129 السور.. يتسلقه.. يجلس على قمته، ويوشك على الوثب لكنه يسمع صوتًا يتوسل: - «نجاتي!.. عد يا بني!.. لا تثر غضبهم!.. إنهم»………………… كان هذا هو إسماعيل الذي وقف على الجانب الآخر مناللهب يحاول العبور ويصرخ.. لم يصدق نجاتي ما رآه.. لقد طار جابر الشبيه بالضبع مترين في الهواء، ثم هبط فوق عم إسماعيل.. ودوت صرخة هلع، ثم اختلط كل شيء، لأن جابرًا كان يلتهم شيئًا واقعًا هناك وسط العشب والظلام… كان يضحك ضحكة ضباع لا شك فيها.. ومن بعيد جاءت أسرة الزناتي تركض.. كان هذا كافيًا لنجاتي كي يثب من فوق السور إلى الشارع الخالي المظلم.. آي!.. هل تهشم كاحلي أم هو مجرد التواء؟ 5 محاسن كانت ترضع الطفلة، وهي جالسة مع زوجها عاطف. كان الوقت قد توغل جدًا حتى أنهما بالفعل قد صار (غدًا) ولم يعودا (أمس). لكنهما اعتادا هذا.. البقاء في المحل حتى هذه الساعة نوع لا بأس به من قضاء السهرة، وكان التلفزيون الصغير ذو العشرين بوصة يكفي لجعلهما يسافران مع عالم الصور الحالم. في الثالثة أو الرابعة صباحًا تضع الطفلة على كتفها وتركب السيارة (اللادا)
عدد الصفحات ١٣٠130 العتيقة جوار زوجها.. يعودان للبيت وينامان، وأنت تعرف أنهما لا يفتحان المحل قبل الواحدة بعد ظهر الغد. ليس محلاً بالضبط.. بل هو مكتب اتصالات. معظم نشاطه يتعلق بالشحن وتجارة الكروت. لكن هناك بعض أجهزة الجوال القديمة وبعض الكماليات على الجدران.. وبالطبع ليس لك أن تتوقع أي عملاء بعد الواحدة صباحًا.. عاطف كان يلتهم بعض الخصّ بصوت عال، وهو يتابع المسلسل.. عندما نظرت هي إلى الباب فرأت ذلك الرجل الأصلع يركض نحو المكان. إنه يعرج بلا شك.. إنه مذعور كأنه رأى الشيطان.. والأغرب هو أنه يلبس ثيابًا شبه رسمية (يونيفورم) لها ذلك اللون الخاكي الكئيب. شهقت فتوقف زوجها عن المضغ، وتلقائيًا مد يده إلى السكين التي قطع بها الخبز في العشاء ولوح بها منذرًا القادم الجديد، لكن القادم كان في حال سيئة.. ولم يبد حاملاً أي نوع من التهديد… - «إنهم خلفي»! - «من هم؟» لا تفسير.. ثم إنه اقتحم المكان، وهتف وهو يواصل العرج ويتوارى خلف الكاونتر: - «أغلق المحل.. بسرعة.. هناك ستار حديدي كما أرى»! - «ولكن».………… - «لا وقت للشرح»!
عدد الصفحات ١٣١131 لم يفهم عاطف، لكن رسالة الرعب وصلت على كل حال.. هرع بسرعة وتناول القضيب الحديدي وبدأ يسدل الستار وهم بالداخل. الزوجة راحت ترمق القادم وهي ترتجف.. ليس مخيفًا لكن خوفه هو المخيف. ماذا رأى هذا الرجل البالغ حتى يصرخ ويعوي ويبكي بهذه الطريقة؟ جلس عاطف على مقعد بلاستيكي وأخرج لفافة تبغ قدمها لنجاتي، وقال: - «هلا هدأت قليلاً؟.. ما الذي يطاردك؟» - «لا أعرف» هذه لحظة الخبال إذن.. جميل أن تقابل مجنونًا في الثالثة أو الرابعة صباحًا وأنت مع زوجتك وطفلك الرضيع. ثم…………………… الرائحة……………… البداية هي الرائحة الكريهة التي لا توصف… رائحة عطنة لم يشمها من قبل. ثم صوت الزئير المكتوم.. الزئير القادم من خارج المحل.. ثم بدأت الدقات على الستار الحديدي.. بكى نجاتي وغطى وجهه: - «ليرحمنا الله.. لقد تمكنوا من الهرب. كان عم إسماعيل يسيطر عليهم.. لقد جريت كثيرًا لكنهم اقتفوا أثر رائحتي .. شموها على بعد نصف كيلومتر. لكني أتوقع أنهم لا يعرفون كيفية فتح الستار» عم يتكلم بالضبط؟ ما الشيء الذي يضرب الستار الحديدي بلا توقف؟
عدد الصفحات ١٣٢132 لكنه كان يعرفيقينًا أن عليه ألا يفتح هذا الستار. لا يحب أبدًا أن يرى الشيء الذي يسبب هذا.. استمر التوتر للحظات ثم هدأت الأصوات وبدأت تبتعد.. الرائحة تقل بلا شك.. قال نجاتي منذرًا : - «لا تفتح الباب!.. لا أعتقد انهم ابتعدوا بهذه السرعة».. استمرت الجلسة المتوترة ساعة أخرى.. الكثير من التدخين حتى صاحت الزوجة مزمجرة: - «بالله عليك توقف!.. الصغير سيختنق!.. المكان مغلق» في حذر نهض عاطف وبدأ يرفع الستار ببطء وهو ينظر حوله. تسرب هواء الفجر البارد للمكان.. صوت أذان قادم من مسجد قريب في مكان ما. لا يوجد شيء.. قال لنجاتي وهو يلهث: - «سوف تهرع محاسن إلى السيارة، ثم تلحق أنت بها.. ثم سأغلق أنا المحل». - «لا وقت لذلك» - «لن أترك المحل مفتوحًا لأجده فارغًا في التاسعة صباحًا.. هناك لصوص لو كنت قد فهمت هذا» وسرعان ما هرعت الزوجة إلى السيارة اللادا… انتظر الرجلان ثم أشار عاطف لنجاتي كي يهرع وهو يتواثب على ساقه السليمة.. ثم أنزل الستار الحديدي ووضع الأقفال بسرعة البرق ولحق بالسيارة ليجلس خلف المقود.
عدد الصفحات ١٣٣133 برغم أن السيارة معتادة النعاس في هواء الصباح البارد، فإنها ارتفعت إلى المسئولية هذه المرة ودارت… وسرعان ما تراجع الزوج بالسيارة ليغير الاتجاه.. هنا انفتحت أبواب الجحيم.. لقد ظهر رفاق الليل من مكان ما.. كانوا يركضون نحو السيارة، ولم يحتج عاطف لأسئلة كثيرة.. لقد رأى القادمين فعرف أنه لا يجب أبدًا أن ينتظر قدومهم أو يقع في أيديهم. اندفعت السيارة بجنون تنهب الشارع.. ومن خلفها راحت ثلاثة من تلك الكائنات تركض.. كان فارق السرعة كبيرًا وسرعان ما تركت السيارة مطارديها خلفها، لكن ظل أحد المطاردين يجري بسرعة هائلة.. يجري كالسيارة أو أسرع… كان رشيقًا طويل العظام فارع القامة.. - «كيف يفعل هذا؟» قال نجاتي بصوت مبحوح: - «أعتقد أنه كان فهدًا»! نظر له عاطف في دهشة: - «هل أنت مخبول؟ عم تتكلم بالضبط؟» سرعة الوحش القادم مذهلة، وبدا واضحًا أنه سيلحق بالسيارة.. لكن فجأة بدأت خطواته تتراجع.. وبدأ يتعثر.. قد يكون الفهد والشيتا سريعين جدًا، لكن الآلة تتفوق عليهما في نقطة واحدة: القدرة على المثابرة.. العضلات تتعب وتغرق في حمض اللاكتيك فتضرب عن العمل.. هكذا اندفعت السيارة في شوارع المدينة الخالية بعد ما زال الخطر..
عدد الصفحات ١٣٤134 لم ينطق نجاتي ولم يعط أي تفسير.. ظل صامتًا بعض الوقت، ثم مال على عاطف الجالس خلف المقود وقال: - «أنزلني هنا وليرعك»! تساءل عاطف في حيرة: - «لم تفسر لي… من هؤلاء؟ ما هذا؟» وكما فعل عم إسماعيل من قبل، قال نجاتي لمنقذه وهو يفتح الباب ويترجل: - «لا تسأل عن أمور من الأفضل ألا تعرفها.. عد لبيتك وأغلقه عليك، ولو أردت نصحي لاقترحت ألا تذهب لمحل الهاتف لمدة يومين أو أكثر» وقبل أن يسأله عاطف سؤالاً آخر كان قد توارى في الغبشة المميزة للفجر.. *********** - «هي جنية»! كان هذا رأي خالد لكن أنيسًا لم ير هذا الرأي.. لا أحد يفكر بهذه البلاهة.. سيارة المراهقين العائدين في الفجر وقد أثقلت الأقراص المخدرة عقولهم. خالد خلف المقود، بينما أنيس جواره وفي المقعد الخلفي ياسر وأكرم. وفي الشارع الذي بدأ الفجر يزحف عليه كان المشهد الذي لا يصدق. فتاة رشيقة فارعة الطول.. واضح أن جمالها لا يوصف.. والغريب أنها تلتف ببعض الأسمال حول جسدها العاري كما هو واضح..
عدد الصفحات ١٣٥135 متسولة؟ هذه ليست ملامح متسولة.. هل تعرضت لتجربة قاسية؟ لا يبدو ذلك على ملامحها ولا مشيتها الواثقة الثابتة.. ربما هي هلوسة جماعية؟ اندفع خالد بالسيارة، وجعل سرعتها مماثلة لسرعة الفتاة التي تمشي على الإفريز ولا يبدو أنها تلاحظ أحدًا.. الأمر يحتاج لتفسير فعلاً . لا جدال في أن الفتاة بارعة الجمال.. وهذه ليست هلوسة.. قال خالد بلهجة تقريرية: - «جنية.. جنية تبحث عن شباب بلهاء مثلنا» أطلق ياسر سبة من المقعد الخلفي، وقال إنه لن يترك فرصة كهذه لمجرد أن خالدًا يخرف.. ثم أنزل زجاج السيارة وصاح ينادي الفتاة الغامضة التي تمشي جوارهم وفي نفس اتجاههم: - «هيه!.. هل تريدين توصيلة؟ نحن هنا كي نقدم الخدمات» توقفت ونظرت لهم.. هنا ترجل ياسر بسرعة من السيارة المتوقفة وقلبه يدق كالطبل، وفتح لها الباب الخلفي فانزلقت إلى الداخل دون أسئلة أو جدل. انسل يجلس جوارها بحيث صارت بينه وبين أكرم، وبينما السيارة تتحرك من جديد سألها عن اسمها فقالت في شرود: - «درية» لاحظ ركابالسيارة المنطلقون نحو ليلة حمراء أن رائحة الفتاة كريهة جدًا، كما لاحظوا أن شيئًا مقلقًا يحيط بها.. شيئًا لا تستطيع الإمساك به.. على العموم كانت هذه نهاية قصتهم..
عدد الصفحات ١٣٦136 6 من تقرير العقيد محمد السلاوي رئيس المباحث: الحقيقة أن تفسير ما وجدناه في تلك الليلة يستعصي على التفسير. وكان يمكن للأمر أن يكون أسهل لو كانت هناك كاميرات مراقبة، أو أن الحارس المدعو إسماعيل المنوفي لم يمت، أو أن المدعو نجاتي زكريا احتفظ بقواه العقلية. هذه هي المشكلة لا يوجد شهود. لا نعرف تفصيلاً ما حدث في تلك الليلة السوداء، لكن الأمر يذكرني تمامًا بمقتل حارس اسمه رشدي، وجدوه وقد غمر نصف جثته في بركة البط وسط الماء الآسن، وقد تمزق بشكل حيواني.. جروح قطعية بأداة حادة أقرب إلى الأنياب والمخالب، وبعض العظام مجرد من اللحم.. هناك أعضاء اختفت تمامًا. لم تتكشف أسرار القضية، وإن كانت الإجابة الوحيدة الممكنة هي أن إدارة الحديقة تتستر على فرار وحش كاسر، ولم يقدم لنا الحارس إسماعيل أي إجابات مفيدة. كان علينا أن ننتظر طويلاً حتى نجد إسماعيل نفسه ممزقًا جوار سور الحديقة، وقد أحاطت به أعشاب متفحمة. هناك من أشعل ستار نار في ذلك المكان ثم انطفأ.. وكان عنق الرجل ممزقًا كأن وحشًا أنشب أسنانه هناك. الجرد أظهر أشياء غريبة.. ثمة أقفاص كثيرة جدًا قد انفتحت. لا توجد حيوانات.. الكثير منها قد فر. الأغرب أنه لا توجد بلاغات عن مشاهدة حيوانات فارة في المنطقة.. لقد ضاعفنا الدوريات حول الحديقة وقمنا ببحث مستفيض لكن لا يوجد شيء. الحيوانات
عدد الصفحات ١٣٧137 المختفية تقدر باثني عشر حيوانًا؛ منها الأسود والضباع ووحيد القرن وأنثى شمبانزي وتمساح. هل تمت سرقة هذه الوحوش؟ مستحيل أن يتمكن نفس الشخص أو الجهة من عمل الشيء ذاته في ليلة واحدة. هل هربت؟ إذن كيف حدث هذا ومن فتح الأقفاص؟ ولماذا لا نجد أثرًا لأ ي منها؟ حقًا لا نجد الحيوانات لكن آثارها موجودة. مثلاً هناك سيارة كيا وجدناها مقلوبة وقد اصطدمت بجزيرة الطريق، وكانت في حال سيئة فعلاً لكنها لا تفسر وجود أربع جثث بالداخل.. ياسر وأكرم وأنيس وخالد أربعة من طلاب إحدى الكليات الخاصة، وجدنا جثثهم الممزقة في السيارة. لقد تم انتزاع أحشائهم بعناية وكفاءة.. ويبدو أن الذعر جعلهم يفقدون التحكم في السيارة فارتطمت بالجزيرة. لم يكن الحادث سبب الوفاة، لكنهم بالتأكيد عانوا كثيرًا وهم عاجزون عن الحركة بينما الوحش يلتهمهم واحدًا واحدًا.. عند شارع المغربي قرب الناصية وجدنا جثة رجل شرطة ممزقة تمامًا وقد اختفى نصفها. واضح أنه كان متجهًا لتسلم ورديته عندما هوجم.. ما الذي هاجمه؟ لا نعرف حقًا، لكن المنظر يذكرك بمشاهد الذين التهمتهم الأسود التي تراها في يوتيوب لو كانت أعصابك قوية. كان هناك خيط واحد يمكن أن نمسك به: الحارس نجاتي الذي بدأ الأمسية ثم اختفى. لابد أنه يعرف ما حدث فعلاً . لم نجده في مسكنه وعرفنا أنه عاد مع أسرته لقريته المجاورة لكفر الشيخ. عندما ذهبت قوة من الشرطة لاستجوابه قابلتنا زوجته – وهي ابنة عمه كذلك – تصرخ دامعة العينين تطالبنا بأن نتركه وشأنه:
عدد الصفحات ١٣٨138 - «الرجل قد جن. لقد خرب بيتنا» وعندما دخلنا رأينا الرجل مذعورًا جدًا . كان يلبس الجلباب البلدي ويقف عاري الرأس فوق حشية الفراش وهو يولول كالنساء. وقد راح يحاول أن يلتصق بالجدار في ركن الفراش البعيد ليفر منا، وهو يردد بلا توقف: - «عم إسماعيل..! لقد تسببت في موته»! في النهايةاستطعنا أن نجلسه وقدمنا له لفافة تبغ، ووعدناه بألا نؤذيه لا هو ولا أسرته، فقال دامع العينين: - «لقد انتقموا منه لأنني لم أذعن.. لو أنني لم أفقد أعصابي.. لو ظللت متماسكًا حتى الصباح لتركوه حيًا.. لربما مت أنا مثل رشدي.. لكنهم عرفوا أنهم لن يلحقوا بي فقرروا الانتقام من عم إسماعيل» كان هذا هو الجنون مقطرًا مركزًا .. وقد طلبنا نقله لمستشفى أبي عيطة للصحة النفسية في دسوق، وبدا لنا أنه من المستحيل استخلاص شيء من كلامه.. كان يخطرف وليس لديه ما يقال عن اختفاء الحيوانات سوى أنها هربت. من الذي فتح الأقفاص كلها؟ لا يوجد متهمون كثيرون. أنت يا نجاتي أو إسماعيل يرحمه الله. وبما أنك في حالة لا تسمح بالاستجواب، فهو مستشفى الصحة النفسية إلى أن يقرر الطبيب أن بوسعنا استجوابك. تابع تقرير العقيد محمد السلاوي رئيس المباحث: يجب أن أضيف هذا الملحق لأؤكد أننا وجدنا الحيوانات المختفية مؤخرًا . القصة غريبة بعض الشيء ويصعب تصديقها، لكن الجرد حسب جداول الحديقة كامل. كلها ميتة.. الأسود والضباع والذئاب والفهود ووحيد القرن.. كلها وجدت في مواضع عدة من المدينة.
عدد الصفحات ١٣٩139 يقول لي أحد الشهود إنه وجد رجلاً فارع الطول يرتدي أسمالاً بالية، وكان يمشي وحيدً ا في أحد الأزقة. ثم سقط على ركبته وراح يبكي. كان يعاني ألمًا رهيبًا لكن ما سببه وما مكانه؟ هرع إليه وربت على ظهره. هنا تدخل القصة إطار اللامعقول. يقسم الشاهد على أن الرجل سقط على الأرض وأسلم الروح، ثم بدأ أمام عينيه يتحول إلى فهد. فهد ناضج كامل النمو. الشاهد بالطبع افترض أن هذا نمر لكننا وجدنا جثة فهد حينما ذهبنا هناك. هناك ثلاثة أسود وجدوها ميتة قرب مدرسة أطفال، وهناك ع امل يقسم على أنهم كانوا ثلاثة رجال خشني المنظر ثم سقطوا على الأرض يتألمون.. وعندما دنا منهم وجد أنهم أسود ميتة. - «إنهم بسم الله الرحمنالرحيم.. هذا شغل جان» القصة محيرة وغريبة. هناك أنثى فهد وجدها شاب في فراشه وهو يقسم على أنه لا يعرف كيف جاءت.. شاب عزب هو سيئ السير والسلوك، لكن لا أتخيل أنه يضاجع الفهود. مشاجرة عنيفة نشبت بين بعض الحمالين ورجل ضخم شديد الفظاظة قرب موقف الميكروباص، ثم سقط الرجل على الأرض. والحمالون يقسمون على أنه مات.. ثم بدأ يتحول إلى وحيد قرن!! كل هذا الكلام الفارغ يؤسفني أن أكتبه في تقريري لكني مضطر لذكره، وعلى كل حال قد طلب السيد مدير الأمن أن نلتزم الصمت تمامًا وألا يتم نشر أي شيء عن هذه الواقعة. لا يوجد سوى هراء فما جدوى نشر الهراء سوى البلبلة؟ لن نسمح بأن يبدأ السيرك الإعلامي المعتاد في كل مرة. لا توجد حيوانات هاربة الآن.. سنعتبر أن المراهقين هلكوا في حادث السيارة، وأن ضبعًا هاربًا مزق الحارس إسماعيل .
عدد الصفحات ١٤٠140 لقد حان الوقت لنغلق هذه القضية……………. *********** داروس إي بتراناخاك. فلتتبارك.. لقد عاد الهدوء للحديقة.. أغادر البئر التي آوي لها أنا (ناخاك) الأعظم. لقد مرت أعوام منذ تحررت من سجني عندما أزال المهندسون من الفانين تلك الأحجار التي تسد عالم الظلام الجحيمي الذي لا أعرف لي سواه مهدًا ولا بيتًا ولا قبرًا . وعندما يزحف الظلام ليتوغل بين فروع الأشجار وحشاشات العشب وتسمع صوت خطواته المكتومة فوق الكلأ النادي، فالحين حين خروجي. إنه نداء الديجور. كعادتهم يخطئ البشر الفانون عندما يحفرون بلا روية ولا تأن ولا حكمة، غير عالمين أنهم يزيلون الغطاء عن فتحات ما كان لها أن تُفتح، وككل الأبواب الجحيمية هي عسيرة الفتح من الجانب الجحيمي، هينة الفتح من جانب البشر. كانت الحديقة المظلمة التي تفوح فيها روائح الحيوان والكواسر وترتج بصيحاتها وزئيرها، هي المكان الأمثل لعودة ناخاك. ناخاك الأعظم قد منح الوحوش القدرة على أن تكون بشرًا .. ناخاك الأعظم قد فتح الأقفاص لتخرج هذه الأرواح الظامئة للحرية. ولساعات طويلة نعمت الكواسر بالحرية وبالقدرة على الاختيار، وامتلكت عقولاً دانية من عقول البشر. وعرفت كي تحفظ سرها وتغتال من يأبى أن يحفظه. لكنها قارفت غلطة شنعاء عندما فرت من محبسها، وراودها الطمع في حياة مستقلة حرة، وما لم تدركه تلك الوحوش هو أن
عدد الصفحات ١٤١141 ابتعادها عن ناخاك الأعظم هو ابتعاد عن ينبوع الطاقة الذي يمنحها الحياة. صحيح أنها احتفظت بصورتها الجديدة لكنها ما كانت لتظل كذلك. لقد هلكتْ جميعًا .. وعندما هلكتْ فإنها استعادت مظهرها السابق وزالت نفحة بشريتها.. ناخاك ما زال هنا، ولديه السرمدية زاد لا ينفد. ناخاك الأعظم سيجرب الكثير من ألعاب الشر لأنها تمنحه سرورًا شيطانيًا لا يقدر عقل فان على استيعابه. فقط عندما يعود للحديقة هدوؤها مع الهزيع الأول من الليل، ينهض ناخاك من جديد ويفتح بابًا آخر من أبواب الرعب. فلننتظر ولنر. تمت
عدد الصفحات ١٤٢142 نقوش 1 قال البروفسور ماساتو ساكاي بإنجليزيته التي هي أقرب لليابانية: -ـ«نحن نقترب من الحل.. المشكلة ليست بهذا التعقيد» لم يعلق واحد من الفريق. فالمشكلة كانت فعلاً بهذا التعقيد، بل أكثر بمراحل. *********** الدوامة التي دخلها عماد كانت أكبر من قدرته على الفهم .. أكبر من تحمل جهازه العصبي… أكبر من قدرات جهازه التنفسي. لم يتساءل من قبل عن شعور مسمار المثقاب وهو يخترق الخشب، لكنه يدركه الآن. رأى ذات مرة فيلمًا عن ظروف تدريب رواد الفضاء على تحمل الطرد المركزي، ورأى كيف يغيبون عن الوعي ويتدلى لحم وجوههم ويسيل لعابهم. تذكر هذا الفيلم في تلك اللحظات. ترى هل لعابي يسيل؟. قال لنفسه: -ــ«أنا أموت.. إن هي إلا لحظات وتمر بسرعة، ثم أفيق في الجانب الآخر» لكن المشكلة هي أن اللحظات لا تنتهي. يبدو كأن الأمر أبدي بلا نهاية.
عدد الصفحات ١٤٣143 ثم جاء الظلام الرائع.. الظلام المحبب .. فقدان الوعي الرحيم. لابد أنها أسعد لحظة يعيشها من تلتهمه النيران أو هو بين أنياب أسد. ثم بدأ يرى ضوءًا في نهاية النفق .. هل هذا نفق؟. ذكريات ضبابية عن انطلاقه بالطائرة .. القاعدة الجوية المصرية في ظلام الليل والإشارات .. الفضاء.. والأرض تتحول لصفحة سوداء كبيرة .. ماذا حدث بالضبط؟ عاصفة رعدية .. غمامة سوداء ينبعث منها الشرر كأنها وحش إغريقي غاضب. برج المراقبة قال له إن هناك عاصفة رعدية تقترب، وصدر له الأمر بالعودة .. لكن الكلام سهل. لقد دار دورة سريعة في الفضاء ثم هبط بشكل عمودي، وهو ينوي أن يعود أدراجه إلى القاعدة الجوية، لكن لسان برق عملاقًا خرج من مركز الغمامة ولطم الطائرة. بعدها بدأ الكابوس. كان ينجذب إلى داخل العاصفة، وداهمه شعور عارم بأن هذا لسان وحش يلتقمه كذبابة. حرباء كونية ظفرت به ولن يستطيع الخلاص من صمغها اللاصق. صرخ في مكبر الصوت: -ـ«الله أكبر!… إنني أموت»!!
عدد الصفحات ١٤٤144 الأمر سهل ولا يحتاج لتفكير طويل.. سوف يدخل الدوامة فتتحطم الطائرة أو تصعقه الكهرباء، أو تتعطل الطائرة فتهوي إلى الأرض من ارتفاع خمسة كيلومترات… في كل الأحوال هو الموت ولا شيء سواه .. على التابلوه رأى الصورة الصغيرة لمها مع أشرف … هما الآن نائمان على الأرجح، يحلمان أحلامًا سعيدة، ولا يعرفان أن العمل جارٍ على قدم وساق لتحويلهما إلى أرملة وطفل يتيم .. هذا بالطبع لو لم تكن القدرات الخارقة شيئًا حقيقيًا، فتكون مها ترى هذه المشاهد معه الآن وتتقلب في الفراش غارقة في العرق .. لسان برق آخر يضرب الطائرة .. ثم دخل الدوامة المخيفة .. *********** الحياة في (زور) لم تكن كئيبة. في كل يوم هناك شيء جديد تتعلمه أو تعرفه. هناك (ألتيما) العظيم الذي يعرف كل شيء تقريبًا ويمكنك أن تتصل به بسهولة
عدد الصفحات ١٤٥