38 الباب الثاني من جماليات التقديم والتأخير في القر ن الكريم يزخر القرآف الكريـ بأسمكبية التقديـ كالتأخير, بحيث ييعد بابان عظيمان مف أبكاب البلاغة, كمبحثان هامان مف مباحث عمـ المعاني يحتاج إلى كقكؼ طكيؿ لتدبر أغراضه كتتبع غاياته. بعد أف تكممت عف أسمكب التقديـ كالتأخير كأهميته في المغة العربية, يجد ر بي الآف أف أكرد أجمؿ الآيات القرآنية في التقديـ كالتأخير , كالأسرار البلاغية كراء ذلؾ التقديـ, أم الفكائد المعنكية كالمفظية التي اقتضت التقديـ كالتأخير في ضكء جماليات القرآف الكريـ حكؿ هذا الأسمكب الفني, فلا شؾ أفٌ لكؿ مكضع تقديـ أك تأخير غاية بلاغية إعجاز ان بلاغيان عظيمان لها جذكر عريقة؛ لفائدة المعنى المطمكب كراء هذا الأسمكب مع مراعاة مقتضى الحاؿ؛ لأفٌ البلاغة هي مطابقة الكلاـ لمقتضى الحاؿ مع فصاحته. فالتقديـ كالتأخير هك أسمكب فني جميؿ, لكف كلاـ الله أضفى عميه جمالان أكثر, كأكله أهمية كبرل بيف أساليب البلاغة, الغرض البلاغي أكلان ثـ الغرض النحكم ثانيان ثـ الفاصمة القرآنية ثالثان ؛ لأفٌ القرآف الكريـ له خصكصية في هذا الأسمكب كغير ليفتح أبكابان كاسعة أماـ هذا الفف, إلى أف نزؿ هذا الكتاب العظيـ ليرفع مف قدر هذا الأسمكب حتى أصبح شمعة مضيئة في عمكـ العربية ؛ ليطاؿ نكر في أفاقها . إفٌ جماليات التقديـ كالتأخير مف الفنكف البلاغية الرائعة التي عرف ها أهؿ العمـ كالذيف أكتكا حضان مف المعرفة في مكاضع الكلاـ, كقد بمآ القرآف الكريـ ذركة في هذا الأسمكب, كارتقى أعمى رتبة في كضع المفظة بمراعاة السياؽ المعنكم الذم كرد فيه بؿ راعى جميع المكاضع التي كردت فيها الألفاظ كنظر إليها نظرة كاحدة كشاممة في
عدد الصفحات ٤٩39 القرآف كمه, فترل الكلاـ متسقان كمترابطان مع غير , لا أقكؿ كأنٌه لكحة أك صكرة فنية بؿ أجمؿ كأبهى كأسمى كأرفع مف ذلؾ!!! فهك دقيؽ في تقديـ الألفاظ كتأخيرها دقة عجيبة !!! قاؿ تعالى (لًُْ ؤُوؽِيَ بٌَِيَّ ؤََّٔهُ اعْزََّ َ َٔفَشٌ َِِٓ اٌْغًِٓ ـَمَبٌُوا بَِّٔب عَِّعْنَب لُشْآًٔب عَغَجًب, يًَْذِي بٌَِ اٌشُّؽْذِ ـَأَِنَّب ثِهِ وٌََْٓ ُٔؾْشِنَ ثِشَثًنَب ؤَؽَذًا )(1) كيبقى القرآف معجزة عمى العمماء كال كتٌاب كالأدباء كالبمغاء كالراسخي ف في العمـ؛ لأنٌه معجزة الرسكؿ __ الخالدة إلى يكـ القيامة كقد كقؼ السمؼ مف هذ الظاهرة البلاغية مكقػؼ الحػائر فػي بدايػة نػزكؿ القػرآف الكػػػػػريـ, لكػػػػػنهـ عػػػػػادكا كأدركػػػػػكا مراميهػػػػػا, فقػػػػػد ركل السػػػػػيكطي ت ( 911ق) أفٌ السػػػػػمؼ رضكاف الله عميهـ قد أشكؿ عميهـ معنى بعض الآيات, ف مما عرفكا أنٌها مف بػاب التقػديـ كالتأخير اتضح مدلكلها. فقد أخرج ابف أبي حاتـ عف قتادة في قكله تعالى: ( ـَلبَ رُعْغِجْهَ ؤَِْوَاًٌُُُْ وَلاَ ؤَوْلاَدُهُُْ بََِّّٔب يُشِيذُ اٌٍّهُ ٌِيُعَزِّثًَُُ ثًَِب ـِي اٌْؾَيَبحِ اٌذُّْٔيَب)(2) . قاؿ: هذا مػف تقػادـ الكػلاـيقػكؿ: "لا تعجبػؾ أمػكالهـ فػي الحيػاة الػدنيا إنٌمػا يريػد الله ليعذبهـ بها في الآخرة" (3) . كتكضػػيحان لمركايػػة السػػابقة فػػهفٌ السػػمؼ احتػػاركا كيػػؼ يكػػكف التعػػذيب فػػي الحيػػاة الدنيا بسبب الأمكاؿ كالأكلاد. ثـ عممكا أفٌ في الآية تقػديمان كتػأخيران, كمقتضػى الكػلاـ "لا تعجبؾ أمكالهـ كلا أكلادهـ في الحياة الدنيا" فتنبهكا لطسمكب البلاغي الماثؿ في الآية. رغػػػػـ أفٌ المعنػػػػى قػػػػد يكػػػػكف بخػػػػلاؼ مػػػػا ذهػػػػب إليػػػػه السػػػػيكطي مػػػػف تقػػػػدير كػػػػلاـ محذكؼ مفاد (ليعذبهـ بها في الآخرة)؛ لأفٌ الإنساف قد ييعذب بأكلاد كأمكالػه فػي الػدنيا قبؿ الآخرة, حيف يعقٌه أبناؤ أك يسيء استخداـ أمكاله. 1) )الجف1-2 ) . (2) التكبة;;). (3) السيكطي, المعترؾ, ج 4, ص48? .
عدد الصفحات ٥٠41 كعػػدٌ ابػػف جنٌػػي ظػػاهرة التقػػديـ كالتػػأخير مػػف مظػػاهر شػػجاعة العربيػػة, ففيهػػا إقػػداـ عمػػػى مخالفػػػػة لقرينػػػػة مػػػف قػػػػرائف المعنػػػػى, مػػػف غيػػػػر خشػػػػية لػػػبس, اعتمػػػػادان عمػػػػى قػػػػرائف أخرل ,(1) ككصكلان بالعبارة إلى دلالات كفكائد تجعمها عبارة راقية ذات ركنؽ كجماؿ كقػػد يكػػكف التقػػػديـ كالتػػأخير سػػببان فػػػي لطػػؼ التعبيػػر كجمػػػاؿ الإيقػػاع, يقػػكؿ عبػػػد القػػاهر الجرجػػاني كاصػػفان التقػػديـ كالتػػأخير: "كلا تػػزاؿ تػػرل شػػعران يركقػػؾ مسػػمعه, كيمطػػؼ لػػػديؾ مكقعػػػه, ثػػػـ تنظػػػر فتجػػػد سػػػبب أفٍ راقػػػؾ كلطػػػؼ عنػػػدؾ, أف قػػػدـ فيػػػه شػػػيئان, كحػػػكٌؿ المفظ مف مكاف إلى مكاف"(2) . كسػػػكؼأعػػػرض لػػػبعض مػػػكاطف التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي القػػػرآف الكػػػريـ , ممػػػا نػػػصٌ العمماء عمى تحديدها كتبيٌف أسرار عظمتها كااعجازها, كلكف ينبغػي قبػؿ ذلػؾ مػف التنبيػه عمػػى أمػػػر هػػػاـ, كهػػػك كجػػػكب عػػػدـ البػػػت فػػػي قضػػػية الغػػػرض البلاغػػػي الماثػػػؿ كراء هػػػذ الظاهرة لطسباب التالية: 1. إفٌ التقػػػديـ كالتػػػأخير قػػػد يحتمػػػؿ أكثػػػر مػػػف غايػػػة كغػػػرض, مػػػف ذلػػػؾ ذهػػػاب فاضػػػؿ السامرائي في تحميمه لقكلػه تعػالى: ( وََِلٓ يُؽِل ِ اٌٍّلهَ وَاٌشَّعُلويَ ـَإُوٌَْللئِهَ َِل َ اٌَّلزِيَٓ ؤَْٔعَلَُ اٌٍّلهُ عٍََيًُِْ ًَِٓ اٌنَّجِيً َ وَاٌصًذًيمِ َ وَاٌؾًَُّذَاء وَاٌصَّبٌِؾِ َ وَؽَغَُٓ ؤُوٌَلئِهَ سَـِيمًب)(3) . يقػكؿ: كقػد يكػكف التقػديـ بحسػب الفضػػؿ كالشػرؼ فقػدـ الله عمػى الرسػكؿ, ثػـ قػػدـ السػعداء مػػف الخمػػؽ بحسػػب تفاضػػمهـ, فبػػدأ بالأفضػميف كهػػـ النبيػػكف, ثػػـ ذكػػر مػػف بعػػدهـ بحسػػػب تفاضػػػمهـ, كمػػػا تػػػدرج مػػػف القمػػػة إلػػػى الكثػػػرة, فبػػػدأ بػػػالنبييف كهػػػـ أقػػػؿ الخمػػػؽ, ثػػػـ الصديقيف كهـ أكثر, ثـ الشهداء, ثػـ الصػالحيف, فكػؿ صػنؼ أكثػر مػف الػذم قبمػه, فهػك تدرج مف القمة إلى الكثرة, كمف الأفضؿ إلى الفاضؿ. كلا شؾ أفٌ أفضؿ الخمػؽ هػـ أقػؿ الخمؽ إذ كمما ترقى الناس في الفضؿ قؿ صنفهـ" (4) . (1) ابف جنٌي, الخصائص, ج8, ص9<8. (2) الجرجاني, عبد القاهر, دلائؿ الإعجاز, ص ;>. (3) النساء?<). (4) السامرائي, التعبير القرآني, ص :;.
عدد الصفحات ٥١41 فقد نص الباحث عمى أفٌ غاية التقديـ هك الفضؿ كالشرؼ, ثػـ عػاد ليػنص عمػى غػػرض آخػػر, كهػػك التػػدرج مػػف القمػػة إلػػى الكثػػرة, كبػػذا يصػػعب البػػت مػػف قبػػؿ البػػاحثيف بالغاية؛ لأنٌها قد تتعدد كتتفرع كتتشعب. 2. إفٌ القرآف الكريـ ماضو بهعجاز إلػى يػكـ القيامػة, كمػا يظهػر لنػا مػف غايػات كأسػرار قػػد يتناسػػب مػػع معطيػػات عصػػرنا كبيئتنػػا, كلكػػف قػػد يظهػػر لطجيػػاؿ اللاحقػػة غايػػات أخػرل تتناسػب ك معطيػات عصػرهـ كعمػكمهـ. كبػػذا لا يجػكز القطػع كالبػت عنػد شػػرح الآيات كتفسيرها. 3. إفٌ البت في غايات التقديـ كالتأخير قد يترتػب عميػه تغيٌػر فػي أحكػاـ الفقػه كالعبػادة مف ذلؾ قكله تعالى: (يَب ؤَيًَُّب اٌَّزِيَٓ آَِنُلواْ بِرَا لُّْلزُُْ بٌَِل اٌصَّللبحِ ـبؼْغِلٍُواْ وُعُلوهَىُُْ وَؤَيْلذِيَىُُْ بٌَِ اٌَّْشَاـِكِ وَاِْغَؾُواْ ثِشُئُوعِىُُْ وَؤَسْعٍَُىُُْ بٌَِ اٌْىَعْجَ ِ)(1) . فتقػػػػديـ الكجػػػػه عمػػػػى اليػػػػديف, كالػػػػرؤكس عمػػػػى الػػػػرجميف, ينبنػػػػي عميػػػػه أحكػػػػاـه فػػػػي الكضكء لا بد مف مراعاتها. 4. إفٌ مػػا يػػرد متقػػدمان فػػي آيػػة مػػا, قػػد يػػأتي متػػأخران فػػي آيػػة أخػػرل, كبػػذا لا يجػػكز القػػكؿ بتقدـ هذا المعنػى بصػكرة مطمقػة, مػف ذلػؾ قكلػه تعػالى كاصػفان البحػر: (وَرَلشَ اٌْفٍُْلهَ َِوَاخِشَ ـِيهِ)(2), كفي سكرة أخرل وَرَشَ اٌْفٍُْهَ ـِيهِ َِوَاخِشَ)(3) . فالتقديـ كالتأخير في الجار كالمجركر (فيه) لػـ يػأتً عبثػان, كاانٌمػا لمفػت النظػر فػي الآيػػة الأكلػػى لحركػػة السػػفف كهػػي مػػكاخر (4), كقػػد جػػاءت عقػػب حػػديث عػػف كسػػائط النقػػؿ الخيػػػؿ كالبغػػػاؿ كالحميػػػر, بينمػػػا جػػػاءت الثانيػػػة متقدمػػػة لتشػػػير إلػػػى البحػػػر؛ لأفٌ الحػػػديث السابؽ عميه يشير إلى البحر, كما أكدع الله فيه مف النعـ. فينبغػػي عمػػى الباحػػث فػػي هػػذا البػػاب أف يتحػػرل أغػػراض كركد المفػػظ كمكاضػػعه كالتأكد مف كركد متقدمان, أك متأخران في مكاطف أخرل مف القرآف الكريـ. (1) المائدة<). (2) النحؿ4: .) (3) فاطر48.) (4) ابف منظكر, لساف العرب, مادة (مخر تشؽ الماء مع صكت.
عدد الصفحات ٥٢42 كلعػػؿ أعظػػـ مػػكاطف التقػػديـ كالتػػأخير فػػي القػػرآف الكػػريـ, مػػا دؿ عمػػى ألكهيػػة ا كعظمتػػه, فبػػدأت بػػذكر الله كتقػػدـ ذكػػر عمػػى مػػا سػػكا لغايػػة القصػػر, أم قصػػ ر الألكهيػػة عمى ذاته سبحانه كتعالى, مف ذلؾ قكلػه تعػالى: (اٌٍّلهُ لاَ بٌَِللهَ بِلاَّ هُلوَ اٌْؾَليُّ اٌْمَيُّلوَُ لاَ رَإْخُلزُ ُ عِنَخٌ وَلاَ َٔوٌَْ)(1) . فتقػػػػديـ المسػػػػند إليػػػػه (الله) جػػػػؿ جلالػػػػه, جػػػػاء لمتنبيػػػػه عمػػػػى معنػػػػى القصػػػػر, أم اختصاص الله سػبحانه بالألكهيػة دكف سػكا . فيكػكف لكقػع هػذا التقػديـ جػلاؿ كتعظػيـ فػي نفس السامع. كتتعدد مكاقع هذا التقديـ في القرآف الكريـ كقكله تعالى: ( اٌٍَّهُ ُٔلوسُ اٌغَّلَّبوَادِ وَاٌْإَسْضِ َِضًَُ ُٔوسِ ِ وَِّؾْىَبحٍ ـِيًَب ِِصْجَبػٌ)(2)( .اٌٍّهِ اٌَّزِي ٌَهُ َِب ـِي اٌغََّّبوَادِ وََِب ـِي الأَسْضِ)(3) . كقد يككف تقدـ ذكر سبحانه (لمتبرؾ) حثان لمخمؽ عمى البسممة, كالبػدء بػذكر ا مف ذلؾ تحرؾ سفينة نكح -عميه السلاـ- كطمبه إلى مف حكله التبرؾ بذكر الله: ( وَلَبيَ اسْوَجُواْ ـِيًَب ثِغُِْ اٌٍّهِ َِغْشَاهَب وَُِشْعَبهَب)(4) . كأصػػؿ التركيػػب المغػػكم –خػػارج القػػرآف: (مجراهػػا كمرسػػاها بسػػـ الله) فتقػػدـ الجػػار كالمجػػػركر كهػػػك فػػػي الأصػػػؿ خبػػػر المبتػػػدأ كمكانػػػه التػػػأخر, فكػػػاف التقػػػديـ لغايػػػة التبػػػرؾ كالبسممة, أم ببركة الله إجراؤها كاارساؤها. كيأخػػذ القػػارئ إحسػػاسه بالعظمػػة كالمهابػػة حػػيف يشػػير التقػػديـ كالتػػأخير إلػػى غايػػة التعجػػب كااذهػػاؿ السػػامع, لا سػػيما فػػي الآيػػات التػػي تصػػؼ قػػدرة الله فػػي الخمػػؽ كالإبػػداع الكػكني, مػف ذلػؾ قكلػه تعػالى: (وَهُلوَ اٌَّلزِي خٍََلكَ اٌٍَّيْلًَ وَاٌنًََّلبسَ وَاٌؾَّلّْظَ وَاٌْمََّلشَ وُلً ـِلي ـٍََلهٍ يَغْجَؾُوَْ)(5) . (1) البقرة 8;;.) (2) النكر9;.) (3) إبراهيـ 8.) (4) هكد4 .) (5) الأنبياء99.)
عدد الصفحات ٥٣43 يقػػػكؿ البيضػػػاكم فػػػي تفسػػػير : "كفػػػي الجممػػػة الاسػػػمية -كػػػؿ فػػػي فمػػػؾ يسػػػبحكف- إظهػػػار لعظمػػػة الله كقدرتػػػه سػػػبحانه, كبيػػػاف لإحكػػػاـ قبضػػػته كتنكيػػػه بدقػػػة نامكسػػػه, كفػػػي تقديـ (في فمؾ) عمى متعمقه دلالة عمى عظمة الخالؽ, كعجائب قدرته سػبحانه كتعػالى, فالككاكػب تسػرع عمػى سػطح الفمػؾ إسػراع السػابح عمػى سػطح المػاء (1) ,كمػع هػذ السػرعة العاليػػة لا يحػػدث أم انفػػلات كلا خمػػؿ, كلا يقػػع تصػػادـ, فػػي هػػذا الصػػنع العجيػػب, فكػػأفٌ هػػذ الككاكػػب عاقمػػة, تػػتحكـ فػػي أمػػر سػػيرها, كلهػػذا السػػبب عػػاد عميهػػا ضػػمير العقػػلاء, كهػػك كاك الجماعػػػة فػػػي قكلػػػه (يسػػػبحكف), كمػػا عػػػكد ضػػػمير العقػػػلاء إلا لمكصػػػؼ بفعمهػػػـ كهك السباحة"(2) . كهي إشارة لطيفة مف البيضاكم حػكؿ اسػتخداـ الضػمائر عنػد حديثػه عػف التقػديـ كالتأخير, كأصؿ الكلاـ: كؿ يسػبحكف فػي فمػؾ, فجػاء تقػديـ الجػار كالمجػركر (فػي فمػؾ) لمتعجب مف سباحة هػذ الأجػراـ عمػى سػطح الفمػؾ , بػؿ إفٌ اسػتخداـ ضػمير العقػلاء فػي قكلػػه (يسػػبحكف) تػػدؿ عمػػػى أفٌ هػػذ الأجػػراـ مػػأمكرة بهػػػذ الحركػػة التعجبيػػة, كمػػا البشػػػر فأضفى هذا التشخيص عمى الصكرة ركعة كمهابة!! كينكػػر البػػاحثكف عمػػى مػػف يػػذهب إلػػى أفٌ هػػذا التقػػديـ كالتػػأخير إنٌمػػا جػػاء لخدمػػة الفاصػػمة القرآنيػػة, فالإعجػػاز البلاغػػي الػػذم أفػػاد التقػػديـ هػػك التعجػػب, كلػػيس كمػػا ذهػػب بعضهـ لرعاية الفاص مة, كأمٌ فاصمة كراء هذا الإبداع الذم لا تدركه الأبصار؟! كهػػذا الكػػلاـ يؤيػػد كػػلاـ فػػي مكضػػع آخػػر جػػاء متناسػػبان مػػع الآيػػة السػػابقة, قػػاؿ تعػالى: (ٌَلب اٌؾَّلّْظُ يَنجَؽِلي ًٌََلب ؤَْ رُلذْسِنَ اٌْمََّلشَ وٌََلب اٌٍَّيْلًُ عَلبثِكُ اٌنًََّلبسِ وَوُلً ـِلي ـٍََلهٍ يَغْلجَؾُوَْ )(3) (1) البيضػػػاكم, ناصػػػػر الػػػديف أبػػػػك الخيػػػػر عبػػػدالله بػػػػف عمػػػر بػػػػف محمػػػػد الشػػػيرازم الشػػػػافعي, تفسػػػػير البيضػاكم. أنػػكار التنزيػؿ كأسػػرار التأكيػػؿ, إعػداد محمػػد عبػػد الػرحمف المرعشػػمي, دار إحيػػاء التػراث العربػي, بيػػركت, لبنػاف, ط 4 ,4:4>ق- 4??>ـ, ج:, 0. كينظػػر: أبػك السػػعكد محمد بف محمد بف مصطفى العمادم الحنفي, تفسػير أبػي السػعكد أك إرشػاد العقػؿ السػميـ, تحقيػػػؽ: عبػػػد المطيػػػؼ عبػػػد الػػػرحمف, دار الكتػػػب العمميػػػة, بيػػػركت, لبنػػػاف, ط 4 ,4:4?ق 4???ـ, ج:, ص99; . (2) الزمخشرم, الكشاؼ, ج 9, ص44; . (3) يس9?.)
عدد الصفحات ٥٤44 فجممةوَوًُ ـِي ـٍََهٍ يَغْجَؾُوَْ) أكدت الانتظاـ في سير الشمس كالقمر, كفػي تعاقػب الميػؿ كالنهار, كأكدت أيضان التناسػؽ العجيػب كالتػرابط المحكػـ, كتقػديـ (فػي فمػؾ) عمػى متعمقػه (يسبحكف) يظهر سيرها فيه بانبساط (1), كهذا يمفػت الانتبػا إلػى عجائػب قػدرة الخػالؽ فػي سػػير كػػؿ مػػف الشػػمس كالقمػػر, كػػؿ فػػي فمكػػه الخػػاص بػػهً, كفػػؽ نظػػاـ غيػػر إلكتركنػػي, أك كهربائي, أك ميكانيكي, أك هندسي دقيؽ كلا غير ذلؾ مف الأنظمة المتطػكرة فػي نظرنػا فهػػػػػي لا شػػػػػػيء عنػػػػػػد الله سػػػػػػبحانه كتعػػػػػػالى, كحاشػػػػػا لله -جػػػػػػؿ كعػػػػػػلا- أف نقػػػػػػارف هػػػػػػذ الاختراعات البسيطة, بعجائب صنعه سبحانه ك تعالى!!! كعند الرجػكع إلػى صػنع البػارم -عػػز كجػػؿ- نجػػد أعجػػبى كأدهػػشى ممػػا تقػػدـ, كيكفينػػا أف نتأمػػؿ تعاقػػب الميػػؿ كالنهػػار, فهػػذا الإبػػداع يػػدفعنا إلػػى التفكػػر كالتػػدبر, كالمجػػكء إلػػى الله سػػبحانه كتعػػالى كمػػا جػػاء فػػي قكله تعػالى: (بَِّْ ـِي خٍَْكِ اٌغََّّبوَادِ وَالأَسْضِ وَاخْزِلبَؾِ اٌٍَّيْلًِ وَاٌنًََّلبسِ لآيَلبدٍ ٌِّلإُوٌِْي الأٌْجَلبةِ (091 ) اٌَّزِيَٓ يَزْوُشُوَْ اٌٍّهَ لِيَبًِب وَلُعُودًا وَعٍََ َ عُنُوثًُِِْ وَيَزَفَىَّشُوَْ ـِي خٍَْكِ اٌغََّّبوَادِ وَالأَسْضِ سَثَّنَب َِب خٍََمْذَ هَزا ثَبؼِلبً عُجْؾَبَٔهَ ـَمِنَب عَزَاةَ اٌنَّبسِ)(2)!!! كفي تقديـ (في فمؾ) إشارة لاهتماـ المتأمؿ كشد لانتباهه إلى عظمػة الخػالؽ فػي سيطرته عمى هذا الكػكف العجيػب!!! فالإعجػاز البلاغػي الػذم أفػاد التقػديـ هػك التعجػب كلػػػيس -كمػػػا ذهػػػب بعضػػػهـ- لرعايػػػة الفاصػػػمة, كأمٌ فاصػػػمة كراء هػػػذا ا لإبػػػداع الػػػذم لا تدركػػػه الأبصػػػار. ك هػػػذا التقػػػديـ يعػػػدٌ مػػػف كأعظػػػـ كأعجػػػب جماليػػػات التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي القرآف الكريـ!!! كيقكد الحديث عف التقديـ لإظهػار معنػى الألكهيػة لله سػبحانه للإشػارة إلػى أشػهر الآيػػػات التػػػي تػػػدؿ عمػػػى معنػػػى الاختصػػػاص كقصػػػر العبػػػادة عمػػػى إلػػػه كاحػػػد, كهػػػك الله سبحانه كذلؾ في قكله تعالى في سكرة الفاتحة: ( بِيَّبنَ َٔعْجُذُ وبِيَّبنَ َٔغْزَعِ ُ)(3). (1) البيضاكم, أنكار التنزيؿ, ج 9, ص?::. (2) آؿ عمراف 4?0-4?4.) (3) الفاتحة;).
عدد الصفحات ٥٥45 فقد قيدٌـ المفعكؿ به (إياؾ) عمػى متعمقػه (نعبػد) كػذلؾ متعمقػه (نسػتعيف)؛ لأفٌ ا كحػػد يخػػتص بالعبػػادة, كبػػه كحػػد تػػتـ الاسػػتعانة, كجيعػػؿ هػػذا المعنػػى فػػي مفتػػتح الكتػػاب العزيز, لتغمؽ الطريؽ أماـ أم خيارات مقبكلة أخرل أمػاـ الإنسػاف, لطمػب الاسػتعانة أك الهداية أك التكجه. كحكؿ تقػديـ الفعػؿ نعبػد عمػى الفعػؿ نسػتعيف, تقػكؿ الباحثػة خديجػة السػايح: "قػدٌـ العبػػػادة عمػػػى الاسػػػتعانة؛ لأفٌ تقػػػدـ القربػػػة كالك سػػػيمة قبػػػؿ طمػػػب الحاجػػػة, أنجػػػح لحصػػػكؿ الطمب, كأسرع لكقكع الإجابة" (1) . كمػػف لطيػػؼ مػػا تكصػػؿ إليػػه الدارسػػكف حػػكؿ مفتػػتح سػػكرة الفاتحػػة أف التعبيػػر فػػي قكله تعالى: (اهذَِٔللللب اٌصًشَاغَ المُغزَمِيَُ) لػـ يتقدمػه الضػمير الػداؿ عمػى المفعػكؿ بػه, فمػـ يقػؿ (إيانا اهدً) كحكؿ تفسير ذلؾ يقكؿ فاضؿ السامرئي: "كالسبب في ذلػؾ أفٌ طمػب الهدايػة لا يصػػػح فيػػػه الاختصػػػاص؛ إذ لا يصػػػح أف نقػػػكؿ: "المهػػػـ اهػػػدني كحػػػدم, كلا تهػػػدً أحػػػدان غيرم, أك خصػني بالهدايػة دكف النػاس, كمػا نقػكؿ المهػـ ارزقنػي كاشػفني كعػافني, فأنػت تسػػأؿ لنفسػػؾ, كلػػـ تسػػأله أف يخصػػؾ كحػػدؾ بػػالرزؽ كالشػػفاء كالعافيػػة, فػػلا يػػرزؽ أحػػدان غيرؾ كلا يشفيه كلا يعافيه" (2) . كمػػف المكاضػػعالجميمػػة الدالػػة عمػػى التقػػديـ كالتػػأخير لغػػرض الاختصػػاص, قكلػػه تعالى: (لًُْ هُوَ اٌشَّؽَُّْٓ آَِنَّب ثِهِ وَعٍََيْهِ رَوَوٍَّْنَب)(3) . فقػػػػدـالفعػػػػؿ (آمنػػػػا) عمػػػػى الجػػػػار كالمجػػػػركر (بػػػػه) كأخػػػػر (تككمنػػػػا) عمػػػػى الجػػػػار كالمجػػركر (عميػػه) كذلػػؾ "أفٌ الإيمػػاف لمػػا لػػـ يكػػف منحصػػران فػػي الإيمػػاف بػػالله, بػػؿ لا بػػد معػػه مػػف رسػػمه كملائكتػػه ككتبػػه كاليػػكـ الآخػػر كغيػػر , ممػػا يتكقػػؼ صػػحة الإيمػػاف عميػػه بخلاؼ التككؿ, فهنٌه لا يككف إلاٌ عمى الله كحد ؛ لتفرد بالقدرة كالعمػـ القػديميف البػاقييف, (1) السايح, خديجة, مناهج البحث البلاغي, منشأة المعارؼ, الأسكندرية, ط 4 ,8000ـ, ص4<4 . (2) السامرائي, التعبير القرآني, ص 0 . (3) الممؾ8?.)
عدد الصفحات ٥٦46 قػػدـ الجػػار كالمجػػركر فيػػه ليػػؤذف باختصػػاص التككػػؿ مػػف العبػػد إلػػى الله دكف غيػػر ؛ لأفٌ غير لا يممؾ ضران كلا نفعان فيتككؿ عميه"(1) . كػػذلؾ تظهػػر جماليػػة التخصػػيص فػػي قػػكؿ الله سػػبحانه عمػػى لسػػاف النبػػي-- مخاطبانالمشركيف: "لكـ دينكـ كلي ديف"(2) . كيظهر معنى التخصيص في الآية السابقة, عند قصر المسػند إليػه عمػى المسػند المتقػػػػدـ أم قصػػػػر (الػػػػديف) عمػػػػى المتقػػػػدـ (لكػػػػـ) (لػػػػي) كمعنػػػػى ذلػػػػؾ أفٌ لكػػػػؿ منػػػػا دينػػػػه الخاص به الذم لا يتجاكز إلى سكا (3) . كقػػػػد قطػػػػع البػػػػاحثكف القػػػػدامى أشػػػػكاطان بعيػػػػدة فػػػػي القػػػػدرة عمػػػػى التأمػػػػؿ كالتػػػػذكؽ الإبػػداعي لديػػات القرآنيػػة, فهػػذا عبػػد القػػاهر الجرجػػاني ينبػػه عمػػى جماليػػة الإضػػمار إذا تقػػدـ, يقػػكؿ: "إفٌ الشػػيء إذا أيضػػمر ثػػـ فيسٌػػر كػػاف ذلػػؾ أفخػػـ لػػه مػػف أف يػػذكر مػػف غيػػر تقػدـ إضػمار"(4), كيضػرب شػاهدان عمػى ذلػؾ قكلػه تعػالىـَةنل ب ٌَلب رَعَّْل اٌْإَثْصَلبسُ )(5) يقػكؿ "ففي الآية فخامة كشرؼ لا نجد منها شيئان في قكلنا: فهف الأبصار لا تعمى"(6) . كيضػرب مثػالان آخػر عمػى جماليػةتقػديـ المضػمر فػي قكلػه تعػالى: (بَّٔلهُ ٌَلب يُفٍِْلؼُ اٌْىَبـِشُوَْ)(7) يقكؿ: "إنٌه يفيد مف القكة في نفي الفلاح عف الكافريف ما لػك قيػؿ إفٌ الكػافريف (1) الزركشػػػي, البرهػػػاف 8 ,:4:. كينظػػػر الػػػرازم, محمػػػد الػػػرازم فخػػػر الػػػديف العلامػػػة ضػػػياء الػػػديف عمػػر, تفسػػير الفخػػر الػػرازم, المشػػتهر بالتفسػػير الكبيػػر كمفػػاتيح الغيػػب, المشػػتهر بخطيػػب الرمٌ, دار الفكر, بيركت, لبناف, (د.ط), 4:40ق- 4??0ـ, ج8?, ص<=. (2) الكافركف<) (3) ينظر: طبػؿ حسػف, عمػـ المعػاني فػي المػكركث البلاغػي, مكتبػة الإيمػاف, جامعػة الأزهػر, ط 8 , 4:8;ق- 800:ـ, ص48?. (4) الجرجاني, دلائؿ الإعجاز, ص ??. (5) الحج<:). (6) الجرجاني, دلائؿ الإعجاز, ص ??. (7) المؤمنكف44=.)
عدد الصفحات ٥٧47 الكافريف لا يفمحكف, لـ ييفد ذلؾ... فقد بيٌف كلكٌح ثػـ صػرٌح, كلا يخفػى مكػاف المزيػة فيمػا طريقه هذا الطريؽ" (1) . فالجرجػػػاني يػػػرل فػػػي بلاغػػػة التقػػػديـ كالتػػػأخير فخامػػػةن كشػػػرفان كهػػػذا الإحسػػػاس لا يؤاتي إلا متذكؽ متأمؿ, كقد دعا القرآف إلى هذا التأمؿ بقكله تعالى: ( ؤَـٍََلب يَزَلذَثَّشُوَْ اٌْمُلشْآَْ ؤََْ عٍََ لٍُُوةٍ ؤَلْفَبًٌَُب)(2) . كذلؾ أدرؾ صاحب (الإيضػاح) أفٌ مرامػي الآيػات الكريمػة قػد يكػكف فػي تقػديمها كتأخيرها أبعد مما يظف القارئ, ففي تقديـ أسماء الإشارة أغراض ذكيػة يػدركها المتأمػؿ, يقػكؿ: "ربمػا جيعػؿ البعػد ذريعػة إلػى التعظػيـ(3)( :رٌَِلهَ اٌْىِزَلبةُ لاَ سَيْلتَ ـِيلهِ )(4), كربمػا جعػؿ القرب ذريعة إلى التحقير مثؿ (5)( :وََِب هَزِ ِ اٌْؾَيَبحُ اٌذُّْٔيَب بٌَِّب ًٌَْوٌ وٌََعِتٌ)(6) . كهػػذا الفهػػـ كالتػػذكؽ يحتػػاج منػػا إلػػى سػػنيف طكيمػػة حتػػى نصػػؿ إلػػى مرحمػػة هػػؤلاء البلاغييف في التدبر كالتأمؿ!! كفيمػػػا يمػػػي عػػػرض لػػػبعض مػػػكاطف الجمػػػاؿ التػػػي تعكػػػس هػػػذ الظػػػاهرة البلاغيػػػة العظيمة, أذكرهػا عمػى سػبيؿ التمثيػؿ لا الحصػر؛ لأفٌ أغػراض التقػديـ كالتػأخير يسػتحيؿ حصػػػرها؛ لأنٌهػػػا تيعػػػدٌ بعػػػض أغػػػراض الكػػػلاـ, كقػػػد عبٌػػػر الشػػػارع عػػػف هػػػذا المعنػػػى بقكلػػػه تعػالى: (لًُ ٌَّوْ وَبَْ اٌْجَؾْشُ ِِذَادًا ٌِّىٍََِّبدِ سَثًي ٌَنَفِذَ اٌْجَؾْشُ لَجًَْ ؤَْ رَنفَذَ وٍََِّبدُ سَثًي وٌََوْ عِئْنَب ثِِّضٍِْهِ َِذَدًا)(7) . كهذا تصكير جميؿ لإمكانات المغة القرآنية, فهي بحر لا حػدكد لاتسػاعه, فكيػؼ يمكف حصر الأغراض البلاغية الكامنة في أعماؽ هذا البحر!! هذا محاؿ!. (1) الجرجاني, دلائؿ الإعجاز, ص ??. (2) محمد8:.) (3) القزكيني, الإيضاح, ص44?- 480. (4) البقرة 4-8.) (5) القزكيني, الإيضاح, ص44?-480. (6) العنكبكت:<). (7) الكهؼ40?)
عدد الصفحات ٥٨48 ونبدأ بغرض التقديم لغرض التناسب المعنوي كنضػرب عميػه شػاهدان قكلػه تعػالى: (وَؤَٔلضَيَ اٌَّلزِيَٓ ظَلبهَشُوهُُ ًِلْٓ ؤَهْلًِ اٌْىِزَلبةِ ِِلٓ صَيَبصِيًُِْ وَلَزَؾَ ـِي لٍُُوثًُُِِ اٌشُّعْتَ ـَشِيمًب رَمْزٍُُوَْ وَرَإْعِشُوَْ ـَشِيمًب)(1). كمكطف الشاهد قكلػه تعػالى (ـَشِيمًب رَمْزٍُُوَْ وَرَإْعِشُوَْ ـَشِيمًلب ) فقػدـ (فريقػان) كهػك مفعػكؿ بػه عمػى عاممػه (تقتمػكف) كلػـ يقدمػه عمى (تأسركف) في التعبير اللاحؽ. كهذا ينسجـ مع المعنى المحقؽ خػارج الػنص, فمػكلا تقدـ المقاتؿ لما قيتؿ كلكلا قتمه لمػا أسػر الػذم تػأخر عنػه, فتقػديـ الألفػاظ كتأخيرهػا جسٌػد لنا صكرة كاقعية معبرة عف الكاقع, فالتقديـ جاء مقػرران لمػا حػدث فػي سػاحة المعركػة مػف جػػانبيف, الأكؿ أفٌ المقػػدٌـ مقتػػك ؿ, كالمػػؤخر مأسػػكر, كهػػذا مػػا جػػاء متناسػػبان فػػي المعنػػى, أم أفٌ الإعجػػاز البلاغػػي الػػذم ظهػػر مػػف كراء التقػػديـ كالتػػأخير هػػك الاهتمػػاـ كالتناسػػب المعنكم (2) . كفي دراسػة أسػمكبية لسػامح الركاشػدة رأل فػي التقػديـ كالتػأخير المػاثميف فػي الآيػة الكريمػػة مػػا يعكػػس أسػػمكبية الانزيػػاح تػػارة, كالبقػػاء عمػػى البعػػد المعيػػارم لمتركيػػب المغػػكم تارة أخرل, يقكؿ: "إف هػػػذا التقػػػديـ يجعػػػؿ للاسػػػـ المقػػػدـ ميػػػزة مهمػػػة, فالأهميػػػة لمفئػػػة التػػػي خيصٌػػػت بالقتػػؿ كاسػػتحقته, إنٌهػػا الفئػػة التػػي أدارت الفتنػػة, ككانػػت قػػادرة عمػػى المشػػاركة فػػي التػػآمر عمى المسمميف, إنٌهـ منػاط الفاعميػة فػي الحػدث, فمػكلاهـ لمػا كقعػت الخيانػة, كلمػا نقػ ض الحػػدث؛ لػػذلؾ ميػػزت هػػذ الفئػػة –الفريػػؽ - فكضػػعت سػػابقة عمػػى العهػػد, مػػع أفٌ الحػػدث نفسه يكشؼ ثقؿ ما كقع عميهـ مف عقكبة, حيث كاف مصيرهـ القتؿ" (3) . كيرل الركاشدة أفٌ الفئػة الثانيػة –المأسػكرة - عبػر عنهػا الػنص بصػكرة معياريػة لا انزيػػاح فيهػػا, حيػػث قيػػدـٌ الفعػػؿ عمػػى الفاعػػؿ, كيعمػػؿ ذلػػؾ بقكلػػه: "أمػػا الفئػػة الثانيػػة كهػػي (1) الأحزاب 8<.) (2) ينظػػػر: أبػػػك القاسػػػـ, عمػػػي, بلاغػػػة التقػػػديـ كالتػػػأخير فػػػي القػػػرآف الكػػػريـ, دار المػػػدار الإسػػػلامي بيركت, لبناف, ط4 ,800<ـ, ج8, ص=?; >?;. (3) الركاشػػدة, سػػامح عبػػد العزيػػز, جماليػػات التعبيػػر فػػي القػػرآف الكػػريـ, دار صػػايؿ لمنشػػر كالتكقيػػع ط4 ,8049ـ, ص408 .
عدد الصفحات ٥٩49 الفئة التي كانت نصيبها الأسر, فمقد خضػعت لمبعػد المعيػارم لمتركيػب فقػاؿ: "كتأسػركف فريقػػػان" إنٌهػػػا فئػػػة غيػػػر قػػػادرة عمػػػى الػػػدفاع عػػػف نفسػػػها, كهػػػي ليسػػػت عنصػػػران فػػػاعلان فػػػي الصػػػراع؛ لػػػذلؾ يكػػػكف نصػػػيبها الأسػػػر, كهػػػك أمػػػر طبيعػػػي كمػػػألكؼ, إذ إفٌ العػػػادة عنػػػد العرب تقػكـ عمػى سػبي مػف يقػع فػي يػد الجنػكد مػف النسػاء كالأطفػاؿ؛ لػذلؾ ظمػت ضػمف السياؽ دكف انزياح" (1) . كمف شكاهد (التناسب المعنكم) أيضان قكله تعالىرٌَِىُُُ اٌٍّهُ سَثُّىُُْ لا بٌَِلهَ بِلاَّ هُوَ خَبٌِكُ وًُِّ ؽَيْءٍ)(2), فقدـ الكصؼ بالكحدانية ليناسب ذلؾ ما تقدمه في قكله تعالى (وَعَعٍَُواْ ٌٍِّهِ ؽُشَوَبء اٌْغَِّٓ وَخٍََمًَُُْ وَخَشَلُواْ ٌَهُ ثَنِ َ وَثَنَبدٍ ثِؽَيْشِ عٍٍُِْ)(3). كقكله تعالىؤََّٔ يَىُوُْ ٌَهُ وٌََذٌ وٌََُْ رَىُٓ ٌَّهُ صَبؽِجَخٌ)(4), فالكلاـ في تقرير كحدانية الله سبحانه كتعالى ك لهذا السبب قدٌمه(5) عمى قكلهخَبٌِكُ وًُِّ ؽَيْءٍ). كفي هذا الباب -باب التناسب المعنكم - التفت كثير مف الدارسيف إلى قضية رزؽ الأكلاد, كرزؽ الآباء في قكله تعالى: ( وَلاَ رَمْزٍُُواْ ؤَوْلادَوُُْ خَؾْيَخَ بِِْلبقٍ َّٔؾُْٓ َٔشْصُلًُُُ وَبِيَّبوُُ)(6), كقكله: (وَلاَ رَمْزٍُُواْ ؤَوْلاَدَوُُ ًِْٓ بِْلبَقٍ َّٔؾُْٓ َٔشْصُلُىُُْ وَبِيَّبهُُْ)(7) . فقدـ رزؽ الآباء عمى الأبناء في الآية الأكلى, كفي الثانية قدـ رزؽ الآباء عمى الأبناء, كذلؾ أفٌ الكلاـ في الآية الثانية مكجٌه لمفقراء كليس لطغنياء, فهـ يقتمكف أكلادهـ مف الفقر الكاقع ب هـ, فأكجبت البلاغة تقديـ عدتهـ -أم كعدهـ - بالرزؽ, لتكميؿ العدة برزؽ الأكلاد, كفي الآية الأكلى كجٌه الخطاب لغير الفقراء كهـ الذيف (1) المرجع السابؽ, ص 408. (2) الأنعاـ409.) (3) الأنعاـ404.) (4) الأنعاـ408.) (5) أبك القاسـ, بلاغة التقديـ كالتأخير في القرآف الكريـ, عمي, ص =?;. (6) الإسراء 94.) (7) الأنفاؿ4;4 .)
عدد الصفحات ٦٠51 يقتمكف أكلادهـ, لأنٌهـ يخشكف أف تسمبهـ كمؼ الأكلاد ما يممككف مف الماؿ, فكجب تقديـ العدة برزؽ الأكلاد, فيأمنكا ما خشكا عميه مف الفقر, أم أفٌ الله جعؿ معهـ رزقهـ, فهـ لا يشارككنكـ في رزقكـ فلا تخشكا الفقر (1). كخلاصة الفكرة أفٌ الكممة القرآنية قد تتقدـ هنا كتتأخر هناؾ, فيظف الق ارئ أفٌ الأمر فيه تكرار لمفكرة ذاتها, ثـ يفطف إلى الفرؽ الدقيؽ بيف المكضعيف –إف فتح الله عميه باب التفطف كالتدبر- ليدرؾ أفٌ كلاـ الله معجز, لا في سكر كآياته فحسب, بؿ في المفظة الكاحدة كالحرؼ الكاحد, فسبحاف الله العظيـ!!! التقديم والتأخير لغاية إظيار مراتب الحب والإيثار: قد يرد ترتيب الألفاظ في الآية القرآنية دالان عمى مراتب المحبة, كصمة الرحـ التي تحرؾ الإنساف, ففي قكله تعالى: ( ـَمًُْ رَعَبٌَوْاْ َٔذْ ُ ؤَثْنَبءَٔب وَؤَثْنَبءوُُْ ؤَِغَبءَٔب ؤَِغَبءوُُْ وَؤَٔفُغَنَب وؤَٔفُغَىُُْ) (2) . تـ تقديـ الأبناء عمى النساء, كما تـ تقديـ النساء عمى الأنفس, كحكؿ تغيير هذا الترتيب يقكؿ الزمخشرم: "كخصٌ الأبناء كالنساء؛ لأنٌهـ أعزٌ الأهؿ, كألصقهـ في القمكب, كربما فداهـ الرجؿ بنفسه كحارب دكنهـ حتى ييقتؿ... كقدمهـ في الذكر عمى النفس لينبه عمى لطؼ مكانه ـ, كقرب منزلتهـ, كليؤذف بأنٌهـ مقدمكف عمى النفس ميفدٌكف بها" (3) . غير أفٌ الزمخشرم لـ يفصٌؿ الحديث حكؿ تقديـ الأبناء عمى النساء, كما إذا كاف الإنساف يفتدم كلد أكلان أـ زكجته, غير أفٌ مكقعان آخر في القرآف يفصٌؿ هذا الأمر, كذلؾ حيف يصكر مشهد الناس يكـ الحساب, كفرارهـ مف أحب الناس إليهـ لهكؿ المكقؼ, كخكؼ الحساب, كهك مف أشد الصكر القرآنية تأثيران في النفس, كترهيبان (1) السامرائي, التعبير القرآني, ص :<. (2) آؿ عمراف 4.) (3) الزمخشرم, الكشاؼ, ج 4, ص9<?- 9=0 .
عدد الصفحات ٦١51 مف شدة ذلؾ اليكـ, يقكؿ تعالىيَوََْ يَفِشُّ اٌَّْشْءُ ِِْٓ ؤَخِيهِ وَؤًُِهِ وَؤَثِيهِ وَصَبؽِجَزِهِ وَثَنِيهِ)(1) , فالتقديـ هنا أفاد التدرج بالرتبة مف الأبعد إلى الأقرب. كقد يجادؿ بعض الناس في هذا المعنى زاعميف أفٌ الأبكيف أعزٌ كأغمى مف الصاحبة كالبنيف, بدليؿ كاقعهـ أك ظركفهـ المعيشة, كلكف جدالهـ هذا لا يعكس إلا مخالفة لمفطرة التي فطر الله الناس عميها, التي اقتضت أف ينتمي الإنساف لأسرته أكلان -زكجته كأبنائه- فالأهؿ هنا هـ الزكجة كالأكلاد, كهـ آخر مف يفر منهـ الإنساف يكـ الحساب؛ لشدة التصاقه بهـ كانتمائه إليهـ. أما برٌ الإنساف بكالديه كالحث عمى طاعتهما كخفض جناح الذؿ لهما, فهك سداد لبعض الديف الذم يطكؽ عنؽ الإنسا ف مف رحمة أبكيه به كهك صغير, كرعايتهما له حيف كاف ضعيفان, كلكف الأبكيف ليسا حب الإنساف الأكؿ كمحط اهتمامه, بدليؿ عقكؽ آلاؼ الأبناء لآبائهـ كتنكرهـ لفضؿ أهميهـ. فسبحاف الله العظيـ!!. كفي تأمؿ لنظاـ الترتيب كالتقديـ كالتأخير في مراتب الحب كالإيثار, نجد نظا مان آخر يعكس هذ المراتب حيث تتقدـ فيه المرأة عمى الابف, عكس ما تقدـ مف حديث عف هذ المراتب كذلؾ في قكله تعالى: ( صُيًَٓ ٌٍِنَّبطِ ؽُتُّ اٌؾًََّوَادِ َِِٓ اٌنًغَبء وَاٌْجَنِ َ وَاٌْمَنَبؼِيرِ اٌُّْمَنؽَشَحِ َِِٓ اٌزَّهَتِ وَاٌْفِعَّخِ)(2). حيث تظهر المرأة مقدمة عمى البنيف, كقناطير الذهب كالفضة, يقكؿ العمكم في (طراز ) مفسران هذا التقديـ: "فمما بدأ بذكر الحب كالمحبكب مختمؼ المراتب, فالتفاكت في الدرجات اقتضت حكمته سبحانه كتعالى تقديـ الأهـ فالأهـ مف المحبكبات, فقدـ النساء عمى البنيف؛ لما يظهر فيهف مف قكة الشهكة كااثارتهف عمى المحبكب, كقدٌـ البنيف عمى الأمكاؿ لتمكنهـ في النفكس, كاختلاط محبتهـ بالأفئدة, كهكذا جاء الكلاـ في سائر المحبكبات, فالنساء أحب مف البنيف, كالبنكف أحبٌ مف الأمكاؿ, كالذهب أحبٌ مف الفضة... كهكذا"(3). (1) عبس9:-9<.) (2) آؿ عمراف 4:.) (3) ينظر: العمكم , الطراز, ج 8, ص8- <9 .
عدد الصفحات ٦٢52 فتقػػديـ المفػػظ أك المعنػػى فػػي مكضػػع كتػػأخر فػػي مكضػػع آخػػر, إنٌمػػا يكػػكف لغايػػة بلاغيػػة, كمعنػػى عظػػيـ ينػػدٌ عػػف معرفػػة عظيمػػة بطبيعػػة الػػنفس البشػػرية, كمػػا تحممػػه مػػف عكاطؼ كرغابات... كذلؾ مصداقان لقكله تعالى: (ؤٌََب يَعٍَُُْ َِْٓ خٍََكَ وَهُوَ اٌٍَّؽِيؿُ اٌْخَجِيرُ)(1). التقديم لمفضل والشرف: يجد المتأمؿ في كتاب الله كالمدقؽ في رتب الألفاظ أفٌ دافع الفضػؿ كالشػرؼ قػد يكػكف هػك المحػػرؾ لنقػؿ الألفػاظ كترتيبهػػا, حيػث يتقػدـ الأنبيػػاء عمػى الصػديقيف كالشػػهداء كالصػػػالحيف, لفضػػػمهـ كرتبػػػتهـ, كمػػػا يتقػػػدـ ذكػػػر الله عمػػػى هػػػؤلاء جميعػػػان لفضػػػمه سػػػبحانه كعمػك مرتبتػه مػف ذلػؾ: ( وََِلٓ يُؽِل ِ اٌٍّلهَ وَاٌشَّعُلويَ ـَإُوٌَْللئِهَ َِل َ اٌَّلزِيَٓ ؤَْٔعَلَُ اٌٍّلهُ عٍََليًُِْ ًِلَٓ اٌنَّجِليً َ وَاٌصًذًيمِ َ وَاٌؾًَُّذَاء وَاٌصَّبٌِؾِ َ وَؽَغَُٓ ؤُوٌَلئِهَ سَـِيمًب)(2) . كقػػد يممػػح الػػدارس فػػي الآيػػة نفسػػها سػػببان آخػػر لمتقػػديـ كالتػػأخير, كهػػك التػػدرج مػػف القمة إلى الكثرة, يقكؿ فاضؿ السػامرائي: "... فقػدٌـ الله عمػى الرسػكؿ ثػـ بػدأ بالتػدرج مػف القمػػة إلػػى الكثػػرة, بحيػػث تفاضػػمهـ أم مػػف الأفضػػؿ إلػػى الفاضػػؿ, فبػػدأ بػػالنبييف كهػػـ أقػػؿ الخمؽ, ثـ الصديقيف كهـ أكثر, ثـ الشهداء ثـ الصالحيف, كلا شؾ أفٌ أفضػؿ الخمػؽ هػـ أقؿ الخمؽ, إذ كمما ترقى الناس في ا لفضؿ قؿ صنفهـ"(3) . كفػػػػي قػػػػكؿالسػػػػامرائي : "كممػػػػا ترقػػػػى النػػػػاس فػػػػي الفضػػػػؿ قػػػػؿ صػػػػنفهـ" كثيػػػػر مػػػػف التكفيؽ, كخلاصة حكيمػة, تعػرؼ بمخالطػة النػاس كمعػاملاتهـ . كقػد أشػار القػرآف الكػريـ إلػى هػذ الحقيقػة فػي كثيػر مػف المكاضػع كقكلػه تعػالى: (وٌََللىَِّٓ ؤَوْضَلشَ اٌنَّلبطِ لاَ يَعٍَُّْلوَْ )(4) . (وٌََلىِٓ ؤَوْضَشَ اٌنَّبطِ لاَ يُاِِْنُوَْ)(5)( .وٌََلىِٓ ؤَوْضَشَ اٌنَّبطِ لاَ يَؾْىُشُوَْ)(6). كغيرها (1) الممؾ4;.) (2) النساء?<). (3) السامرائي, التعبير القرآني, ص ;;. (4) يكسؼ84.) (5) هكد4=.) (6) يكسؼ9>.)
عدد الصفحات ٦٣53 كمػػف المكاضػػع الدالػػة عمػػى التقػػديـ لمفضػػؿ كالشػػرؼ, الآيػػات الدالػػة عمػػى شػػرؼ الرسػالةعمى النبػكة كقكلػه تعػالى: ( وََِلب ؤَسْعَلٍْنَب ِِلٓ لَجٍِْلهَ ِِلٓ سَّعُلويٍ وٌََلب َٔجِليٍّ ...)(1)؛ لأف الرسػػػكؿ أفضػػػؿ مػػػف النبػػػي, فالرسػػػكؿ مكمػػػؼ بػػػالتبميآ, كالنبػػػي غيػػػر مكمٌػػػؼ بػػػذلؾ, كػػػذلؾ تقديـ الحرية عمػى العبكديػة, كقكلػه تعػالى: ( اٌْؾُلشُّ ثِلبٌْؾُشً وَاٌْعَجْلذُ ثِبٌْعَجْلذِ )(2) كلا ينكػر أحػد فضػؿ الحريػة عمػػى العبكديػػة , كمنهػػا فضػػؿ المػػؤمنيف عمػػى مػػف سػكاهـ كقكلػػه تعػػالى: (وَبِْ وَللبْ ؼَأئِفَخٌ ًِنىُُْ آَِنُواْ ثِبٌَّزِي ؤُسْعٍِْذُ ثِهِ وَؼَأئِفَخٌ ٌَُّْ يْاِِْنُواْ)(3) . كقػػدكرد فػػي بػػدائع الفكائػػد تحميػػؿ جميػػؿ لآيػػة الكضػػكء كأركانػػه, فػػذهب صػػػاحب البدائع إلى أف تقدـ الأعضاء بعضها عمى بعض في الذكر إنٌما جاء بالفضؿ كالشرؼ. كذلؾ في قكله تعالى: (يَب ؤَيًَُّب اٌَّزِيَٓ آَِنُواْ بِرَا لُّْزُُْ بٌَِل اٌصَّللبحِ ـبؼْغِلٍُواْ وُعُلوهَىُُْ وَؤَيْلذِيَىُُْ بٌَِل اٌَّْشَاـِكِ وَاِْغَؾُواْ ثِشُئُوعِىُُْ وَؤَسْعٍَُىُُْ بٌَِ اٌْىَعْجَ ِ)(4) . يقكؿ ابف القيـ في ترتيب ذكر الأركاف السابقة فقػػد جػػاء فػػي الفكائػػد أفٌ هػػذا الترتيػػب جػػاء كاجبػػان عمػػى رأم الشػػافعي كأحمػػد كمػػف كافقهما, فالآية عندهـ اقتضت التقديـ كجكبان لقرائف عدٌة: الأكؿ: أنٌػػه أدخػػؿ ممسػػػكحان بػػيف مغسػػػكليف, كقطػػع النظيػػر عػػػف نظيػػر , كلػػػك أريػػد الجمػػػع المطمػػؽ لكػػاف المناسػػب أف يػػذكر المغسػػكلات ميت سًػػقة فػػي الػػنظـ, كالممسػػكح بعػػدها, فمما عدؿ إلى ذلؾ, دؿ عمى كجكب ترتيبها عمى الكجه الذم ذكر الله تعالى. الثػػاني: أفٌ هػػذ الأفعػػاؿ هػػي أجػػزاء فعػػؿ كاحػػد مػػأمكر بػػه, كهػػك الكضػػكء, فػػدخمت الػػكاك عاطفػػػػة لأجزائػػػػه بعضػػػػها عمػػػػى بعػػػػض, كالفعػػػػؿ ال كاحػػػػد لا بيػػػػد مػػػػف ارتبػػػػاط أجزائػػػػه بعضها ببعض, فدخمت الكاك بيف الأجزاء لمربط, فأفادت الترتيب. (1) الحج8.) (2) البقرة 4=>.) (3) الأعراؼ =>). (4) المائدة<).
عدد الصفحات ٦٤