71 كقػػد كيصػػؼ النبػػي (بالعبػػد) رغػػـ عمػػك منزلتػػه؛ لػػئلا يػػذهب الػػذاهبكف مػػذهبان آخػػر, فيػػػػألهكف النبػػػػي, أك يضػػػػفكف عميػػػػه صػػػػفة تخمػػػػؽ فػػػػي نفكسػػػػهـ معنػػػػى الشػػػػرؾ, كمػػػػا فيعػػػػؿ بالمسػيح –عميػػه السػػلاـ- حػيف كصػػؼ بأنػػه ابػف الله. كقػػد حػػذٌرت سػكرة الإسػػراء مػػف هػػذ النظرة كهذ الرؤية, فبدأت بهذا الأمر, كانتهت به في قكله تعالى في آخر السكرة: ( وَلًُِ اٌْؾَّْذُ ٌٍِّهِ اٌَّزِي ٌَُْ يَزَّخِلزْ وٌََلذًا وٌََلُ يَىُلٓ ٌَّلهُ ؽَلشِيهٌ ـِلي اٌٍُّْْلهِ وٌََلُْ يَىُلٓ ٌَّلهُ وٌَِلي ًِلَٓ اٌلزُّيَّ وَوَجًلشْ ُ رَىْجِيرًا)(1) . كترمػػػػز رحمػػػػة النبػػػػي -- فػػػػي رحمػػػػة الإسػػػػراء كالمعػػػػراج إلػػػػى تلاقػػػػي الأديػػػػاف السػػػماكية, ككحػػػدتها فجميعهػػػا مػػػف مصػػػدر كاحػػػد كهػػػك الػػػكحي الإلهػػػي, كمػػػا يرمػػػز التقػػػاء النبي -- بالأنبياء فػي المسػجد الأقصػى, كصػلاته بهػـ إلػى اتحػاد الأديػاف السػماكية بالإسلاـ آخر الزماف. كقد قيدٌـ ذكر المسجد الحراـ عمى المسجد الأقصى في قكله تعالى: (ًَِٓ اٌَّْغْغِذِ اٌْؾَشَاَِ بٌَِ اٌَّْغْغِذِ الأَلْصَ ) لأفٌ مكة –شرفها الله - مكاف التقاء المسمميف مف جميع أنحػاء العػػػػالـ, كمحجهػػػػـ كنقطػػػػة انطلاقهػػػػـ, كمػػػػا أفٌ المسػػػػجد الأقصػػػػى مكػػػػاف التقػػػػاء الأنبيػػػػاء كارتقائهـ, فهي معالـ في الطريؽ لمف أراد العبػكر مػف الػدنيا إلػى الآخػرة, يبػدأ بالعبػادات كالقربى إلى الله, كينتهي بالار تقاء كالسمك. فرمزية الرحمة كاضحة لمف تأمػؿ كأرجػع فيهػا النظر. سورة الإسراء ومسمياتيا: تحمؿ هػذ السػكرة العظيمػة غيػر تسػمية اشػتهرت بهػا, فهػي (الإسػراء) إشػارة إلػى الرحمة العظيمة التي قاـ بها النبي -- مف مكة إلػى بيػت المقػدس, كهػي سػكرة (بنػي إسرائيؿ) نظران لإشارتها إلى إفساد بني إسرائيؿ مػرتيف, كعتػكهـ عػف أمػر ربهػـ, كمػا كرد اسػػمها فػػي بعػػض الركايػػات عمػػى أنهػػا سػػكرة ( سػػبحاف)" كالمقصػػكد بهػػا الإقبػػاؿ عمػػى الله (1) الإسراء 444 .)
عدد الصفحات ٨١71 كحػػػػد , كخمػػػػػع كػػػػػؿ ماسػػػػكا , لأنٌػػػػػه كحػػػػػد المالػػػػػؾ لتفاصػػػػيؿ الأمػػػػػكر(1). كأجممهػػػػػا تسػػػػػمية (الإسراء) لما في المفظ مف إيقاع كاايحاء بالقداسة. الوحدة الموضوعية في السورة: تتعدد المكضكعات الدينية التي تضمنتها سكرة الإسػراء, كتشػكؿ زخمػان هػائلان مػف التكجيهػػػػات كالعظػػػػات كالإشػػػػارات, مػػػػا يقػػػػارب الأربعػػػػيف مكضػػػػكعان, ممػػػػا يجعػػػػؿ القػػػػارئ يتسػػػاءؿ عػػػف الكحػػػدة المكضػػػكعية التػػػي تػػػػربط كػػػؿ هػػػذ التكجيهػػػات, كهػػػذا ذكػػػر لأبػػػػرز مكضكعاتها: 1. ذكر معجزة الإسراء كتحديد مكانها 2. الإشارة إلى بني إسرائيؿ كاافسادهـ في الأرض مرتيف 3. إعطػاء بنػي إسػرائيؿ فرصػة للإصػلاح , ثػـ الإشػارة إلػى عػدـ اسػتغلالها ( وَبِْْ عُلذرُُّْ عُلذَْٔب ) (ـَلةِرَا عَلبء وَعْلذُ الآخِلشَحِ ٌِيَغُلوئُواْ وُعُلوهَىُُْ وٌَِيَلذْخٍُُواْ اٌَّْغْلغِذَ وََّلب دَخٍَُلو ُ ؤَوَّيَ َِلشَّحٍ وٌَِيُزَجًشُواْ َِب عٍََوْاْ رَزْجِيرًا)(2) . 4. الإشارة إلى عظمة القرآف كهدايته للإنساف كما كانت التكراة مف قبؿ 5. الإشارة إلى طبيعة الإنساف, كدعائه بالشر قبؿ الخير, لجهمه كعجمته 6. تحميؿ الإنساف مسؤكلية عممه 7. الإشارة إلى سنة الله في هلاؾ القرل بعد فسادها 8. الػػػنص عمػػػى أفٌ الله يعطػػػي الػػػدنيا لمػػػف يريػػػد, كالآخػػػرة لمػػػف يريػػػد, لكػػػف الآخػػػرة أكبػػػر درجات كأكبر تفضيلا. 9. تكجيه الإنساف إلى ما مف شأنه نجاح حياته كفػكز بػالآخرة, كيبػدأ ذلػؾ بالتكحيػد, ثػـ بػػر الكالػػديف, كالإحسػػاف إلػػى ذكم القربػػى كالمسػػاكيف كابػػف السػػبيؿ, كاجتنػػاب التبػػذير كالإسراؼ في النفقات, كعدـ قتؿ الأكلاد خكؼ الفقر, كالنهي عػف الزنػا كقتػؿ الػنفس (1)البقػػاعي, إبػػراهيـ بػػف عمػػر بػػف حسػػف الربػػاط بػػف عمػػي بػػف أبػػي بكػػر(ت ;>>ق), نظػػـ الػػدرر فػػي تناسب الآيات كالسكر, تحقيػؽ: محمػد عمػراف الأعظمػي, دار الكتػاب الإسػلامي, القػاهرة , ط4 ,49?=ق-4?==ـ, ج44,ص8>< . (2) الإسراء =).
عدد الصفحات ٨٢72 التػػي حػػرـ الله إلا بػػالحؽ, ك اجتنػػاب أمػػكاؿ اليتػػامى كالكفػػاء بالكيػػؿ كالميػػزاف, كالتنديػػد بصفة الفضكؿ (أم تدخؿ الإنسػاف فيمػا لا يعنيػه) (وَلاَ رَمْلؿُ َِلب ٌَليْظَ ٌَلهَ ثِلهِ عٍِْلٌُ )(1) , كعدـ التكبر عمى الخمؽ كالمشي بخيلاء, كالحث مرة أخرل عمى عدـ الشرؾ با 10. كصؼ المشركيف كنفكرهـ مف القرآف, كما جعؿ عمى قمكبهـ مف حيجب كأكنة. 11. فضػػػح مػػػا يػػػدكر فػػػي أفئػػػدة المشػػػركيف مػػػف شػػػككؾ بصػػػحة رسػػػالة النبػػػي -- كاتهامه بالسحر, كاستبعادهـ عكدة المكتى إلى الحياة بعد استحالتهـ إلى عظاـ 12. ذكر قصة الملائكة كسجكدهـ لآدـ, كعصياف الشيطاف كرفضه لمسجكد 13. ذكر كسائؿ الشيطاف في إغكاء بني آدـ كمشاركتهـ في الأكلاد كالأمكاؿ. 14. ذكػػر فضػػؿ الله عمػػى النػػاس فػػي البػػر كالبحػػر, كاانقػػاذهـ مػػف الغػػرؽ إذا دعػػكا ا بالنجاة. 15. الاستنكار عمى الناس الإحساس بالأماف (رغـ شركهـ) مع أفٌ الله قادر عمػى أف يخسؼ بهـ البر, أك يرسؿ عميهـ حاصبان أك قاصفان مف الريح. 16. ذكر ما سػيحدث للإنسػاف يػكـ الحسػاب كتمقيػه كتابػه, فػهف كػاف بيػد اليمػيف نجػا, كمف عمى في الدنيا عمي في الآخرة. 17. ذكر محاكلة المشركيف فتنة النبي كااقناعه بالافتراء عمى ا 18. ذكر صعكبة حياة النبي, كأنٌه كاد يركف إليهـ لكلا أف ثبته ا 19. الدعكة إلى الصلاة عمى أكقاتها, كقراءة القرآف كالتهجد كالدعاء 20. الإيذاف بمجيء الحؽ كزهكؽ الباطؿ بَِّْ اٌْجَبؼًَِ وَبَْ صَهُولًب)(2) . 21. الإشارة إلى ما في القرآف مف شفاء كرحمة لمناس 22. الإشارة إلى طبيعة الإنساف , حيف يعرض كينأل بجانبه عف الحؽ. 23. ذكر سؤاؿ المشركي ف عف الركح كالنص عمى أنٌ ها مف أمر الله. 24. تذكير النبي بنعـ الله عميه, كأف لك ذهب الله به لذهب بالمشركيف كراء (1) الإسراء 9< .) (2) الإسراء 4.)
عدد الصفحات ٨٣73 25. تحػػػدم الإنػػػس كالجػػػف عمػػػى أف يػػػأتكا بمثػػػؿ هػػػذا القػػػرآف, كأفٌ فيػػػه تصػػػريؼ لكػػػؿ شيء. 26. ذكػػر طمبػػات المشػػركيف التعجيزيػػة, كهػػي أف يفجػػر لهػػـ النبػػي -- ينبكعػػان, أك أف يأتي بجنة مف نخيؿ كعنب, أك يسقط عميهـ كسفان مف السػماء, أك أف يػأتي بػالله كالملائكػػػػة, أك يكػػػػكف لػػػػه بيػػػػت مػػػػف زخػػػػرؼ, أك يرقػػػػى فػػػػي السػػػػماء, أك ينػػػػزؿ كتابػػػػان يقرأكنه . 27. التصريح بسبب عدـ إيماف الناس بالأنبياء, كهك أنٌهـ بشػرلَبٌُواْ ؤَثَعَشَ اٌٍّلهُ ثَؾَلشًا سَّعُولاً)(1) . 28. النص عمى أفٌ الهداية بيد الله, كالضػلاؿ بيػد , كلػيس لمنبػي مػف حيمػة فػي تغييػر ذلؾ (بعد تحذيرهـ). 29. تعجب المشركيف مف قضية البعث ؤَئِزَا وُنَّب عِظَبًِب وَسُـَبرًب ؤَبَِّٔب ٌََّجْعُوصُوَْ خٍَْمًب عَذِيذًا)(2) . 30. محاكرة المشركيف كمحاكلة لفتهـ إلى خمؽ السمكات كالأرض عمٌهـ يهتدكف 31. الإشارة إلى شيح الإنساف كبخمه كأف لك ممؾ خزائف رحمة الله لبخؿ كقتٌر 32. سػػؤاؿ بنػػي إسػػرائيؿ عػػف مكسػػى –عميػػه السػػلاـ- كمعجزاتػػه كقصػػته مػػع فرعػػكف, كذكػػػر مصػػػير كغرقػػػه, كمػػػا آؿ إليػػػه بنػػػك إسػػػرائيؿ بعػػػد ذلػػػؾ , كمجيػػػئهـ آخػػػر الزمػػػاف (لفيفان). 33. التأكيد عمى أفٌ القرآف حؽ كنزكله حؽ. ككصؼ خصائص القرآف, كنزكله مفرقان ليقرأ الناس عمى ميكث. 34. كصػػؼ حػػاؿ المػػؤمنيف الػػذيف يقػػرأكف القػػرآف بخشػػكع, كيخػػركف إلػػى الأذقػػاف كهػػـ يبككف, كيسجدكف, كيدعكف الله. 35. الطمػػب إلػػى النػػاس أف يػػدعكا الله بأسػػمائه الحسػػنى -الله كالػػرحمف - كعػػدـ الجهػػر بالصلاة (أم رفع الصكت). (1) الإسراء :?). (2) الإسراء ?:).
عدد الصفحات ٨٤74 36. الانتهػػػػاء بالحمػػػػد, كااعػػػػلاف الكحدانيػػػػة, كالتنديػػػػد بالشػػػػرؾ؛ لأفٌ الله لا كلػػػػد لػػػػه ك شريؾ, كلا كلي مف الذؿ, كدعكة إلى التكبير. إفٌ السػػكرة عمػػى اخػػتلاؼ مكضػػكعاتها كتعػػدد تكجيهاتهػػا تمثػػؿ نسػػقان إلهيػػان عظيمػػان منسجـ العناصػر, متكامػؿ التركيػب, لمػف أنعػـ النظػر كأطػاؿ التأمػؿ؛ إنٌهػا تمثػؿ ممخصػان لحياة الإنساف, منذ أف يكلد إلى أف يصبح كامػؿ الأهميػة لإعجػاز الكػكف, كاتخػاذ مكقػؼ عقػػدم مػػف الخػػالؽ, ككػػؿ مػػا هػػك غيبػػيٌ إلػػى أف يمػػكت كيسػػتحيؿ رفاتػػان كعظامػػان, ثػػـ يمقػػى كجػػه ربػػه لمحسػػاب كالسػػؤاؿ. بػػ ؿ نسػػتطيع أف نػػذهب إلػػى أكثػػر مػػف ذلػػؾ, كهػػك أف السػػكرة تعػػػػرض لمرحمػػػػة مػػػػا قبػػػػؿ كلادة الإنسػػػػاف كهبكطػػػػه إلػػػػى الأرض حػػػػيف كقػػػػؼ آدـ -عميػػػػه السلاـ- قبالة الشيطاف, فرفض هذا الأخير السجكد لػه, لعػدـ إقػرار بتميػز كمكانتػه عنػد الله, كهبػكط آدـ بػدكر لعصػيانه آ كامػر الله, كأكمػه مػف الشػجرة المحرمػة ( وَعَصَل آدََُ سَثَّلهُ ـَؽَوَ )(1) كشقائه بعد ذلؾ إلى قياـ الساعة فالسكرة تمثؿ تكجيهان رحيمان لمبشػرية جمعػاء, بػأفٌ رحمػة الشػقاء عمػى هػذ الأرض يمكف أف تككف أسهؿ كطأة عمى الإنساف, كأيسر حملان لك أنٌػه تمثػؿ تعػاليـ ربػه, كانتهػى عف كامؿ ما مف شأنه أف يشقيه, فجاءت التعميمات الإلهية تدؽ طبكؿ التحذير: لا تجعػػؿ مػػع الله إلهػػا... كبالك الػػديف إحسػػانا... كآت ذا القربػػى حقػػه... كلا تبػػذركا تبػػػذيرا... كلا تجعػػػؿ يػػػدؾ مغمكلػػػة... كلا تقتمػػػكا أكلادكػػػـ... كلا تقربػػػكا الزنػػػى... كلا تقتمػػػكا النفس التي حرـ الله... كلا تقربكا ماؿ اليتيـ... كأكفكا الكيؿ إذا كمتـ... كلا تقؼ ما لػيس لؾ به عمـ... كلا تمشً في الأرض مرحان... إنٌهػػػػا منهػػػػاج حيػػػػاة لإنقػػػػاذ البشػػػػرية الضػػػػائعة, التػػػػي تسػػػػير نحػػػػك الهاكيػػػػة, كيأكػػػػؿ بعضػػها بعضػػان... كصػػلاة النبػػي بالأنبيػػاء فػػي بيػػت المقػػدس, كهػػك رمزيػػة لجميػػع النػػاس (1) طه484.)
عدد الصفحات ٨٥75 باتباع ديف محمد-- قاؿ تعالىبَِّْ اٌذًيَٓ عِنذَ اٌٍّهِ الإِعْلبََُ)(1) كقاؿ تعالىوََِب ؤَسْعَلٍْنَبنَ بٌَِّب سَؽَّْخً ٌٍِّْعَبٌَِّ َ)(2). كتػػأتي رحمػػة الإسػػراء كالمعػػراج لتتسػػؽ مػػع هػػذ التعػػاليـ كتنسػػجـ معهػػا. فكمػػا أفٌ محمػػدان نبػػي البشػػرية قػػد أيسػػرم بػػه مػػف مكػػة إلػػى بيػػت المقػػدس, كصػػمى بالأنبيػػاء ثػػـ عػػرج إلػػػى السػػػمكات, حيػػػث المقػػػاء الأركع مػػػع خػػػالؽ السػػػماء ( ـىلللبْ للللبة لوعللل ؤو ؤدٔللل )(3) كعػػػاد بالرحمػػػػػة كالشػػػػػفاعة كالصػػػػػلاة, ينبغػػػػػي لمبشػػػػػرية أف تحػػػػػذك حػػػػػذك , كتسػػػػػرم بأركاحهػػػػػا لا بأجسػػادها نحػػك خالقهػػا, كػػؿ يػػكـ خمػػس مػػرات, لمػػا تحممػػه الصػػلاة مػػف رمزيػػة الارتقػػاء كالسػػمك كالإسػػراء, لا فػػرؽ بػػيف عربػػي ك أعجمػػي, كلا أبػػيض كلا أسػػكد. كبػػذا يكػػكف لمقائػػه عميه السلاـ بالأنبياء في بيت المقدس رمزية التكحد كالعالمية. كثمة قضية هامٌة لا بد مف الإشػارة إليهػا, كهػي كركد ذكػر بنػي إسػرائيؿ, كعقيػدة النصػػارل فػػي اتخػػاذهـ المسػػيح إلهػػان كتنديػػد القػػرآف فػػي آخػػر السػػكرة بهػػذا المعتقػػد, لقكلػػه تعالى: (وَلًُِ اٌْؾَّْذُ ٌٍِّهِ اٌَّزِي ٌَُْ يَزَّخِزْ وٌََذًا وٌََُ يَىُٓ ٌَّهُ ؽَشِيهٌ ـِي اٌٍُّْْهِ)(4) . فقد جاءت السكرة عمى ذكر هذا المعتقد لخطكرته, فردت عميه بصػكرة لافتػة فػي قكلػه تعػالى: (عُلجْؾَبَْ اٌَّلزِي ؤَعْلشَ ثِعَجْلذِ ِ ٌَليْلبً )(5) فكصػفت النبػي-- بالعبكديػة, عمػى عظـ شأنه كمكانته, ردان عمى مف اعتقد بألكهية الأنبيػاء, لا سػيما المسػيح عميػه السػلاـ, كبػػذا كضػػعت النقػػاط فػػكؽ الحػػركؼ, فيمػػا يتعمػػؽ بديانػػة عظيمػػة تنتشػػر فػػي جميػػع أنحػػاء العالـ كهي (النصرانية). (1) آؿ عمراف 4?.) (2) الأنبياء40=.) (3) النجـ?). (4) الإسراء 444.) (5) الإسراء 4.)
عدد الصفحات ٨٦76 كما أنٌها نددت ببني إسرائيؿ, لما يمعبكنه مف دكر في تعطيػؿ هػذا المنهػاج الػذم رسػػػمته السػػػكرة, كيسػػػعكف فػػػي الأرض فسػػػادان, ممػػػا يعطػػػؿ دكر جميػػػع الشػػػرائع فػػػي رسػػػـ السػػلاـ, كااسػػعاد البشػػرية, فجػػاء التفػػاكض معهػػـ (وَبِْْ عُللذرُُّْ عُللذَْٔب) لممعرفػػة المسػػبقة بػػأنٌهـ كمما عاهدكا الله باتباع الشريعة, كعدـ الإفساد, عادكا كنكثكا العهد, فجاء الكعد بالنهايػة ( ـَةِرَا عَبء وَعْذُ الآخِشَحِ ٌِيَغُوئُواْ وُعُوهَىُُْ وٌَِيَذْخٍُُواْ اٌَّْغْغِذَ وََّب دَخٍَُو ُ ؤَوَّيَ َِشَّحٍ وٌَِيُزَجًلشُواْ َِلب عٍََلوْا رَزْجِيرًا)(1) . أمػػا الإشػػارة لبيػػت المقػػدس فػػي مطمػػع السػػكرة؛ فػػطفٌ الأحاديػػث الشػػريفة كالركايػػات المػػأثكرة, تشػػير جميعهػػا إلػػى أفٌ التقػػاء البشػػرية فػػي أرض المقػػدس, كالمكاجهػػات الدينيػػة كاقعػػة لا محالػػة, لتعػػكد الحقػػكؽ إلػػى أصػػحابها, كفػػي ذلػػؾ يقػػكؿ النبػػي --: "لا تقػػكـ السػػاعة حتػػى يقاتػػؿ المسػػممكف اليهػػكد فيقػػتمهـ المسػػممكف, حتػػى يختبػػئ اليهػػكدم مػػف كراء الحجػػر كالشػػجر, فيقػػكؿ الحجػػر كالشػػجر: يػػا مسػػمـ يػػا عبػػدالله هػػذا يهػػكدم خمفػػي فتعػػاؿ فاقتمه إلاٌ الغرقد فهنٌه مف شجر اليهكد" (2) ركا مسمـ التقديم والتأخير في سورة الإسراء: كقػػػع اختيػػػار هػػػذا البحػػػث عمػػػى ظػػػاهرة التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي عمػػػـ المعػػػاني؛ لمػػػا تكشػػؼ عنػػه مػػف دلالات بلاغيػػة كلطػػائؼ تعبيريػػة, عبٌػػر عنهػػا عبػػد القػػاهر الجرجػػاني – كما سبؽ- كذكرنا بقكله: "لا يػزاؿ –أم التقػديـ كالتػأخير- يفتػرٌ لػؾ عػف بديعػة, كيفضػي بؾ إلى لطيفة, كلا تػزاؿ تػرل شػعران يركقػؾ مسػمعه, كيمطػؼ لػديؾ مكقعػه ثػـ تنظػر فتجػد سبب أف راقؾ, كلطؼ عندؾ, أف قيدـ فيه شيء, كحكٌؿ المفظ مف مكاف إلى مكاف"(3) . (1) الإسراء =). (2) النيسابكرم, مسمـ بف الحجػاج أبػك الحسػف القشػيرم, المسػند الصػحيح المختصػر, تحقيػؽ: محمػد فػػؤاد عبػػد البػػاقي, دار إحيػػاء التػػراث العربػػي, بيػػركت, (د.ط), (د.ت), صػػحيح مسػػمـ, بػػاب (لا تقكـ الساعة حتى يمر الرجؿ), ج :, ص889? . (3) الجرجاني, دلائؿ الإعجاز, ص 49= .
عدد الصفحات ٨٧77 فػػهف راؽ التقػػػديـ كالتػػأخير الجرجػػػاني فػػػي الشػػعر, فهنٌػػػهفػػػي القػػرآف الكػػػريـ ألطػػػؼ كأجػػؿ, كأحػػكج إلػػى التػػدبر كالتأمػػؿ, لصػػدكر مػػف لػػدف لطيػػؼ خبيػػر, يعمػػـ مكاضػػع الكمػػـ كتقميبه. كقػد كجػػدت فػػي سػػكرة الإسػػراء انتشػػاران لهػػذ الظػػاهرة البلاغيػػة كغيرهػػا مػػف السػػكر, تمػط أرجاءهػا, بحيػػث لا تكػاد تخمػك آيػػة (إلا مػا قػػؿ) مػف تقػديـ أك تػػأخير فػي الألفػػاظ أك التراكيب, أك بيف الآيات فيمػا بينهػا, كيمكػف القػكؿ إفٌ التقػديـ قػد يقػع فػي سػكرة الإسػراء, ثـ يظهر متأخران في سكرة أخرل, مما ستشير إليه الدراسة في مكانه إف شاء الله. كقد تعددت أغراض التقديـ كالتػأخير فػي سػكرة الإسػراء, كتنكعػت أشػكاله كطالػت معظـ ما ذكر البلاغيك ف مف أغراض كالتقديـ للاهتماـ, كالتخصػيص, كالتػدرج فػي ذكػر الأقػػػؿ إلػػػى الأكثػػػر, كالأدنػػػى إلػػػى الأبعػػػد, كالمػػػديح, كالقصػػػر, كمراعػػػاة السػػػبؽ الزمػػػاني كالمكاني كغيرها. فشكؿ بػذلؾ أسػمكبية داعمػة لطريقػة القػرآف فػي التػ أثير كالتبميػآ فػي الػدعكة, كفيمػا يأتي عرض لخصائص هذ الأسمكبية: التقديم والتأخير في أشباه الجمل: لقػػد غمبػػت عمػػى أسػػمكبية التقػػديـ كالتػػأخير فػػي سػػكرة الإسػػراء جريانهػػا بػػيف أشػػبا الجمػػػؿ, محققػػػة مػػػف خلالهػػػا مختمػػػؼ الأغػػػراض كالغايػػػات البلاغيػػػة, كالمقصػػػكد بأشػػػبا الجمػػػػػؿ (الجػػػػػار كالجػػػػػركر كشػػػػػبه الجمػػػػػؿ الظرفيػػػػػة) غيػػػػػر أفٌ لشػػػػػبه الجمػػػػػؿ مػػػػػف الجػػػػػار كالمجركر نصيب الأسد في أداء هذ الأسمكبية مف مثؿ: (عُجْؾَبَْ اٌَّزِي ؤَعْشَ ثِعَجْذِ ِ ٌَيْلبً)(1) (وَعَعٍَْنَب ُ هُذً ٌِّجَنِي بِعْشَائِيًَ)(2) (وَلَعَيْنَب بٌَِ ثَنِي بِعْشَائِيًَ ـِي اٌْىِزَبةِ ٌَزُفْغِذَُّْ ـِي الأسض)(3) ( ثَعَضْنَب عٍََيْىُُْ عِجَبدًا ٌَّنَب)(1) (1) الإسراء 4 .) (2) الإسراء 8.) (3)الإسراء :).
عدد الصفحات ٨٨78 (بِْْ ؤَؽْغَنزُُْ ؤَؽْغَنزُُْ ٌِإَٔفُغِىُُْ وَبِْْ ؤَعَإْرُُْ ـًٍَََب)(2) (وَوًُ بِٔغَبٍْ ؤٌَْضَِْنَب ُ ؼَأئِشَ ُ ـِي عُنُمِهِ)(3) (َِّٓ وَبَْ يُشِيذُ اٌْعَبعٍَِخَ عَغٍَّْنَب ٌَهُ ـِيًَب)(4) (وََِْٓ ؤَسَادَ الآخِشَحَ وَعَعَ ًٌََب عَعْيًََب)(5) (ؤَ رَعْجُذُواْ بِلاَّ بِيَّب ُ وَثِبٌْوَاٌِذَيِْٓ بِؽْغَبًٔب)(6) (رٌَِهَ َِِّّب ؤَوْؽَ بٌَِيْهَ سَثُّهَ َِِٓ اٌْؾِىَّْخِ) (7) (ؤَـَإَصْفَبوُُْ سَثُّىُُ ثِبٌْجَنِ َ)(8) (ـَغَيُنْؽِعُوَْ بٌَِيْهَ سُئُوعًَُُْ)(9) (وَؤَعٍِْتْ عٍََيًُِْ ثِخَيٍِْهَ وَسَعٍِِهَ)(10) (بِْ عِجَبدِي ٌَيْظَ ٌَهَ عٍََيًُِْْ)(11) (بِ سَؽَّْخً ًِٓ سَّثًهَ بَِّْ ـَعٍَْهُ وَبَْ عٍََيْهَ وَجِيرًا)(12) (ـَةِرَا عَبء وَعْذُ الآخِشَحِ عِئْنَب ثِىُُْ ٌَفِيفًب)(1) (1) الإسراء ;). (2) الإسراء ;). (3) الإسراء 49.) (4) الإسراء 4>.) (5)الإسراء 4?.) (6) الإسراء 89.) (7)الإسراء (9?.) (8) الإسراء 0.) (9) الإسراء 4.) (10) الإسراء :<). (11) الإسراء ;<). (12) الإسراء =>).
عدد الصفحات ٨٩79 كهػػػي كثيػػػرة جػػػدان, تصػػػؿ إلػػػى مػػػا يقػػػارب السػػػبعيف مكضػػػعان, كمعظمهػػػا كمػػػا نػػػرل مرتبطػػػػة بضػػػػمير المخاطػػػػب (عمػػػػيكـ/ لأنفسػػػػكـ/ إليػػػػؾ/ لػػػػؾ/ عميػػػػؾ/ بكػػػػـ/ بخيمػػػػؾ/ مػػػػف ربؾ... إلخ). أك دكف ضػػمير مثػػؿ: (و وَثِبٌْوَاٌِللذَيِْٓ بِؽْغَللبًٔب)/ (ؤَـَإَصْللفَبوُُْ سَثُّىُللُ ثِللبٌْجَنِ َ) كارتباطهػػا بالضػػمائر لػػه دلالػػة عظيمػػة, كهػػي اهتمػػاـ القػػرآف بالمخاطػػب كالمخػػاطبيف؛ لأنٌهػػـ محػػكر الػػدعكة كالتبميػػآ, كلأفٌ لمبشػػر عمػػى اخػػتلاؼ مممهػػـ عنػػد الله مكانػػة, كلأجمهػػـ سػػمٌى نفسػػه الرحيـ ( َٔجً ءْ عِجَبدِي ؤَِّٔي ؤََٔب اٌْؽَفُوسُ اٌشَّؽِيُُ)(2) . كلنبػدأ بالتقػديـ الأكؿ فػي السػكرة (عُلجْؾَبَْ اٌَّلزِي ؤَعْلشَ ثِعَجْلذِ ِ ٌَليْلبً ) ككػاف مقتضػى القكؿ: (أسرل ليلان بعبد ) لتقدـ المفعكؿ فيه (ليلان) رتبةن عمى شػبه الجممػة, كلكػف التقػديـ (بعبد ) جاء لغاية سامية, كهي الاهتماـ بػالنبي الكػريـ -- فمػيس الإخبػار عػف كقػت الرحمة هك غرض الآية كاالا لقاؿ (ليلان بعبد ) كلكف الغرض الإخبار عف صػاحبها, كلػذا تقدـ ذكر . كقد نبٌه الجرجاني مف الاكتفػاء بػالقكؿ: قيػدِّ ـ المفػظ للاهتمػاـ؛ لأفٌ الاهتمػاـ ينبغػي أف يكػػكف لغايػػة أخػػرل هػػي السػػبب فيػػه فقػػاؿ: "كقػػد كقػػع فػػي ظنػػكف النػػاس أنٌػػه يكفػػي أف يقاؿ أنٌه قيدـ لمعناية, كلأفٌ ذكر أهـ, مف غير أف يػذكر مػف أيػف كانػت تمػؾ العنايػة, كلػـ كػػاف أهػػـ؟ كلتخػػيمهـ ذلػػؾ قػػد صػػغر أمػػر التقػػديـ كالتػػأخير فػػي نفكسػػهـ, كهكنػػكا الخطػػب فيه"(3) . فعبػػد القػػاهر يػػرل أفٌ عػػدـ التفػػات النػػاس لمتقػػديـ كالتػػأخير, إنٌمػػا عمتػػه لاقتصػػارهـ عمى تحديد غرض كاحد له, كهك الاهتماـ, فمذلؾ هاف عندهـ. كيمكػػف القػػكؿ إف تقػػديـ الجػػار كالمجػػركر (بعبػػد ) عمػػى المفعػػكؿ فيػػه (لػػيلان) كقبػػؿ أف يككف اهتمامان بشخصه -- إنٌما كقع لغايات عظيمة منها (1) الإسراء 40:.) (2) الحجر?:) (3) الجرجاني, دلائؿ الإعجاز, ص 49?.
عدد الصفحات ٩٠81 1. النص عمى أفٌ محمدان-- ليس إلهان أك ابنان لله كما ارتأت النصارل فػي المسػيح -عميػػه السػػلاـ- كاانٌمػػا هػػك عبػػد مػػف عبػػاد الله, مخمػػص فػػي عبادتػػه مفضػػؿ عمػػيهـ. فتقديـ المفظ رسالة لأصحاب الديانات بأف ينتهكا عف الشرؾ كيتبعكا ديانة التكحيد. 2. ما يتعمؽ بالنبي نفسه-- حتى لا ينتابه العجب كالكبر(1) . 3. كما يحمؿ هذا التقديـ مدلكلان عظيمان آخر كهك أفٌ النبي --قػد أيسػرم بػه بكميٌتػه, كقػػػد أفػػػادت (البػػػاء) تأكيػػػد التعديػػػة لمفعػػػؿ (أسػػػرل) فػػػلا يظػػػف أحػػػد أفٌ الإسػػػراء كػػػاف محػػػض خيػػػاؿ لمنبػػػي --كاانٌمػػػا تػػػـ برعايػػػة الله لمنبػػػي بكميتػػػه, كفػػػي هػػػذا دفػػػع لمػػػف شكؾ في كقكع الرحمة أك نسػبها إلػى الخيػاؿ أك (الرؤيػا) أك أنٌهػا تمػت بػركح الرسػكؿ دكف جسد . كمػػا أفٌ تػػأخير (لػػيلان) كتنكيرهػػا يػػدؿ عمػػى قصػػر الػػزمف الػػذم كػػاف فيػػه الإسػػراء, كالرجكع مع أنٌه كاف بػيف مكػة كبيػت المقػدس مسػيرة أربعػيف ليمػة, كفػي هػذا بيػاف لعظمػة الرحمة كااعجازها(2) . كبذلؾ نمتقي كمنذ الآية الأكلى بمحكر هاـ مف محاكر السػكرة, كهػك التأكيػد عمػى الػػدعـ الإلهػػي لهػػذا الػػديف, كالتنديػػد بكػػؿ مػػف يحػػاكؿ النيػػؿ أك التشػػكيؾ بػػالمعجرة الإلهيػػة, التي اعتمى مف خلالها محمد -- كاعتمت بعمك أمته جمعاء كعػػكدة إلػػى أشػػبا الجمػػؿ, كمػػا كقػػع فيهػػا مػػف تقػػديـ كتػػأخير, فػػهفٌ الضػػمائر تشػػير إلى حًدة الصراع بيف الأدياف ك بني إسرائيؿ كااعراضهـ عف الهدل كالحؽ. ففي قكله: (ثَعَضْنَب عٍََيْىُُْ عِجَبدًا ٌَّنَب) تقدـ الجػار كالمجػركر –عمػيكـ- لغايػة الحصػر – القصر- عمى بني إسرائيؿ بأنٌهـ هـ الذيف تعاد عميهـ الكرة لا غيرهـ. بينمػػا تػػػأخر تعبيػػر (عبػػػادان لنػػا) ليقابػػػؿ بػػػدكر (بعثنػػا عمػػػيكـ), ليكػػكف الطبػػػاؽ بػػػيف عمػػيكـ / لنػػا دالان عمػػى التحػػدم بػػيف المػػتكمـ كالمخاطػػب, فػػالجنكد المرسػػمكف (عبػػادان لنػػا) (1) ينظػػر: التػػػكيجيرم, شػػرؼ الػػػديف, جعفػػػر, المكسػػكعة القرآنيػػػة خصػػػائص السػػكر, مراجعػػػة: أحمػػػد حػػاطكـ, كمحمػػد تكفيػػؽ أبػػك عمػػي, دار التقريػػب, بيػػركت, لبنػػاف, ط 4 ,4:80ق4???ـ ج;, ص4 . (2) ينظر: قطػب, سػيد, ظػلاؿ القػرآف, بيػركت, لبنػاف, ط =, 49?4ق4?=4ـ, ج49, ص90<- 90= .
عدد الصفحات ٩١81 كليسكا عبيدان لمبشر, أك الماؿ رفعان مف شأنهـ, كنسبةن لهـ إلػى الله, كػي لا يػذهب الػذهف إلػػى أف مػػف سػػيقاتمكف بنػػي إسػػرائيؿ آخػػر الزمػػاف فئػػات ظالمػػة, أك مشػػركة, أك مػػف بػػاب تسػػػميط الظػػػالـ عمػػػى مػػػف هػػػك أظمػػػـ منػػػه, كنسػػػبة هػػػؤلاء العبػػػاد لله يعنػػػي أنٌ هػػػـ سػػػيبعثكف بمشيئة الله لمقتاؿ "كيتسمطكف تسميطان ككنيان جزائيان"(1). كتزخػػػػر السػػػػكرة بعشػػػػرات المكاضػػػػع التػػػػي تشػػػػكؿ فيهػػػػا أشػػػػبا الجمػػػػؿ مػػػػف الجػػػػار كالمجػػركر مػػادة لمتقػػديـ كالتػػأخير, كتبػػايف الغايػػات كالػػدلالات, حتػػى نافػػت عمػػى السػػبعيف مكضعان, كحتػى يمكػف القػكؿ إفٌ أشػبا الجمػؿ مػف الجػار كالمجػركر تشػكؿ المػادة الأكلػى لمتقديـ كالتأخير لكثرة كقكعها. كقد يككف سبب ذلؾ ارتباط غالبيتها بالضمائر لنا / لكػـ/ عمينػػػػػا/ عمػػػػػيكـ/ مػػػػػنكـ/ منػػػػػا/ فتكػػػػػكف الضػػػػػمائر كسػػػػػيمة لكصػػػػػؼ الصػػػػػراع بػػػػػيف المػػػػػتكمـ كالمخاطػػػػب, لأفٌ السػػػػكرة برمتهػػػػا تعكػػػػس صػػػػراعان كبيػػػػران بػػػػيف الحػػػػؽ كالباطػػػػؿ كالمكاجهػػػػة العقائدية. أغراض التقديم والتأخير في أشباه الجمل: سػػػػػنلاحظ أفٌ أشػػػػػبا الجمػػػػػؿ كااف دلػػػػػت عمػػػػػى الجػػػػػار كالمجػػػػػركر, كشػػػػػبه الجمػػػػػؿ الظرفية, إلا أفٌ تركيب الجار كالمجركر, قد كىثيػرى فػي ميػداف السػكرة بصػكرة لافتػة كبيػرة, حتى يمكف القكؿ إنٌه لا تكاد تخمػك آيػة أك بضػع آيػات مػف هػذا النسػؽ التركيبػي, ليشػكؿ أسمكبية بارزة لمحكار كمناقشة غير المخاطبيف. التخليص: كقػػد غمػػب غػػرض التخصػػيص (أك الاختصػػاص) عمػػى غيػػر مػػف الأغػػراض فػػي معػػرض كركد أشػػبا الجمػػؿ مػػف الجػػار ك المجػػركر. كلكنػػه تخصػػيص تكمػػف كراء غايػػات أدؽ لا بد مف التنبه إليها, مف ذلؾ: التخليص للأفضمية: مػف ذلػؾ قكلػه تعػالى: (وَؤَِْلذَدَْٔبوُُ ثِلإَِْوَايٍ وَثَلنِ َ وَعَعٍَْنَلبوُُْ ؤَوْضَلشَ َٔفِليرًا )(2) .فهػك خطػاب لبني إسػرائيؿ قيػدٌـ فيػه ذكػر الأمػكاؿ عمػى البنػيف, لأفضػمية المػاؿ فػي الإعػداد العسػكرم, (1) السعدم, عبد الرحمف, تيسير الكريـ الرحمف, ص 4. (2) الإسراء <).
عدد الصفحات ٩٢82 كتقدمه عمى البنيف, كهذا ما نمحظػه اليػكـ مػف تفػكؽ عسػكرم لبنػي إسػرائيؿ, عمتػه المػاؿ لا العدد, كما أنه سر تطكرهـ التقني كقكة تسمحهـ (1) . التخليص للاىتمام مف ذلؾ قكله تعالى: (أظُشْ وَيْؿَ ظَشَثُواْ ٌَهَ الأَِْضَبيَ ـَعٍَُّواْ ـَللبَ يَغْلزَؽِيعْوَْ عَلجِيلبً )(2) فقػد قػػدـ الجػػار كالمجػػركر (لػػؾ) عمػػى المفعػػكؿ بػػه (الأمثػػاؿ) لغايػػة الاختصػػاص أم خصػػكؾ بضػػرب الأمثػػاؿ, كذلػػؾ لأهميػػة النبػػي -- فػػي نظػػرهـ , كلكػػنهـ ضػػالكف ظػػالمكف كمػػا تشير الآيات. كمف ذلؾ أيضان قكله تعالى: (ـَغَيَمُوٌُوَْ َِٓ يُعِيذَُٔب لًُِ اٌَّزِي ـَؽَشَوُُْ ؤَوَّيَ َِشَّحٍ ـَغَيُنْؽِعُوَْ بٌَِيْهَ سُئُوعًَُُْ وَيَمُوٌُوَْ َِزَ هُوَ لًُْ عَغَ ؤَْ يَىُوَْ لَشِيجًب)(3) . كهػػػذا فػػػي معػػػرض حػػػكارهـ مػػػع النبػػػي, كاانكػػػارهـ لميػػػكـ الآخػػػر, كحػػػيفأيسػػػقط فػػػي أيديهـ, كغمب عميهـ فػي الحػكار, أنغضػكا رؤكسػهـ علامػة الاستسػلاـ ( ـَغَيُنْؽِعُلوَْ بٌَِيْلهَ سُئُوعًَُُْ) كقد تقدـ الجار كالمجركر (إليؾ) للاهتماـ بشػخص النبػي نظػران لمكانتػه -- عندهـ كااقراران بتميٌز عميهـ كمػػف ذلػػؾ قكلػػه تعػػالى: (وَثِبٌْوَاٌِللذَيِْٓ بِؽْغَللبًٔب)(4), جػػاء فػػي (إعػػراب القػػرآف كصػػرفه كبيانػػه) حػػكؿ هػػذا التقػػديـ فػػي الجػػار كالمجػػركر: "كبالكالػػديف جػػار كمجػػركر متعمػػؽ بفعػػؿ محذكؼ تقدير أحسنكا إحسػانان , ك (إحسػانان) مفعػكؿ مطمػؽ لمفعػؿ المحػذكؼ منصػكب"(5) . كتقػػديـ الجػػار كالمجػػركر (بالكالػػديف) عمػػى المفعػػكؿ المطمػػؽ (إحسػػانان) جػػاء عقػػب الأمػػر بعبادة الله, فقد قرف الله سبحانه كتعالى عبادته ببر الكالديف اهتمامان بشأنهما. (1) ينظػػر: سػػمطاف, فاضػػؿ ضػػايؼ, سػػكرة الإسػػراء, دراسػػة بلاغيػػة دلاليػػة, رسػػالة ماجسػػتير, جامعػػة الككفة, كمية الآداب, قسـ المغة العربية, 4:8>ق800=ـ, ص9 . (2) الإسراء >:). (3) الإسراء 4.) (4) الإسراء, ( 89.) (5) صػػػافي, محمػػػكد, الجػػػدؿ فػػػي إعػػػراب القػػػرآف كصػػػرفه كبيانػػػه, مؤسسػػػة الإيمػػػاف, بيػػػركت, لبنػػػاف (د.ط), ج4;, ص98.
عدد الصفحات ٩٣83 كحػػكؿ فضػػؿ الكالػػديف يقػػكؿ الفخػػر الػػرازم فػػي تفسػػير الكبيػػر: "كلػػيس لأحػػد مػػف الخلائؽ نعمة عمى الإنساف مثؿ ما لمكالديف, كتقرير مف كجك : أحدها: أفٌ الكلد قطعة مف الكالديف, قاؿ --: "فاطمة بضعة مني(1). كثانيهػػػا: أفٌ شػػػفقة الكالػػػديف عمػػػى الكلػػػد عظيمػػػة, كجػػػدهما فػػػي إيصػػػاؿ الخيػػػر إلػػػى الكلػػػد كػػػالأمر الطبيعػػػي, كاحترازهمػػػا عػػػف إيصػػػاؿ الضػػػرر إليػػػه كػػػالأمر الطبيعػػػي, كمتػػػى كانت الدكاعي إلى إيصاؿ الخير متكفرة, كالطػكارؽ عنػه زائمػة, لا جػرـ كثػر إيصػاؿ الخير, فكجب أف تككف نعـ الكالديف عمى الكلد كثيرة, أكثر مف كؿ نعمة تصػؿ مػف إنساف إلى إنساف. كثالثهػػا: أفٌ الإنسػػاف حػػاؿ مػػا يكػػكف فػػي غايػػة الضػػعؼ كنهايػػة العجػػز, يكػػكف فػػي إنعػػاـ الكالديف في ذلؾ الكقت, كمف المعمكـ أفٌ الإنعاـ إذا كاف كاقعان عمى هذا الكجه كػاف مكقعه عظيمان. كرابعهػػ ا: أفٌ إيصػػاؿ الخيػػر قػػد يكػػكف بداعيػػة الخيػػر إليػػه كقػػد يمتػػزج بهػػذا الغػػرض سػػائر الأغػػراض, كاايصػػاؿ الخيػػر إلػػى الكلػػد لػػيس لهػػذا الغػػرض فقػػط فكػػاف الإنعػػاـ فيػػه أتػػـ كأكمػػؿ فثبػػت أنٌػػه لػػيس لأحػػد مػػف المخمػػكقيف نعمػػة عمػػى غيػػر مثػػؿ مػػا لمكالػػديف عمػػى الكلد فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالؽ كهك قكله تعالى: (وَلَعَ سَثُّلهَ ؤَلاَّ رَعْجُلذُواْ بِلاَّ بِيَّب ُ)(2), ثـ أدفعه بشكر نعمة الكالديف كهك قكلػهوَثِبٌْوَاٌِلذَيِْٓ بِؽْغَلبًٔب )(3) كالسػبب فيػه أفٌ ما بيٌنا أفٌ أعظـ النعـ بعد إنعاـ الإله الخالؽ نعمة الكالديف"(4). 1) )البخارم, محمد بف إسماعيؿ أبك عبدالله, صحيح البخارم, تحقيؽ: محمد زهير بف ناصر الناصر, دار طكؽ النجاة , رقـ الحديث 9=4:, ط424:88ق, ج;, ص84 . (2) الإسراء 89.) (3) الإسراء 89.) (4) الرازم, فخر الديف, التفسير الكبير, ج 80, ص4>< .
عدد الصفحات ٩٤84 التخليص لمتعظيم كيعنػػي أف تتقػػدـ شػػبه الجممػػة مػػف الجػػار كالمجػػركر تخصيصػػان لممتقػػدـ بالعظمػػة, كقكلػه تعػالى: (ؤُوٌَللئِهَ اٌَّلزِيَٓ يَلذْعُوَْ يَجْزَؽُلوَْ بٌَِل سَثًًِلُُ اٌْوَعِليٍَخَ ؤَيًُُّلُْ ؤَلْلشَةُ وَيَشْعُلوَْ سَؽَّْزَلهُ )(1), فقػد تقدـ الجار كالمجركر (إلى ربهـ) عمى المفعكؿ به (الكسيمة) تخصيصػان لػربهـ بػالتعظيـ, كابتغاء الكسيمة لإرضائه. كمف ذلؾ أيضان: (ؤَُنَضًيُ َِِٓ اٌْمُلشْآِْ َِلب هُلوَ ؽِلفَبء وَسَؽَّْلخٌ ٌٍُِّّْلاِِْنِ َ وَلاَ يَضِيلذُ اٌظَّلبٌِِّ َ بَلاَّ خَغَبسًا)(2), فقد تقدـ ذكر القرآف في قكله (مػف القػرآف) تخصيصػان لػه بػالتعظيـ, فػذكر قبػؿ ذكر فكائد مف الشفاء كالرحمة. كمػف ذلػؾ أيضػان: (لُلًْ وَفَل ثِبٌٍّلهِ ؽَلًِيذًا ثَيْنِلي وَثَيْلنَىُُْ )(3), كلا شػؾ بػأفٌ تقػديـ ذكػر سبحانه كتعالى (بالله) إنٌما هك تخصيص له بالعظمة. كقػػد تكػػرر أسػػمكب تقػػدٌـ (الجػػار كالمجػػركر) الػػداليف عمػػى الله سػػبحانه, فػػي غيػػر مكضع كذلؾ لمتعظيـ, كقكله تعالى: (وَلًُِ اٌْؾَّْذُ ٌٍِّهِ اٌَّزِي ٌَُْ يَزَّخِزْ وٌََذًا وٌََلُ يَىُلٓ ٌَّلهُ ؽَلشِيهٌ ـِي اٌٍُّْْهِ وٌََُْ يَىُٓ ٌَّهُ وٌَِي ًَِٓ اٌزُّيَّ)(4) . ففػػي قكلػػه(وٌََللُ يَىُللٓ ٌَّللهُ ؽَللشِيهٌ) تقػػدـ خبػػر كػػاف (لػػه) كتػػأخر اسػػمها (شػػريؾ) لغايػػة التعظيـ, كتنزيهان له سبحانه عف اتخاذ الشريؾ أك الكلد. كفي معرض ذكػر الملائكػة, كافتػراض إقػامتهـ فػي الأرض, كحػاجتهـ إلػى رسػكؿ تقػدمت شػبه الجممػة الدالػة عمػيهـ فػي قكلػه تعػالى: (ُلل ً ٌَّلوْ وَلبَْ ـِلي الأسض َِلآئِىَلخٌ يَّْؾُلوَْ ُِؽَّْئِنً َ ٌَنَضٌَّْنَب عٍََيًُِْ ًَِٓ اٌغََّّبء ٍََِىًب سَّعُولاً)(5) . (1) الإسراء =;). (2) الإسراء 8.) (3) الإسراء <?). (4) الإسراء 444.) (5) الإسراء ;?).
عدد الصفحات ٩٥85 فشػػػبه الجممػػػة فػػػي قكلػػػه (عمػػػيهـ) تقػػػدمت عمػػػى مػػػا بعػػػدها, تخصيصػػػان لمملائكػػػػة بػػالتعظيـ, كنصػػان عمػػى أنٌهػػـ يسػػتحقكف رسػػكلان مػػف الملائكػػة لػػك أقػػامكا فػػي الأرض (عمػػى عظمتهـ) لأفٌ هذ سنة الله فيمف أقاـ عمى الأرض. كقد تتأخر شبه جممػة الجػار كالمجػركر لمغايػة ذاتهػا, كهػي التعظػيـ كمػا فػي قكلػه تعالى: (وٌََئِٓ ؽِئْنَب ٌَنَزْهَجََّٓ ثِبٌَّزِي ؤَوْؽَيْنَب بٌَِيْهَ صَُُّ لاَ رَغِذُ ٌَهَ ثِهِ عٍََيْنَب وَويِلب)(1) . كهذا ترتيب عجيب في التقديـ كالتأخير في صياغة الجار كالمجػركر, فقػد تكالػت ثلاث صياغات مف هذا النكع (لؾ به عمينا) كدلت الأخيرة عمى التعظيـ ؛ لأنٌها خاصػة بػػذكر الله سػػبحانه, كجػػاء تأخرهػػا رعايػػة لمنبػػي, فقػػدـ (لػػؾ) اهتمامػػان بػػه فػػي هػػذا الخطػػاب كتذكيران له بأفٌ الله هك المعطي, كهك المانع, كلػك شػاء لأخػذ مػا أعطػا لمنبػي مػف فضػؿ كرسػػالة كقػػرآف, ككأننػػا نستشػػعر بػػأف النبػػي -- قػػد جػػزع فػػي تمػػؾ المحظػػة مػػف عػػبء الدعكة ككطأتها, فقدـ ذكر للاهتماـ. التخليص لمرعاية والفضل: حيث تتقدـ شػبه الجمػؿ مػف الجػار كالمجػركر فػي هػذا النػكع مػف الأغػراض لبيػاف رعاية الله لمم خاطبيف, كتفضمه عميهـ, مف ذلؾ: (سثُّىُلُُ اٌَّلزِي يُضْعِلي ٌَىُلُُ اٌْفٍُْلهَ ـِلي اٌْجَؾْلشِ ٌِزَجْزَؽُواْ ِِٓ ـَعٍِْهِ بَِّٔهُ وَبَْ ثِىُُْ سَؽِيًّب)(2). ففي قكلػه (يزجػي لكػـ الفمػؾ) تقػدـ الجػار كالمجػركر (لكػػػـ) عمػػػى المفعػػػكؿ بػػػه (الفمػػػؾ) تخصيصػػػان لممخػػػاطبيف كهػػػـ البشػػػر بالرعايػػػة كتفضػػػلان عمػػيهـ, كنقػػكؿ: (البشػػر) لأفٌ فضػػؿ الله يعػػـ جميػػع البشػػر دكف اسػػتثناء, كمػػا تقػػدـ ذكػػر (بكـ) عمى خبر كاف (رحيمان) رعاية لممخاطب كتفضلان عميه, فػي معػرض ذكػر نعػـ الله عمى الإنساف في البحر كتسخير الفمؾ (السفف) له. كمػف ذلػؾ أيضػان: (وَلُشْآٔلبً ـَشَلْنَلب ُ ٌِزَمْلشَؤَ ُ عٍََل اٌنَّلبطِ عٍََل ُِىْلشٍ )(3) فقػد خيػص النػاس بالػػذكر فػػي قكلػػه (عمػػى النػػاس) كقػػدمت عمػػى ذكػػر مػػا بعػػدها رعايػػة لهػػـ, كتفضػػلان عمػػيهـ بنزكؿ القرآف كتفريقه كقراءته عمى مكث (مهؿ). (1) الإسراء <>). (2) الإسراء <<). (3) الإسراء 40<.)
عدد الصفحات ٩٦