المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ١ من ٢٢

1 الجلسة 1 -«هل تدرك معنى ما تقول حقًا؟» -«قطعًا» -ـ«وتدرك تبعات هذا؟» -ـ«أنا لا أكلم محققًا.. أعرف أنك تحتفظ بسرية المحادثة كجزء من آداب المهنة» كان الموقف محيرًا . لا بد أن أكثر من قس اعتراف مر به من قبل، وإنني لأتذكر مسرحية كرسي الاعتراف التي قدمها يوسف وهبي، والتي تدور حول مأزق كهذا .. في فيلم (أنا أعترف) لهتشكوك يجد قس الاعتراف نفسه متهمًا بالقتل مع أنه يعرف القاتل الذي اعترف له! ليس الأمر هنا بهذا السوء والحمدلله.. كلمات المريض مقدسة وسرية، لكن هذا يضعني في معضلة ضميرية حقيقية .. كان شاكر يجلس على الأريكة يتأمل بطاقة رورشوك التي أعطيتها له، وكنت أنا أجلس خلفه كما تعلم. لا يجب أن تجري اختبار رورشوك والمريض يرى وجهك .. هذه هي البطاقة الخامسة. لا أحب هذه البطاقات التي تظهر بقع حبر، وعلى المريض أن يخمن إلام ترمز، فهي طريقة بالية. ويرى أطباء كثيرون أنها تعكس نفسية الطبيب الذي يفسرها وليس المريض، لكني في أحيان نادرة أعرف شيئًا مهمًا منها .. هذا الموقف من تلك المواقف بلا شك …

عدد الصفحات ٢

2 كان يحدق في بقعة الحبر ويكرر فيثبات: -ـ«هذه هي روح الفتاة التي قتلتها منذ عام».. *********** هذه هي الجلسة الثانية لشاكر عندي. هو محام في الأربعين، من ذلك الطراز الذي يقول الناس إنه هادئ مهذب، ويكتشف الطبيب النفسي أنه بالوعة شهوات وآثام. يسمون هذا الطراز في الغرب «الرجل الدمث الذي يمتلئ قبو داره بجثث الأطفال»نحيل.. ذو عوينات سميكة تطل من خلفهما عينان واسعتان مذعورتان متهمتان كعيني بومة .. تساقط الشعر قليلاً عن مقدمة رأسه، وهناك تجعيدتان عميقتان على جانبي فمه، كما أنه من الطراز الذي تملك حنجرته أو (تفاحة آدمه) حياة خاصة بها، فتتواثب كالقردة طيلة الوقت. أبخر نوعًا، وأقرب للتأنق. لم أحبه منذ اللحظة الأولى، لكن لم يخطر ببالي قط أنني سأخافه. هذا ما حدث فعلاً . في الزيارة الأولى قال لي إن لديه هاجسًا مخيفًا .. يريد أن يقتل زوجته، وهو يخشى ذلك. هذا وسواس قهري واضح .. عرفت فتيات متدينات يبتن على قارعة الطريق خوفًا من أن يدفعهن الشيطان لممارسة الرذيلة مع آبائهن، وعرفت فتية متزنين يغلقون الباب على أنفسهم ويلقون المفتاح من النافذة خوفًا من أن يقتلوا ذويهم أثناء النوم. ليس كل الوسواس القهري غسل يدين متكررًا كما تتخيل . الخوف من أن يجن المرء ويرتكب عملاً أحمق هو نوع معروف من الوسواس ..

عدد الصفحات ٣

3 في الزيارة الأولى سألني شاكر عما إذا كنت حقًا حاصلاً على درجة علمية في علم نفس الجريمة، فأشرت إلى الشهادة المعلقة التي حصلت عليها من هارفارد .. لا أعرف إن كان استطاع قراءتها أم لا لكنه شعر بصدق كلامي .. قال لي وهو يحدق في السقف: -ـ«كنت مولعًا منذ صغري بفكرة البلورة السحرية التي تحملق فيها فترى ما يفعله معارفك .. لم أستطع الحصول على بلورة ثم وجدت طريقة تقضي بأن يحملق المرء نصف ساعة كل يوم في قدح من الحبر. تحاول أن تتخيل مشهدًا معينًا وتتخيل تفاصيله .. مع الوقت والمران يكتسب الحبر حياة خاصة به، ويمكنك إذ تطيل الحملقة أن ترى ما يفعله الآخرون فعلاً ».. قلت له في لا مبالاة: -ـ«يسمون هذا عندنا باريدولياaPloaieraP أي أنك ترى ما تريد رؤيته أو تتخيل أنك تراه .. كلنا نرى وجوه نساء في بلاط السيراميك، ونرى أرانب بين السحب، وخيولاً تجري في بقع الماء» بإصرار قال: -ـ«لكن ما أراه في صفحة الحبر لا يكذب. وقد رأيت زوجتي تخونني مع جاري .. رأيت هذا بوضوح وقد تكرر مرارًا ».. قلت له: -ـ«يمكنني أن أؤكد لك أن هذا هراء، وعلى كل حال فمن الواضح أن هذا هو سبب هاجس قتل الزوجة الذي يطاردك» كل رجل طبيعي تمنى بالتأكيد أن يقتل زوجته في لحظة ما، لكنه كما قلت لك (طبيعي)… لهذا ينسى الأمر ويشعل لفافة تبغ

عدد الصفحات ٤

4 مغتاظًا ويخرج ليسهر مع رفاقه، أما الرجل غير الطبيعي فهو ………….. عدت أسأله بصوت هادئ: -ـ«حدثني عن طفولتك ».. *********** الحبل.. افتتان هذا الرجل بالحبال بدأ منذ طفولته .. هذا رجل قضى جل حياته مع الحبال والحبر كما هو واضح. كان يلعب كل الألعاب التي يتم استخدام حبل فيها .. لم يكن يتلذذ باللعبة قدر ما يتلذذ بالحبل.. شيء ما في التصميم كان يروق له. شد الحبل .. الوثب بالحبل … في سن العاشرة شعر أن الجميع يكرهونه، وأن الحياة قاسية، وأن أهله لا يرغبون في بقائه حيًا. بحث عن حبل الغسيل وقطع منه جزءًا لا بأس به ثم دخل إلى الحمام. صعد على مغطس الحمام الزلق، وعقد عقدة في دوش الحمام، ثم صنع أنشوطة صغيرة في الطرف الآخر كما تعلّم في السينما، ثم وقف على حافة المغطس ووضع الأنشوطة حول عنقه. من الغريب أنه لم يشعر برعب أو قلق.. فقط شعر بنشوة لفكرة أن يلتف الحبل حوله. سوف يأتون بعد فوات الأوان، ولسوف يبكون بحرقة ولات حين مناص. شعر برثاء حار لنفسه حتى أغشت دموعه الرؤية فلم يعد يرى تقريبًا .. خواطر محزنة تبعث النشوة في النفس .. لذة التعذب ..البائس الصغير يتدلى وقد انتهت قصة حياته .. أغمض عينيه ووثب من

عدد الصفحات ٥

5 على حافة المغطس، فقط ليسقط على الأرض فوق مؤخرته. طاخ!! .. لم يحدث شيء .. ونظر لأعلى في خيبة أمل فرأى أن العقدة في الدوش قد ارتخت. لم يكن بارعًا في ربط العقد، وكل ما جناه هو أن آذى ردفيه فعلاً، فلا غرابة في أن يصاب بالبواسير . -ـ«البواسير لا تصيب من يفشلون في الانتحار ويقعون على مؤخراتهم».. تجاهل كلامي وواصل السرد. لقد سمع أباه يدق على باب الحمام وقد سمع الارتطام، فهرع يخفي الحبل ويشد السيفون ليوحي بأنه كان منهمكًا، ولعل هذه كانت أول وآخر مرة يجرب فيها الحبل كطريقة لمغادرة العالم .. في سن المراهقة انتقل ولعه بالحبال إلى لذة أن يكون مقيدًا. كان يبحث عن مكان منعزل أو مغلق ويقيد نفسه بالحبل، طبعًا بطريقة تسمح له بالتحرر، لكنه كذلك كان يحب أن يشعر بأنه عاجز. أحيانًا كان يقنع شقيقه بأن يلعب معه لعبة اللصوص أو رعاة البقر والهنود .. أي لعبة تتضمن تقييده .. هذه لمحة ماسوشية لا شك فيها. رأيت في كتاب طب شرعي رجلاً غربيًا قيد نفسه بالحبال إلى سيارته وجعلها تدور في دوائر لتجره خلفها.. أعتقد أنه وضع قالب قرميد على دواسة الوقود. يتلذذ بهذا الضرب من التعذيب، لكن ما حدث هو أن عجلة السيارة التفت حول الحبل فمزقه الأخير تمزيقًا. شعرت بقشعريرة لدى تذكر هذا المشهد .. تعذبني فكرة المنتحر الذي يقرر التراجع في آخر لحظة .. بعد الوثب أمام القطار، أو بعد ابتلاع السم الزعاف، أو أثناء السقوط من فوق البناية ..

عدد الصفحات ٦

6 كانت الجلسة الأولى قد انتهت ، وبالطبع لم أكن أعلم أن الأخ شاكر سيعترف لي فيها بقتل كل الفتيات اللاتي قتلهن … قتلهن بالحبل طبعً ا … 2 في الفندق جلست أصغي لبعض الموسيقى، ورحت أنظر لعقارب الساعة في لهفة. بالطبع أجريت مكالمة هاتفية للبيت وأبلغت ثريا أنني سأتأخر .. العمل .. دائمًا العمل.. سأعود فجرًا . قالت شيئًا عن عشائي الذي ينتظرني وعن شريف الذي نام و.. و.. لم أكن رائق المزاج، فأنهيت المكالمة بسرعة وطلبت منها أن تعنى بنفسها. أشعلت لفافة تبغ .. دقات على الباب .. رائحة عطر فاغم يسبقها قبل مجيئها بربع ساعة.. سوسن .. ينفتح الباب لتدخل سوسن. هي امرأة في الأربعين تستحق كل حرف في كلمة (امرأة) . الأنوثة المطلقة كما خلقها الله. تلهث من الجهد ومن التوتر وهذا يزيدها فتنة. متوترة برغم أنني أعرف يقينًا أن أحدًا في الفندق لن يسألها عن وجهتها. هم تعلموا التجاهل والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام .. تسألني وهي تلثمني هل تأخرت، فأقول لها إنها دومًا متأخرة بالنسبة لشوقي حتى لو جاءت قبلي .. غريب أمر هذا التعلق الذي لا يرتوي أبدًا .. لو كنا متزوجين لكان الملل قد قضى على علاقتنا تمامًا، وعلى قدر علمي لا يمكن لعلاقة أن تستمر بهذا التوهج عامين كاملين، لكني قدرت أن الشوق العاطفي يمتزج هنا بلذة المغامرة والسرقة .. هناك من

عدد الصفحات ٧

7 يدمنون السرقة، ومصابون بمرض الكلبتومانيا، وأنا اعتقد أن ما نحن فيه نوع من هذا المرض .. قالت لي: -ـ«منصور لن يعود قبل يومين.. لربما كانت الفرصة سانحة كي نلتقي غدًا» منصور هو زوجها مدير المصرف طبعًا، وأنا لم أره قط لكني كونت عنه صورة عقلية معينة من كلامها. وحش فظ ضخم الجثة لا يحبها لكنه حريص على الحفاظ على أملاكه.. لو كان ثور بيسون لراح يبول حولها ليحدد أن هذه أملاكه .. ابتسمت وقلت لها: -ـ«للأسف.. زوجتي موجودة في كل وقت، ولديها شكوكها الخاصة .. لن نتمكن من اللقاء أكثر من مرة أسبوعيًا» -ـ«والنهاية؟» -ـ«لا نهاية للحب على قدر علمي.. لا يجب أن تكون هناك نهاية. أحيانًا تكون الرحلة أكثر إمتاعًا من الغاية. يومًا ما سيموت زوجك أو أطلق زوجتي، ولربما تزوجنا .. لكن – صدقيني – ستفقد علاقتنا سحر الكلبتومانيا ».. -ـ«كلبتو ماذا؟» سحقت السيجارة وصدري يهتز ضحكًا وأطفأت الأباجورة قائلاً : -ـ«لم نلتقِ خلسة هنا كي ندرس اللغة اللاتينية.. صدقيني» ***********

عدد الصفحات ٨

8 بعد أسبوع جاء شاكر، ورقد على المقعد المريح وراح يحملق في السقف.. بعد قليل قال: -ـ«في سن العشرين استولى عليّ هاجس الخنق .. كان مشهد أي شخص يُشنق أو يُخنق بحبل يثير اهتمامي جدًا. فكرة الوجه المحتقن واللسان البارز كانت تجعل خيالي يجمح وقلبي يخفق. احتجت لوقت طويل حتى أكتشف شبكة الإنترنت وأدرك أن هناك أشخاصًا مثلي في العالم ..أنا لست منحرفًا»! لم أستطع أن أمنع نفسي من التعليق فقلت: -ـ«ليس الموضوع أنك لست منحرفًا.. الموضوع هو أن هناك منحرفين كثيرين! في صباي كنت أحب مذاق الشاي الذي يُذاب مكعب زبد فيه، وكانوا يعتبرونني فاسد الذوق .. فيما بعد عرفت أن هناك حشدًا من فاسدي الذوق» ليس هذا أفضل ما يُقال لمريض نفسي، لكني لم أستطع الصمت .. لم يعلق وواصل السرد وحنجرته تتواثب في عنقه كالعادة: -ـ«كنت بحاجة ماسة لأن أخنق شخصًا ما.. وتعودت أن أحمل هذا الحبل القصير في جيبي طيلة الوقت وأحلم بما يمكن أن أعمله به».. وفجأة رأيته يمسك في يده بحبل.. حبل أنيق رقيق واضح أنه من نوع ممتاز. حبل لا يناسب أبدًا هذه الخواطر السقيمة ولا تعليق الغسيل. هل يضع هذا المجنون الحبل في جيبه طيلة الوقت؟ -ـ«فلتخف هذا الحبل وأكمل قصتك»

عدد الصفحات ٩

9 دس الشيء في جيبه في عدم اقتناع، وقال والعرق ينبت على جبهته: -ـ«بدأتْ غرائزي تخرج للعالم عندما كنت أزور ذلك الصديق في بناية في الزمالك .. لاحظت عندما دخلت أنه لا يوجد بواب ولا رجال أمن وأن المدخل خالٍ تمامًا .. دققت باب صديقي فلم أجده، هكذا استقللت المصعد لأنزل .. بعد طابق واحد دخلت فتاة رقيقة للمصعد وهزت رأسها محيية.. كان ذلك العنق النحيل الطويل يناديني .. يناديني بلا رحمة ..والمصعد بطيء جدًا والوقت متأخر، لم أستغرق وقتًا للتفكير .. هذه فرصة لن تعود. كانت تنظر لكشاف أرقام الطوابق وهي طريقة معروفة لتفادي التقاء العيون في مكان ضيق، وهنا كان الحبل قد خرج .. التف حول عنقها من الخلف ثم رحت أعتصر وأضغط .. أضغط .. كانت تشهق وبرز لسانها كما تمنيت … أعتقد أن الأمر استغرق طويلاً جدًا .. لدرجة أنني ظللت معها في المصعد لفترة طويلة في الطابق السفلي، واضطررت لضغط الزر بيدي اليسرى الحرة ليرتفع للطابق الثالث .. ومن جديد عدت للهبوط .. كان جسدها قد ارتخى تمامًا وكفت عن الركل والتنفس، وكنت أنا ثملاً بغير خمر . يجب أن أستجمع قواي حتى أهرب .. ليس الوقت وقت نشوة! سرعان ما صرت في الشارع، ومشيت مسافة لا بأس بها ثم استوقفت سيارة أجرة .. لن يتذكر أحد أنه رآني هنا، وصاحبي لا يعرف أنني زرته. الجريمة الكاملة هي أن تقتل شخصًا لم تره من قبل ولم ترسم أي خطة لقتله من قبل. وفيما بعد جمعت كل أخبار هذه الفتاة التي وجدوها مقتولة في المصعد … كان اسمها رشا بالمناسبة ..

عدد الصفحات ١٠

10 -«مر عام ثم بدأت أشعر بالحاجة لتللك اللحظات النورانية من جديد .. كان علي أن أغير الأسلوب. جربت أساليب عديدة، منها استئجار شقة باسم مستعار واستجلاب بائعة أو فتاة ليل .. وجربت خنق الأطفال مرتين ».. كنت أصغي له وأنا أرتجف.. أنا أكره هذه المهنة فعلاً . أكره أن يكشف أحدهم غطاء المرحاض لترى الأشياء على حقيقتها. لكنه برغم كل شيء يشعرك بالتفوق وأنك أفضل.. مهما انحدرت فأنت لن تكون وحشًا مثله. راح يحكي لي مغامراته في تلذذ حتى تجمعت عصارتي المعدية في أسفل المريء. لكن يظل السؤال المهم هو : كيف تزوج هذا المسخ النفسي؟ ولماذا؟ قلت له: -ـ«كان من الخطر أن تتزوج.. أن تعيش معك امرأة وسط هذه الجحيم »..……… -ـ«التوبة»! وارتفعت حنجرته وهبطت: -ـ«تبت.. وعاهدت الله على ألا أخنق شخصًا آخر. لا بد من لحظة يكف فيها المرء عن المجون. لكن تلك الخائنة كانت تخدعني طيلة الوقت .. كانت تلتقي بأحدهم كلما سافرت. لقد رأيت هذا في قدح الحبر وعرفت أن علي أن أعود للخنق»! واهتز صدره من النشوة وظهرت أسنانه المتآكلة.. وأردف: -«لا أكف عن تخيل لحظة أن يلتف الحبل حول عنق سوسن »..

عدد الصفحات ١١

11 زوجته الخائنة اسمها سوسن.. مصادفة غريبة بعض الشيء … قدمي تهتز لا إراديًا. اهدأ يا صاحبي .. هو محام واسمه شاكر .. لا علاقة له بسوسنك زوجة منصور مدير المصرف.. 3 قضيت مع ذكريات الأخ شاكر ساعات رهيبة، وهو يقص عليّ تفاصيل مغامراته مع الخنق، حتى شعرت بأنني على وشك الاختناق أنا نفسي. لقد آلمتني حنجرتي من كلماته. المشكلة أنه لن ينتحر ثانية .. لن يجرب ألعابًا ماسوشية، فقد وجد غايته النهائية في السادية، وهذا يعني أنه ما زال خطرًا داهمًا . رجل ذو نظارة سميكة وعينين جاحظتين وحبل في جيبه هو رجل لا يدعو للثقة. كنت أعرف أنني عاجز عن مساعدته .. من العسير أن تعالج الوسواس القهري، فماذا عن سفاح سادي قتل أطفالاً كما اعترف . لا أجرؤ ولا يسمح ضميري بأن أبلغ الشرطة ضده. رباه! سوف تكون لحظة سعيدة في حياتي تلك اللحظة التي يكتشف فيها أنني حمار ويتركني. الخلاص منه يحتاج إلى احتفال صغير بالفعل. لكن المصيبة هي أنه يثق بي. يعتقد أنني ساحر. الشعر الأبيض المحيط برأسي يوحي له أنني عبقري. هذا هو تأثير الهالة tPre ooooah الذي يعرفه الأطباء. طبيب تحيط برأسه هالة من شعره أبيض هو طبيب يعرف كل شيء، وقد عقد معاهدة مع الموت!

عدد الصفحات ١٢

12 في الأيام الماضية قرأت خبرًا في جريدة عن طالبة في مدرسة ثانوية، وجدوها مخنوقة وملقاة في زقاق في الضاحية القاهرية (…). لم تكن هناك سرقة ولم يكن اغتصاب. قضية غامضة جدًا .. علامات حبل على العنق. كنت أنا أدرك على وجه التقريب ما حدث .. أعرف من الفاعل وكيف فعل، ولماذا فعل.. شاكر عندما جاء لعيادتي رقد وأغمض عينيه، وراحت تفاحة آدم تصعد وتهبط كأن لها حياة خاصة. سألته بعد قليل: -«هل مارست الخنق مؤخرًا؟ » نظر لي وابتسم.. ثم أبعد عينيه، فأردفت: -«طالبة ثانوي.. زقاق في »)…( ابتسم من جديد دون أن ينظر لي.. الإجابة وصلت يا ابن الـ (…) .. وصلت كاملة. إذن أنت لا تتحسن.. لو كان بيدي لحقنته بسم في عنقه وأرحت المجتمع، لكن هذا ليس عملي للأسف.. *********** منذ فترة لا بأس بها عرفت سوسن. كانت من مريضاتي وقد جاءت للعيادة تشكو اكتئابًا مزمنًا. مع تداعي المعاني عرفت أنها تعاني إحباطًا شديدًا .. إحباطًا عاطفيًا لا بأس به بسبب انصراف زوجها عنها. كانت جميلة بحق .. سوسن تبدو كالسوسن ولها عبير السوسن، وقد بدا لي أن زوجها – الذي قالت ان اسمه منصور – أحمق بالتأكيد. لكن مقولة (ما أقبحك حلالاً وما أحلاك

عدد الصفحات ١٣

13 حرامًا) تتكرر في كل مرة. لا أعرف متى لثمت يدها بلا مقدمات وهي تتكلم، فتبادلنا النظرات وتلاقت عينانا .. ثم .. بعد هذا كان لا بد من أن نجد مكانًا، وكان ذلك الفندق الذي اعتدت أن أستأجر غرفة فيه كلما جاءت الفرصة. الفرصة هي أن يسافر زوجها، وهو يفعل ذلك مرة كل أسبوع. وفي تلك الليلة لا بد أن أجد كذبة مقنعة تقنع ثريا. أحيانًا أزعم أنني سأبيت بالمكتب، وأحيانًا أقول إنني سأتأخر وهذا معناه أن أرجع قبل الشروق.. في تلك الليلة قالت لي وهي تعبث في شعري الأبيض: -«هل تعتقد حقًا أن زواجنا مستحيل بسبب الكلبتومانيا؟» حقًا هذا ألعن شيء يقال لي.. بالطبع لا زواج. لو تمسّكتْ برأيها فهي النهاية. لم أرتوِ منها بعد لكن يمكن للمرء أن يجد زجاجة خمر أخرى. نظرت لها متسائلاً فقالت : -«لم أعد أتحمل الحياةمع منصور».. -«ما الجديد؟» أخذت شهيقًا عميقًا وقالت -«أعتقد أنه جن.. أعتقد أنه جدير بأن يكون بين مرضاك» -«كيف جن؟» تحسست عنقها وقالت: -«هل هناك أناس يعشقون الحبال؟ إنه يعلق الحبال في كل مكان! الأهم أنني أراه في بعض الأوقات ينظر لعنقي في نهم ويسيل اللعاب من فمه»! نهضت متوترًا ثم اعتصرت كتفيها وهززتها بقوة آلمتها : -«زوجك لا يدعى منصور.. أليس كذلك؟»

عدد الصفحات ١٤

14 قالت في رعب: -«بلى» … -«وليس صاحب مصرف.. هو محام .. أليس كذلك؟» -«بلى.. كيف عرفت؟» اسمه شاكر.. محام .. لا شك في هذا. لقد كانت تكذب علي منذ البداية على سبيل التمويه، أما هو فقال صدقًا على طول الخط. أمرتها في عصبية أن تبدل ثيابها وترحل. على الأرجح لن نلتقي ثانية .. لم تفهم وظلت تنظر لي في دهشة وأنا أرتدي السترة وأنتعل الحذاء، وأغادر الغرفة فورًا . *********** يجلس شاكر أمامي وهو ينظر للسقف كعادته .. ربما لأنه يعرف أن الناس ينظرون للسقف عند الأطباء النفسيين.. إذن هو يعرف على الأرجح كل شيء عن علاقتنا أنا وسوسن .. ربما هو الحبر أو الأقاويل .. المهم أنه وصل للحقيقة. افتراض أن هذه صدفة أمر مستحيل. إذن ماذا ينتظر؟ لماذا لم يلف الحبل حول عنقي وينتهي كل شيء؟ إن انفرادنا يتكرر. على طريقة الاختيار المتعدد في الامتحانات.. هناك أربعة تفسيرات معقولة: التفسير الأول هو أنه يعرف أنه سيقع في يد الشرطة ويُعدم لا محالة، إذا فعلها في عيادتي، وهناك أكثر من شاهد على تواجده. ربما كان يبحث عن فرصة آمنة.

عدد الصفحات ١٥

15 التفسير الثاني هو أنه يلعب معي لعبة القط والفأر ويطيل لذة الانتظار. التفسير الثالث هو أنه يأمل في أن أقدم له الشفاء، باعتباري متخصصًا في علم نفس الجريمة. أي أنه يريد أن يجمع بين الشفاء وقتلي. ربما هذا كله .. السبب خليط من كل التفسيرات. أنا أميل لهذا الاحتم ال الرابع. لكن المشكلة هي أنني لن أتمكن أبدًا من علاج هذا الرجل، أو الجلوس معه في غرفة مغلقة.. شاكر يجب أن يموت. موته سوف يجلب لي الأمان، وسوف يحقق للبشرية خدمة أكيدة كالخلاص من وباء التيفوس. فكرت قليلاً ثم قلت له : -«أستاذ شاكر.. حان الوقت لتجربة طريقة جديدة للعلاج. أنا أريد وضعك في الظروف المناسبة للخنق بالضبط .. وسيكون عليك أن تقاوم رغبتك هذه. سيتم ذلك تحت إشرافي الكامل» -«كيف؟» كتبت له عنوانًا على قصاصة ورق.. مخزن ورق مقوى قديم مهجور في إحدى الضواحي. سأكون هناك في العاشرة مساء الغد .. وسوف يكون هو كذلك هناك. معًا سوف نقاوم تلك الرغبة الجنونية التي سيشعر بها .. سوف أعلمه كيف يحرق الحبل الذي يضعه في جيبه، ولا يخنقني.. نظر لي بوجه مغلق ولم يقل أي شيء. فقط غمغم: -«هذا خطر داهم».. -«لا تقلق.. أنا أعرف ما يجب عمله»

عدد الصفحات ١٦

16 لو كانت الأفكار تظهر في بالون كما في القصص المصورة، لرأيت فوق رأسه بالونًا يظهرني محتقن الوجه بارز اللسان والحبل حول عنقي.. أعرف ما يفكر فيه جيدًا. *********** غادر شاكر مكتبي فانتظرت قليلاً … ثم فتحت شاشة الكمبيوتر ورحت أفتش في الملفات القديمة .. ملفات المرضى السابقين .. هذا هو .. بعد قليل اتصلت بنشأت زاهر .. المهندس الشاب.. جاء صوته يتساءل عن سبب اتصالي، فهذه أول مكالمة بيننا منذ عامين.. قلت له: -«هل ما زالت تلك الرغبة العارمة تعصف بك؟ أنا سأحقق لك مرادك بالحرف .. فقط تعالَ لعيادتي ظهر غد. سأشرح كل شيء وسأطلب منك أن تذهب لمكان معين في العاشرة مساءً . مخزن ورق مهجور وطبعًا معك ما يلزم» صاح في لهفة: -«حقًا! هل تمزح؟ هل تخدعني؟» -«لا أستطيع شرح المزيد هاتفيًا.. فقط تعالَ ظهرًا » هذه مزية أن تعمل في علم نفس الجريمة. أنت تقابل الكثيرين. نشأت من مرضاي الذين يتعذبون طيلة الوقت.. نصحته بالصبر والتحمل لفترة طويلة، لكني اليوم أمنحه الفرصة كاملة. من الوساوس القهرية الغريبة، تلك الرغبة الكاسحة التي تجعله يتمنى

عدد الصفحات ١٧