المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ٦ من ٢٢

81 واحدة من الفتيات المزعجات إياهن اللاتي يلتقطن لأنفسهن صورًا بفم البطة طيلة اليوم. كانت تقف هناك وتضع يدها على فمها منادية: -ـ«بنت يا فيروز»! ثم أدركت أنها تنادي الفتاة الجالسة التي تعطيني ظهرها. التفتت هذه محرجة وقد بدا واضحًا أنها تكرهها .. أسوأ وقت تناديها فيه إحداهن هي هذه اللحظات. لكن الثانية الحمقاء مصرة على عمل فضيحة وإلا عملت فضيحة أسوأ.. نهضتْ الفتاة الخجول في تردد وضيق، بينما هرعت الفتاة المزعجة إياها تدنو منها فتعانقها .. -ـ«أيتها الكلبة القذرة»! لسبب ما تستعمل الفتيات هذه الشتائم عندما يعبرن عن حبهن لصديقاتهن، وقد تبادلت الفتاتان القبلات ثم صافحت الحمقاء الشاب ذا الشعر المعقوص في فضول كأنه حيوان غريب، ووقفوا يتبادلون كلمات سريعة .. اسمع بعض مقاطع الكلام: -ـ«إذن أنت شادي !.. حكى لي مصطفى عنك .. مكتبة وسط البلد.. الخ» والفتى يهز رأسه في أدب .. كله تململ ورغبة في انتهاء المحادثة.. غريب أن يجتمع هذان الاسمان معًا .. شادي وفيروز .. المشهد الافتتاحي الذي بدأته كان هذان بطليه ..

عدد الصفحات ٨٢

82 أعتقد أنني فكرت في الاسمين بسبب أغنية فيروز (أنا وشادي)، وهو نوع مألوف من تداعي المعاني، لكن لماذا يجتمعان في عالم الواقع؟ ثم رحت أنظر لوجه فيروز في اهتمام.. ألم تكن هذه هي الملامح التي زارت خيالي وأنا أكتب المشهد؟.. وماذا عن لون العينين؟ اللون المراوغ الذي يعجز الجميع عن وصفه.. ألوان الخليج المسحور .. ألم أقل هذا أمس؟ عندما انصرفت الفتاة المزعجة كنت قد فتحت اللاب توب ورحت أتفقد ما كتبت .. حاليًا لم يعد لدي شك. أني رأيت هذين من قبل وسمعت اسميهما، لكني لم أعرف ذلك. ترسبا في العقل الباطن ليخرجا عندما فكرت في شابين متحابين لقصتي .. كانا الآن يجلسان في وضع ممتاز بالنسبة لي. أراهما ولا يريانني.. هما ينظران للجدار وكوبي العصير في الواقع، بينما أنا املك نظرة شاملة. همس الفتى في أذن الفتاة بكلمات فضحكتْ، وقالت بصوت استطعت أن أسمعه: -ـ«اختشي» اقتراحه وقح طبعًا ..لكن لهجتها تشي بأنها لا تريد منه أن يختشي جدًا ..في النهاية مات أولئك الذين اختشوا. رأيتها تنهض وتسوي ثيابها ثم تنطلق باتجاه الحمام.. رحت أرقب الفتى حيث جلس. نظر حوله مرتين، ثم استدار نحوي بالضبط في اللحظة التي دفنت فيها وجهي في اللاب توب. ثم رأيته من الظهر يتحسس منشفة صغيرة فيفتحها.. رأيت طرف

عدد الصفحات ٨٣

83 سكين عملاقة لربع ثانية، ثم أنه لف المنشفة من جديد، ورأيته يدس المنشفة في جيب السويتر المعلق على ظهر المقعد خلفه.. تعود فيروز وهي تجفف يديها، ثم تحمل حقيبتها وتدعوه للرحيل .. يضع بعض أوراق العملة في الحافظة على المنضدة، ثم ينصرفان .. ما معنى هذا؟ أشعر بغباء شديد .. وفي الآن ذاته أنا عاجز عن فعل شيء… هذا موقف غير معتاد، ولا أجد في جعبة خبراتي ما يسمح لي بالعثور على رد. ليس الجواب هو أن أصيح في الفتاة: «يا آنسة .. أنت بطلة سيناريو أقوم بكتابته، وفيه يقوم هذا الفتى بذبحك .. أرجو أن تأخذي حذرك!» لا أجد طريقة أفضل ولا أقصر من هذه لقضاء باقي الليلة في القميص غير ذي الكمين.. ثم ما هي مبرراتك؟ تشابه الأسماء وكون الفتى يحمل سكينً؟ من حق كل إنسان أن يحمل سكينًا لو كنا نتحدث عن عالم ديمقراطي .. رحت أرقبهما يرحلان شاعرًا بالعجز والفشل .. الحقيقة أن الموقف قد أعطاني بصيصًا يمكن أن أفسر به الجزء الذي كتبته من قصتي..

عدد الصفحات ٨٤

84 3 رافــان سامية كانت مرهقة جدًا عندما زرناها في البيت. هناك كانت جالسة في الفراش وقد أسندوا ظهرها بالوسائد، ملكة متوجة على عرش الأمومة، على وجهها ذلك الشحوب الراضي المميز لأنثى تحققت أنوثتها، وكانت تفوح من أنفاسها رائحة الحلبة، بينما أم رءوم مسنة تعنى بها كطفل .. الرضيع جوارها على الفراش وهو يقرقر .. بينما تضع فيروز مظروف (النقوط) على الوسادة جواره.. فتضحك سامية في امتنان شاكرة .. تعبت نفسك … سألتها نازدار أختي وهي تشرب الشاي: -ـ«هل قررت تسميته؟» قالت سامية وهي تمد إصبعها ليطبق عليه الرضيع بقبضته -ـ«ما زال الوقت مبكرًا .. ربما أطلق نا عليه اسم (عباس) مثل والد محمود!» تبادلنا النظرات الساخرة وقلصت نازدار أنفها مستنكرة .. ربما هو اسم مناسب لرجل ضخم بشارب، لكنه بالتأكيد لا يناسب هذا الرضيع الجميل .. ليس ذنبه أن يصير اسمه عباس.. فيروز أختي ظلت صامتة ..

عدد الصفحات ٨٥

85 أنا أعرف أسرار فيروز .. هي تحب أن تخبرني بأسرارها وتضن بها على نازدار.. نازدار صارمة قاسية نوعًا ولا تفهم دلع البنات، دعك من اضطراب نفسيتها .. أعرف جيدًا أن فيروز بعد خروجها من هنا ستذهب للقاء شادي… قصة الحب التي دامت عامين .. لم أحب قط منظر شادي لأنني لا أميل لرجل ملتحٍ يعقص شعره خلف رأسه، وأفضل المنظر الكلاسي للرجال، لكن هذا شأنها على كل حال .. لم يطلب مني أحد أن أحبه، لكن الوقت قد حان كي يقابل أبانا .. أبانا المسن الذي أثقلت مسئوليات ثلاث فتيات ظهره .. هنا لا أخفيك سرًا فأنت صرت من الأسرة .. نازدار غير مستقرة نفسيًا، وقد أرغمناها على تلقي العلاج .. لكن لا أحسبها تتحسن. هذه مشكلة أخرى تثقل كاهل أبي. قال لي في تلك الليلة وهو يدفن رأسه في كتاب: -ـ«نازدار تعاني بلا شك مشكلة الحرمان من الأم .. لم تر أمها منذ كانت في السادسة .. لا شك أن لهذا آثاره» قلت له في غيظ -ـ«ونحن؟ ألم نحرم من أمنا مثلها؟» -ـ«كنتما أنت وفيروز أصغر سنًا .. هناك سوابق كثيرة لأطفال حرموا من أمهاتهم في سن مبكرة جدًا قبل أن يفهموا معنى الموت أو الطلاق. بالنسبة للطفل سيتحول هذا إلى (عدم وجود) للأم فحسب .. ويتأقلم مع أي أنثى أخرى. واضح أن نازدار لم تتأقلم»

عدد الصفحات ٨٦

86 أمي عراقية .. لا شك أنك استنتجت هذا من أسمائنا غير المألوفة في مصر، لكننا مع الوقت صرنا موضة وصارت سيدات كثيرات يستعملن نفس الأسماء، وبالطبع كلما سألت سيدة منهن عن معنى الاسم قالت إنه (زهرة) بالفارسية أو (نهر في الجنة). نهضت سامية متأهبة كي تذهب إلى الحمام، فتعاونت الأم مع فيروز على مساعدتها على النهوض. مترنحة وضعت قدميها اللتين ما زالتا متورمتين على الأرض، وراحت تنقلهما في وهن مستندة على المرأتين. لحقت بها لأساعدها .. خرجت معها إلى الصالة وهي تئن وتمشي ببطء. وفتحنا لها باب الحمام لتفرغ مثانتها. هنا تذكرتُ ……. هرعت إلى غرفة النوم في الوقت المناسب لأرى المشهد الذي كنت أتوقعه. لقد نسينا نازدار وحدها في الغرفة، وكانت تقف هناك منحنية على الفراش ممسكة بوسادة ثقيلة، وبدا واضحًا أنها ستهوي بها على وجه الطفل الرضيع ليختنق بعد ثانية واحدة .. مفاجأة غير سارة كانت ستقابل سامية لدى العودة لغرفة النوم .. انتزعت الوسادة من نازدار فنظرت لي بعينين جميلتين متوحشتين.. نازدار رائعة الجمال كما تعرف .. قالت لي وهي ترتجف وتترك الوسادة دون مقاومة تذكر: -ـ«دعيني .. رافان» أمسكت بمعصمها وأرغمتها على الجلوس. جلست كأنها دمية بلا إرادة فقلت لها همسًا: -ـ«لن تستطيعي أن تهربي من جريمتك»

عدد الصفحات ٨٧

87 قالت وهي ترتجف -ـ«لا أبالي!.. هذا أقوى مني .. تعرفين» أعرف .. أعرف أن هذا الهاجس صار يطاردها. ربما هي لم تحققه، لكني أعرف يقينًا أنها ستفعل. ستنجح يومًا ما .. ستخنق طفلاً رضيعًا ولربما امتصت دمه. هذا الهاجس النفسي يؤرقها ويجعل حياتنا جحيمًا لأن عليّ أن أراقبها طيلة الوقت، وعندما وضعت سامية قريبتنا طفلها كان علي ألا أحضر نازدار بتاتًا.. لكن اختفاءها كان ليثير الريبة.. سمعت صوت الأم العائدة لفراشها، فساد الصمت .. نظرت إلى نازدار فوجدت وجهها استعاد قناعه المرح الذي اكتسى به من قبل .. *************** لابد أن هذا كان منذ شهرين قبل الولادة.. في تلك الليلة نام أبي، وفي منتصف الليل سمعت نازدار تتنحنح .. تنهض من الفراش فتهز فيروز لتوقظها .. ثم تهزني لتوقظني، وكنت متيقظة فعلاً.. كان ضوء (السهرية) خافتًا، ينعكس في عينيها الجميلتين وهي تقول لنا كلامًا كثيرًا غريبًا .. النداء الذي أشعر به .. النداء الذي ستشعران به بعد قليل، والبذرة التي بذرتها فينا أمنا .. ثم همستْ بصوت كالفحيح:

عدد الصفحات ٨٨

88 -ـ«نحن الشقيقات إمبوسي… مورموليسيا …! هل تفهمن هذا؟» تبادلت وفيروز نظرات الذعر .. البائسة جُنّت تمامًا قالت نازدار في ثبات: -ـ«ألا تفهمان بعد؟ نحن جئنا من أرض بين النهرين، حيث سادت أساطير عشتار وليليث .. أمنا لها اسم لا يثير الشكوك لكنها في الحقيقة تدعى لاماتسو .. لقد انتقل الإرث لنا نحن الأخوات إمبوسي .. نحن الذئبات المفترسة!…. في الماضي كنا نقتل الحوامل أو نخنق الأطفال الرضع ونمتص دمهم .. » صرخت فيروز في توحش -ـ«هلا كففت عن هذا؟ أنت مجنونة!!» وقلت أنا في ذهول -ـ«إن الطبيب النفسي الذي يعالجك فاشل تمامًا» -ـ«لأن ما أنا فيه ليس مرضًا .. إنه ميراث الأجيال لابد أن جدتي كانت تعابث جلجاميش وتتحدى عشتار هناك في بابل .. أبونا تزوج أمي ثم أصابه الذعر عندما عرف طباعها فطلقها، وعاد ببناته الثلاث لمصر .. لم يعرف الحقيقة ».. صرخت فيروز من جديد -ـ«اخرسي يا سافلة .. أنت تثيرين رعبي» ضحكت ضحكة خافتة مخيفة، ودون أن تقول كلمة اخرى التفت بملاءتها وأدارت لنا ظهرها وغرقت في النوم ..

عدد الصفحات ٨٩

89 لكنها كانت قد ألقت بذرة الرعب في نفوسنا .. لسبب ما شعرت وشعرت فيروز أنها ليست مجنونة تمامًا .. نحن لا نعرف شيئًا عن أمنا .. فماذا يعرف أبي؟ لماذا طلق أمي؟ ولماذا لم تحاول الاتصال بنا منذ الطلاق؟ لكننا عرفنا على الأقل أن نازدار خطرة .. من المخيف أن تتركها مع أي طفل رضيع. هناك لحظة دائمة تدرك فيها أنها توشك على خنقه أو قتله وننقذ الموقف بصعوبة. هي مجنونة ولسوف ترتكب جريمة كارثية. الأسوأ أنني عرفت أنها بحثت عن وظيفة .. وقد بارك أبي هذا طبعًا خاصة انني وفيروز ما زلنا ندرس. كانت خريجة لكلية الآداب، ثم عرفنا أنها وجدت عملاً .. أين؟… في إحدى دور رعاية الأطفال!!.. لا أعتقد انها ستقابل الكثيرين من الرضع، لكن هب أن هذا حدث؟. ازداد الأمر سوءًا عندما سمعنا بعد شهر عن وفاة غامضة لطفلين في تلك الدار. الصحف كتبت عن هذا وتحدث أطباء كثيرون عن SID وهو موت الرضع المفاجئ الذي ينجم عن وضع الطفل الرضيع في وضع غير مريح حراريًا.. كابوس العالم الغربي. لكننا لم نرتح كثيرًا لهذا التفسير .. هل هو تأثير بنات لاماتسو؟ في جميع الأحوال نحن في مأزق خطير .. لا يمكن أن أخبر أبي بمخاوفنا، وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أتكلم عما قالته نازدار في تلك الليلة السوداء. الحل الوحيد هو أن أنتظر ..

عدد الصفحات ٩٠

90 4 جودت هكذا بدأ الإلهام يولد. كنت أجلس هنالك في الكافتيريا أدخن في نهم، ولا تتوقف أناملي عن قرع مفاتيح اللاب توب. هناك طريقة سرد مشهورة، تبدأ بالذروة ثم نتراجع للخلف في فلاش باك؛ لنفهم كيف حدث هذا. يطلقون على هذه الطريقة: In medias res كأن ترى مشهد قتل اللص في بداية الفيلم، ثم تبدأ التترات ونعرف مع تطور الأحداث كيف قام بجريمته، حتى نصل لمشهد القتل الذي بدأنا به. وهكذا قمت أنا بمعالجة مشهد مقتل فيروز الذي بدأت به القصة، فصارت للقصة خلفية وأبعاد. الشقيقات إمبوسي القادمات من العراق وعليهن الوفاء بعهد الدم. ويمكنني بالطبع أن أعرف أن نازدار مجنونة تمامًا.. لا أحد يصدق القصص المماثلة عن ليليث وجاجاميش.. لكن هذا الجنون سوف يدفعها دفعًا إلى أن تكون قاتلة.. ماذا سيحدث بعد هذا؟ رحت أتأمل سحب الدخان، ثم ألقيت نظرة إلى الفتاتين الجالستين عن قريب.. كانتا جميلتين بشكل واضح، وقد تدفقت الهرمونات في دمي بشكل عابر لبضع دقائق.. واحدة منهما قوية الشخصية حادة التقاطيع، أما الأخرى فدمية رخوة ساذجة..

عدد الصفحات ٩١

91 كانتا تتلفتان حولهما، وفي العيون الجميلة قلق وتوتر.. تخشيان شيئًا أو تنتظران شيئًا.. هناك شاب مكتنز العضلات من مرتادي (الجيم) كما هو واضح، يتسلق الدرجات قادمًا من الطابق الأسفل.. لاهثًا من فتحتي منخريه كثور، يتقدم إلى المائدة التي تجلسان عليها.. يجلس ويشعل لفافة تبغ قبل أن يلتقط أنفاسه.. ثم يقول: -«لا شيء.. لا أثر» ضربت الفتاة الساذجة خدها بكفها وهتفت -«لابد من جواب» نفث الفتى سحابة دخان كثيفة من منخريه ثم قال -«بالفعل لا أثر .. أعتقد أن إبلاغ الشرطة صار واجبًا والآن يجب أن تأكلا شيئًا.. منار» قالت الفتاة الحادة -«مستحيل .. لا أستطيع ابتلاع لقمة واحدة.. كأن فُمّ معدتي مسدود بالخرسانة» التفت نحو الفتاة الأخرى وكرر عرضه، فتقلص وجهها شكرًا.. -«رزان .. يجب أن تأكلي شيئًا لتتمكني من الصمود» -«مستحيل»

عدد الصفحات ٩٢

92 رزان .. اسم جميل يناسب الفتاة فعلاً الناس القلقون في كل مكان، لكن لدي مشكلتي الخاصة وعلي أن أكتب الخطوط الأساسية لما سيحدث بعد هذا.. لا وقت لمراقبة الجميلات.. دفنت وجهي في شاشة اللاب توب وواصلت الكتابة… 5- شادي فيروز يجب أن تموت.. نازدار يجب ان تموت.. رافان يجب أن تموت.. أعرف أنك تتهمنني بالجنون، فهذه كلمات لا يمكن أن يتلفظ بها شخص عاقل.. أنت تعرف أنني أهيم حبًا بفيروز. هي الأولى والأخيرة، ومنها يتدفق نهر الحياة ليغسل غابة أيامي المغبرة… لا أستطيع أن أكتفي من فيروز، أو أقنع بما أنال منها. لو أنني صنعت لها بيتًا في الضلوع حبستها فيه فلن أقنع بهذا، ولكننا في لحظة نحتاج إلى أن ندمي قلوبنا بأيدينا.. هناك من يقطعون شرايين أيديهم ويراقبون الدم الأحمر المتدفق في بلاهة.. قد بدأت أوقن أن (فيروز) وأختيها شيطانات… ومعرفة هذا قد اقتضت الكثير مني. جثث أطفال خمسة كان لابد أن ترقد في قبورها قبل أن أفهم الأمر..

عدد الصفحات ٩٣

93 فيروز تتغير. فيروز ترتجف.. فيروز قلقة.. فيروز تخفي سرًا.. فيروز لا تنام.. ذات ليلة جلسنا في مكان هادئ، فقررتْ أن تتخلص من العبء النفسي الذي أرهقها، وحكت لي ببساطة قصة أختها نازدار المريضة نفسيًا.. بدا لي كأنها حكتها مرارًا من قبل. تحكيها بحنكة غريبة.. كنت أرمق عينيها الجميلتين وهي تتكلم.. قالت لي بعد ما جرعت كوبًا من العصير من أجل ريقها الجاف: -«طبعًا لا أصدق حرفًا من هذا الهراء… لكن الحقيقة المخيفة هي أن أختي تعاني مرضً ا نفسيًا متقدمًا. لا أعرف ما يجب أن أفعله» كنت أفكر في عمق. هل هذا المرض النفسي يُورّث؟ يعني هل تحمل فيروز شعرة الجنون هذه؟ قلت لها: -«الوسواس القهري يفعل أكثر من هذا.. قرأت عن هذا كثيرًا … هناك فتيات يبتن في الشارع لأنهن يخشين أن يذبحن أهلهن وهم نائمون» ابتلعت ريقها وقالت همسًا -«وفاة الرضع في دار رعاية الأطفال التي تعمل فيها . هل هي صدفة؟»

عدد الصفحات ٩٤

94 -«طبعًا صدفة» لم تبد مقتنعة لكنها ابتلعت اعتراضاتها.. ليتني صدقتها.. ليتني فعلت! *************** الطفل الأول بالنسبة لي كان ابن أختي شاهنده.. اسمه (رامز). ظل يحمل هذا الاسم يومًا واحدًا في حياته، منذ ذهب أبوه لمكتب الصحة. ثم زارت فيروز أختي حاملة هدية. لقد أصرت على هذا.. المشهد المعتاد للأم المنهكة الفخورة التي ترتدي الروب وتتـأوه وهي جالسة في الصالة مع ضيوفها. قالت أختي وهي تفتح العلبة القطيفة الصغيرة: -«كلك ذوق… لقد أتعبت نفسك بحق» لابد أن هذه (ما شاء الله) مما يقدمونه للرضع. لكن أختي رفعت كفها فلمحت فيها قطعة ذهب غريبة أقرب لرمز مبهم متشابك. كانت تعرف عن قصة حبنا، وتعرف أنني لم أحب واحدة قط كما عشقت فيروز، لذا كانت تتكلم بشيء من الخبث المحبب. وحملت فيروز الطفل وراحت تهزه وقالت له كلمات عذبة في أذنه… ثم أعادته لأمه التي ثبتت الحلية الصغيرة في جلبابه الصغير.. غادرنا البيت وتبادلنا عبارات المزاح على الدرج، وكان مدخل البناية خاليًا فخطفت قبلة من خد فيروز، فقالت في دلال: -«كلب»

عدد الصفحات ٩٥

95 وافترقنا.. بالطبع ليدق جرس الهاتف في المساء.. عرفت من زوج أختي أن (رامز تعيش انت). كيف؟.. فجأة كف عن النفس وازرق لونه، فحمله الأب للمستشفى ملهوفًا، لكنهم أخبروه هناك أنه يحمل جثة.. ما التفسير؟ قال الأطباء إنه على الأرجح عيب خلقي أفصح عن نفسه في اليوم الرابع، أو لربما هو إنهاك حراري مما يصيب الرضع الذي يعرفه الغربيون باسم SID.. كنت أرتجف من التأثر.. أرتجف من الرعب.. اتصلت بفيروز أخبرها وأنا أبكي أن الدمية الجميلة التي كانت تلعب بها ظهرًا قد فرغت منها الحياة.. أشهد أنها بكت بحرقة وراحت تردد أنها نحس… لا تقولي إنك نحس.. أنا أحبك جدًا.. انت الأروع على الإطلاق …. فقط لو لم يكن شبح أختك المخبولة نازدار يحوم حولنا……………….. بعد أسبوعين زارت فيروز الحضانة التي افتتحتها جارتها في نفس البناية، ولعبت مع الأطفال كثيرًا.. بعد يوم توفي طفلان في الرابعة.. لا يعرف أحد سبب الوفاة، وقيل الاختناق وقيل سوء التغذية. هل سوء التغذية يفتك بالطفل فجأة؟ لا شك أن بيوتًا كثيرة قد خربت وتحقيقات أجريت، لكني ظللت أتذكر كلامها عن نازدار أختها والأطفال الموتى… الأخوات أمبوسي بنات لاماتسو.. كلام فارغ طبعًا، لكن هل يمكن أن يلعب

عدد الصفحات ٩٦

96 الجنون دورًا؟ لا يوجد مصاصو دماء، لكن في كل الفترات التاريخية وجد ناس يعتقدون أنهم مصاصو دماء وتصرفوا على هذا الأساس.. كانت الغيوم تحتشد في ذهني، وتوشك على رسم صورة جلية واضحة.. فيروز .. من أنت؟ 6 جودت بدأت نواة القصة تتشكل.. تسارعت أناملي على مفاتيح الكتابة.. العاشق الذي بدأ يرتاب في حبيبته.. لدرجة ذبحها؟ لا أعرف .. لابد أنه سيجد مبررًا قويًا يدفعه لذلك … لكن ما هو؟ توقفت للحظة لأشعل سيجارة وأرتب أفكاري، هنا حانت مني نظرة إلى الحسناوين الجالستين مع ذلك الشاب ضخم الجثة. يبدو أنه أقنعهما بالتهام قطعتين من البيتزا.. تأكلان دون شهية على سبيل أداء الواجب فقط.. قال للفتاة الأولى: -«سوف تشعرين بتحسن في حالتك عندما تتغلبين على نقص سكر الدم يا رافان!» الاسم؟ رافان.. أنا الأحمق سمعته (رزان).. ومن الأخرى إذن؟ الاسم كان منار..

عدد الصفحات ٩٧