المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ٧ من ٢٢

97 -«كلي يا نازدار» تقلصت أمعائي وتمسكت بطرف المنضدة حتى لا أفقد الوعي نازدار وليس منار.. أنا إذن أجلس على بعد مترين من بطلتي قصتي! هل يوجد تفسير؟ ببساطة لا يوجد تفسير.. كأنما لم يحدث شيء نهض الثلاثة وغادروا الكافتيريا، طبعًا بعد ما ألقوا قنبلة من علامات الاستفهام. لسبب ما أقابل أبطال قصصي في هذا المكان بالذات.. منذ أعوام قرأت (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) تحفة الإيطالي لويجي براندللو، لكنها تختلف كثيرًا عن الوضع الحالي. أنا أعيش في شبكة معقدة من المصادفات.. لا شك في هذا.. لكن … كم فتاة تعرفها اسمها (نازدار)؟ وكم (رافان)؟ هل هناك مصادفة كهذه؟ عدت أطالع النص، ثم قررت أن أترك هذه الأسئلة السخيفة وأن أعود لاستكمال ما بدأته. وجدت على مائدة مجاورة جريدة مطوية.. هذا مشهد غير معتاد لأن الناس لم تعد تقرأ الصحف كما تعلم. صارت الصحف الورقية شيئًا نادرًا مسليًا، وقد خطر لي أن أقلب صفحات الجريدة بحثًا عن إلهام أو شيء ممتع.. نهضت وأخذتها ثم عدت للمائدة، وجاء النادل فطلبت كوبًا من النعناع بالليمون (الموخيتو) .. ثم رحت أقلب الصفحات في تؤدة.. غريب هذا .. صفحة الحوادث فيها ثلاثة أخبار عن رضع أو أطفال ماتوا في ظروف غامضة. الأمر يحدث فعلاً.. لو أن طبيبًا نفسيًا سمع بهذه القصة، لقال إنني عرفت القصة كلها وقابلت هذه الوجوه من قبل، ثم إنها خرجتْ من عقلي الباطن عندما أردت كتابة قصة، مع لمسة من ظاهرة Jamais vu التي توحي لك

عدد الصفحات ٩٨

98 بأنك ترى للمرة الأولى أشياء رأيتها مرارًا من قبل. كثيرًا ما يكون الكاتب بريئًا من اتهامه بالسرقة الأدبية، وإنما هو يستخرج ذكريات نسي أنه يعرفها. فهل أنا عايشت هذه الأحداث كاملة قبل أن أكتبها؟ القصة جيدة.. قصة الشقيقات إمبوسي القادمات من العراق وعليهن الوفاء بعهد الدم، أو بمعنى أدق يتوهمن أنهن كذلك.. ثلاث فتيات جميلات.. ربما صرن اثنتين فقط.. علي أن أتجاهل هذه الظواهر الغريبة وأستكمل قصتي … المشكلة الأولى هي أن أجد مبررًا لقتل فيروز.. ما يحدث هنا هو تكرار لمشهد شهير في قصة برام ستوكر المخيفة: دراكيولا. أنت تعرف أن أبا الفتاة لوسي انتظر في المقابر ليلاً مع فان هلسنج. قرب الفجر استطاع أن يرى المشهد المخيف لفتاة تحمل طفلاً وقد تلوث فمها بالدم.. عندما دقق أكثر أدرك أنها لوسي ابنته. هكذا صدق. وعندما أغمضت عينيها كان على استعداد لأن يطيع فان هلسنج للنهاية.. يغرس الوتد في قلبها ثم يقطع الرأس ويحشو الفم بالثوم.. لقد راقب الفتى شادي فيروز جيدًا… لعله طلب منها أن تطلب رأي الطب النفسي، ولربما وعدته لكنها لم تفعل. لا أحد يذهب للطبيب النفسي ليقول له إنه يتمنى قتل طفل. زار معها أحد مستشفيات الأطفال حيث كان يطمئن على ابن واحد من أقاربه، وقد لاحظ نظراتها الزائغة.. ثم – دعنا نتخيل

عدد الصفحات ٩٩

99 ذلك– منعها من خنق طفل في دورة المياه.. منعها في آخر لحظة.. هكذا أدرك أن فيروز التي يهيم بها حبًا لعنة على نفسها وعلى البشرية كلها.. على الأرجح رافان ونازدار مثلها.. لكنه على الأقل قادر على الخلاص من فيروز كبداية .. وضع الخطة واختار مكانًا آمنًا يمكن أن يرتكب فيه جريمته.. أنا رأيت استعدادات الجريمة، والله وحده يعلم كيف حدث هذا… هكذا يمكن القول إننا بررنا الجريمة.. ليس السبب قويًا لهذا الحد ولا يتناسب مع بشاعة الجريمة، لكني لا أجد حلاً أفضل.. السؤال الآن هو رد فعل الشقيقتين.. ثم ماذا عن الشرطة؟ سوف تتكلم رافان وتحكي عن الفتى الذي يخرج مع فيروز ويهيم بها حبًا.. ماذا عن رد فعل الأب؟ ماذا ستفعل نازدار عندما تعرف؟ هذه أسئلة سيكون علي أن أجيب عنها.. *************** في اليوم التالي جلست في كافيه أرجوس كعادتي.. انتهيت من التهام غدائي والساعة الرابعة عصرًا. أشعلت لفافة تبغ وبدأت أضغط على أزرار اللاب توب، وفجأة شعرت بوجود شخص ما.. شخصين .. رفعت عيني فوجدت فتاتي أمس: رافان ونازدار.. إنهما تدخلان الكافتيريا .. تجلسان إلى ذات المنضدة. تنظران لي للحظة ثم تتجاهلانني. تجلسان وقد تقارب الرأسان وهما تتكلمان.. من

عدد الصفحات ١٠٠

100 الغريب أن الصوت مسموع لي. دنا النادل فتوقفتا عن الكلام وطلبت نازدار قدحين من الكابتشينو ثم عادت تتكلم مع أختها. سمعت رافان تقول: -ـ«كل علامات الاستفهام تحوم حول ذلك الفتى شادي. هو الذي يخرج معها وينفرد بها..» قالت نازدار في عصبية -ـ«حمقاء أنت !.. أشياء كهذه لا يمكن أن تداريها عني. كنتما تتآمران معًا وتعتقدان أنني مجنونة. أليس كذلك؟» لم ترد رافان .. ساد الصمت، ثم قالت -«المهم أن نعرف ماذا حدث.. أقترح أن نبلغ الشرطة ونتهمه بشكل مباشر» قالت نازدار وهي تشرب الكابتشينو -«كلام فارغ .. أنت تعرفين أننا لا يمكن أن ندخل الشرطة في حياتنا.. هذا غير وارد» -«والحل؟» -«الحل الوحيد هو أن نعذبه ونستخرج منه الحقيقة.. بعدها نمتص دمه ونلقي به في نهر دجلة» -«النيل .. تقصدين نهر النيل» كنت أسمع هذه الكلمات وأرتجف.. أنا قد جننت حتمًا. لا مجال للشك فيما يحدث. آرثر كونان دويل يسمع محادثة بين شيرلوك

عدد الصفحات ١٠١

101 هولمز وواطسون. طبعًا هذا مستحيل ومعناه ببساطة أنني جننت اخلق عوالم خيالية ثم أجد نفسي وسطها.. هل صارت رافان من الأخوات أمبوسي بدورها؟ كانت مستنكرة مندهشة في قصتي. حسب قصتي قد تغيرت فيروز فعلاً.. أجفلت عندما استدارت نازدار للخلف ونظرت نحوي. أقسم أن عينيها كانت تشعان نارًا.. ثم أنها مالت على رافان وهمست بصوت مسموع: -«هذا الجالس خلفنا ..الذي يجلس أمام لاب توب أقسم أنه سمع محادثتنا» ألقت رافان نظرة سريعة ثم قالت -ـ«لن يفهم شيئًا.. لا عليك» قالت نازدار وهي تنظر نحوي -ـ«بل هو يفهم ويتابع المحادثة.. عيناه تشيان بذلك. لاحظت أنه كان يتابعنا أمس باهتمام شديد.. أعتقد أنه شاهد خطرًا! أنا لا أهتم سوى بالأطفال، لكن قائمة من أريد الخلاص منهم بين الكبار تتمدد» كنت أرتجف خوفًا… لابد من تفسير واضح لهذا الذي يحدث..

عدد الصفحات ١٠٢

102 أنا لا أريد كتابة هذه القصة .. سأمزق الورق وأمحو الملف من ذاكرة الكمبيوتر. لكن هل يؤدي هذا لزوال هاتين الشيطانتين من عالمي؟ سأنقطع عن هذا الكافيه لفترة.. لربما أنسى تفاصيل هذه القصة… هكذا لم أتناول غدائي من المكرونة والدجاج كالعادة، وإنما عدت لشقتي الخالية. واسعة جدًا هذه الشقق، ولا تناسب الأشخاص الوحيدين.. عبير ليست هنا.. أم أنها ميادة هي التي ليست هنا؟ لابد أن موعد اليوم كان مع ميادة لكنها اعتذرت.. لا بأس. لا أملك المزاج الرائق للنساء بصراحة. بدلت ثيابي وأعددت لنفسي بعض الشاي المثلج بطعم التوت، ثم جلست في الصالة الواسعة وفتحت اللاب توب.. لست معتادًا بصراحة على الكتابة هنا. البيت للفتيات والعبث فقط، أما الكتابة فمكانها الوحيد هو الكافيه.. لكني مضطر لذلك. على قدر ما أفهمه فأنا قد أوجدت كابوسًا. كتبت قصة مسلية لكنها تتحقق بشكل مخيف. أمس كتبت خطابًا لجاري الطبيب النفسي مصطفى أحكي فيه كل شيء، على أنني أغلقته ووضعته في مغلف أكبر، ثم كتبت وريقة صغيرة أطلب منه ألا يفتح الخطاب إلا لو حدث لي شيء، شيء مثل ماذا؟ لا أدري لكن نظرة نازدار تلك جمدت الدم في عروقي.. لقد تجاوز الأمر حدود المنطق ليتلمس جوانب الخوارق.

عدد الصفحات ١٠٣

103 لقد حان الوقت لإنهاء هذه القصة بطريقة قاسية بعض الشيء. سأكتب ………….. 7 شادي نظرت لساعتي وقدرت أن الوقت قد حان. كانت السكين في جيبي، وزجاجة المنوم.. وكان قلبي يتواثب كالطبل من التوتر. لكني سأفعلها.. أعرف أنني سأفعلها. كمال صديق عمري وقريبي معي وهو يؤمن بما سأفعله ويثق في. كانت الساعة الثامنة مساء.. لا بأس.. هذا موعد مناسب للناس كي يفتحوا الأبواب مطمئنين للطارقين. ألقيت نظرة على الدرج القديم المتسخ.. لا يوجد شهود ولا توجد كاميرات. أنت تعرف أن كل مكان في العالم يعج بالكاميرات اليوم. دق الجرس فسمعت من يتحرك بالداخل… «من؟» صوت رجل… «أنا زميل فيروز» الكلمة السحرية.. الأسرة التي تفتش عن ابنتها.. سوف يفتحون الباب بالتأكيد..

عدد الصفحات ١٠٤

104 سمعت صوت المزلاج ينفتح ثم ظهر رجل مسن يلبس منامة وقد تدلت عويناته على أنفه، وهو حافي القدمين.. عيناه تتساءلان عن اسمينا وغرضنا من المجيء.. «ما الذي………؟» هنا كنت قد أزحت الباب بقوة، واندفعت للداخل، وقبل أن يفهم كنت قد وضعت قطعة القماش المبللة على أنفه وكتمت أنفاسي.. نم أيها الرجل الطيب.. نم.. لا أحد يريد منك شيئًا.. تكوم على الأرض ….. هنا اندفع كمال إلى داخل الشقة، وظهرت تلك الفتاة قادمة من الداخل. لعلها رافان أو نازدار لا أدري، قادمة من الداخل.. ارتجفت وأنا أرى تلك النظرة المخيفة في عينيها.. هذه ليست نظرة كائن بشري بل شيطان… قبل أن تفعل شيئًا هوى كمال على جذور عنقها بسيف يد فتكومت أرضًا… ثم سمعنا صوت الفحيح.. لقد كانت الأخت الثالثة قادمة. لابد أن هذه نازدار نفسها فهي أكثرهن قسوة وتوحشًا. كانت تنقض علي واللعاب يسيل من فمها.. الأخوات أمبوسي.. الآن فقط أعرف أن الأسطورة حقيقية.. لقد فعلنا الشيء الصحيح. كانت قادمة كالعقاب نحو كمال وظهرها لي، فجريت نحوها ووضعت نفس الخرقة المبللة على أنفها وأنا أكتم تنفسي.. لابد أن رائحة الكلوروفورم خانقة يمكن شمها من الشارع…

عدد الصفحات ١٠٥

105 قاومت قليلاً.. توقعت مقاومة شنيعة من أكبر الأخوات أمبوسي لكنها انهارت بسرعة وتهاوت كالكيس الفارغ على الأرض.. ثلاثة أجساد ممددة على الأرض.. خرجت لخارج الشقة وأخذت شهيقًا عميقًا لأن رأسي بدأ يدور، وكذا فعل كمال .. ثم أشرت له كي نكمل ما بدأناه .. سنحز عنق الفتاتين ونرحل.. بالتأكيد سوف يموت الأب بنوبة قلبية عندما يفيق ويدرك ما حدث لبناته الثلاث، لكننا لن نحمل دمه على أكفنا .. سوف تكون جريمة بشعة تتسابق الصحف على نشر تفاصيلها، لكنهم لن يعرفوا أنني قمت بأسمى عمل ممكن للبشرية.. قلت لكمال همسًا وأنا ألوح بالسكين: -«هيا ننته لا تلوث يدك بالــ..» 8 جودت كنت أكتب بسرعة جنونية .. وحدي في الشقة أمام شاشة اللاب توب وبقايا الكابوتشينو يتصاعد منها الدخان .. سوف يتم ذبح الأختين الآن ويفر شادي مع صاحبه، وقد قضيا على هذا الكابوس. لو كانت تصوراتي صحيحة وكنت أنا من يخلق هذه الكوابيس، فلسوف تموت الفتاتان فعلاً في عالم الواقع.. هناك من سيجد جثتيهما المذبوحتين غدًا وبعد أيام سيجدون فيروز..

عدد الصفحات ١٠٦

106 لا أجد حلاً آخر، فقد برهنت هذه القصة على أن خيالي حي أكثر من اللازم. ثمة شيء ما يتعلق بهذه اللعنة جعلها تتحقق على يدي.. لا أريد أن تطاردني شخصيات قصصي المخيفة. أشعلت لفافة تبغ، وطقطقت أصابعي ثم بدأت أصف مشهد شادي وهو يلف شعر نازدار المخدرة على كفه ويرفع السكين باليد الأخرى متأهبًا للـ .. ثمة شيء يتحرك في داخل الشقة .. من أين تأتي تيارات الهواء هذه؟ بسرعة.. لننه مشهد القتل، لا أعرف السبب لكني أشعر بأنني لست وحدي. صوت همسات في الغرفة الداخلية.. لو أردنا الدقة لقلنا إنه صوت امرأتين تتكلمان . إن أعصابي مرهقة. لا شك في هذا .. هل أسمع صوت خطوات من خلفي؟ بالتأكيد هي العصبية المعتادة.. إن مشهد القتل سوف يستغرق عدة أسطر .. بعدها أتحرر من الخوف .. فقط علي أن ……………………………………… علي أن …………………………………

عدد الصفحات ١٠٧

107 9 دكتور مصطفى جودت قد مات . مؤلف السينما متوسط النجاح الذي يعيش وحيدًا قد وجدوه ميتًا في شقته. جثة ممزقة بشناعة.. كان يكتب سيناريو فيلم جديد ولم يكمله. لن أندهش على كل حال، فهؤلاء القوم يعيشون حياة ماجنة صاخبة .. لا بد أن تكون نهايتهم دامية. من قتله ؟ لا أحد يعرف …. لن يجدوه أبدًا. كل هذه القصص تنتهي بشكل مماثل.. اسمي د. مصطفى الخراط.. أستاذ الطب النفسي بكلية طب (…)، وعيادتي قريبة جدًا من شقة هذا الجودت .. على أنني فتحت الخطاب الذي تركه لي لسبب مجهول، فوجدته يتكلم عن مواضيع عجيبة. لقد كان مجنونًا بشكل تام. تصور – الأحمق – أن خيالاته تخرج لعالم الواقع، وأن شخصيات قصته المرعبة تحيط به. لم يذكر أسماء في الخطاب لكنه تكلم عن ثلاثة شياطين جاءت من بلاد ما بين النهرين.. الخ .. إن هؤلاء المبدعين يعانون حالة متفاقمة من تداخل الواقع والخيال .. ذكرتني حالته بفتاة تتردد على عيادتي منذ فترة، وتقول إنها شيطانة مهمتها قتل الأطفال الرضع. اسمها غريب حقًا.. نازدار. أظن أنك لم تسمع هذا الاسم قط في حياتك. هي من أجمل من رأيت في حياتي بالمناسبة.

عدد الصفحات ١٠٨

108 أمس جاءتني هذه الفتاة، وقالت إنها لا تتحسن.. أحيانًا تشعر بأنها فكرة في خيال مؤلف مخبول .. ضحكت كثيرًا لهذا الفكرة، فسألتني في براءة: ـ«هل يمكن للشخصية القصصية أن تظل موجودة بعد رحيل مؤلفها؟ بل هل يمكن أن تقضي عليه لتعيش هي؟» بدا لي هذا كله سخيفًا وصارحتها برأيي… جميلة لكنها مخبولة تمامًا، ولا أعتقد أن لدي من الوسائل ما يشفيها … قلت لها: -ـ«الحياة خاضعة لقوانين فيزيائية صارمة هذه الأفكار البلهاء لا تتفق مع الواقع. دعكِ من أن حكاية الشياطين التي تلتهم الأطفال الرضع هي نفسها حكاية للأطفال.. ألا ترين هذا معي؟»

عدد الصفحات ١٠٩

109 رفقاء الليل 1 اسمه إسماعيل لو كانت هذه القصة بضمير المتكلم الأول، لبدا هذا كأنه أول سطر في رواية ملفيل «موبي ديك« :»سمّني إسماعيل»، لكنك بالطبع تعرف أن عم إسماعيل لا يملك القدرة على كتابة قصة، وهو يقرأ بصعوبة بالغة. يمكنك بسهولة أن ترسم صورة ذهنية لعم إسماعيل، فهو نحيل.. أشيب الشعر.. له عين واحدة مغطاة بسحابة رمادية أتلفت القرنية.. له شارب كث يليق بطبقته التي تعتبر الشارب من علامات الفحولة. له طابع ريفي واضح، وبوسعك في أي لحظة أن تجرده في ذهنك من بذلته الميري لتتصوره بالجلباب والبُلغة في قريته، جالسًا على المصطبة يشرب الشاي الثقيل. الحقيقة أن هذه حقيقته طيلة اليوم باستثناء ساعات العمل في الحديقة. هل تحتاج للمسة أخرى؟ بالطبع. لن تكتمل الصورة بصريًا من دون لفافة تبغ خلف الأذن. عم إسماعيل يقترب من سن التقاعد، وهو يتوق لذلك اليوم بعد عمر طويل حافل عانى فيه الكثير. لديه ابنتان تزوجت واحدة منهما، وعامة هو لا يحكي الكثير عن بيته. لا يحكي عن همومه ومشاكله.

عدد الصفحات ١١٠

110 يمكنك فقط أن تراه من حين لآخر جالسًا جوار قفص الضباع، يقرب فمه من السلك ويحكي.. يحكي عن كل شيء، لكنك لا تتبين ما يقوله. يذكرك هذا المشهد بحوذي تشيكوف الذي لم يجد من يحكي له عن تعاسته سوى الحصان. الحياة تمضي رتيبة بلا أحداث مملة هي حياة حارس قفص الضباع في حديقة الحيوان. هو كذلك يشرف على الطواويس وثعالب الفنك.. ومع الوقت يكتشف الحارس أن هذه الحيوانات أقرب له من زوجته وأهله جميعًا. يمكنه أن يرى نظرة معينة في عين الضبع الكبير فيعرف ما يمر به من مشاكل نفسية. لكن المشكلة هي أن دخله ليس مجزيًا. أفضل شيء يمكن عمله هو أن يضع قطعة لحم على عصا ويناولها للطفل الذي يمررها في حذر لأحد الضباع عبر السلك. ثم يناوله أبو الصبي ورقة من العملة، عاصرها إسماعيل منذ كانت نصف جنيه حتى صارت خمسة جنيهات، لكنها لن تتجاوز ذلك أبدًا. من الطريف أن تلاحظ التفاوت الطبقي بين حراس الحديقة. حارس الفيل أو الأسد بادي النعمة أنيق الثياب. فهو ينال مبالغ كبيرة من المتفرجين، وكل طفل في العالم لابد أن يناول الفيل موزة أو قطعة من البطاطا، ثم يؤدي له الفيل (سلام حمادة).. أما حراس الحيوانات الحقيرة أو غير الشعبية على غرار الضباع أو القنافذ وأبي شوك فهم سيئو التغذية رثو الثياب. لسوء الحظ لم يكن عم إسماعيل مسئولاً عن حيوانات ناجحة.. الحياة تمضي رتيبة بلا أحداث، إلى أن يأتي اليوم الذي تم تمزيق رشدي فيه..

عدد الصفحات ١١١

111 *********** رشدي مسئول عن أقفاص القردة، وهو شاب قوي البنيان من سوهاج جاء إلى الحديقة منذ شهر. لم يكن متزوجًا، وهو يقيم مع قريب له في الجيزة.. عامة هو شاب ظريف مقبل على الحياة، ويروق للفتيات كثيرًا . غراميات فظة لكنه مستمتع بها. بدأ يكسب جيدًا.. فالقردة من الحيوانات ذات الشعبية التي يدفع لها الناس الكثير، وعندما يجد أنك متحمس فعلاً فهو يقتادك إلى المدخل الخلفي للقفص – الجزء الذي أطلق عليه كواليس القفص – حيث يمكنك أن ترى الشمبانزي العملاق الذي يحمل ملامح بشرية إلى درجة مرعبة. عندها تخرج الورقة ذات الجنيهات العشرة.. كان رشدي قد بدأ يعتاد المكان. ثم يأتي هنا موضوع السهر الليلي. الحقيقة أن إدارة الحديقة قررت أن توزع نوبتجيات ليلية على الحراس بدلاً من استخدام خفراء. وبالطبع كانت هناك زيادة لا بأس بها في الراتب. إلا أن أحدًا لم يكن راغبًا في قضاء الليلة وحيدًا في هذه الحديقة المتسعة المظلمة لا يؤنسك سوى زئير الأسود. مهما كانت المكافأة فهي لا تكفي لتعويضك عن حرمانك من البيت والأسرة ودفء الفراش. والنتيجة هي أن كثيرين اعتذروا أو لفقوا تقارير مرضية تعفيهم من السهر، ولكن الوحيد الذي تحمس وعرض أن يأخذ أربع نوبتجيات كل أسبوع هو عم إسماعيل. كثير من الرجال يفضلون الانهماك بالعمل لأنه يعفيهم من كآبة وهموم البيت. هذه متلازمة شهيرة.. في النهاية لن

عدد الصفحات ١١٢

112 يوبخه أحد لأن عذره جاهز دائمًا: الرزق يحتاج إلى ما هو أكثر. هموم البيت ورعاية الأولاد ومدارسهم وأخلاقهم مسئولية الأم. لا تطلب شيئًا من الأب فليُعنْه الله.. هكذا اعتاد عم إسماعيل أن يمضي ليلته.. بالطبع كان يفتح غرفة الحراس التي فُرشت فيها بطانية على الأرض مع وسادة ومعدات الشاي. هناك جوزة أيضًا يبقيها مفككة في كيس ليجمعها ويشعلها عندما يحل الظلام. افتح المذياع على صوت أم كلثوم ولسوف تكتشف أن الحياة رائعة. جاء رشدي ليعرض على إسماعيل أن يتولى نوبتجيتين أسبوعيتين. واحدة يمضيها معه والأخرى يمضيها مع حارس آخر هو بسيوني. وافق إسماعيل، فلا شك أن وجود رفيق لليل الطويل أمر محبب. سارت الحياة على الوتيرة المعتادة لمدة أسبوعين، ثم استيقظت الحديقة على جثة ممزقة دامية غمر نصفها في بركة البط.. جثة رشدي طبعًا، وقد جاء رجال الشرطة وأجروا تحقيقًا. كان على رشدي أن يسهر تلك الليلة مع بسيوني، لكن هذا الأخير تغيب عن العمل، ولديه حجة غياب ممتازة.. لقد كان في المستشفى ومعه تقرير بذلك. المشكلة التي حيرت رجال الشرطة هي أن جثة رشدي ممزقة بشكل حيواني. لا يوجد قاتل يقتل بهذه الطريقة حتى لو أراد ذلك. جروح قطعية بأداة حادة أقرب إلى الأنياب والمخالب، وبعض العظام مجرد من اللحم تمامًا.. هناك أعضاء اختفت تمامًا..

عدد الصفحات ١١٣