المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ٨ من ٢٢

113 كل الأقفاص مغلقة.. لم يفر دب أو أسد أو ضبع من قفصه.. لا شيء يبرر منظر هذه الجثة.. إنها لغز حقيقي. النظرية التي خطرت لرجال الشرطة هي أن أسدًا فر من قفصه بسبب الإهمال، ومزق الحارس، ثم قامت إدارة الحديقة بإعادته لقفصه بسرعة خشية المحاسبة.. لكنها نظرية غير قابلة للبرهنة عليها. عندما استجوبوا عم إسماعيل قال: - «أشياء غريبة تحدث في الليل يا بك».. - «أشياء مثل ماذا؟» حك عم إسماعيل رأسه وأصلح من وضع الطاقية وقال: - «مساحة أشجار بهذا الاتساع.. الليل والظلام والوحدة وسط كل هذه الفدادين.. عواء الذئاب… زئير الأسود.. لو لم تجد العفاريت هذا المكان موضعًا فأين تقيم يا بك؟» - «هل تريد القول إن العفاريت هي التي قتلت رشدي؟» - «لا أعرف شيئًا يا بك.. فقط أعرف أنني لم أقتل رشدي.. لا أنا ولا بسيوني».. لكن عم إسماعيل كان يعرف ما هو أخطر بكثير. الأيام التالية برهنت على أنه يعرف الكثير فعلاً . 2 جاء نجاتي بعد رشدي. نجاتي من قرية جوار كفر الشيخ، وهو شاب في الثلاثين، لكن الصلع المبكر وتجاعيد الهموم على الوجه.. كل هذا جعله يبدو

عدد الصفحات ١١٤

114 متقدمًا في السن حتى إنه يقارب عم إسماعيل. نجاتي متزوج، وهذه هي النقطة التي جعلته موضعًا للسخرية.. فهو النموذج الحي للكيفية التي يبدد بها الزواج المبكر رونق الشباب. - «هي ابنة عمي.. عندنا في بلدنا ليست لديك فرصة التفكير. متى بلغت سن الثانية والعشرين تجد نفسك متزوجًا من ابنة عمك ولديك طفلان» يسأله عم إسماعيل مازحًا: - «ولو كانت ابنة عمك قبيحة مثل عديلة؟» عديلة هي أنثى الشمبانزي طبعًا. وهي ضمن مسئولية نجاتي، فيقول نجاتي في حرارة: - «قبيحة أو جميلة.. تحبها أو تكرهها.. هذه أمور غير ذات أهمية. هي ابنة عمك وكفى» ثم يلقي بلقيمات خبز لعديلة التي تتمسك بالقضبان ويتمسك طفلها بثديها، ويقول: - «ثم إن عديلة ليست قبيحة.. لعلها بالنسبة للقردة جميلة الجميلات» بصفته الأحدث في الحديقة، وبصفة عم إسماعيل هو الأقدم تقريبًا، فقد كانت هناك جلسة طويلة مع الأخير علمه فيها الكثير عن مهام عمله. بالطبع كان نجاتي سيرث رعاية القردة بعد رشدي، وقد كلمه إسماعيل كثيرًا عن رشدي وعن عمله ونهايته الغامضة . ثم إنه سأله: - «هل تنوي أن تأخذ نوبتجيات سهر؟» قال نجاتي في حماسة: - «بالطبع.. أنا بحاجة لكل مليم من الدخل»

عدد الصفحات ١١٥

115 نفث إسماعيل سحابة كثيفة من الدخان وقال: - «نصيحة.. خذ كل نوبتجياتك معي».. - «والسبب؟» قال عم إسماعيل وهو يرشف الشاي الثقيل: - «هذه الحديقة موحشة.. كبيرة جدًا… وصدقني أن هناك أشياء غريبة تحدث من وقت لآخر. ما كانت العفاريت والشياطين لتجد مكانًا أفضل ليلاً » ضحك نجاتي في عصبية.. هذه القصص.. - «أنا كنت في الجيش أمضي الليل في الجبل وحدي.. صدقني لا يقدر شيء على جعلي أصاب بالفزع».. - «وأنا لم أحاول جعلك تشعر بالذعر.. فقط أنا أحذرك».. ثم أزاح الطاقية ليحك شعره: - «رشدي يرحمه الله سخر من كلامي في البداية».. - «رشدي قتله حيوان مفترس أو قاتل مجنون. لم تقتله العفاريت» - «هكذا يقال» على كل حال كان نجاتي يدرك أنه لن يشعر براحة لو قضى الليل وحده في هذه الحديقة، ومهما بلغ من شجاعة. لا شك أن قضاء الليل مع إسماعيل يمكن أن يكون آمنًا ومسليًا. هكذا بدأت ليالي السهر. مغامرة تتكرر مرتين كل أسبوع، ولا شك أن لها طابعًا فريدًا يكسر الملل. هناك رهبة بالتأكيد لكنها رهبة محببة. الغرفة الدافئة وأكواب الشاي وصوت الست أم كلثوم.. من حين لآخر يأخذ جولة في الحديقة مع عم إسماعيل، وتكون هناك بعض أعمدة النور مضاءة بينما يعتمدان على الكشاف في أماكن أخرى.

عدد الصفحات ١١٦

116 الأقفاص المظلمة.. لا ترى ما فيها إلا العيون اللامعة لوحش يراقبهما، دعك من أن معظم الحيوانات تبيت ليلتها في الأقفاص الخلفية غير معروضة على الجماهير. بعد صلاة الفجر غالبًا ما يغلبهما النوم بعض الوقت، لكن عم إسماعيل يفيق مبكرًا ويعد كوب الشاي ولقمة للإفطار . بالطبع يكون اليوم التالي إجازة بعد نوبتجية السهرة. الحياة ليست سيئة.. *********** لم يلحظ نجاتي شيئًا مريبًا أو غريبًا إلا بعد أسبوعين من السهر الليلي. كان يمشي بين الأقفاص، ثم عاد إلى حيث يجتمع مع إسماعيل. هنا سمع صوت حوار.. هناك من يتكلم مع عم إسماعيل. دنا أكثر واستطاع أن يرى في الظلام أن إسماعيل يجلس مع رجل آخر، وكلاهما يدخن لفافة تبغ. كانا جالسين على العشب… قال إسماعيل في مرح: - «تعال يا نجاتي.. تعال أعرفك على جابر» جابر في الظلام أسمر اللون له عينان لامعتان وشعر منكوش ثائر. من أين أتى؟ قال إسماعيل وقد سمع هذه الأسئلة في ذهنه: - «جابر صديق عزيز.. لا تبال من أين أتى ولا كيف دخل.. فقط اجلس معه واستمتع بصحبته»..

عدد الصفحات ١١٧

117 نجاتي بدأ يتوتر.. ما معنى أن يدخل الحديقة ليلاً شخص غريب؟ ما دور الحارس الليلي إذن؟ ثم خطرت بذهنه أفكار أسوأ. كان يسمع عن حراس يخفون الهاربين من الشرطة في الحديقة ليلاً، وسمع عن حراس يسمحون للعشاق باللقاء المحرم في الحديقة.. مقابل مال طبعًا. إسماعيل ليس أمينًا على الحديقة إذن.. من جديد قال عم إسماعيل: - «حاول أن تتناسى كل ما في ذهنك من هواجس.. تعال واجلس معنا» لم يدر ما يقول.. في الظلام زحف على العشب ونزع صندله ثم جلس القرفصاء. وجد لفافة تبغ مشتعلة في يده فسحب منها نفسًا عميقًا.. قال جابر بصوت خفيض: - «البرد في الليل يمنعك من النوم.. ترتجف. والرجفة تطرد النوم طردًا. ثم إن رائحة الأقفاص تجعلك عاجزًا عن الاسترخاء » ثم ضحك ضحكة غريبة.. قهقهة مدوية لا مبرر لها. بدت مألوفة لدى نجاتي لسبب ما لم يستطع أن يتبينه. كان يحكي قصصًا غير مألوفة.. ثم سمع نجاتي صوت خطوات قادمة فأجفل. استدار للخلف فرأى ما كان يخشاه. هناك فتاة وشاب قادمان وقد تعانقت أيديهما. هذه أسوأ مخاوفه تتحقق. إسماعيل ليس حارس حديقة فقط.. قال إسماعيل بلهجة هادئة: - «درية.. وسامح.. سوف تحب صحبتهما»..

عدد الصفحات ١١٨

118 كانت الفتاة– برغم الظلام – بارعة الجمال رشيقة بدرجة غير معقولة.. أما الفتى فكان مرن الجسد فارع الطول، والغريب الذي لاحظه نجاتي هو أنهما يلبسان أسمالاً على جسدين عاريين كما هو واضح.. هذه ثياب قديمة مهترئة جدًا.. من جديد دارت محادثة لم يستطع نجاتي أن يفهم معظمها… فقط لاحظ أن سامحًا يسعل من وقت لآخر سعلة طويلة قوية تجعل لسانه يتدلى. عندما قدم لهما عم إسماعيل شطيرتين من الشطائر التي يجلبها للعشاء، لاحظ نجاتي أنهما يأكلان بفظاظة وبلا تكلف.. لماذا لا يشعل إسماعيل النار؟ أخرج عود ثقاب ووضع بعض قطع الخشب الجاف فوق بعضها، وأشعل العود عازمًا على أن يشعل بعض النار لتشيع الدفء. هنا سمع صرخة محذرة.. وهتف إسماعيل: - «لا تفعل!.. إنهم يريدون الظلام»! ارتجف نجاتي.. الصرخة كانت رفيعة جدًا وغير بشرية على الإطلاق.. لو أردنا الدقة لقلنا إنها صرخة حيوانية….! 3 تلكم أغرب مجموعة من البشر يمكن للمرء أن يمضي أمسيته معها. كان نجاتي يفكر في قلق… في البدء هذا الأخ جابر غريب الأطوار، ثم يأتي الفتى والفتاة الرشيقان اللذان يكرهان النار.. بعد قليل ظهر ضيف آخر.. رجل طويل القامة له جلد مجدور غريب..

عدد الصفحات ١١٩

119 شدقان طويلان.. يمكنك برغم الظلام الدامس أن ترى هذا كله وتشعر بالغصة في حلقك.. رباه!.. لماذا لا تشعر بالراحة؟ الإجابة سهلة.. لأن وجود بشر في حديقة الحيوان ليلاً أمر غير معتاد. والأدهى أنه لا تفسير لوجودهم، لكن إسماعيل يتعامل كأنه قديم العهد بهم.. لكن تظل هناك إجابة أخرى… ثمة شيء غير مطمئن في هؤلاء القوم، حتى لو قابلتهم جالسين على المقهى في شبرا في وضح النهار. للمرة الأولى يشعر نجاتي بأنه يفضل لو كان في داره مع زوجته التي تشبه الشمبانزي عديلة. تقول درية في تقزز: - الطعام يزداد قذارة وسوءًا.. نحن نعيش في زمن أسود فعلاً . في الماضي كان الطعام رائعًا وكنت تشم رائحة اللحم من على بعد مائتي متر. يقول عم إسماعيل في الظلام: - السبب هو الغلاء.. الغلاء يحاصر كل شيء، لهذا لم نعد نشتري نفس نوعية الطعام. يقول الرجل طويل القامة الذي جاء مؤخرًا : - الأسماك كذلك لم تعد طازجة كما كانت. من الجلي أنها تالفة.. لم أستطع قط أن أحب مذاق هذه الوجبات. برغم الظلام يدرك نجاتي أن إسماعيل يختلس نظرة له من حين لآخر ليرى رد فعله.. الواقع أنه بلا رد فعل، هو فقط يتعامل مع كل شيء بمزيج من الصمت والبلاهة..

عدد الصفحات ١٢٠

120 ازداد الأمر سوءًا عندما ظهر خمسة أشخاص قادمين في الظلام الكثيف. يمكنك أن تتبين أن بينهم امرأتين.. ثمة شيء غريب في هذه المجموعة هي أنهم ضخام الجثة فعلاً، ولهم صوت غليظ مميز.. كلهم كذلك. يمكنك سماع العشب الجاف يتهشم تحت أرجلهم. النقطة التي تتكرر دائمًا هي أن كل هؤلاء يلبسون الأسمال.. وجد نجاتي أنه يجلس وسط عدد كبير من هؤلاء القوم، وقد قدر منذ اللحظة الأولى أنهم ليسوا بشرًا .. هؤلاء من الجان بلا شك. إسماعيل ذو الخبرة العتيدة قال له من قبل: - هذه الحديقة موحشة.. كبيرة جدًا… وصدقني أن هناك أشياء غريبة تحدث من وقت لآخر. ما كانت العفاريت والشياطين لتجد مكانًا أفضل ليلاً . وقال: - رشدي يرحمه الله سخر من كلامي في البداية.. لكني لن أسخر يا عم إسماعيل. ما نحن فيه هو موقف (عفاريتي) بامتياز.. شيء غامض يدور هنا.. قال لإسماعيل وهو ينهض: - هلا تكلمنا بعيدًا؟ يا لرائحة العشب الليلي!. رائحة الحديقة في الليل، ومعها رائحة أخرى لا يعرف كيف يصفها.. قال إسماعيل ضاحكًا: - هم يسمعون كل شيء.. آذانهم مرهفة جدًا. قل ما تريد. - لا أستطيع.. يجب أن أبتعد.

عدد الصفحات ١٢١

121 صدع إسماعيل بالطلب وهو غير مقتنع. هناك متحف الحديقة المظلم الخالي. يمكنك أن تدخله لو أردت.. هناك في الرواق وقفا وسط حشد من الصور الفوتوغرافية لفلان باشا وفلان باشا المطربشين مؤسسي الحديقة. عند نهاية الممر مومياء منتصبة لأسد يزأر.. لابد أنها هنا منذ كان الملك فؤاد هو ملك مصر والسودان، وقد تم اصطيادها جنوبي السودان. أضاء نجاتي المصباح الكهربي فتوهج الرواق بضوء خافت كئيب من مصباح واحد، لكنه يبدد الظلام الذي خنقه.. سأل إسماعيل همسًا بصوت كالفحيح: - من هؤلاء؟ حك عم إسماعيل رأسه مفكرًا ثم قال : - لا تبحث عن إجابة.. هم هنا فحسب.. تقبل وجودهم - وأنت تعرف بوجودهم هذا؟ - أعرف هذا منذ أعوام، لكني لا أضايقهم وهم لا يضايقونني.. كلانا يفهم الآخر. نمضي ساعات طيبة في الليل ثم نفترق قرب الفجر. - وهذا الحفل يتكرر كل ليلة؟ - بالطبع لا.. أنت سهرت مرارًا ولم تر شيئًا كهذا، وكذلك بسيوني لم ير شيئًا قط.. من الواضح أنهم مرتاحون لك. مرتاحون لي؟ لم نتبادل جملة حوار واحدة، لكنهم يشعرون براحة معي.. لم يرد أن يثب السؤال التالي إلى فمه لكن السؤال انزلق برغمه: - ورشدي، هل كان يعرف؟ ربما لم يصدق كما قلت أنت، لكن هل كان يعرف؟

عدد الصفحات ١٢٢

122 في غموض قال عم إسماعيل: - ثمة أشياء لا تسأل عنها.. فقط اجلس معهم وأصغ لكلامهم.. وعند الفجر ينتهي كل شيء. دعك من أن هذا لا يتكرر كل ليلة. هنا دوى صوت مرعب كأنه زئير أسد.. ارتجت الحديقة للصوت، وكان نجاتي يعرف أن الأسود تزأر ثلاث مرات قرب الفجر.. ذلك الصوت المميز الشبيه بهدير محرك. هذا هو نفس الصوت تقريبًا.. قال إسماعيل في شيء من الارتباك: - عائلة الزناتي قد جاءت.. أنصحك أن تؤجل هذا الحديث لما بعد. وقبل أن يفسر شيئًا كان قد أطفأ مفتاح الكهرباء وغادر قاعة المتحف متجهًا إلى فرجة الأشجار التي شهدت الاجتماع. خرج نجاتي لاحقًا به وقلبه يتواثب. هناك في موقع الاجتماع وقف خمسة أشخاص منهم من له شعر كثيف منكوش ثائر.. هناك اثنان قصيرا شعر الرأس. بعبارة أدق هناك أنثيان. بدا غريبًا بعض الشيء أن يكون شعر الرجال ثائرًا طويلاً وشعر النساء عكس ذلك.. المخيف أن صوتهم غريب يذكرك فعلاً بالزئير. كان إسماعيل يرحب بالقادمين في توتر: - مرحبًا (بأجدع ناس).. كنا ننتظركم في شغف. قال أحد الذكور من طويلي الشعر: - صار لك تابع جديد بعد من مات. قال إسماعيل بصوت مبحوح: - ليس تابعًا.. هو زميل شاب.. اسمه نجاتي.. وهو شاب شهم من كفر الشيخ.. له زوجة وطفلان بالمناسبة.

عدد الصفحات ١٢٣

123 لماذا يذكر أنه متزوج؟ بدا شيء من التوسل في لهجته. يذكرك بمن يحكم عليه بالإعدام وهو يتوسل كي يرحموه لأن لديه أسرة.. - مرحبًا نجاتي! هز نجاتي رأسه محييًا وازداد توترًا .. كان قد كوّن نظريته المتكاملة عن الموضوع. هذه الحديقة (بسم الله الرحمن الرحيم) كما قال إسماعيل.. مكان مسحور أو ملعون. واضح تمامًا أن هؤلاء حيوانات!.. نعم حيوانات اتخذت صورة البشر وغادرت أقفاصها. جابر يذكرك بالضباع جدًا.. درية وسامح قريبان من الفهود.. هناك رجل له شدق طويل يذكرك بالتمساح.. وماذا عن المجموعة الضخمة التي تذكرك بالخراتيت؟.. أسرة الزناتي.. من الغبي الذي لا يتخيل أنهم أسرة من السباع غادرت أقفاصها؟.. أنت في مأزق يا نجاتي.. مأزق حقيقي.. رشدي – بلا شك – واجه هذا الموقف من قبل، ولم يستسلم لنصائح إسماعيل. لقد استبد به الذعر فلقي عقابه. وأنت؟ هل تتحمل؟ 4 حاول بصعوبة وعسر جمّين أن يصوب السيجارة إلى فمه. المبسم يهتز بفظاعة.. يده ترتجف.. لدرجة أنه أطبق بأسنانه بقضمة واحدة على طرف السيجارة كأنه يلتهمها، ثم بدأت مشكلة التصويب على الطرف الآخر بثقاب مشتعل.

عدد الصفحات ١٢٤

124 ما كان يضايقه أكثر هو نظرات الشك في العيون التي تراقب ارتباكه. هذا يزيد الأمر سوءًا. وقد لاحظ كذلك أنهم يرقبون لهب الثقاب في كراهية وتركيز إلى أن يطفأه.. في سره راح يردد: - «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» من مكان ما ظهرت امرأة.. امرأة تمشي منحنية وهي تحمل طفلاً، وقد كان الظلام دامسًا فلم يعرف من هي. لكنه أدرك أن مشيتها غريبة بالفعل، جلست هناك قرب الدائرة وأخرجت ثديها وراحت تلقم الصغير. قال عم إسماعيل بلهجة ذات معنى: - «أهلاً بك يا عديلة»!! عديلة!!… لو أن الضوء يسمح قليلاً لاستطاع أن يري عينيها اللامعتين ووجهها القبيح المذعور. هذا هو الحيوان الوحيد الذي احتفظ باسمه القديم على ما يبدو.. رأى عم إسماعيل حيرته وذهوله، فأمسك بساعده ودعاه للنهوض معه، وطلب الإذن من الجالسين.. يريد أن ينفرد بنجاتي قليلاً .. لم يرد أحد. فقط تصاعد بعض الزئير وضحك أحدهم ضحكة مدوية عالية يعرفها نجاتي جيدًا.. ضحكة الضباع.. بينما الرجلان يتجهان إلى بقعة خالية قريبة جدًا من بيت الأفيال. هناك في الظلام وبين الأشجار يمكنك أن ترى القضبان والوتد المثبت في الأرض وأكوام التبن.. - «منذ متى ؟»

عدد الصفحات ١٢٥

125 يقولها نجاتي متقطع الأنفاس. يلهث وينظر إلى الجمع الغامض الجالس من بعيد. - «أولاً خذ الحذر.. إن سمعهم مرهف وعلى الأرجح يسمعون كل كلامنا، ولو صدقت غريزتي لقلت إنهم يسمعون أفكارنا كذلك. الحيوانات تملك ما هو أمضى من السمع والبصر والشم» يقولها عم إسماعيل الذي لم يعد يحتاج إلى أسئلة.. لقد صار كلاهما يفهم ويسمع أفكار الآخر، ويردف: - «ربما منذ عامين.. لا أعرف السبب ولا كيف.. فقط أدركت أن الحديقة مسحورة.. في البدء أصابني الذعر ثم وجدت أنهم رفقاء طيبون لطيفو المعشر.. فقط لا تثر غضبهم.. كل واحد منهم له فتيل يجعله ينفجر، والذكاء هو أن تعرف كيف تتفادى هذا الفتيل»! - «يغادرون الأقفاص» ابتسم عم إسماعيل وجفف عرقه: - «أنت تصدق هذا التحول ثم تندهش لأن الأقفاص تنفتح ليلاً!… كأنك ترى رجلاً يطير فتندهش لأنه لا يصاب بالزكام!.. تستمر الليلة وعند الفجر يعودون للأقفاص التي تنغلق بذات القدرة التي فتحت بها، ويتم التحول».. - «رشدي رأىهذا كله؟» في حزم قال عم إسماعيل: - «أمرتك ألا تسأل.. طلبت منك أن تنسى. امض الليل معهم وتمتع بصحبتهم فقط» - «وبسيوني.. هل يعرف؟» قال إسماعيل في غموض:

عدد الصفحات ١٢٦

126 - «بصراحة لست واثقًا… لو كان يعرف فقد أخفى هذا ببراعة عني. لكن ما أعرفه عنه هو الحمق والاندفاع.. لا يقدر على حفظ سر أكثر من نصف ساعة. لو عرف لتكلم في كل مكان. على الأرجح لم يتم التحول في الليالي التي يسهر فيها».. قال نجاتي في عصبية: - «هناك شيء واحد.. أنا لن أمضي الليل هنا.. سوف أمضيه في الغرفة الضيقة. سأغلقها علي، فخذ الشيشة لو كنت تريد التدخين».. بطريقة من يعرف هذا كله من قبل، قال إسماعيل: - «لا بأس.. توقعت هذا.. سوف تحتاج لوقت طويل كي تفهم وتعتاد.. افعل ما شئت، ولكن لتعرف أن ما تراه هنا سيظل سراً .. قلت لك إن لهم فتيلاً فلا تدس عليه» لم يرد نجاتي.. مشى في الظلام مبتعدًا وهو يتحسس السور الحديدي المدبب. من بعيد يرى طاووسين يفردان ريشيهما في غزل ليلي مع الصوت المميز، ثم يرى ثعالب الفنك تتسلق السلك الشائك في أقفاصها، ويصدر الفيل صوتًا عميقًا مليئًا بالشجن.. كانت هذه غرفة الحراس بضوئها الخافت. دخلها وبحث حتى وجد الشيشة المفككة والفحم فأخرج هذه الأشياء للخارج، ثم أغلق الباب على نفسه والتف بالبطانية، وراح يرتجف.. كأنه محموم… مد يده يعبث في مفتاح جهاز الراديو، وسرعان ما سمع صوت الست يغني: - «أغدًا ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غدي»

عدد الصفحات ١٢٧

127 لو كان في ظروف أخرى لطرب وراح يهز رأسه منتشيًا، لكنه كان الذعر مجسدًا. الهاتف الخلوي معه، لكنه لا يجسر على أن يتصل بأحد، ولو اتصل فماذا يقول؟ وماذا لو عرفوا نواياه؟ هذه الرائحة!! الرائحة الحيوانية المميزة لأقفاص الضباع.. من أين تأتي؟ كان يعرف.. النافذة الصغيرة المدعمة بالقضبان الموجودة فوق رأسه، وتذكره جدًا بنوافذ السجون أو عربة الترحيلات. هذه النافذة مسدودة.. كتلة سواد تغلقها وتحجب السماء. يمكنه أن يسمع الزئير المكتوم ويرى لمعان العينين. هناك من يراقبه من الكوة ليرى ما يفعله وحده في الظلام. هناك يمكنه أن يرى عم إسماعيل جالسًا مع تلك الكائنات.. - «هل أنت مطمئن له؟» - «أنا أثق فيه كنفسي.. نجاتي ولد طيب» - «الأولاد الطيبون قد يتكلمون» - «أنا أعرف أنه خائف مذعور.. الخائفون مطيعون، والمذعورون لينو العريكة» - «إن كنت مخطئًا فهو الندم ثم العقاب.. أو هو العقاب فالندم» كان نجاتي يفكر في عمق.. ليس بوسعه أن يرفض أو يقبل هذا الوضع. لقد صار في اللعبة ولا يستطيع التملص. لكنه لا يريد.. لقد عرف سرًا لا يريد أن يعرفه، وتحمل بأمانة لا يريد حملها . من أين بدأت هذه اللعنة؟ الإجابة التي كان إسماعيل يراها بوضوح هو أن هناك فجوة شيطانية في هذه الحديقة. عملية الحفر التي استغرقت شهرًا جوار أقفاص الزراف ثم توقفت لأن هناك بئرًا حجرية غامضة . بعد

عدد الصفحات ١٢٨

128 تفكير قرر المهندسون أن يغيروا موضع الحفر، وأهالوا الحجارة على موضع البئر ونسوا كل شيء عنه. عم إسماعيل يعتقد أن الظاهرة بدأت بعد هذا.. الجان تحت الأرض قد استولوا على الحيوانات. نجاتي لا يعرف هذا بالطبع ولو عرفه لما صدقه. لا يهم.. هذا لن يغير الحقيقة.. لن يبقى هنا لحظة أخرى.. ربما لو ظل حتى الصباح ثم يكون أول شيء يفعله هو أن يستقيل. لكن النفور الذي ألم به جعله عاجزًا عن تحمل دقيقة أخرى .. النار.. لقد رأى كيف أن النار تخيف هذه الكائنات وتبعدها.. كانت هناك زجاجة كيروسين جوار الموقد. أخذها وأخذ البطانية والموقد نفسه وبحذر فتح الباب متوقعًا أن يجدهم جميعًا بالخارج. لكن لم يكن هناك أي منهم. سكب الكيروسين على العشب.. ثم سكب بعضه على البطانية، وأشعل السائل الملتهب… ثم قلب الموقد المشتعل.. في اللحظات التالية استطاع أن يصنع أكبر فوضى ممكنة.. صار هناك ستار من النار يفصله عن الوحوش، وهو يعرف أن سور الحديقة على بعد عشرين مترًا .. هناك فجوة مهدمة تسمح بالوثب للخارج.. قلبه يتواثب!.. توقف قليلا!… لا تفقد وعيك يا نجاتي! قلبه يتواثب.. يتواثب.. للحظة غامت الدنيا بسبب تسارع الضربات لكنه استعاد الوعي سريعًا وجرى نحو الفجوة… سمع الضوضاء من بعيد وسمع زئيرًا، لكنهم كانوا قد تأخروا جدًا ..

عدد الصفحات ١٢٩