17 أن يذبح قاتلاً من الأذن إلى الأذن . كانت مشكلته الأساسية هي أنه لا يجد قتلة بما يكفي. إن ما أقوم به اليوم هو أدق وصف لتعبير: قتل عصفورين بحجر واحد. ألا ترى هذا معي؟ تمت
عدد الصفحات ١٨18 معرض الموت 1 لا يجب أن نخلط الوقائع ببعضها، فالمصادفات تحدث أحيانًا، و نريد أن نصل إلى استنتاجات غير ناضجة كما تعلم.. في الصباح عندما يدخل حارس المقبرة يجول بين شواهد القبور، في ذلك الجو البارد الذي يجتاح نيو إنجلند مؤخرًا، وقد بدأت طبقة الجليد الرقيقة تغطي الأرض. البخار يتصاعد من فمه وتلك الرجفة اللطيفة الخفيفة التي يعشقها. لكنه رأى المشهد من بعيد .. رأى كيف يختلط الجليد مع الوحل الذي خرج من المقبرة. يهرع إلى هناك وتنزلق قدمه على الجليد الأملس ثم ينهض من جديد. هذه مقبرة آل روبنسون وهي من المقابر الجميلة هنا، وقد اعتنت بها أسرة رؤوم لا تنسى موتاها. لكن الأمور لم تعد كما كانت.. يمكنك بسهولة أن تدرك أنه تم حفر المقبرة بعناية .. لماذا؟ كي يخرج أحدهم جثة بالطبع.. المقبرة خالية بالفعل، وقد كانت تخص امرأة اسمها (دوروثي سمارت) توفيت منذ أسبوع. من الغريب أن تتصور أن هناك من جاء ليلاً ومارس أعمال الحفر على ضوء كشاف واهن في هذا الصقيع .. كل هذا دون أن يشعر به أحد.. لماذا يسرق أحدهم جثة؟ حفر القبور وسرقة الجثث geih toPhataob تراث(ثقافي) مهم لدى الغربيين، وبالذات لدى البريطانيين. المشهد الخالد
عدد الصفحات ١٩19 لحفاري القبور الذين يعملون في الظلام على ضوء كشاف.. بالطبع لابد أن يكونوا ثملين. السبب الأول لشرب الخمر هو بشاعة المهمة وقذارتها .. السبب الثاني هو البرد الشديد الذي يحتاج لقطرات خمر في دمهم. في فترة من الفترات تحول الأمر إلى وباء، وبالطبع لم تكن تُسرق سوى قبور الفقراء. يعملون بعصا خشبية حتى لا تسبب الفئوس ضوضاء. تتم سرقة الجثة، والهدف في ذلك الوقت هو إشباع الحاجة التي لا ترتوي للجثث لدى طلبة الطب. كان علم التشريح يزداد أهمية في ذلك الوقت. هناك قصة غريبة عن فتاة حسناء تمت سرقة جثتها في القرن التاسع عشر ليرسم الفنانون جثتها العارية، وقد ظلت الجثة تُستخدم كموديل لشهر كامل قبل أن تتحلل. هذه اللوحات موجودة حتى اليوم. وقد نصحت الصحف قراءها وقتها أن يؤجلوا دفن جثث أحبائهم إلى ما قبل التحلل حتى لا تكون ذات نفع لنابشي القبور. في عصرنا هذا يختلف الأمر نوعًا .. سرقة القبور تتم ضمن طقوس دينية معينة، أو بغرض مثل التهام الموتى .. هناك جثث تم إخراجها من القبور في لندن، وغرست أوتاد في صدورها بدعوى أنها جثث مصاصي دماء. دارت هذه الخواطر في ذهني وأنا أقف مع رجال الشرطة أراقب الموقف. بالفعل توجد آثار جر على الثلج، ويبدو أن هناك من حمل الجثة إلى سيارة تقف خارج المقبرة. على الأرجح لم يكن وحده.. هذه مصيبة لدى الكثيرين، وبالتأكيد عبء على رجال الشرطة وتهديد بالفشل، لكنه بالنسبة لي موضوع شائق بالغ الأهمية .. هل هناك خيط يمكن الإمساك به؟
عدد الصفحات ٢٠20 *********** بعد يومين تم نبش مقبرة أخرى. هناك جسد تم جره وتركوا التابوت مفتوحًا ببطانته المخملية التي اكتست بطبقة ثلج رقيقة. كانت السناجب تتواثب فوق الأشجار التي تحيط بالقبر، عندما وقفت أنا والمفتش جارفيلد ندخن ونتكلم. هو يعرف كل شيء عن كتابي (نكروفيليا) ويعرف أنني ألاحق هذه الحوادث في كل مكان. ما لا يعرفه المفتش هو أنني وجدت شيئًا احتفظت به لنفسي. كانوا يلتقطون الصور ويفتشون المكان، عندما وجدت تلك القصاصة الصغيرة جوار ممر الجليد. أدركت على الفور أنه رقم هاتف تمت كتابته على عجلة بخط رديء. يسهل استنتاج ما حدث. الذي حفر القبر لم يكن يلبس قفازين أولاً، ثم مد يده في جيب معطفه ليخرج القفاز، وسرعان ما طارت هذه القصاصة .. دسستها في جيبي قبل أن يلاحظ أحد. قال جارفيلد: - «الصحافة لم تهتم بالحادث الأول، أما مع الحادث الثاني فلسوف نكون قطعة لحم تُرمى للكلاب. هم في حاجة ماسة لشيء يسودون به صفحاتهم، وقد وجدوه» قلت وأنا أنفث الدخان: - «ما زال من السهل أن تحكم مراقبة المقابر. ليس من السهل أن ينبش أحدهم مقبرة ويسرق جثة وينجو في كل مرة. لابد من أن يفتضح أمره .. يكفيك حارس ليلي في كل مقبرة» - «أنا أعرف عملي» ملت نحوه وسألته في لهفة:
عدد الصفحات ٢١21 - «هل تخفون عني شيئًا؟.. أنا بصدد كتاب وليست مقالة في جريدة. أي إنني لن أذيع شيئًا» ألقى بلفافة التبغ في الثلج لتصنع حفرة صغيرة وهي تغوص. ثم قال: - «عد لبيتك يا ويليام.. حتى لو عرفت شيئًا فهو مفيد للتحقيق ولن يذاع».. ثم نظر في عيني وقال: - «مهنتنا تعلمنا الشك .. كيف أضمن أنك لست من فعل هذا؟» *********** قلت لجين وأنا أصب لنفسي كأسًا من المارتيني: - «تصوري.. يقول إنه من الوارد أن أفعل هذا ».. ضحكت جين حيث جلست تراقب التليفزيون، وقالت: - «كل من يهتمون بالنكروفيليا هم في قائمة الاتهام» قلت في عصبية: - «لو كتبت عن جرائم القتل فلا يعني هذا أنني قاتل .. لو كتبت كتابًا عن الأورام فلا يعني هذا أنني خلية سرطانية» - «الرجل يؤدي عمله على كل حال» - «أنت تعرفين يقينًا أنني لا أغادر البيت بعد العاشرة ليلاً أبدًا.. على الأقل مؤخرًا . أمقت البرد وأحب عملي» - «وتمقت الضيوف كذلك» تركتها ورحت أفتش عن صاحب الرقم الذي وجدته فظهر لي اسم (ماكس برودسكي).. بحث سريع على شبكة الإنترنت أظهر أن ماكس برودسكي مصور..
عدد الصفحات ٢٢22 ماكس برودسكي… يبدو لي الاسم مألوفًا….ثم بدأت أتذكر…ألبوم وقع في يدي منذ عامين، وكان لفنان تصوير يبدو أنه من أوروبا الشرقية .. معظم الألبوم كان يمثل موديلات حسناوات في ثياب هفهافة شفافة، وقد اتخذن أوضاعًا أقرب للموت .. بعضهن كن نائمات في توابيت، وبعضهن مالت رؤوسهن إلى جنب كأنهن مشنوقات. بعض الصور كانت تظهر جثة طافية فوق صفحة المياه على طريقة لوحة أوفيليا الشهيرة… كان هذا الألبوم جنة لمن هم مولعون بالموت .. فتشت في شبكة الإنترنت عن صفحة الفنان، فوجدته .. لم أعتد قط أن أشعر براحة تجاه الرجال الذين يطيلون شواربهم ليوصلوها باللحى.. تشعر بتأثير شيطاني معين في الوجه، وما يزيد الطين بلة أن يكون الرأس أصلع حتى يقترب في ملامحه من لافي صاحب كنيسة الشيطان. هذا وجه مناسب جدًا … ومادة دسمة لكتابي لم أفطن لها من قبل. الأهم هو أن تجد رقم هاتف هذا الرجل بالذات جوار قبر منبوش. لا أعتقد بالطبع أن الناس يمشون حاملين أرقام هواتفهم في جيوبهم، لكن من الوارد جدًا أن يكون من نبش القبر مرسلاً من ماكس، وكان يحمل الرقم في جيبه. دخلت إلى مكتبي وأمسكت بالرقم وضغطت على مفاتيح الهاتف. 2 كان هذا هو الموعد. قلت لجين إنني سأقابل ذلك الرجل المريب في التاسعة مساء. قالت إنني أضيع وقتي مع المخابيل، لكن
عدد الصفحات ٢٣23 الإجابة كانت حاضرة قاطعة: أنا أجري بحثًا علميًا. طلبتْ مني أن أرتدي ثيابًا ثقيلة نوعًا، الجو بارد حاليًا خاصة في الليل. أمقت أن أعامل كطفل لكني فعلت ذلك. يقيم برودسكي في بيت كبير في إحدى ضواحي فيرمونت .. هذا هو العنوان الذي ذكره لي. كان البيت يبدو جديرًا بإحدى قصص ستيفن كنج . لا تنس أننا قريبون من ولاية مين جدًا .. بانجور مين حيث تقع معظم قصص ستيفن كنج المرعبة. طبقة جليد خارج البيت .. يمكنك أن تدور حوله لترى المرآب وفيه سيارة عتيقة غلف عجلاتها بالجنازير. يمكنك أن ترى رفشَا وفأسًا و.. أشياء تصلح جدًا لنبش مقبرة، لكنها كذلك قد تكون بريئة .. ثم من قال إنه يفعل هذا؟ لقد استنتجت أنه كلف واحدًا آخر بهذا .. قرعت الباب فانفتح لأرى ذلك الوجه الذي أمقته. أنطون لافي تقريبًا .. رأس أصلع ولحية متصلة بالشارب تحيط بفم مزموم بعصبية. هذا الرأس يطل من ياقة بول أوفر سميك. لو قرر الشيطان التجسد فلن يسعفه خياله بصورة أفضل .. قلت له في أدب: -ـ«مستر برودسكي.. أنا ويليام جولدمان .. اتصلت بك بصدد »… -ـ«لوحاتي الفوتوغرافية.. أعرف هذا ».. هكذا وجدت نفسي في بيت واسع مريح. هناك كلب لبرادور جميل يتواثب من حولي. هناك مكتب من طراز عتيق .. أنا لا
عدد الصفحات ٢٤24 أفهم في طرز الأثاث لكن أحسبه ثمينًا.. هناك مدفأة .. هناك مكتبة، وهناك عشرات الصور الفوتوغرافية لموديلاته الميتات .. صبّ لي كأسًا من الشراب، وقال وقد لاحظ نظراتي: -ـ«كل موديلاتي من أوروبا الشرقية من حيث جئت.. ثمة سحر معين في النساء في تلك البقعة. الجمال الثلجي البارد الشمعي الذي يوحي بالشهوة ويوحي بالقسوة ويوحي ببرودة الموت .. يمكنك أن تتخيل كل فتاة في هذه البلدان وقد صارت مصاصة دماء» قلت في انبهار: -ـ«هذه لوحات مذهلة .. الرسم بالكاميرا بالمعنى الحرفي، لكني لم آت من أجل الفن» وضع ساقًا على ساق وربّت على رأس الكلب: -ـ«زيارة لفنان تصوير من شخص لا يبالي بالتصوير.. هل لي أن أفهم؟» قلت في حذر: -ـ«أكتب كتابًا عن النكروفيليا.. لدي مراجع عديدة، لكني لاحظت افتتانك بالموت وقررت أن آخذ آراءك كمرجع »… -ـ«حقًا أنا مفتون بالموت ولهذا قصة طويلة».. ثم قال وهو يضع الكأس وينهض: -ـ«هناك معرض صور مذهل في القاعة المجاورة.. كلها صور أصلية دفعت فيها مبلغًا هائلاً من المال .. لا يفعل هذا سوى عاشق حقيقي للموت» الكلب يتواثب حولنا وأنا أمشي خلفه إلى القاعة التي ذكرها. هنا فهمت على الفور ما يتكلم عنه.
عدد الصفحات ٢٥25 في العصر الفكتوري انتشرت عادة شنيعة لدى الناس، خاصة مع كاميرات داجير البدائية. كل أسرة تفقد واحدًا من أفرادها تقوم بإلباس هذا الشخص ثيابًا عادية يومية، مع فتح عينيه الميتتين، ثم يجلس أفراد الأسرة حوله كأنها صورة عائلية هادئة. هذا هو تعبيرهم عن حبهم للمتوفى الذي يريدون أن يظل معهم للأبد. النتيجة هي مجموعة شنيعة من الصور لأشخاص ميتين يجلسون بين أحياء، ومن الصعب أن تصدق أنهم موتى. إن الإنترنت يعج بهذه الصور، ولسوف تلاحظ علامة مهمة هي أن الأحياء تبدو صورتهم مهزوزة بينما الميت تبدو صورته واضحة حادة التفاصيل. في ذلك العصر كان عليك أن تبقى أمام الكاميرا نصف ساعة بلا حراك حتى لا تكون صورتك مهزوزة. بالطبع يتحرك الأحياء مع التنفس بينما الموتى لا يتنفسون. هناك قصة من هذا النوع مع الصورة الرئاسية الشهيرة لأبراهام لنكولن. كان قد وضع ساقًا على ساق وظل أمام الكاميرا نصف ساعة. لاحظ المصور أن ركبة لنكولن مهزوزة في الصورة. تبين السبب فيما بعد وهو أن ركبة لنكولن كانت تهتز طيلة الوقت؛ لأنه كان مصابًا بارتجاع في صمام الأورطي، وهي العلامة التي سماها الأطباء فيما بعد (علامة لينكولن). كل الصور المعلقة أصلية تبدو عليها مخالب الزمن .. صبغة الأيام البنية المصفرة والتجاعيد. صحيح أنها لوحات محمية خلف إطار زجاجي، لكن الزمن أقوى بالطبع. عندما تتصور أن هذه الفتاة الرقيقة الجالسة بين أبويها ميتة، وأنها لن تلتقط أي صورة أخرى معهما، أو أن هذا الطفل الضاحك على حجر أمه قتلته الدفتريا ولن ترى وجهه بعد اليوم. عندما ترى هذه الصور
عدد الصفحات ٢٦26 ترتجف رعبًا.. لها تأثير مقبض عجيب، والحمد لله أن هذه العادة قد انقرضت .. لكن برودسكي قد استطاع الحصول على مجموعة مذهلة .. لابد أنها لا تقدر بثمن .. قلت له في افتتان: -ـ«أنت ثري جدًا» قال في لا مبالاة: -ـ«عندما يتسلط عليك وسواس فأنت تبذل المال رخيصًا من أجله. كل هاوي صور قديمة في العالم يعرف أنني أشتريها بسعر باهظ» -ـ«هل تسمح ليبأن ألتقط بعض الصور لاحقًا؟» لم ينظر لي.. فقط غادر القاعة وأنا خلفه وهو يقول: -ـ«بالطبع.. هذه صور أصلية وحساسة للضوء جدًا .. كل المتا حف المحترمة لا تسمح لك باستعمال الفلاش في التقاط صور محتوياتها. كادوا يفتكون بي في متحف الأرميتاج لأنني حاولت» عندما عدنا لقاعة الجلوس كنت أشعر بانقباض هائل في صدري بعد رؤية المعرض الرهيب. لابد أن هناك خمسين صورة من هذا الطراز عند الرجل. جلست على أريكة وتأملت المكان من حولي .. هناك رف رصت عليه شرائط فيديو وأقراص مدمجة. هناك جهاز فيديو في الركن. كل جهاز فيديو صار عتيق الطراز بعدما انقرض هذا الاختراع أصلاً . لكن عناوين الأفلام تدعو للتأمل: وجوه الموت – موندو – إلخ ..
عدد الصفحات ٢٧27 أي أنها تلك الأفلام شبه التسجيلية التي تجمع لقطات حقيقية للحظات موت ناس .. لحظات بشعة على الأرجح مثل رجل تلتهمه الأسود أو رجل يمزقه قطار .. ترى أين يحتفظ بمجموعته من الأطراف المبتورة من جثث؟ بل أين يضع الجثث نفسها؟. يجلس بردودسكي أمامي وهو يداعب عنق كلبه، والكلب يزوم في مزيج من الاستمتاع والتهديد لي.. هذا رجل فريد .. هذا هو الرجل الذي أحتاج لوضعه في كتابي .. النقطة الثانية المهمة، هي أنه لو كان في الولايات المتحدة كلها رجل ينبش القبور ويخرج منها الجثث، فلابد أنه هذا الرجل .. 3 عدت للبيت فأخرجت طعام العشاء من الثلاجة. وجلست ألتهم طعامي. جاء صوت جين التي صحت من نومها تسألني عما هنالك. قلت بفم مليء بالطعام: -ـ«أنا هنايا ملاكي.. لا تقلقي» ثم أنهيت طعامي فصببت لنفسي بعض الشراب وعدت لها حيث جلست في غرفة الجلوس تراقب التلفزيون. سألتني دون أن تنظر لي لانهماكها مع مسلسل سخيف: -ـ«كيف الحال؟» قلت في حماسة:
عدد الصفحات ٢٨28 -ـ«رائع.. لو أن إد جين الذي كان يسلخ النساء ويصنع من جلودهن عباءة عاد للحياة فلن يكون سوى هذا الرجل»! -ـ«هل ثمة علامات على أنه من ينبش القبور؟» -ـ«لا علامات مباشرة. لكن اهتمامه بالموت مريب. كل العلامات تشير إلى أنه هو الرجل. لا بد أن ألتصق به لفترة» قالت في استبشاع: -ـ«لا أعتقد أنها صداقة محببة.. هي كذلك خطرة» قلت في إصرار: -ـ«هذا كتاب علمي.. من يكتب كتابًا عن الدرن لا بد أن يقضي وقته وسط مرضى الدرن.. لن يذهب لينعم بالهواء الطلق في الكاريبي ويكتب كتابه» ثم طلبت منها أن تصمت.. لا أحب إطالة الجدل. هذا عملي في النهاية وشأني الخاص. *********** وكيف لي أن أعرف أن مايكل سيرل كان قد بلغ ذروة تحمله في ذلك الوقت؟ لقد صبر لفترة طويلة، لكن كل يوم كان يفقده صبره أكثر.. هناك كان يجلس في سيارته الليكساس يراقب البيت من بعيد. وأثار دهشته أن نفس الرجل الغريب صار يتردد على البيت في نفس الساعة من كل يوم، وهو يعرف يقينًا أن صاحب البيت لا يزوره أحد. ما زالت الذكرى تطارده..
عدد الصفحات ٢٩29 المهندس الناجح مايكل سيرل والأسرة الهادئة الجميلة. زوجته بيتي وطفله بيلي والكلب اللطيف والحديقة وأعياد الشكر والكريسماس.. الغد ممتد للأبد كطريق تحفه الورود. كان يوقن أنه من القلائل المحظوظين الذين هزموا الخوف. اضطررته ظروف السفر إلى قضاء أيام في كاليفورنيا. بعد أيام عاد إلى بيته الجميل.. منذ اللحظة الأولى شعر بدهشة لأن الكلب لم يخرج للقائه.. فتح الباب فلم يخرج بيلي للقائه.. في الداخل لم تأت بيتي للقائه.. أين ذهب الجميع؟ دخل متوجسًا إلى غرفة الجلوس فرآهم. بعد أن ظل يصرخ لربع ساعة اتجه إلى الهاتف ليطلب الشرطة. واكتشف أنه بلل سرواله لأنه لم يعد يتحكم في عضلاته العاصرة.. لم يكن المشهد شنيعًا.. كل واحد منهم قتل برصاصة رقيقة أنيقة في القلب. كأن من قتلهم لم يرد أن يفسد شيئًا. ثم تم وضعهم في المقاعد بشكل أنيق ليبدو كأن بيتي مسترخية والطفل على حجرها، ودارى مواضع ثقوب الرصاص بشريط لاصق ملون. حتى الكلب تم وضع دعمات لتجعله كأنه قابع على السجادة وقد رفع رأسه وخرج لسانه في مرح. تمت خياطة الجفون لتظل مفتوحة. قال المحقق إنه من الواضح أن الجريمة تمت أمس لأن الجثث بحالة ممتازة. لماذا؟ لماذا يعمد القاتل إلى وضع قتلاه في هذا المشهد العائلي المبهج؟ احتاج الأمر لشهر في المصحة وأطنان من المهدئات إلى أن استعاد روعه. هذا ما عرفته فيما بعد.
عدد الصفحات ٣٠30 ظلت علامات الاستفهام تحوم حول هذا اللغز إلى أن رأى صورًا فكتورية للموتى . تلك العادة الكريهة التي انقرضت لحسن الحظ. هنا أدرك أن الموتى يجلسون في أوضاع شبيهة جدًا بأوضاع أسرته التي ماتت عليها. ظلت علامات الاستفهام تحوم في ذهنه، إلى أن رأى صورًا معاصرة لموتى. تمت معالجتها لتبدو فكتورية، لكن الثياب والملامح وتصفيفات الشعر عصرية جدًا.. هناك مجنون قرر أن يعيد هذا التقليد الفكتوري. كان هذا موقع إنترنت صربي يبيع لوحاته الرهيبة هذه، زاعمًا أن لديهم مصورًا عبقريًا يعيد استنساخ تلك الصور العتيقة. اتصل بالموقع وعرض شراء بعض اللوحات… عندما حصل على نسخ مكبرة من هذه الصور راح يدرسها بعناية.. أدرك على الفور أن هؤلاء الموتى معاصرون جدًا. ثم أن هناك علامة يعرفها.. الأحياء تكون صورهم مهتزة في تلك الصور بينما تكون صور الموتى ثابتة محددة لأنهم لا يتنفسون. هنا في هذه الصور يبدو كل شيء ثابتًا محددًا.. أي أن كل من في الصورة موتى. السبب واضح. لا يوجد في عصرنا هذا من يرغب في التقاط صورة جوار موتاه. كل من في هذه الصور موتى.. أو ربما هم مقتولون………..؟ صار كذلك على ثقة بأنه لو انتظر وفتش جيدًا فلسوف يجد صورة أسرته. لو لم ينشرها المصور فهي ضمن مجموعته الخاصة..
عدد الصفحات ٣١31 ترى هل الموقع متورط؟ بالطبع. لا يوجد موقع إنترنت ينشر صور أشخاص قتلهم. على الأرجح يبيع المصور صوره زاعمًا أنها أوضاع تمثيلية فنية.. اتصل بالموقع بريديًا، وتظاهر بأنه صحفي يريد إجراء حوار مع المصور العبقري، فجاءه الرد بالبريد الالكتروني: -«يسرنا أن أعمال الفنان ماكس برودسكي قد راقت لك. ويسرنا كذلك أن نخبرك أن المصور العبقري يقيم في الولايات المتحدة في فيرمونت. لإجراء حوار يمكنك الاتصال به على رقم»…………………… ماكس برودسكي؟ صار على يقين أنه سيجد صورة أسرته القتيلة عند الفنان المزعوم. وهكذا يكون قد عرف القاتل.. أما عن سبب القتل فهو – ببساطة – لأنه مجنون. استطاع أن يعرف عنوان ذلك البيت في ضواحي فيرمونت. وأمضى بضعة أيام يراقب المكان. يمكنه أن يدرك أن هذا الفنان مريب يتلقى زيارات عجيبة. لا يمكن أن يكون هؤلاء الزائرون موديلات. هم يبدون كاللصوص أو رجال العصابات، أما الفنان نفسه فيبدو وغدًا.. ليس المسدس.. يريد ميتة عنيفة دامية للرجل، لهذا ابتاع بلطة ومجموعة من المدى وكماشة لانتزاع الأظفار، لكن المرء لا يقتل رجلاً آخر لمجرد شكوك باهتة كهذه .. هو بحاجة إلى أن يجد صورة أسرته في بيت ذلك الرجل الكريه.. هو بحاجة إلى الدخول والتفتيش….
عدد الصفحات ٣٢32 4 للأسف لا يملك المرء قدرة الرواي العليم بكل شيء في القصص. لهذا لم استطع وقتها أن أعرف باقي تفاصيل هذه القصة. كنت أعود لجين العزيزة فأكلمها عن برودسكي، ثم أتناول عشائي، وأمضي الليل في وضع فقرات جديدة من كتابي .. قالت لي جين في أسى: -ـ«لم تعد تهتم بي تقريبًا… لقد استحوذ الكتاب عليك» قلت لها إنني أكره تلك اللحظة التي يقلن فيها كلهن نفس الشيء لأزواجهن. كل زوجة تتوقع أن يدور الزوج حولها حاملاً البخور، ثم يلثم قدميها ويقعي ككلب .. قالت لي إنها تحلم بأن تظفر بصحبة في هذا البيت الكئيب . لماذا لا ننجب ؟ . قلت لها إنني سأجلب لها صحبة بالتأكيد . الحق إن عاداتي تغيرت .. كنت لا أغادر البيت بعد العاشرة مساء أبدًا، فصرت أغادره كثيرًا .. الحقيقة أن برودسكي ومعرضه الغريب استحوذ على تفكيري فعلاً . ما لم أعرفه هو أن جماعة (ريبيرث) كانت في حالة عارمة من الغضب والضيق. وأنت تعرف أنهم خطرون .. *********** بدأ كل شيء امام ذلك القبر المنبوش في إحدى المقابر المجاورة. تلك الأماكن الكئيبة المكسوة بالجليد والشواهد التي يتدلى منها الثلج.
عدد الصفحات ٣٣