المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ٣ من ٢٢

33 هناك وقف هؤلاء الأربعة ينظرون لقبر(آلان رادكليف) غير مصدقين. ثمة وغد ما قد جاء ليلاً ونبش المقبرة وسرق الجثمان. كانوا قد سمعوا عن جرائم مماثلة في الفترة الماضية لكن لم يجل بخاطر واحد منهم أن يحدث هذا لآلان .. قال مارك وهو يضم المعطف الأسود إلى جسده ويرتجف من البرد. كان فارع القامة له عينان وساعتان محاطتان بالسواد تذكرانك بعيني الراكون : -ـ«الأمر جد خطير.. فلنعد ونتكلم عندي» وفي خفة عاد أربعة الرجال إلى السيارة، وانطلقوا قاصدين بيت مارك الذي حوله لدار عبادة خاصة بهم. إن حرية العبادة مكفولة عندنا في الولايات ويمكنك أن تؤكد أن دينك يحتاج لوجود تماسيح في دارك، ليسمح لك رجال الشرطة بذلك. لكن جماعة (ريبيرث) كانت تؤمن بالسرية وبأن دينهم ليس للتبشير. لا نريد أتباعًا .. دعني أعترف لك أن طقوس عبادتهم كانت وحشية أو شبه وثنية في لحظات بعينها. خليط عجيب من المانوية والبروتستانتية وعبادة الشيطان. خليط لا يخرج إلا من عقل مخبول. والمخبولون – كما تعلم – لهم تأثير قوي عبر التاريخ .. إنهم يجيدون خداع الناس دائما. لكن عقيدتهم هذه كانت تقضي بأنهم يجب أن يخرجوا زعيمهم من القبر ويحنطوه ويحتفظوا به للأبد. مات آلان رادكليف زعيمهم ومؤسس الحركة بالسرطان منذ أيام، وقد هرعوا جميعًا لقبره وهم يحملون أدوات الحفر لإنقاذ دينهم . هنا اكتشفوا أن وغدًا ما سطا على المقبرة قبلهم.

عدد الصفحات ٣٤

34 كان هذا خطيرًا، ومعناه أن أرواحهم قد ضاعت للأبد . سوف يذهبون لهيدز مملكة الموتى الجحيمية ويتعذبون دون أمل في الخلاص. هكذا اجتمعوا في دار مارك، وراحوا يلهثون من البرد. أعد لهم مارك بعض النبيذ الساخن الممزوج بقطرات الدم من أجل الدفء وظلوا يرمقون نيران المدفأة لنصف ساعة .. في النهاية قال مارك: -ـ«نحن في مأزق.. يجب أن نجد جثمان الأخ الأكبر رادكليف قبل أن يتحلل أو يتبدد» -ـ«وإلا هي هيدز» كان عدد أتباع الجماعة أربعين ألفًا في الولايات.. لا يعرف هؤلاء الأربعون ألفًا أن أرواحهم مهددة.والمشكلة أن هؤلاء هم حراس قبره .. قال مارك : -ـ«لا يوجد حل سوى طلب عون الشياطين .. هي ستخبرنا بالسر» -ـ«لكن هذا مخيف» -ـ«وما نحن فيه مرعب» تشتعل النيران في المدفأة بينما يضع مارك العباءة السوداء على كتفه. يلبسون جميعًا نوعًا من المسوح، وبالطبع يرسمون على الأرض النجمة الخماسية.. يطفئون الأنوار فلا توجد سوى شموع مشتعلة وضوء المدفأة .. يسكب مارك دم دجاجة ذبحها حالاً على النجمة. يلتفون حول جمجمة .. الخلاصة أنهم مارسوا الروتين القذر الذي يلجأ له

عدد الصفحات ٣٥

35 السحرة في الاتصال ببهيموت. وراحوا يرقصون حول النجمة كالمجانين. في النهاية تشابكت الأيدي، وبدا أنهم جميعًا يرون ذات الرؤيا في لحظة واحدة. همس مارك من بين أسنانه: -ـ«أنتم ترون ما أراه.. أليس كذلك ؟» -ـ«بلى» -ـ«قد تكلمت الشياطين» -«اسمه ماكس برودسكي» -ـ«نرى وجهه. إنه يشبه لوسيفر نفسه» -ـ«يعيش في فيرمونت.. نرى داره وسط الثلوج» -ـ«نعرف أن أخانا هناك» عندما انتهت الطقوس راحوا يلهثون وارتموا على الأرض في إعياء، لدرجة أن مارك راح ينزف من أنفه من فرط الضغط العصبي. كان العرق يغمر جبهته ويتوهج في النيران.. قال لهم: -ـ«سوفنذهب هناك ونأتي بأخينا .. اما من فعل هذا فليندمن أشد الندم» عرفت هذا كله من الصحف فيما بعد.. لقد نشرت الجماعة مذكراتها مسلسلة لمدة شهرين كما تعلم . عدة صحف اشترت حق النشر. عرفت كذلك أنهم حملوا ما يلزم من سلاح واختاروا سيارة ذات حقيبة كبيرة لتتسع للجثمان، ثم انطلقوا نحو البقعة التي رأوها في أحلامهم.

عدد الصفحات ٣٦

36 توقفت السيارة وسط الأشجار، ثم هتف مارك وهو يرفع قلنسوة السترة (أنوراك) لتغطي رأسه وأذنيه: -ـ«سوف نتحرك ياشباب.. معلوماتي انه يعيش وحده» هتف أحدهم وهو يشير لسيارة ليكساس تقف بعيدًا وسط الأشجار: -ـ«من هذا ؟ هذه ليست سيارته .. يخيل لي أنه متلصص مثلنا» -ـ«لو كان ضيفًا فهو حظه العاثر.. سنجده في الداخل، وليكتشفن أنه الشخص الخطأ في المكان الخطأ ».. وفي بطء بدأ الرجال يتسلحون ويتأهبون للتحرك… الليل يرخي ظلاله ، وهذا سيجعل الأمور اسهل بالتأكيد .. لا تقلق أيها الأخ رادكليف. لن تمر الليلة إلا ومومياؤك في معبدنا. 5 هناك دائمًا نافذة قبو صالحة للاقتحام في هذه البيوت. كل بيوتنا حصون مفتوحة لمن يريد الدخول، وقد استطاع أعضاء جماعة ريبيرث أن يدخلوا… كان هذا قبوًا .. الثلج يتكاثف على زجاج النافذتين الصغيرتين، لكن واحدة منهما تهشمت. وعبر الزجاج المهشم تسلل الرجال واحدًا بعد الآخر.

عدد الصفحات ٣٧

37 الرائحة كانت غريبة.. عطنة. يمكن بسهولة أن تخمن وجود أجسام متحللة هنا. تبادل الرجال النظرات، ثم أدركوا أن هذه الأحواض جوار الجدار ليست أحواض سمك. – ـ«يا لموهول»! موهول هو إله من آلهتهم. معنى الكلام هو (رباه!). وانطلق شعاع خافت من النور يتفحص الأحواض الزجاجية. كانت مليئة بسائل شفاف لعله الفورمالين، وفي السائل يسبح جسد.. لعله متحلل أو سليم.. لكنه ميت جدًا… برغم أنهم رجال أشداء خلقوا ليثيروا الخوف، فإن أنفسهم طارت شعاعًا لهذا المشهد الغريب. هناك نحو ستة أجساد مغمورة، وهناك أكثر من دن ثقيل لابد أنه يحوي كيماويات التحنيط. راح مارك يتفقد الوجوه، ثم تصلب أمام وعاء زجاجي وهتف: -ـ«هذا هو أخونا.. رادكليف هنا.. لقد صدقت الرؤيا» تكأكأ الجميع ينظرون في احترام ورهبة إلى وجه أخيهم الأكبر الطافي وسط الفورمالين. يعرفون أن عليهم أن يحرروه ويلفوه في بطانية ويحملوه لمعبدهم.. -ـ«ليس بعد».. قالها مارك وهو يخرج مديته اللامعة، ويلوح بها: -«الذي فعل هذا ودنس قبره سوف يدفع الثمن» -ـ«أجل».. وهكذا خرج الرجال الغاضبون من القبو، يلقي ضوء الكشاف ظلال الغيب على الموجودات فتدب فيها روح خاصة.. خرجوا إلى قاعة ممتدة كأنها معرض. ونظرة منهم إلى الجدران جعلتهم

عدد الصفحات ٣٨

38 يدركون أنها كلها صور فكتورية الطابع لأشخاص ينظرون للكاميرا، عندما كان اسمها (داجيريت).. ما هذا المكان؟ وما سر هذه الصور.. على باب الغرفة الأخرى كان هناك كلب مقتول.. كلب لبرادور جميل للأسف. لماذا يمتلك أحد الأشخاص كلبًا مقتولاً يسيل منه الدم مهما كان مخبولاً؟ دخلوا القاعة التالية التي تبدو كأنها غرفة جلوس.. مكتب من طراز عتيق ومدفأة.. ثم تصلبت عيونهم إذ رأوا – في ضوء لهب المدفأة – رجلاً يركض نحوهم طالبًا الغوث، وقد بدت عليه أفظع علامات الرعب.. كان رجلاً وسيمًا وعلى قدر من الرقي، لكن الهلع بدل ملامحه تبديلاً . لم يكن هذا هو الوجه الذي رأوه في الرؤيا. صرخ وهو يترنح: -ـ«اهربوا! الشيطان يسكن هنا! إنه الشيطان»!! لم ينتظر مايكل ليفهم، بل عاجل المهندس المذعور سيرل بطعنه نافذة في صدره، وسرعان ما انهالت عليه الطعنات من الغاضبين. لم يعرفوا جرمه ولا سبب قتله، لكنه موجود هنا وكفى. وكما قال مايكل من قبل: -ـ«لو كان ضيفًا فهو حظه العاثر.. سنجده في الداخل، وليكتشفن أنه الشخص الخطأ في المكان الخطأ».. هنا تصلبوا.. رفعوا رءوسهم فأدركوا حقيقة ما يتدلى من السقف.. كان هذا هو الوجه الذي رأوه في رؤياهم. ماكس برودسكي الذي يشبه الشيطان. كان يتدلى مشنوقًا من السقف، وهو ينظر للعالم بغباء من حوله…

عدد الصفحات ٣٩

39 من قتله ومتى؟ هنا خرجت من موضعي خلف المكتب ووقفت أمامهم.. عرفوا على الفور أنني لست كما أبدو.. تساقطت المدي من أيديهم وهم يتراجعون، بينما بدأت أتقدم منهم ببطء… قلت لهم: -ـ«لقد مات برودسكي، وورثت أنا كل هذا المتحف بما فيه من صور وما في القبو من جثث سرقها.. كان هو تجسد أنوبيس. ابن آوى.. حارس المقابر والمسئول عن التحنيط لدى الفراعنة، ظللت أجمع معلومات لكتابي عدة أعوام، إلى أن وجدت الرجل الذي أبحث عنه.. الرجل الذي قررت أن أكون بدلاً منه . عندما وجدته قتلته لأكون أنا التجسد الجديد»… ثم رفعت يدي منذرًا : -ـ«والآن أيها الصبية.. غادروا المكان حالاً قبل أن ينفذ صبري»! لم ينتظروا أوامري.. عندما رأوا وجهي وسمعوا صوتي، عرفوا أنني بحق قد نطقت.. أنا هو الموت نفسه.. سرعان ما ركضوا هاربين من حيث جاءوا وسمعت محرك السيارة… *********** لم تعد جين تعيش معي في بيتي.. جين الرقيقة الحسناء أخذوها مني، ودفنوها تحت التراب.. القتلة! قال لي دكتور (ستيف ) وهو يقلب صفحات ملفي: -ـ«هل سمعت عن دكتور كارل تانزلر؟» -ـ«طبعًا»

عدد الصفحات ٤٠

40 لم يهتم.. كان يريد أن يواصل الكلام: -ـ«كان ألماني المولد لكنه يعيش في فلوريدا، وكان يعشق زوجته الكوبية إيلينا ميلاجرو، فلما توفيت بالدرن تسلل لقبرها بعد شهرين، وسرق جثتها وعاد بها لبيته.. وعاش معها.. عندما سقط جلدها أصلحه، وعندما سقط شعرها صنع لها جُمّة منه.. وكان يسكب عليها العطور والمطهرات ليخفي رائحتها. ظل معها سبعة أعوام كاملة حتى انكشف أمره ودفنوها. أعتقد أنك تعيد نفس قصة تانزلر. أنت عشت هنا عدة أعوام تكلم جثة متحللة محنطة، وتكتب كتابًا غامضًا عن النكروفيليا وتزور أشخاصًا غامضين» يريد إقناعي أن جين ميتة وأن كل كلامها معي كان وهمًا في ذهني.. يريد إقناعي أن كتاب النيكروفيليا وبرودسكي والمهندس وجماعة ريبي رث كلها خيالات صنعتها لنفسي، لأنني أعشق الموت.. ولأن حبي لزوجتي وفقدها قد جعلا أسلاك عقلي تحترق كلها.. هذا الرجل يهذي. يومًا ما سأخرج من هذه المصحة، وأعود لذلك البيت وسط الثلوج في فيرمونت.. سأجد أفراد جماعة ريبيرث وسوف يحكون لهم عن لحظة التحول التي رأوها جميعًا عندما صرت أنا أنوبيس… يومًا ما سأجد جين من جديد، ولسوف تعيش معي للأبد… سيرون…سيرون. تمت

عدد الصفحات ٤١

41 حكايات مومياء الثلوج 1 ألا تخشى اللعنة حقًا؟ هذا كلام فارغ يا صاحبي.. أنت تعرف أن هذا الكلام الفارغ يُقال عن كل المومياوات في التاريخ، منذ مومياوات الفراعنة حتى مومياوات الأنكا. التعامل مع الموتى يدعو للتطير في كل مكان وزمان.. إن اللعنات تولد طيلة الوقت . أليس كذلك يا مصطفى؟ كم من كلام قيل عندكم في مصر حول هذا الموضوع! لا توجد لعنة. عليك أن تصدق هذا وتتصرف على أساسه.. هذا الرجل جِدّي .. أعرف هذا يقينًا، وأعرف أن دمه هو دمي.. ليس هذا فحسب، بل هناك كثيرون في الإقليم يمكن أن أؤكد لك أنهم يمتون له بصلة قربى. لقد قمت بعمل تحليل AND مرارًا .. أنا طبيب وأعرف ما أقول، ولا شك أن هناك تطابقًا جينيًا بنسبة 80.% هذا الرجل جدي.. وهذه المومياء ملكي.. وجدي لن يؤذيني.. ***********

عدد الصفحات ٤٢

42 كانوا يتكلمون همسًا وهم يمشيون وسط ردهات المتحف الصامت شبه المظلم.. لم يكن هذا أنسب وقت للمناقشة، لكنهم في الواقع كانوا يحاولون تبديد توترهم.. باولو قد عطل الكاميرات وجهاز الإنذار، فهو يعرف ما يفعله جيدًا، بينما مصطفى قد قام بتخدير الحراس.. سوف يكون الأمر سهلاً . والآن أنا مدين لك ببعض أشياء.. أولاً يجب أن أخبرك أننا في ردهة متحف جنوب التيرول في بولتسانو، بإيطاليا.. الإيطاليون يسمون الإقليم (آلتو أديجي) ويقع في شمال إيطاليا. النمسا قريبة جدًا بالمناسبة. ومن الغريب أن معظم السكان في جنوب التيرول يتكلمون الألمانية، لكن الإيطالية هي لغة بولتسانو.. ثانيًا يجب أن أخبرك أن هؤلاء هم شاب مصري قوي البنية له شعر مجعد طويل يتدلى على كتفيه، ولا يكف لحظة عن إزاحته عن وجهه بيده ذات القفاز. الرجل الثاني له ملامح دقيقة هشة كأنه دمية صغيرة الحجم، ورأسه أصلع وله عينان زرقاوان واسعتان . اسمه د. (باولو).. طبيب إيطالي. الثالث مهندس إلكترونيات إيطالي نحيل جدًا وطويل جدًا، حتى كأنه أول قلم رصاص حي في التاريخ..هذا هو (لورنزو).. إيطاليان ومصري يزحفون في هذا المتحف في ساعة متأخرة من الليل، أو للدقة الجغرافية نحن في الساعات الأولى من الصباح. ليست الحراسة بهذا التعقيد، فنحن لا نحرس مجوهرات تاج أو حلي ملكة أو قناع توت عنخ آمون.. نحن نتكلم عن بعض المومياوات الموضوعة وراء حواجز زجاجية، ولا أحد يسرق

عدد الصفحات ٤٣

43 المومياوات على قدر علمي إلا إذا كان عالم آثار يفهم عمله. نحن نتكلم إذن عن سرقة علمية شديدة التحذلق.. سرقة علمية.. أو سرقة طقسية.. يمكنك أن ترى الواجهة الزجاجية المضاءة بأنوار ساطعة، وهناك مقياس رطوبة ومحرار.. وفي وسط القفص الزجاجي ترقد المومياء. هي مومياء تشبه أي مومياء أخرى.. نفس العيوب والمزايا.. نفس العينين الفارغتين والأنف المتآكل.. لو وضعوا لافتة تقول إنها مومياء بعنخي أو سنوسرت الأول لما بدا الأمر غريبًا، لكننا هنا نرى الاسم بوضوح: أوتسي… رجل الثلج التيرولي عالج لورنزو بعض الدوائر الكهربية، وبعد خمس دقائق انفتح الغطاء الزجاجي… -ـ«سوف يكون الأمر صعبًا.. يجب ألا تتفتت هذه المومياء» المشكلة أنها لم تكن مومياء. كانت هشة جدًا ونوع التحنيط الوحيد هنا هو الثلج الذي تعرضت له على مدى آلاف السنين. من السهل أن تتحول إلى مسحوق بسهولة. بسرعة وبدقة، أخرج المصري كيسًا من البلاستيك مما تنقل به الجثث، وقاموا بحذر وبأيدٍ تكسوها القفازات بوضع الجسد المتخشب داخل الكيس، ثم حمله الفتى المصري على كتفه.. لم يكن الأمر صعبًا فالجسد ضامر خفيف الوزن كأنه طفل في السابعة.. -ـ«هيا بنا».… قالها الدكتور لاهثًا بينما هم يندفعون جريًا نحو باب الخروج. لا بد من كاميرا منسية سوف تلتقط صورة لهم، لا بد من حزمة أشعة

عدد الصفحات ٤٤

44 تحت الحمراء يقطعونها فتدق جرس إنذار في مكان ما.. إنها مخاطرة كبرى بلا شك. العامل الوحيد الذي يمنحهم بعض الاطمئنان، هو أن هذا كنز علمي وليس كنزًا ماديًا .. لهذا ستكون سرقته أسهل نوعًا.. في الخارج كانت السيارة (الفان) تقف في الظلام ومحركاتها دائرة بينما الشارع خال تمامًا. خرج لهم (داريو) السائق وفتح لهم الباب الخلفي، وسرعان ما ألقوا بالجثة داخلها. ثم أمره الدكتور اللاهث بأن ينطلقوا.. لا تنسَ أن لورنزو وداريو يحملان نفس الجينات مثل المومياء . أما الفتى المصري فهو يدرس علم ترميم الآثار في إيطاليا منذ خمسة أعوام، ولديه خبرة لا بأس بها بالمومياوات… بعد رحلة استمرت ساعتين أو أكثر، كانت السيارة قد غادرت بولتسانو ودخلت شاتو شيليار. هناك عند ذلك الكوخ الجبلي توقفت السيارة وترجل الراكبون، ثم حملوا المومياء إلى داخل الكوخ.. -ـ«لا تضعوه قرب المدفأة حتى لا يتلف» قالها لورنزو.. هذه المومياء تعتمد بقوة على البرد الذي وجدت فيه منذ القدم، ولا شك أن الجو غير صحي على الإطلاق. هناك قفص زجاجي آخر تم التحكم في درجة حرارته ورطوبته، وضعوا فيه المومياء ثم أغلقوا الغطاء. كان د. باولو يشعر براحة أكيدة. لقد نجح في أن ينقذ جده.. جده الذي يُعامل كأنه حيوان في حديقة الحيوان، يأتي العالم كله ليراه ويلتقط له الصور. لقد حق لهذا الجد أن ينعم بنوم طويل مريح.. لا ينتهك خلوته أحد..

عدد الصفحات ٤٥

45 كان الدفن واردًا بالطبع، لكن من المجنون الذي يحرم البشرية من أثر عظيم كهذا؟ السياسة المثلى هي أن تحتفظ به في ظروف مناسبة لكن امنعهم من إهانته. تساءل مصطفى وهو ينظر للمومياء الراقدة : -ـ«ماذا تنتويه بعد ذلك؟» قال الدكتور الإيطالي وهو يشعل غليونًا لأول مرة منذ أربع ساعات، لذا سحب الدخان في جشع: -ـ«سوف أدعو بعض الشخصيات المهمة من الذين يحملون نفس الجينات ليزوروا جدهم.. النمساويون يعتقدون أنه أقرب لهم، بينما أنا أعتبره مواطنًا إيطاليًا» ثم نظر لمصطفى وسط سحابة الدخان الكثيف: -ـ«هل تقبل من يقول لك إن رمسيس الثاني لم يكن مصريًا على الإطلاق؟» -ـ«سوف أفجر رأس من يزعم هذا» -ـ«نحن لن نفعل هذا بالضبط.. سوف نفعله بشكل أكثر رقيًا . لقد أخذنا المومياء لنا.. لن يجدوها أبدًا» *********** دعنا من هذا السخف إذن.. أنت تعرف كما أعرف أن هذه المومياء ستعود للحياة. من الغباء أن أفترض أنك لم تخمن ذلك. القصة دائمًا هكذا ربما منذ عصر (جوهرة النجوم السبعة) لستوكر.. لا يمكن الكتابة عن

عدد الصفحات ٤٦

46 مومياء دون أن تعود للحياة. لا بد أن المومياء التي لا تفعل هذا سيئة الأخلاق.. ليس هذا هو المهم.. المهم كيف سيحدث هذا؟ والأهم هو مصير ذلك الشاب المصري.. وماذا عن كلارا الحسناء؟ 2 لا يعرف الوقت.. فقط كانت الشمس تنحدر نحو الغرب، وقد بدأ اللون الأرجواني الممزوج بالأزرق يلطخ كل شيء. كان يحمل البلطة النحاسية ويتلفت حوله في رعب. ما اسمه؟ لا اسم له.. إنه هو. هذا زمن تعرف فيه الشخص برائحته وشكله وصوت زئيره، لكننا للتسهيل نطلق عليه اسم أوتسي.. لا بد أنك خمنت أننا قد عدنا بآلة الزمن الخيالية 5500 عام في الماضي.. هناك خمسة وخمسون قرنًا تفصلنا عن هذه اللحظة. بالتأكيد لم تكن صحة أوتسي على ما يرام. مفاصله متآكلة تمامًا من النقرس والروماتزم.. ولديه أكثر من حصوة في المرارة.. أما أمعاؤه فمليئة بالديدان وأسنانه تالفة.. ويبدو أنه كان يعاني تسممًا مزمنًا بالزرنيخ والنحاس. هذا بالطبع يقضي على أسطورة الرجل القديم المتمتع بصحة رائعة.. هذا رجل سقيم.. البرد جعل جلد وجهه مشققًا كأنه مدبوغ.. لو ضحك – وهذا مستحيل – لسمعت صوت تمزق الأنسجة.. هناك يمشي والبخار يتصاعد من فمه. يمكنك أن ترى الوشم الذي رسمه على عنقه. لو نزعت ثيابه لأدركت أنه موشوم أكثر

عدد الصفحات ٤٧

47 من أي مطرب راب معاصر. كانوا يصنعون الوشم بإحداث شقوق ثم حشوها بالفحم. يبدو أن هذا أقدم وشم في التاريخ، ويرى بعض العلماء أن هذا كذلك أقدم علاج بالإبر الصينية في التاريخ! شعر بجوع شديد.. لقد بدأ يهضم ما تبقى من لحم التيس الذي اصطاده منذ يومين.. هناك بعض النباتات النامية التي بدأت تظهر من بين الثلوج الذائبة. لقد اقترب الربيع، لكنه بالطبع لم يكن يملك أي نوايا شاعرية.. اتجه للنبات وراح يبحث عن غايته بين الأزهار. فيما بعد سوف يستطيع العلماء تمييز كل حبة لقاح في معدته، ولسوف يرسمون رحلته بالضبط عبر ثلوج التيرول.. كان يعرف أنهم يطاردونه. لا يعرف لهم أسماء لكنهم الأعداء.. يجب أن يتحاشاهم بأي طريقة.. كان لا يخاف المرتفعات، فهو قد قضى أعوامه الخمسة والأربعين بينها يرعى الماشية، وكانت رئته بحالة ممتازة، لكن من الواضح أنهم يجيدون تسلق المرتفعات مثله.. يمكنك أن ترى ثيابه المعقدة المناسبة للبرد.. كلها مصنوعة من جلد وفراء الحيوانات.. ومن الطريف أن تلاحظ أنه صمم حذاء يصلح للمشي فوق الثلوج. الحاجة أمّ الاختراع فعلاً . هناك جيب يضع فيه إزميلاً ومطرقة .. على ظهره جعبة فيها عدة أسهم وقوس.. يعرف أنه وحيد، لكن لربما استطاع ببعض التحايل أن يخدعهم أو يهرب منهم…. شعر بالعصارة الحمضية تتجمع في صدره..

عدد الصفحات ٤٨

48 ما كان يجب أن يأكل لحم التيس بعد ما بدأ يتلف، لكنه كان بحاجة للطاقة.. والحقيقة أن هذه الوجبة لن تُهضم أبدًا.. حتى بعد 5500 عام.. *********** عندما انتهى مصطفى من إنهاء إجراءات الحصول على الجنسية، كان قد قرر ألا يعود إلى مصر أبدًا بعدما انقطعت علاقاته هناك كلها. الأب والأم توفيا.. الأخوات تزوجن ولا يبالين به.. حبيبته تزوجت.. لم يعد هناك مايربطه بمصر سوى النيل والهرم وطبق الفول.. سوف يحاول أن يجد بديلاً في إيطاليا ويحاول أن يحب البيتزا والباستا، وبالتأكيد سوف يجد حبيبة في مكان ما. كان قد درس ترميم المومياوات، لكنه تحاشى أكثر من مرة أن يعود لمصر. على الأقل في الفترة التالية. يعرف أن مصر نداهة سوف تناديه لأحضانها مهما ابتعد.. هو فقط غير مهيأ لهذا العناق بعد. كان يعاني الفاقة.. دخله يكفي بالضبط للطعام والمسكن.. وكان يقيم مع طالبة إيطالية حسناء اسمها كلارا. كانت كلارا تحبه حقًا لكنها ترفض مبدأ الزواج تمامً ا. عندما قابل د. باولو في الجامعة، قدر أنه على شيء من الجنون. لكن الجنون معدٍ، وقد سمع من الرجل كلامًا كثيرًا مبهرًا عن مومياء أوتسي.. بالواقع لم يكن الرجل يفكر إلا في أوتسي..

عدد الصفحات ٤٩