عَسَى أن يكوثوا خيرا منهم ... الآيتين © الحجرات (19) آية ١١ ؛» ١7” . وفي الضحيح من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي َلِِ قال : « إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا ؛ رواه البخاري في صحيحه 55/4 » وفي الصحيح أيضًا من حديث أم المؤمنين عائشة . رضي الله عنها أن النبي يكل قال لها : « إياك والعنف والفحش » رواه البخاري في صحيحه 5/ 00 » وفي رواية له : « إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه . 'الناس اتقاء شره» . والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . كمع
عدد الصفحات ٤٥٦ضررها على الفرد وحده بل يتعداه إلى غيره من سائر أفراد المجتمع : وبهذه العناية هذبت الشريعة الإسلامية سلوك المؤمن ؛ وزكت نفسه » وطهرت فؤاده » وتصرفاته من رذائل الأخلاق وسيئها ؛ فجعلته . وفيا بوعده وعهده » صادقًا فى قوله » أميئًا فى معاملته . فبريء من خلف الوعد » ونقض العهد » ونكث المواثيق » وابتعد عن الكذب والغش والتزوير وغيرها من الأخلاق الرذيلة . والجراحة الطبية كغيرها من مهام الطب مفتقرة إلى هذه الشخصية المحافظة على هذه الآداب والأخلاق الحميدة التي تعين على الوصول للأهداف المقصودة من مهمة الجراحة » لكن النفوس الدنيئة قد جبلت على مخالفة هذه الأخلاق » ونبذ هذه الآداب » والإعراض عنها في سبيل الحصول على الحظوظ والشهوات الدنيوية الزائلة . فاستغلت بذلك هذه المهنة النبيلة التي قصد منها تخفيف الآلام » ودفع ضرر الأمراض والأسقام عن الأرواح والأجسام» لكي تصبح على العكس من ذلك . ؛ فتسلطت بالضرر على الأجساد والأرواح المخرمة بغير حق . فتارة تجد الطبيب من هذا الصنف يدعي أن المريض مصاب بداء جراحي » ويصر على وجوب إجراء الجراحة فور بحجة أن حياة المريض مهددة بالخطر . ويستعين في إثبات دعواه الكاذبة بمساعديه الذين يقومون بتزوير التنائج التي توصلوا إليها من خلال التحاليل » والتصوير بالأشعة والمناظير الطبية . وتارة تجد الطبيب من هذا الصنف يقوم بفحص المريض ويتبين له /ا5
عدد الصفحات ٤٥٧