65 الكهف كان دافئًا.. تشعر بقشعريرة عندما تتذكر البرد القارس بالخارج، وكل تلك الثلوج .. هناك مساحة واسعة وسط الهوابط، تتلظى نار ممتعة. وهم جميعًا يلتفون حول النار وينظرون لك في ذعر.. رائحة لحم يشوى في مكان ما .. تتقدم مرغمًا فوق الصخور وأنت تلوح بالبلطة منذرًا . يبدون بالضبط كالرجال الذين هاجمتهم بالخارج، لكنك مرغم على الانضمام لهم لأنك لم تعيد تطيق الصقيع .. يا للرائحة الكريهة!.. يأكلون وينامون ويتغوطون في م كان واحد ولا يستحمون .. تتقدم نحو النار. أنت لا تعرف بروتوكول رجال الكهف، ومن الوارد أن ترتكب خطأ قاتلاً . تجلس وتنظر لهم .. تقول لهم: -ـ«أنا قد جئت في سلام.. لا أريد سوى بعض الدفء»! هنا بدا عليهم الذعر والذهول.. وتراجع بعضهم غير مصدق .. أحدهم لوح بالرمح وهتف .. فقلت أنت: -ـ«ماذا تريدون يا رفاق؟» من جديد بدأ الصياح.. أدرك مصطفى الحقيقة .. هؤلاء لا يعرفون الكلام .. لا يعرفون سوى تلك الأصوات المخيفة من حلوقهم، فلابد أنهم يعتبرونه ساحرًا أو إلهًا .. تأكدت الفكرة عندما مد أحدهم يده في النار وأخرج فخذ تيس مشوية يقطر منها الدهن، وقدمها لمصطفى وهو يرتجف … تأكدت أكثر عندما جاء أحد الرجال يحمل شيئًا وألقاه عند قدمي مصطفى فانتفض مذعورًا .. كان هذا رأسًا .. بالتأكيد رأس واحد
عدد الصفحات ٦٦66 ممن قتلهم وقد قطعوه وجلبوه له لينال رضاه .. أو هو نوع من القرابين .. تأكدت الصورة أكثر فأكثر عندما رآهم يجلبون له كائنًا قذرًا منكوش الشعر كريه الرائحة، وأدرك من نظرة سريعة أن هذا الكائن أنثى .. طبعًا .. الزعيم يجب أن يظفر بالقرابين وأفضل قطع اللحم وإناث القبيلة .. يبدو أنه سيحب حياته الجديدة فقط لو فقد حاسة الشم .. متى وكيف حدث هذا؟ ولماذا صار أوتسي؟ *********** كلارا كذلك كانت تخوض أسوأ لحظات حياتها في تلك اللحظات ……… 6 لم تتصور قط أن توجد هذه الفظاظة وكل هذا التوحش في شخص. لربما كان هذا ليروق لها في وقت آخر، فبعض النساء يعشقن فكرة رجل الكهف الفظ الذي ينال ما يريد بالقوة، لكن الأمر هنا بدا مريبًا .. كان فظًا بشكل حقيقي مروع. وخطر لها أنه لا يتكلم كذلك وإنما يصدر أصواتًا حلقية. لماذا هو حافي القدمين؟ كأنه فقد حذاءه في حادث أو انفجار.. هل انقلبت به عربة؟
عدد الصفحات ٦٧67 -ـ«مصطفى.. لو كنت تعتقد أنني أحب هذا فأنت تبالغ»! تمقت بشدة هؤلاء الذين يستمرون في الدعابة بعد ما يدركون أنها سخيفة. وهكذا أطلقت إنذارًا أخيرًا : -ـ«مصطفى!..أنت غير متحضر»! كانت هذه أصدق عبارة قالتها في حياتها. وفتحت فمها ثم أطبقت بأسنانها على الساعد الغليظ المشعر، فسمعت صرخة حيوانية.. أطلق سراحها فتملصت وانطلقت تركض قاصدة غرفة النوم.. الثلاجة الصغيرة التي لم تجد لها موضعًا في الشقة سوى هناك. «التكاثر!.. التكاثر»! أغلقت الباب خلفها.. نظرت إلى فراشها الذي مازال ساخنًا. إنها الساعات الأولى من النهار. توقفت الضوضاء على الباب.. سمعت صوت الماء يتدفق من صنبور الماء في المطبخ.. المواسير كلها تترجرج والجدران كذلك. لم تفهم سبب لهفته على الماء لكننا نفهم أنها الحاجة إلى الارتواء.. الدم.. لابد من غسل الدم الذي ملأ فمه. وما لم تعرفه وعرفناه نحن، هو أنه قضى حاجته هناك في قاعة الجلوس جوار جدار.. لم يستطع أن يعيد غلق السروال لأن الزمام شيء لا يفهمه.. من جديد تسمع ضرباته على الباب.. مع زئير قوي.. «عااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه» ..! هل تطلب الشرطة؟ للأسف سقط الهاتف منها في الخارج .. لابد أن تصمد .. ثم من قال إنه لا يمزح ؟ تتوالى الضربات ..
عدد الصفحات ٦٨68 مصطفى!.. كف عن هذا الذي تفعله .. أنا مذعورة فعلاً .. ثق أنني لاأجد ذرة إثارة في هذا.. هل هو ثمل؟ أصدقاؤه قالوا إنه ليس على ما يرام. فهل هذا هو السبب؟ أين رفاقه؟ «التكاثر!.. التكاثر»! هرعت إلى النافذة لتفتحها وليتسرب الهواء البارد. هل تصرخ؟ هنا رأت السيارة الفان عند المنعطف لم ترحل بعد.. السيارة التي جاءت به.. برغم المسافة البعيدة، فقد أدركت أن هناك من يزحف على الأرض جوار الإطار الخلفي.. يزحف وهو يرتجف …رجل طويل الأطراف كالعنكبوت أو كأنه قلم رصاص آدمي.. كان الدم ينزف بغزارة من رأسه محدثًا بركة مخيفة من اللون الأحمر. زحف بضعة سنتيمترات أخرى ثم همد نهائيًا. هذا الدم لم يكن دم مصطفى.. هذا دم من كانوا مع إذن.. مصطفى لم يعد هو. هناك شيء مخيف .. كانت فتاة ذكية، وقد قدرت أن الباب سيتهاوى حالاً .. عضلات المصري القوي سوف تنتزعه من مفاصله قريبًا… اتجهت للثلاجة.. أخرجت زجاجة الماء وبيد راجفة سكبت السائل عند مدخل الباب وحول عتبته، بحيث صار من المستحيل أن يمشي أحدهم دون أن يبتل.. نزعت قابس الثلاجة، ثم قطعت السلك بالمقص، وأعادت القابس إلى الفيشة، وبحذر طوحت بالسلك العاري ليتلوى على الأرض كثعبان… يتلوى وسط بقعة الماء فيكهربها بالكامل….
عدد الصفحات ٦٩69 هرعت إلى المصباح الثقيل المجاور للفراش، فانتزعته من مكانه.. يصلح للضرب باعتبار هذه هي الخطة (ب) لو فشلت الخطة (أ)… وقفت في ركن الغرفة تبكي وتنشج. لو دخل هذا الوحش الغرفة وفشلت خطتها فقد انتهى أمرها فعلاً . «التكاثر!.. التكاثر»! هي ضحية هشة سجينة في غرفة يوشك وحش مسعور على اقتحامها. كابوس الطفولة يتحقق يا كلارا.. تهاوى الباب ثم ظهر مصطفى وهو يزأر كأنه مذءوب في فيلم رعب.. ثم أنه صرخ وارتجف تلك الرجفة الكهربية (الجلفانية) المميزة .. وصار صوته رفيعًا حادًا، وبدا عاجزًا عن التحرر من مكانه .. ثم سقط أرضًا … *********** أوتسي الذي صار مصطفى كان يجلس هناك أمام النار .. النار التي تتلظى في حفرة عميقة مخيفة يلتفون حولها. لقد التهم الكثير من اللحم، وشرب شيئًا مبهمًا في نصف جمجمة.. كان الاشمئزاز يخنقه لكنه وجد نفسه مضطرًا لذلك .. رأسه يدور ومن الواضح أن هذا نوع من الخمر.. كل مجتمع عبر التاريخ صنع خمره الخاصة.. ألسنة اللهب تتعالى …
عدد الصفحات ٧٠70 ثم أن بعض الكائنات منكوشة الشعر راحت تثب كالقردة حول النار. هذا رقص!.. رقص بدائي جدًا يثير الغثيان .. من الصعب أن يبقى متيقظًا برغم أن الحذر يدفعه لذلك .. كان الآن قد بدأ يفهم تفاصيل هذا الذي حدث.. ليس كل شيء. لا يعرف ظروف ما حدث، لكنه انتقل فجأة عبر 55 قرنًا ليصير هو أوتسي رجل الثلوج التيرولي.. هذا واضح. بدأ يغيب عن الوعي بفعل الدفء.. بفعل الإرهاق.. بفعل تراقص النيران… بفعل حركة الراقصين.. ووسط ألسنة اللهب رأى.. رأى مصطفى الذي يعرف نفسه على شكله.. رآه يتقدم في غرفة يعرفها.. رآه يتلوى ويصرخ.. رأى كلارا تصرخ…. هل هو يحلم؟ *********** عندما نهض مصطفى من جديد أدركت كلارا أن أسوأ كوابيسها قد تحقق .. لقد سقط فتحرر من دائرة الصدمة الكهربية، وي بدو كذلك أن الكهرباء كانت أضعف من الفتك بهذه الجثة العملاقة .. فقط حطمت عظامه وجعلته أكثر جنونًا.. إنه سليم. صرخت والتصقت بالنافذة …
عدد الصفحات ٧١71 قبضت على المصباح بقوة وصممت على أن تهوي به على رأسه، برغم أنها تعرف جيدًا أنه سيقبض على ساعدها بأصابع من حديد … هذا ما حدث بالفعل. رفعت المصباح عاليًا، لكن مصطفى الذي غطى الشعر الطويل عينيه قبض على معصمها بقوة وثنى الرسغ فسقط التمثال منها … -ـ«مصطفى !.. أي مس شيطاني أصابك »!! هنا تدرك فعلاً– وقد اقتربت منه جدًا – حقيقة أنه لا جروح في جسده. هذا كله دم آخرين. لاااااااااااااااااااا !!! *********** هناك حول النيران كانت سرعة الرقص تتزايد .. صوت خوار وزئير … غرغرة من الحلوق .. كان أوتسي يرى بعيني الخيال، وعبر 5500 عام كلارا الجميلة تصرخ وتبكي … يرى مصطفى يضربها بقسوة. لا شك أنه سيفتك بها فتكًا .. إن خيالاتهم تتراقص على جدران الكهف .. الرائحة الكريهة .. هنا أدرك الحقيقة: سوف يقتلونه. لقد قرأ كتاب الغصن الذهبي لفريزر يومًا، ويعرف أن قتل الأب وأكله عقيدة قديمة في المجتمعات البدائية، لأنهم يعتقدون أن هذا ينقل لهم قواه السحرية. وبعد هذا صارت عقيدة قتل الطوطم. إنه هو طوطم هؤلاء القوم..
عدد الصفحات ٧٢72 لقد مجدوه وعبدوه وقدموا له القرابين والإناث كريهات الرائحة، وفي نفس الليلة سوف يفتكون به .. ولربما يأكلونه. للأمر طابع ديني أكيد … مد يده إلى البلطة الملقاة بجواره، وفكر في أن يطبق عليها، لكن يده كانت رخوة تمامًا .. لابد أن هذا الذي شربه كان يحوي نوعًا من الأعشاب المخدرة.. فكر أن يقاوم، لكنه كان عاجزًا عن ذلك … هوت أول ضربة على كتفه فمزقته، ثم انغرس رمح في كتفه .. ليكونن موتًا بطيئًا شنيعًا إذن .. ثم خطر له أن موته قد يكون الأفضل فعلاً .. لن يتحمل الحياة في هذا الزمن ومع هؤلاء القوم .. قد يؤدي موته لإنقاذ كلارا، فالحقيقة هي أن وعي أوتسي يحرك هذا المسخ .. فقط يجب أن يحترق هذا الجسد .. يجب ألا توجد مومياء يجدها العلماء بعد 55 عامًا.. يجب أن ينال أوتسي الراحة النهائية، وإلا جاء عالم مجنون بعد كل هذه القرون وأعادها للحياة من جديد.. برغم الطعنات التي شلت حركته مع المخدر، زحف نحو النيران المتأججة وألقى بنفسه فيها .. وارتجف البدائيون الذين لم يفهموا ما حدث .. بدل أن يقتلوه وجدوه يقتل نفسه بنفسه.. يتلظى في النيران ويصرخ… ***********
عدد الصفحات ٧٣73 ارتجف مصطفى الذي حاصر كلارا في الركن.. زاغت عيناه، ثم تهاوى أرضًا …كأنه دمية ماريونيت بلا خيوط … على الأرض تكوم ولم تكن هناك أي علامة للحياة سوى تنفسه .. زحفت على ركبتيها حتى وجدت المصباح الثقيل. حبست أنفاسها وأغمضت عينيها وهوت على رأسه .. مرة . مرة .. مرة .. فتحت عينها وراحت ترمق الجسد الضخم الذي رقد بلا حرك والدم ينز من رأسه .. ما لم تعرفه هو أنها قضت على جسد مصطفى ووعي أوتسي …. بينما عبر 55 قرنًا احترق جسد أوتسي ووعي مصطفى.. نترك للقارئ استنتاج ما حدث لقاعة للمومياء في متحف التيرول .. هل اختفت أم هي موجودة؟ لربما تغير التاريخ بالكامل. لا يعنيها هذا .. ما يعنيها هو أن مصطفى قد مات، وأنها لن تنسى هذا الفجر المخيف .. تمت
عدد الصفحات ٧٤74 حكاية للأطفال فقط 1 شادي في تلك الليلة كانت عينا فيروز تتوهجان بلون غريب. العينان المراوغتان اللتان فشل كل شخص في العالم في معرفة لونهما الحقيقي. في محمية راس محمد بشرم الشيخ نهر يُقال له (المسحور)، والسبب هو أن لون الماء فيه يتغير في ذات اللحظة التي تنظر له فيه، فتارة هو أزرق وتارة هو أخضر أو بنفسجي. لو أنصفوا لضموا عيني فيروز إلى المحمية باعتبارهما ظاهرة كونية غامضة.. في تلك الليلة كانت شفتا فيروز تهمسان باسمي، وأرجعتْ رأسها الصغير للخلف وقالت شيئًا .. شيئًا لم أعرف ما هو لكنه بدا رائعًا. في تلك الليلة قرر العصفور الصغير في يدها أن يكف عن المراوغة والطيران وأن يستريح بين أناملي . في تلك الليلة كانت أنفاسها تلمس شحمة أذني.. هناك قوم لا يخرجون الأنفاس ولكن الأنسام. أحسب الطبيعة أنثى كونية المقاييس تتنفس بذات الطريقة، فيصدر عنها النسيم الذي يداعب أوراق الشجر ليلاً. الطبيعة أنثى.. الشمس أنثى… السعادة أنثى. في تلك الليلة تكف الفتاة عن هوايتها المفضلة: تعذيب الرجل، وتقرر أن تعترف له بأنها تريده كما أرادها.. ياه ! هي ليلة نزع الأقنعة إذن، وما أجملها لحظة.
عدد الصفحات ٧٥75 في تلك الليلة هناك، كانت الألحان تتفجر في رأسي لكني لم أكن أستطيع كتابة نوتة موسيقية ولا عزف نغمة واحدة على أي آلة موسيقية. لربما كان الحل الوحيد هو أن يسمع عازف موسيقي ما في رأسي ويترجمه.. لن أتمكن من الدندنة لأن هذا سيتلف اللحن. في تلك الليلة أنتصر على نفسي وشكوكي الداخلية وأقهر عقدي الخاصة.. أنا سعيد.. أنا محبوب.. هناك من يريد أن أكون معه للأبد. في تلك الليلة انتظرتْ جواري فيروز حتى خلا الشارع. عند ركن الزاوية الذي يضيئه نور الكشاف الخافت، كان هناك ذلك الفتى الضخم المشعث يركض وجواره رجلان يحاولان أن يركضا بنفس سرعته، وقد بدا عليهم جميعًا توتر غريب… لا أعرف السبب لكنهم يلاحقون لصًا على الأرجح. نظرتْ لهم ونظرتْ لي .. وابتسمت في مكر حتى تواروا عن العيون وصار الشارع لنا من جديد. جرت فيروز لنهاية الشارع الخالي من المارة وهي مغمضة العينين تمامًا، وقد فردت ذراعيها كأنها طائرة جامبو.. تنورتها تطير حولها كمظلة طيار احترقت طائرته، ثم دارت وعادت نحوي مغمضة العينين أيضًا.. الحذاء الرياضي الخفيف يجعلها هفهافة بلا ثقل على الأرض. وقالت دون أن تفتح عينيها: -ـ«شادي .. أنا .. أنا سعيدة بحق»… انحنيت لألثم شفتها وهي مغمضة العينين، لكنها شعرت بما أريد ووضعت سبابتها منذرة على شفتيها ثم عادت تكمل دورة طيران أخرى في الشارع دون أن تتعثر بقطعة حجر أو بالوعة واحدة ..
عدد الصفحات ٧٦76 ظللت لفترة ماطًا شفتي للأمام كأبله، ثم مددت يدي فأعدت شفتي لمكانها…. لا يمكن الاكتفاء من هذه.. لا يمكن أن تشبع منها.. الطريقة الوحيدة هي تذويبها في سائل تحقن نفسك به في العروق على طريقة أفلام فرانكشتاين القديمة.. وأذكر قول الشاعر ابن الرومي: أعانقها والنفس بعد مشوقة إليها – وهل بعد العناق تدانِ؟ وألثم فاها كي تذوب حرارتي – فيشتد ما ألقى من الهيمانِ كأن فؤادي ليس يشفى غليله – سوى أن يرى الروحين تمتزجانِ ابن الرومي كان يتعذب حقًا .. هذه أبيات صادقة تقطر دمًا… أحيانًا أجد هذه الأبيات القديمة جافة سخيفة، لكنها مثل السمك البكالاه الذي كان أبي يبتاعه لنا في طفولتي. قطع جافة شبيهة بالخشب .. ضعها في الماء قليلاً.. تصر سمكًا نضرًا شهي الطعم. عش قصة حب ولسوف تكتشف أن أبيات كثير عزة أو قيس بن الملوح أو العباس بن الأحنف عبقرية. عش وحدك ولسوف تتساءل عن قيمة هذه الحفريات التي تقف كلماتها في حلقك.. نفس الشيء ينطبق على أغاني أم كلثوم. عش وحدك ولسوف تجدها مملة طويلة جدًا لا تكف عن التكرار كأن الجمهور معتوه.. قَع في قصة حب ولسوف يبكيك كل حرف في أي أغنية.. مشيت معها إلى حيث حزام الأشجار الذي يطل على الحديقة المهجورة ليلاً. هناك كشاف يبعث ضوءًا واهنًا، وفي هذا الضوء كنت أرى في الماضي العشاق الذين يتوارون عن العيون.. كنت أحسدهم وهذا الحسد يتسربل في شكل غضبة أخلاقية على ما وصلت له أخلاق الشباب المتردية.. كنت أكرههم بصدق، لكني
عدد الصفحات ٧٧77 الآن وأنا في لحظة الحقيقة أعترف بأنني كنت أحسدهم ..أحسدهم ولا أعرف ذلك. جلست على الكلأ وطلبت منها أن تأتي. دنت مني في رفق، فأشرت إلى كتفي كأنني أطلب منها أن تريح رأسها عليه. في رفق تربعت على الأرض ثم استلقت للخلف وأراحت رأسها هناك، وتركتْ لأناملي الجشعة أن تعبث في خصلات شعرها. في تلك الليلة اكتمل بدر أحلامي، وصار الواقع أكثر جموحًا من أي ليل.. كان قلبي يتواثب بين الضلوع .. وهمست لها: -«أغمضي عينيك. وتخيلي أنك تسافرين.. تسافرين وراء الغمام ووراء قوس القزح..» قالت مغمضة العينين -ـ«لم أر في حياتي قوس قزح» -ـ«إذن تخيلي قوس القزح ثم تخيلي أنك تحلقين فيما وراءه» أن تصف اللون الأزرق لشخص كفيف أمر معقد، لكنه لا يخلو من شاعرية… في تلك الليلة عرفت أن اللحظة قد جاءت ولن تأتي فرصة أخرى كهذه .. مررت أناملي على أوردة عنقها.. ثم بدأت أشعر بدقات الشريان السباتي الداخلي.. الوريد الودجي الوحشي ..
عدد الصفحات ٧٨78 قالت ضاحكة وهي مغمضة العينين -«هل تحاول معرفة إن كنت أجريت استئصالاً للوزتين؟» هنا كنت قد غرست نصل السكين في الشريان بعمق، ثم حركته بالعرض بعمق … ولم أحاول أن أنظر للمشهد القاسي … أعرف أنني لو رأيته فلن أستطيع النوم ما حييت.. سمعت حشرجة بسيطة.. ثم استرخت يداها.. مزية هذه الطريقة هي أن النصل يقطع القصبة الهوائية فلا يصدر صراخ .. هذه بقعة هادئة ولا يأتيها أحد، لذا كان العشاق يفضلونها.. لكن علي أن أبتعد بسرعة، لأن سروالي وكفي قد تلطخا بالدم .. لا تترك السكين بأي ثمن لأن بصماتك عليها .. لفها في منديلك واخفها في جيبك. ماء !.. أريد ماء ! في تلك الليلة كفت فيروز عن أن توجد. سوف تقضي بضع ساعات على منضدة التشريح الباردة ثم ثلاجة المشرحة، وبعدها هو التراب … لست فخورًا بما قمت به، لكنه ضروري … أنت تقر بهذا أليس كذلك ؟ 2 جودت المهن العقلية قد تكون أشغالاً شاقة أعقد بمراحل من أي مهنة جسدية، وأعتقد أنني حيث جلست هناك أمام شاشة منسق الكلمات كنت أحسد أي بنّاء يحمل أجولة الأسمنت في الشمس الحارقة إلى
عدد الصفحات ٧٩79 الخلاط. عمل شاق نعم، لكنه سيعود لداره وينزع ثيابه ويخرج ليسهر مع رفاقه في المقهى، وينسى كل شيء حتى اليوم التالي، أما أنا فلسوف أحمل صليب الكتابة في كل مكان . سوف أفكر وأنا أتناول طعامي أو وأنا أشاهد التلفزيون أو وأنا في الفراش .. لربما وأنا نائم كذلك .. سوف أشعر بأنني مدين أربعًا وعشرين ساعة .. اسمي جودت، ولابد أنك أدركت أنني سيناريست ومؤلف سينمائي. في الخامسة والثلاثين من العمر، أعيش في شقة مفروشة فاخرة في حي المهندسين، وغير متزوج .. لابد لمن يعيش حياتي أن يعبث قليلاً، وهو ما لن تقبله زوجة من لحم ودم. قدمت ثلاثة مسلسلات لا بأس بها وفيلمًا سينمائيًا واحدًا، وخطة حياتي بسيطة جدًا: أستيقظ في الثالثة عصرًا لأجلس في مقهى معين، وأتناول غداء سريعًا من المكرونة والدجاج هناك ثم افتح اللاب توب وأشرب الموكا والكابوتشينو وأدخن ألف سيجارة، وعلى الأرجح ينتهي اليوم بكتابة مشهد واحد … وعند منتصف الليل أخرج مع فتاة أخرى .. وغدًا يوم آخر .. هل تعرف الكافيه الذي أجلس فيه ؟ اسمه (أرجوس) .. يمكنك أن تراني هناك عصر كل يوم وأنا أرمق الشارع من وراء الزجاج وآكل المكرونة. الفكرة التي كانت تلاحقني مؤخرًا هي فكرة الصدمة .. طفل برئ يلهو ثم يحرق قطة حية.. في فيلم (حياة يائسة) لجون ووترز ترى (سيرفيس) طعام شديد الفخامة والأناقة طيلة تترات الفيلم، ثم يرفع أحدهم غطاء الطبق الرئيس فتكتشف أنه فأر مشوي.
عدد الصفحات ٨٠80 هكذا كتبت مشهدًا يصلح لفيلم رومانسي.. الفتى شادي مع الفتاة الجميلة فيروز في موعد في مكان هادئ. ليلة رومانسية ساحرة تنفتح فيها طلاسم صناديق العشق الموصدة، وينتصر الهوى السكران. ثم في الذروة وفي لحظة عاطفية متأججة يهوي الفتى بالسكين على عنق الفتاة لينحره .. هي لحظة صادمة بالتأكيد. لكن لماذا وكيف؟ في فيلم (كلب أندلسي) لبونويل يشق البطل عينًا بشرية بالموسى، ولا نطالب المخرج بأي تفسير لهذا المشهد لأن الفيلم سريالي ومن حقه أن يكون مجنونًا.. لكن كيف يتصرف من لا يقدم فيلمًا سرياليًا ؟ كنت غارقَا في مصيدة هذا المشهد الذي راق لي، لكنك بالتأكيد لا تستطيع أن تجد له مبررًا واضحًا .. جلست في الكافيه ورحت أراقب مطفأة السجائر التي فاضت بما فيها وكادت تنسكب.. لكنها تطالب بالمزيد. وقد كنت جاهزًا لأمنحها ما تريد .. عبر سحب الدخان أرمق ذلك الفتى الذي يجلس في الركن في الضوء الخافت، وقد طوق كتف فتاة. ظهرهما للمكان مما يدل على أنهما يداريان قصة الحب أو الاشتهاء هذه .. كان له شعر طويل معقوص عند مؤخرة رأسه على شكل (ذيل خنزير)، وله لحية مشعثة .. أما هي فلم أتبين سوى أن شعرها بندقي جميل .. -ـ«فيروز» دوى الصوت الرفيع الفضولي من خلف كتفي فاستدرت
عدد الصفحات ٨١