49 ولما زار مصطفى المتحف في بولتسانو رأى المومياء، فلم تبد له مبهرة جدًا.. لا يمكن أن ينبهر المصري بمومياء أبدًا بعد كل ما رآه، لكنه عرف أن العلماء قد فحصوا كل شعرة في رأس هذا الرجل البائس.. أجروا مئات فحوص الأشعة ومئات تحاليل الحمض النووي.. لا بد أنهم يعرفون شكل حبيبته لو كانت له حبيبة.. هنا توقف د. باولو أمام صورة عملاقة في ركن القاعة.. رأى مصطفى رجل كهف مدثرًا بالفراء، له شعر طويل ولحية، يحمل فأسًا ومدية.. قال له د. باولو إن هذه صورة خلقها الكمبيوتر لأوتسي. هناك علم كامل في الطب الشرعي يقوم على إعادة تشكيل وجوه الجماجم ومعرفة كيف يبدو أصحابها. لاحظ أن باولو ينظر له وللصورة ويبتسم.. هنا فهم سبب اختياره هو بالذات.. مصطفى يحمل نفس ملامح أوتسي.. لو أنه أطال لحيته طبعًا. همس مصطفى في حنق: -ـ«لا تقل إنني أحمل جينات هذا الشخص».. كان يعرف أن التيرول يعج بجينات أوتسي.. هناك أقارب وأحفاد كثيرون له هنا. قال د. باولو وهو يضع إصبعه أمام فمه بمعنى (خفض صوتك): -ـ«لم أقل هذا.. لكنني أتحدث عن روح تناسخت في شكلين».. -ـ«تناسخ الأرواح كلام فارغ.. أنا أؤمن بهذا».. -ـ«وأنا أؤمن بالتناسخ»
عدد الصفحات ٥٠50 كانت هذه محاورة عابرة وانتهت، لكن ما حدث بعد هذا هو أن مصطفى تلقى عرضًا مغريًا جدًا كي يتعاون مع الدكتور في سرقة المومياء. كان الأمر أقوى من أن يُرفض، ثم أن الأمر يقع ضمن نطاق اهتمامه على كل حال.. نحن نتكلم عن المومياوات.. *********** في العام 1991.. على الحدود النمساوية الإيطالية يقف الزوجان هلموت وإيريكا فوق هذا المرتفع. كانا ينظران في دهشة وذهول إلى الجثة التي وجداها في ممر تيسنيوخ.. كثير من المتسلقين سقطوا هنا ولقوا حتفهم، وقد خطر لهما أنها جثة سقطت قريبًا.. كانت المرأة ترتجف من الرعب وهتفت: -ـ«هذا شنيع»!! قال هيلموت وهو يحتضنها بقوة: -«سوف نعود ونجلب بعض الرجال غدًا» كانت عملية تخليص الجثة المتجمدة من تحت الثلوج عسيرة جدًا. ومنذ اللحظة الأولى أدرك من استخرجوا الجثة أنها قديمة جدًا، وقدر عالم حفريات أنها تعود لأربعة آلاف عام.. حدث خلاف على تقسيم الحدود.. في النهاية جاء قرار التحكيم بأن أوتسي ينتمي لإيطاليا وليس النمسا. وذهب أوتسي إلى متحف جنوب التيرول..
عدد الصفحات ٥١51 من الغريب كذلك أنهم وجدوا حجرًا تم استخدامه في كنيسة قريبة، وهذا الحجر يعود لذات حقبة أوتسي.. على الحجر ترى صورة لا بأس بها لرجل يتلقى سهمًا في صدره. نفس موضع إصابة أوتسي. من هو أوتسي؟ وما أهميته لدرجة أن يصنعوا له نقشًا على حجر؟ حكاية مومياء الثلوج 3 أوتسي يرقد على بطنه فوق صخرة ويراقب الأفق.. البخار يتصاعد من فمه كأنه سحابة صغيرة، حتى شعر بأن هذه السحابة سوف تفضح أمره.. تحسس البلطة وتحسس قراب السهام.. لا شك في أنه قادر على إلحاق ضرر بالغ بهم. سوف يهشم صدر ورأس أربعة منهم، لكن النهاية قريبة على كل حال. لا مفر سوى المراوغة.. أخيرًا استطاع أن يراهم . كانوا هناك.. عددهم لا يقل عن عشرة، وهم يتسلقون الصخور في حركة اقرب للتمشيط.. وأدرك أنهم يحملون جثة. لا يمكن قول إنها جثة صديقه. لا توجد صداقات في زمن كهذا، لكن يمكن أن نعتبره (حليفه).. يصطاد معه ويستطيع أن يغمض عينيه عنه. الآن يمكنه أن يرى جثة هذا الحليف يحملونها والرأس يتدلى ويتأرجح مع كل هبوط أو صعود. لماذا يحملون الجثة؟ أنت تعرف أنهم لم يكونوا أكلة لحوم بشر. لكن أوتسي كان يعرف سبب الاحتفاظ بالجثة. سوف يتركونها فوق صخرة شامخة كي تلتهمها الأرواح . عقيدة عبادة الأرواح راسخة لدى البشرية منذ زمن سحيق.
عدد الصفحات ٥٢52 يمكن أن يطلق سهامه الآن.. لكن لن يطول الأمر حتى يصل له الباقون.. فليبق ساكنًا… لكن الخطط من هذا الطراز تكون هشة جدًا. هذا الماعز الجبلي اللعين كثيف الفراء وثب من جواره، وبما أن الجليد لم يذب بعد، فقد انزلق حافره.. تمالك نفسه بصعوبة، لكن قطعة ثلجية عملاقة انحدرت من أعلى محدثة دويًا وتناثرت.. رفعوا رءوسهم.. وأدرك أوتسي انهم رأوه.. تصاعدت صيحات النصر. لم يعد هناك داعٍ للتخفي.. إنه في مكان عالٍ ويمكن أن يؤذيهم بقسوة قبل أن يموت. جرد سهامه وأطلق على الرجال ثلاثة أسهم.. وسرعان ما رأى رجلين ممددين على الصخور يحاول كل منهما أن يخرج السهم من صدره.. ثم همد أحدهما.. انطلق يصعد لمستوى أعلى وهو يلهث من البرد والانفعال… هنا فوجئ بواحد منهم يعترض طريقه وهو يزأر بوحشية ويلوح برمح.. لحيته منتفشة وعيناه من نار واللعاب يسيل من شدقيه كالضباع. وأدرك أنه جاء من طريق مختصر بين الصخور ليهاجمه من الخلف. لم ينتظر.. طوح بالبلطة فشج رأس المهاجم إلى نصفين.. بعد 5500 عام سوف يندهش العلماء لأن هناك أكثر من نوع من الدماء على البلطة وعلى ثياب أوتسي. ثم يقررون أن السبب هو أنه قتل كثيرين قبل موته. طار سهم من مكان ما فانغرس في صدره..
عدد الصفحات ٥٣53 لا جدوى من الهرب، سينتهي كل شيء حالاً، والمهم أن ينتهي بسرعة.. عندما استدار للخلف كان أول ما رآه البلطة العملاقة المتجهة نحو جمجمته… *********** على مائدة العشاء سال الكثير من الخمر، والتهم الرجال أطنانًا من المكرونه. هناك نوع من النبيذ العجيب يقف بالضبط بين النبيذ والجعة، وهو يشي بالامتزاج بين الثقافة النمساوية والإيطالية التي تميز هذا المكان من التيرول، وكان مصطفى يفضله بشكل خاص، أما الرجال فتناولوا النبيذ العادي. كان البرد شديدًا وهم جياع لذا التهموا الكثير.. د. باولو كان مرحًا وقد بدا أن خطف المومياء قد سره جدًا. هذا حلم ليس هينًا.. منذ رآها للمرة الأولى حلم بأن تكون له.. تساءل مصطفى بلسان ملتو وهو يشرب كأسًا رابعة: -ـ«كم من الوقت تعتقد أنه سيمر قبل أن نجد رجال الشرطة فوق رءوسنا؟» قال لورنزو بفم مليء بالطعام: -ـ«بفرض أن هناك كاميرا أفلتت منا ومن خبراتي الإلكترونية، فهم سيجدون صور أشخاص ولن يعرفوا من هم.. ليست لأحدنا سوابق أو صور، كما أننا لا نتمتع بالشهرة. سوف يذيعون صورتنا في التلفزيون وعلى شبكة الإنترنت لكن هذا سيعطينا وقتًا للتحرك. رأيي الخاص أن هذه عملية محكمة»
عدد الصفحات ٥٤54 هكذا واصلوا الأكل في صمت.. قال مصطفى ورأسه يتأرجح وجفناه ثقيلان كأنهما من صخر: -ـ«أعتقد أن الأحداث كانت مرهقة.. أعتقد كذلك أنني أفرطت في الأكل.. أفتح عيني بصعوبة بالغة» كان د. باولو يعرف أن السبب هو المخدر الذي دسه في النبيذ الذي يفضله مصطفى، لكنه واصل أداء دوره حتى النهاية وبدا كأنه موشك على النوم بدوره.. في النهاية وضع مصطفى رأسه على المنضدة، وراح يغط بصوت عال.. وغطى شعره الطويل وجهه. بدا هشًا مثيرًا للشفقة.. قال لورنزو وهو يلقي بالمنشفة: -ـ«انتهىالأمر».. وقال السائق داريو: -ـ«سوف يتعبنا في حمله» قال د. باولو وهو يملأ كأسًا أخرى: -ـ«لننتظر قليلاً.. ربع من يتم تخديرهم يستيقظون في اللحظة الأخيرة ليضربوك.. اجلسوا حتى نتأكد من أنه نام» مرت عشر دقائق، ثم أن د. باولو أشار للرجال فحملوا مصطفى ثقيل الجثة.. خلال دقائق كان المشهد قد تغير تمامًا في الغرفة الداخلية. تم وضع منضدة تشبه مناضد الجراحة.. وتعاون الرجال على إرقاد مصطفى على المنضدة.. الآن يأتي لورنزو بجهاز معقد شبيه بأجهزة القلب الصناعي، ويتحرك على عجلات، فيوصل مجموعة من الأقطاب برأس مصطفى..
عدد الصفحات ٥٥55 في الوقت نفسه فتح داريو وباولو القفص الزجاجي. أخرجا المومياء ووضعاها على الأرض، ثم تعاونا على توصيل مجموعة أقطاب برأسها المهشم… بدا الأمر للحظة كأنه لقطة من فيلم فرانكنشتاين يونيفرسال، مع مؤثرات ستريكفادين الكهربية الشهيرة. بالفعل بدأ عداد الكهرباء يسجل استهلاكًا مخيفًا وبدأ المصباح يتراقص. كان الرجال يعرفون ما يفعلون، فلم تكن هناك أسئلة.. لقد تم ترتيب هذا السيناريو مرارًا . دعني أشرح لك بعض النقاط: د. باولو يملك نظريات معينة مخبولة بصدد جده، وهي نظريات تخلط بين علم الفيزياء والميتافيزيقا. كان يؤمن بأن أوتسي قد وجد عبر العصور على عدة أشكال.. وكان يؤمن أن القدر قاده إلى مصطفى الذي يشبه أوتسي تمامًا. هذه رسالة تخبره أن التجربة قد آن أوانها.. قال للورنزو بصوت مرتجف: -ـ«تأكد من كل شيء» … لو سارت الأمور على ما يرام، فلسوف ينتقلوعي مصطفى إلى أوتسي.. سوف تدب الحياة في المومياء وتنهض. في الوقت نفسه سوف تفرغ الحياة من مصطفى ولسوف يسقط ميتًا… ببساطة لأن المومياء لا تملك وعيًا.. ستكون هناك جثة، لكن في التيرول يمكنك التخلص من عشرين جثة لو أردت.. حبس أنفاسه، وهو يراقب سريان الموجات الكهرومغناطيسية التي يسجلها ألف عداد ومؤشر، ثم هتف بلهجة مسرحية:
عدد الصفحات ٥٦56 -ـ«الآن يا شباب.. سنغير التاريخ»! وضغط على الزر الأزرق.. 4 للحظة تألقت الغرفة بضوء أزرق غريب.. يشبه الأمر ذلك الضوء الذي يغمر الشارع كله عندما يكون هناك من يقوم بعملية اللحام. رائحة أوزون قوية لو كانت للأوزون رائحة .. كان التأثير الكهرومغناطيسي قويًا وشعر الرجال الثلاثة بأنهم في خلاط أسمنت .. طنين يصم آذانهم .. غثيان .. ثم بدأ دخان يغمر المكان .. هتف داريو وهو يقاوم حتى لا يفقد الوعي: -ـ«هناك شيء خطأ… ثمة حريق في مكان ما ».. لكن لورنزو والدكتور كانا يتوقعان هذا.. المهم أن تنتهي هذه اللحظات سريعًا. للأسف لا يمكن الضغط على زر لإنهائها. هذه دورة تستمر 80 ثانية ولا بد من استكمالها.. فجأة دوى الانفجار، وشعر ثلاثة الرجال بأنهم يُقذفون للخلف . كان داريو قد أوقد فرن الموقد ذات مرة بينما كان مليئًا بالغاز، فانفجر وطار هو ليرتطم بالجدار. لقد تكرر ذات الشعور من جديد. كان هناك .. يتنفس بصعوبة وهو على الأرض. نهض وراح يتفقد الآخرين …
عدد الصفحات ٥٧57 كان هناك خليط من الأجساد المكومة. الدكتور .. مصطفى .. لورنزو .. استطاع أن يدرك أنهم يتنفسون .. الدخان يتصاعد من الجهاز.. راح يصفع خدي الدكتور حتى يفيق.. ثم بدأ يصفع لورنزو. من المؤكد أن مصطفى لم يمت .. صدره يعلو ويهبط بلا توقف … فتح الدكتور عينيه بصعوبة وغمغم: -ـ«لقد فشل كل شيء. فشل كل شيء» ثم فتح عينيه عن آخرهما وهتف: -ـ«أين أوتسي ؟» بالفعل لا يوجد أثر للمومياء.. فقط تتدلى الأقطاب في الهواء وتتأرجح. لا يمكن أن تكون المومياء قد تفتت لأن من تسقط فوقه قنبلة ذرية يترك بعض الفتات. هنا لم تعد هناك مومياء أصلاً .. – ـ«الغليون.!… أين الغليون»! غريب أن يكون الغليون أول ما خطر له.. لكن غرابة الأطوار مقبولة لدى العائدين من انفجار كهذا. نهض لورنزو بدوره وراح يتفحص أطرافه الطويلة .. من الواضح أنه سليم. على الأقل ما زالت أطرافه موجودة .. هتف لورنزو متحسسًا رأسه: -ـ«المومياء!… هناك من سرقها »! -ـ«كف عن هذا الكلام الفارغ!،، نحن لم نغب عن الوعي أكثر من دقائق ».. -ـ«إذن ؟؟» قال د. باولو وهو يحشو الغليون الذي وجده:
عدد الصفحات ٥٨58 -ـ«الاحتمال الوحيد بالنسبة لي هو أن الطاقة قد بخرت المومياء .. تلقت شحنة حرارية هائلة محتها من الوجود» -ـ«رباه» -ـ«وهذا معناه أننا فقدنأ أثرًا تاريخيًا لا يقدر بثمن .. لقد كانت مغامرة بائسة، وقد دفعنا نحن والعالم ثمنها غاليًا» هنا رأح مصطفى يئن، فألقى د. باولو نظرة كارهة عليه وقال: -ـ«لم يحدث شيء لهذا اللعين.. حساباتي خاطئة »!! تساءل داريو: -ـ«وماذا نقول له عندما يفيق ؟» همس الدكتور حتى لا يسمعه مصطفى الذي يجيد الإيطالية تمامًا: -ـ«الانفجار سوف يساعده على تصديق أي قصة.. سيحسب أن قطاعًا قد مُحي من ذاكرته مع الانفجار، ولسوف يكوّن ذاكرة زائفة عما حدث» *********** رأى مصطفى البلطة الهائلة تتجه نحوه فارتمى فوق الثلوج.. لم تصبه البلطة .. كان يشعر بالسهم يبرز من صدره، وقدر أنه لم يؤذه جدًا. مد يده وبقوة انتزع السهم فانبثق خيط من دم وراءه. أين أنا؟ ماذا أتى بي هنا؟ هذا البرد الشديد .. لماذا أرتدي هذا الفراء؟ من اين جاءت هذه الثلوج الكثيفة ؟ من هؤلاء المهاجمون .. ؟
عدد الصفحات ٥٩59 على كل حال رأى رجلين يهرعان نحوه، وكان على حافة جرف زلق. عرف أن أي حركة ستلقي به من عل، لا يستطيع عمل شيء. الأقدار تدخلت في اللحظة المناسبة، فقد انهارت الأرض تحت أقدام الرجلين، فصرخا وتناثر الجليد الناعم .. رأى عددًا من السهام تنطلق نحوه فركع على الأرض … ماذا حدث؟ كان يشرب النبيذ مع البروفسور في الكوخ الدافئ، ثم حدث شيء ما .. هذا كابوس … صاح بأعلى صوته بالإيطالية: -ـ«ماذا تريدون مني؟» فجاءته الإجابة أقرب للزئير.. هونجا هونجا .. مووووووووه !…. هؤلاء نوع من الوحوش .. لا شك في ذلك .. كانوا قادمين من أسفل الجرف وهم يعوون ويزأرون ملوحين ببلطات نحاسية ملفوفة بجلود الحيوان. أدرك أن قطعة الجليد التي يقف خلفها قابلة لأن تتفكك .. ركع وهوى عليها بضربات متسارعة بالبلطة. ركلها بقدمه.. تدحرجت لأسفل ككرة ثقيلة راحت تزداد حجمًا وسرعة وهي تندفع .. عندما بلغت المهاجمين كانت سلاح قتل .. أسقطت اثنين في الثلج وبعثرت اثنين ولعلها مرت فوق واحد . صرخ بأعلى صوته: -ـ«أنتم تتلقون العقاب»! أسند ظهره للجدار وراح يحاول تهدئة ضربات قلبه الموشك على الانفجار .. اهدأ .. اهدأ .. من الواضح أنهم أغبياء ..
عدد الصفحات ٦٠60 شرسون لكنهم أغبياء. أنت تملك الذكاء وبالتأكيد سوف تتمكن من قهرهم .. راح يتأمل الوشم الغريب على ذراعيه .. ثم راح يهرش شعره المنكوش .. التقط قملتين من شعره تفحصهما في هلع، وشعر بأن هناك بركان نار في معدته .. أين رأى هذا الوشم من قبل؟ ثم ارتجف هلعًا .. كان هذا منذ ساعات .. المومياء !!! *********** -ـ«هل ترغب في الرحيل يا مصطفى؟ سنعيدك إلى بولتسانو» -ـ«هل أنت بخير؟» -ـ«أنت بحاجة لنوم عميق» قال د. باولو: -ـ«إنه في حالة صدمة عصبية.. أرى أن نعيده لمسكنه حالاً .. كلارا صديقته تعرف كيف تعنى به .. لا .. لا أطباء» لم يتكلم مصطفى.. بينما شعره الطويل يغطي وجهه وهو يستند إلى داريو ولورنزو .. أطلق صوتًا غريبًا من بين شفتيه وزاغت عيناه .. بدا كمن يحملونهم للشنق عندما تتخلى أقدامهم عنهم .. في توتر سانده الرجلان متجهين إلى خارج الكوخ .. لحق بهما د. باولو وهو يرمق الكوخ في حسرة ..
عدد الصفحات ٦١61 جلس في السيارة الفان جوار السائق داريو، بينما جلس لورنزو جوار مصطفى في الجزء الخلفي .. دار المحرك وانطلقت السيارة وسط طريق الجبال، بينما بدأ الأفق يتلون .. إن الفجر قادم بعد ليلة عصيبة طويلة. كان باولو شارد الذهن … يدخن الغليون محاولاً فهم لماذا فشل .. أنت تعرف طبعًا أن وعي مصطفى انتقل ليسكن جسد أوتسي .. بينما وعي أوتسي قد صار في جسد مصطفى، لكن هؤلاء الحمقى لا يعرفون ذلك .. إنهم سذج .. أليس كذلك؟ 5 في الشارع الهادئ الخالي الذي بدأ ضوء النهار النضر يكسوه، لكن الناس لم تصح من نومها بعد. يترنح ستافرو ممسكًا بزجاجة الخمر التي لم يبق منها سوى قطرات. يتمسك بعمود نور وهو يتساءل عن سبب تحول قدميه إلى مكرونة مسلوقة. يرى العالم في غشاوة ولكم تمنى لو رأى الأفيال الوردية التي يقولون إن السكارى يرونها. لكنه لم ير فيلاً ورديًا ……………… رأى السيارة الفان الواقفة .. ترتج .. شيء يرتطم بها من الداخل كأنها تقل فيلاً هائجًا. هل هذا صوت صراخ؟ «عندما يحملك أحدهم من قفاك ليضرب برأسك سقف السيارة، فإنك لا تدري هل تختنق أم تموت من إصابة الرأس»
عدد الصفحات ٦٢62 ثم رأى رجلين يترجلان.. أحدهما صغير الحجم والآخر قوي، وهما يهرعان إلى الجزء الخلفي من السيارة .. يفتحان الباب.. جو عام من الانزعاج والذعر .. يقفزان للداخل .. «الأسنان التي تطبق على الحنجرة ليست أروع شيء في العالم .. صدقني» صرخة مكتومة، ورأى دمًا ينتثر على زجاج العربة، ثم صرخة مكتومة أخرى.. هذه المرة سقط رجل من الباب المفتوح .. وخيل للسكير أن الرجل بلا صدر.. أو أن هناك ثقبًا هائلاً في منتصف صدره .. من الباب الخلفي للسيارة وثب رجل ضخم له شعر طويل يتدلى على كتفيه .. كان وجهه ملوثًا بالدم، كأنه أسد فرغ من التهام وعل .. نظر حوله في توحش .. ثم داس جثة الرجل الملقى على الأرض الذي لم يعد لديه صدر … تلفت العملاق حوله، ثم مشى نحو بناية قريبة … نظر ستافرو إلى الزجاجة، وقدّر أنه شرب أكثر مما ينبغي.. هذا الذي يراه لا يمكن أن يكون حقيقيًا. على الأرجح هي أفيال وردية من نوع جديد .. قال لنفسه: -ـ«هيك!.. الساحرة الشمطاء في بيتي معها حق. كان علي أن أنام في فراشي وأنعم بالدفء .. هيك»! ثم طوح بالزجاجة في أقرب صندوق قمامة.. في الواقع لم يكن قد بقي فيها الكثير .. ***********
عدد الصفحات ٦٣63 كلارا هرعت لتفتح الباب لأن البوّابة نائمة على الأرجح . هي بناية متواضعة من خمسة طوابق. لها ذات الطابع الأوروبي القديم المميز. كل شقة تتكون من غرفتين ومطبخ وحمام ضيق والمواسير عتيقة والجدران مشققة، وهناك جهاز تلفزيون ينتمي لعصر ما قبل جهاز التحكم عن بعد. صديق لمصطفى اتصل بها فجرًا على هاتف مصطفى وقال إنهم سيحضرونه لأنه ليس على ما يرام. أصابها الهلع، وراحت تنتظر سماع سيارة في الشارع الهادئ. كلارا فتاة إيطالية لديها سمات الجمال التي تحمل شيئًا يبهر كل واحد، وقد كانت محظوظة لأنها قابلت ذلك العملاق المصري طيب القلب مصطفى. قضت معه أعوامًا سعيدة لكنها رفضت كل محاولاته للزواج .. تريد أن تظل حرة تطرده متى أرادت ..وكانت تؤمن أن كل شخص حتى شارلي شابلن نفسه سوف يصير مملاً لا يطاق بعد فترة طالت أو قصرت. عندها لا تريد أن تتحمل شخصًا مملاً . سمعت صوت سيارة فأطلت من النافذة .. لم تفهم ما يحدث لأن السيارة الفان تقف عند المنعطف .. ثم رأت مصطفى قادمًا من خلف السيارة .. أصابها الجزع!. إنه ملوث بالدم!! وجهه وصدر قميصه .. ماذا دهاه؟ هرعت ركضًا على الدرجات المنحدرة ثم مدت يدها تولج المفتاح القديم في البوابة الخارجية. خرجت له في الشارع تنظر لعينيه الزائغتين والدم الذي يغطيه ويسيل من بين أسنانه ..
عدد الصفحات ٦٤64 -ـ«مصطفى!.. ماذا دهاك؟؟» واندفعت نحوه لكنه أزاحها بخشونة، ثم مد يده يطبق على معصمها .. جرها معه نحو البناية، وهي لا تفهم شيئًا .. مصطفى/ أوتسي كان يشعر بشيء غامض يقوده في هذا الاتجاه بالذات .. ثمة شيء غريزي يحركه، كأنه جاء هذا المكان مرارًا .. السبب الآخر هو أنه كان بحاجة إلى الارتواء بعد كل ما لوث فمه من دماء. كانت معركة جيدة جندل فيها خصومه ومزق حنجرة أحدهم وكسر عنق الثاني، ثم مد يده في قلب القالث فانتزعه .. هو كالوحوش يريد شرب الماء ليزيل مذاق الدم .. ثم أنه يشعر بحاجة قوية للتكاثر .. غريزة التكاثر تدفعه دفعًا نحو هذه الأنثى .. -ـ«مصطفى .. لماذا تشدني بهذه القوة؟» لكنه أصدر نوعًا من الزئير.. ثمة شيء غريب هنا .. انظري له جيدًا يا بلهاء. هذا ليس مصطفى .. هاتان ليستا عينيه. هاتان عينا مجنون .. انظري جيدًا يا بلهاء .. هذا الدم على وجهه وفمه وصدر قميصه لم يأت من اي جرح في جسده .. لا توجد جراح .. ألا تلاحظين هذا؟ هذا دم غرباء! إنه يفتح الباب .. إنه يصعد معك إلى الشقة وهو يصدر خوارًا … ***********
عدد الصفحات ٦٥