المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رفقاء الليل أحمد خالد توفيق

غير معروف

صفحة ١٧ من ٢٢

257 مرت عدة أيام من الصمت، لكنه بدأ يلاحظ ممارسات أعقد .. هناك كيس الغبار الموضوع على البوفيه. بالتأكيد هو غبار مقابر. لقد جاء دوره منذ زمن، وهو لا يجرؤ على فتح اللفافة .. ما فعله هو أنه حمل اللفافة وألقاها في صفيحة القمامة وأغلقها، وفي اليوم الثاني كانت زوجته تفتش كالمسعورة عن هذا الشيء المختفي. شعرها الأشيب ونظراتها المجنونة وبدانتها وهي تمشي كالبطة محاولة أن تحرك عظمتي الحرقف .. لكنها والحق يقال كانت تمشي بسرعة وخفة، وكم من مرة فوجئ من خلفه بوجودها. لقد دخلت الغرفة دون أن يعرف كيف ولا متى .. كان يفضل الصمت، وراح يتردد على المقهى لساعات أطول لدرجة أنه نام ذات مرة وهو جالس على المقعد الخشبي فبردت القهوة التي طلبها. ولم يفق إلا مع لمسة من يد القهوجي على ساعده .. ـ«خير يا أستاذ حسن!.. هل أنت مريض؟» ـ«أنا بخير.. فقط لم أنم بما يكفي» صار مع الوقت يخشى لحظةالعودة للبيت، خاصة عندما تجلس معه أمام التلفزيون لمشاهدة المسلسلات.. شفتاها تتحركان بكلمات هامسة طيلة الوقت. لم يعرف قط ما تقوله لكنه كان يخشاه ..

عدد الصفحات ٢٥٨

258 أرسل لابنته في كندا خطابًا طويلاً.. يكتب بصعوبة بسبب مشاكل البصر .. كتب لها يقول إنهما بخير من الناحية الصحية والمادية، لكن عقل أمها لم يعد على ما يرام. كان يدرك أن الابنة سوف تتجاهل هذا .. تهمة الجنون تلصق بأمها في كل المشاجرات الزوجية منذ زمن، وسوف تعتبرها الابنة تهمة أخرى. كان هو قد اتهم أسرتها كلها بأنها تحمل جينات الجنون .. أطلق هذا الاتهام منذ عشرين سنة .. اتصل بابنه في الإسكندرية وقال له إنهما بخير .. ـ«ألا تنوي أن تمر علينا قليلاً؟» «هل هناك مشكلة ما؟» ـ«قلت لك إننا بخير.. لكن حالة أمك العقلية تثير قلقي» «مثل…؟» ـ«تزداد إيمانًا بالسحر والجن والعفاريت.. إنها تلك المرأة المسنة أم عزيزة. جعلتها تعيش في عالم من الشياطين تراهم وتلمسهم كل يوم .. لا أعرف ما أفعله. ربما لو أنك زرتنا بعض الوقت»

عدد الصفحات ٢٥٩

259 كالعادة لا وقت لدى هذا النذل كي يساعد في إعادة الدفء لبيتهما.. أنا مشغول جدًا يا بابا .. خلافاتكما شيء لا يمكن إصلاحه إلا من خلال علاقتكما ببعض.. لكن .. سوف آتي للقاهرة لكن ليس هذا الشهر أرجوك .. أنت تعرف ظروف البيت والأولاد والعمل .. هكذا وضع السماعة وقرر أن الله هو الحافظ الوحيد. لن يستطيع أحد أن يعيد زوجته للتعقل سوى زوجته أو أم عزيزة .. صار الأمر لا يطاق عندما فتح صفيحة القمامة ذات يوم فوجد فيها حشدًا من الحمام المختنق .. حمام ميت لا يقل عدده عن عشر.. نادى زوجته في غضب وقال لها إن الأمر لا يطاق .. لن تزعم أنها اشترت هذا الحمام ميتًا .. لن يمر وقت طويل قبل أن تمتلئ هذه الصفيحة بالوطاويط .. قالت في تبجح: ـ«وكيف لي أن أعرف؟ أنا لم أضعه هنا» ـ«وأنا كذلك لم أضعه هنا» ـ«إذن هم بسم الله الرحمن الرحيم.. ليس لدي تفسير آخر» ثم أشعلت لفافة تبغ وابتعدت تاركة إياه يغلي غيظًا..

عدد الصفحات ٢٦٠

260 في ليلة18 ديسمبر ذهب إلى المقهى. كانت هناك مباراة كرة لا يهتم بها، لكنه راح يتابعها ويهلل وهو يحسو القهوة .. جاء رجائي المحامي المسن وجلس معه. شلة المقهى تكتمل ككل ليلة وهم كلهم مسنون سوف يموتون واحدًا تلو الآخر. رجائي المحامي في الستين الآن ويعاني الصلع لكنه يصفف شعره بالماء والفازلين بطريقة تغطي هذه الصلعة تمامًا، لكن هذه العجينة تتلاشى في لحظة بعينها فيبدو منتفش الشعر كالديك. لما انتهت المباراة وبدأ المقهى يخلو من الزبائن قال له رجائي: ـ«تبدو مرهقًا حزينًا» «إنها نوال كالعادة» «لم لا تفكر في الطلاق؟.. يجب أن تمضي آخر أعوام لك في سلام» ـ«تعنى بي» ـ«يمكنك أن تجد من تعنى بك بأجر.. أو اذهب لتقيم عند ابنك في الإسكندرية» لكنه كان يعرف أفضل.. هو وزوجته أفضل اثنين لبعضهما حاليًا، وعلى الأقل لن يموت أحدهما جوعًا .. ليس أمامه من ملجأ

عدد الصفحات ٢٦١

261 سواها في الأعوام القليلة الباقية.. لن يتركها تموت وحيدة ولن تتركه يموت وحيدًا. لربما كان الموت في وجود غول معك في الغرفة أفضل نوعًا من الموت وحيدًا. ودع رجائي ووعده بأن يهتم بصحته .. ثم عاد في بطء وتثاقل للبيت، وهو يشعر بأن المسافة عدة أميال. المشكلة هي صعود الدرج المتعب .. المشكلة هي نزع الثياب الثقيلة .. المشكلة هي النوم جوار تلك الشمطاء. لكن العشاء ينتظره على الأقل .. في الأيام التالية صار أكثر بقاء في البيت، وصار ينام على الأريكة ساعات طويلة وفمه مفتوح من إرهاق.. حتى أنه قدر ساعات نومه بخمس عشرة ساعة يوميًا .. ليس أقل من هذا .. ولم تكن هي توقظه أبدًا .. هل هي تمارس السحر معه؟ هل تدس له شيئًا في طعامه؟ لم يبدُ له هذا منطقيًا فهي في النهاية لا ترغب في حياة الوحدة .. امرأة مزعجة لكنها بشرية على كل حال .. الجواب هو أنه يتقدم في العمر .. لا شك في هذا .. الباب الذي في نهاية الردهة بدأ ينفتح ..

عدد الصفحات ٢٦٢

262 كان جالسًا يشاهد مسلسلاً سخيفًا في الصالة وهي في غرفة النوم، عندما شعر بسخونة غير عادية .. ماذا حدث؟ نحن في ديسمبر .. العرق يسيل وصفير مدو في أذنه .. ماذا يحدث؟.. صداع رهيب كأن هناك من يشق رأسه بمنشار. العرق .. إنني أختنق .. الصالة تظلم وشاشة التلفزيون تشحب .. «نوااال»! قالها في رعب لكن الصوت خرج مكتومًا.. أدرك أنه لا يستطيع الكلام بشكل صحيح. الحروف تخرج من فمه معجونة .. عندما حاول النهوض أدرك أنه لا يملك القدرة بتاتًا .. جسده متدلٍ بلا حبال تمسك به. الصفير يتعالى .. إنه الفالج لا شك في هذا .. هناك سكتة دماغية أو جلطة أو نزف .. المهم أنه شيء ما لعين حدث هناك … نوال .. ناداها في وهن … كان وعيه ينسحب ببطء وخطر له أن هذا هو الموت .. 3 إلهامي يقول له لم لا تفكر في الطلاق؟ أبوه يبرز من خزانة الثياب ويقول له يجب أن تطرد أم عزيزة.. إلهام فتاة المراهقة تأمره بأن

عدد الصفحات ٢٦٣

263 يجمع غبار المقابر.. إنه حبيس في قبر محكم الغلق يحاول التحرر .. يتناثر الغبار ليملأ فمه .. يصرخ فيختنق. يدق بيده على الجدار فتتكون ثغرة يطير منها الحمام الميت … فجأة هناك بحر من لبن يجب أن يخوض فيه .. في الجهة الأخرى وجه الشمس الصارخة تستغيث به .. يحاول العبور لكنه لا يقدر .. يوشك على الغرق.. يرى الشمس من جديد ثم يدرك أنها مصباح الغرفة. إنه نائم على ظهره في الفراش يحاول أن يتحرك بينما ضوء المصباح يعميه.. كانت نوال تطل عليه من أعلى وهي تجفف عرقه .. للمرة الأولى أدرك أن العرق يغمره لدرجة الغرق وأنه يشعر ببرد رهيب. كما أدرك أن سرواله مبلل .. لقد فعلها.. بدت له قبيحة جدًا مخيفة جدًا وهي عكس الكشاف الوهاج .. قال لها: «أنا.. أنا مريض جدًا» حاول أن يقول هذا فخرج الكلام مختلطًا.. أدرك أن نصف فمه لا يتحرك .. لسانه ثقيل .. أصابه هلع كامل.. حاول أن ينهض فلم تطاوعه قدماه ولا يداه .. لا يستطيع ترجمة الانقباضات العضلية إلى فعل نهوض. أنا مشلول! أدرك هذا بوضوح فلم يحتج إلى وقت طويل للفهم. نصف جسده الأيمن هامد تمامًا.

عدد الصفحات ٢٦٤

264 قالت له وهو يئن محاولاً إخراج صوت مفهوم: «لا تقلق .. سوف تكون بخير» ثم هي تنزع عنه سرواله كطفل.. تجفف ما بين فخذيه ثم تضع سروالاً جديدًا، ثم هي تجلسه بالقوة وتدس وسادة خلف ظهره، وتنزع الثياب عن نصفه السفلي، لتبدلها بثياب أخرى جافة .. ليس هذا الوقت المناسب عليك اللعنة! ليس وقت جفاف.. اطلبي الإسعاف ! لكنها لا تبدو مهتمة سوى بنظافته .. ثم أنها تدحرج جسده بشكل محترف لليمين لتنزع الملاءة من تحته ثم تدحرجه لليسار لتنزع باقي الملاءة، ثم تدحرجه بالعكس لتدس ملاءة نظيفة تحته.. شعر ببعض الراحة لدى ملامسة القماش النظيف، لكنه ظل ينتظر أن تطلب الإسعاف.. ليس الحين حين ملاءات جافة بل هو وقت أشعة مقطعية ورنين مغناطيسي… قالت له ضاحكة: ـ«حاول أن تنام قليلاً.. سوف تكون أفضل»! قال بلسانه المعوج:

عدد الصفحات ٢٦٥

265 «أنا مصاب بجلطة في المخ.. لابد من طبيب أمراض عصبية» قالت في حزم: «لا أفهم حرفًا مما تقول.. وفر جهدك .. أنت بحاجة لبعض النوم» وقبل أن يجد الوقت الكافي كانت قد غابت عن مجال الرؤية.. لقد تركته حيث هو. وأدرك في رعب أنه يبكي بحرارة .. عدم الاستقرار العاطفي يميز جلطات المخ عامة، وقد راح يبكي كطفل في الظلام .. الرعب يغمره والصدمة.. أطفأت النور في الغرفة، ووجد نفسه وحيدًا في الظلام. ** بعد ساعات من النوم المضطرب المفعم بالكوابيس بدأ يعود لوعيه. لقد صار الأمر ثابتًا وواضحًا .. إنه يمر بالمراحل الأولى من شلل نصفي .. لقد استقر الأمر سواء كان يشكو من جلطة أو نزف فقد صار حقيقة واقعة .. انفتح الباب وظهرت نوال .. كانت تحمل صينية عليها سلطانية عدة أشياء .. وضعتها على الكومود ثم رفعته بذات القوة، ثم وضعت الوسادة خلف ظهره ليصير في وضع جالس. قال محتجًا:

عدد الصفحات ٢٦٦

266 «طبيب! أريد طبيبًا »! قالت كأنها توبخ طفلاً: «لا تضيع وقتك.. لا أفهم حرفًا مما تقول .. حاول أن تهدأ يا حسن ».. ثم وضعت الملعقة في السلطانية وقربتها من شفتيه .. حساء لسان عصفور لكنه ساخن جدًا .. حاول أن يعترض لكنها دست الملعقة وأفرغتها .. جففت شفتيه في عصبية ودست ملعقة أخرى.. لا يريد .. تحريك عضلات الفم صعب جدًا لهذا راح يبتلع. هناك صدر دجاجة مزقته إربًا ثم راحت تدس منه في فمه.. ثم أنها جففت شفتيه من جديد، ودست كوبًا من العصير .. هذه المرأة مجنونة ! إنها تتعامل باعتبار الحياة قد عادت للروتين السابق. سوف يستمر كل شيء كما كان .. لن تطلب عونًا أو الإسعاف بل ستتولى تمريضه وتبديل ثيابه إلى أن يموت .. هذا مستحيل! مضت الساعات .. لا يعرف إن كان هذا نهارًا أم ليلاً .. فقط يرى بصيصًا هزيلاً من النور عبر خصاص النافذة المغلقة. يرى رقصة الظلال في الغرفة وخزانة الثياب الضخمة العتيقة التي اشتراها من دمياط منذ 35 سنة.. الغرفة كلها كانت بمائة جنيه. مع الوقت صارت قطع الأثاث هذه ترمز للهزيمة .. يكره كل ركن في هذه الغرفة، وهو لا يطيق فكرة أن يموت هنا. كان قد اختار

عدد الصفحات ٢٦٧

267 لنفسه ميتة جميلة.. نوبة قلبية وهو جالس في المقهى وسط الأصدقاء والصخب .. لكن لا يبدو أن هذا ممكن. لا يستطيع الوصول للهاتف أو طلب العون. ليس له أن يأمل إلا في زيارة من ابنه. حسن .. أنت وقعت في الفخ .. ألعن فخ يمكن تصوره. عند المساء – هكذا قدر – ظهرت على الباب وهي تحمل في يدها مبخرة تتصاعد منها سحابة كثيفة من الدخان .. راح يسعل بينما هي تدور في الغرفة وفي فمها لفافة تبغ مشتعلة، ثم وضعت المبخرة جوار الفراش .. رآها تمزق قطعة من الورق على شكل إنسان، ثم تغرس فيها دبوسًا عدة مرات .. رآها مرارًا تفعل هذا من أجل (العين) تقية الحسد، ثم أنها وضعت الورق في المبخرة ليتوهج ويشتعل .. ظلت تراقب الرماد ثم قالت له: «هذا وجه فاطمة.. أختك .. هي صاحبة العين»! هو لم ير فاطمة منذ أعوام، ولا تملك أي سبب لتحسده. إنها ثرية وزوجها طيب وأولادها يحبونها .. لديها كل ما يجعله يحسد فاطمة لا العكس ..

عدد الصفحات ٢٦٨

268 نام لبضع ساعات.. الهم والخوف يثقلان على روحه. يا رب .. خذني الآن وفورًا قبل المزيد من العذاب . هذه المرأة قادرة على أن تخسف بي الأرض .. لما فتح عينيه أدرك أن في الغرفة ضوءًا خافتًا .. الضوء قادم من شمعة مضاءة هنا في صحن من الماء. جوار الشمعة استطاع أن يرى سيدة جالسة .. إنها نوال بلا شك .. تغطي وجهها بالكامل بقطعة من القماش .. وتحت القطعة كانت تتكلم .. تصدر أصواتًا مخيفة كأنها في جلسة روحانية تلعب دور الوسيط.. أرجوك يا إلهي .. خذها أو خذني الآن. 4 موعد حساء لسان العصفور.. في طفولته كان يعتقد أن هذه ألسنة ألف عصفور تم تعذيبه واقتلاع لسانه. وكانت الفكرة تثير ذعره. اليوم يشعر بالرعب ذاته ونوال تدس الملعقة في فمه .. بعد الأكل دست الأقراص التي يتعاطاها بين شفتيه مع رشفة ماء. لربما أعطت نفس القرص مرتين أو أغفلت قرصًا، ثم من قال إن العلاج الذي كان يتعاطاه ما زال صالحًا؟ سال الدمع من عينيه حارًا ثخينًا وصرخ :

عدد الصفحات ٢٦٩

269 «أريد طبيبًا!.. أريد المستشفى»! لكن الصوت خرج منه غير مفهوم.. كل الحروف مدغمة، وقد بدا بعض التأثر على ملامح المرأة ومصمصت بشفتيها، وقالت: ـ«لا أفهم حرفًا.. حاول أن تهدأ .. مسكين»! وعندما يتوغل الليل كانت تحضر مقعدًا وحزمة خيوط الكانافاه.. ثم تجلس بقربه معتقدة أنها تبعث الدفء العائلي في الجلسة. وكان هذا مزعجًا لكنه أرحم قليلاً من تلك الليلة السوداء التي راحت فيها تتصل بالأرواح. تجلس على بعد متر منه تنسج. والحقيقة أنها كانت تجيد الكانافاه فعلاً فكانت تصنع لوحات ضخمة متقنة. الجنون لا يرتبط بانعدام الموهبة .. كنت تقول له بنفس النغمة الرتيبة كل ليلة: ـ«عندما ذهب الخادم ليسجل اسمي في مكتب الصحة، خجل من أن يسميني (نوال) هكذا، فقال للموظف إن اسمي نوال هانم. كنت مولودة وفي فمي ملعقة من ذهب .. درست في مدرسة (…) حيث صارت الفرنسية تتدفق على شفتي. ولا أذكر يومًا لم تأت السيارة لتقلني من وإلى المدرسة.. قالت لي أمي إنني سأتزوج ملكًا أو أميرًا . عندما تقدمت لي وأنت من أسرة فقيرة خطر لي أن الأمر

عدد الصفحات ٢٧٠

270 سيكون رومانسيًا، وإنك نموذج الشاب المكافح الذي شيق طريقه إلى القمة كما يحدث في الأفلام. كنت صاحب عينين حزينتين شفافتين وكلمات منتقاة بعناية. وقد قالت أمي إنك لا تصلح .. قال أبي إنك لا تصلح .. لكني أصررت على رأيي، واعتقدت أنني سأكون سعيدة مع شخص أكافح معه» ثم تنفث سحابة دخان كثيفة وتردف: «صرت أنا مديرة مهمة في التربية والتعليم، بينما ظللت أنت تتعثر كمدرس .. تحاول ان تصنع مالاً من الدروس الخصوصية. كنت تكافح لكنك لا تملك مؤهلات النجاح .. قبل أن أتساءل عما إذا كنت قد أحسنت الاختيار كان الأولاد قد أتوا .. نرمين وعماد .. وانهمكت في لعب دور الأم المخلصة ونسيت نفسي أعوامًا طويلة .. غيبوبة عشت فيها 35 عامًا إلى أن تزوج الجميع وخ المسرح من المتفرجين. عندها أدركت الحقيقة: أنا أسأت الاختيار» نظر لها في رعب.. إلام تفضي هذه المقدمة إذن؟ ماذا تحاول قوله؟ رأت الرعب في عينه فقالت وهي تسعل:

عدد الصفحات ٢٧١

271 «لا تخف.. ليس معنى أنك لم تكن مناسبًا أنني أكرهك. سوف أعنى بك كأي زوجة محترمة يمرض زوجها، أنا بنت أصول ولسوف أريك معنى هذا ».. كانت العبارة الأخيرة مخيفة ولا تبعث الراحة في النفس. ثمة عبارات لها تلميحات غامضة.. كانت تحلم: «عندما ولدت نرمين.. شعرت بأنني مستعدة كي أتصالح مع العالم .. كانت أقرب لدمية صغيرة جميلة، وقد شعرت بامتنان لك لأنك منحتني إياها .. أعتقد أنني قضيت أسعد 28 عامًا في حياتي لوجود هذه الدمية معي. كان عماد مختلفًا .. كان أقرب إلى الحرص على مصلحته وقد قلت لي مرارًا إنك تعرف أن علاقته بنا ستنتهي عند زواجه .. الواقع أن هذا كان صحيحًا. يعطيني عماد دومًا الشعور بأنه مشغول جدًا ولا وقت لديه لكلام البنوة الفارغ. كان المرء متأهبًا ليبدأ حياة جديدة بعد رحيل الطفلين.. لكن الأمر يذكرني بدعابة الأحمق الذي كان يتدرب على الهبوط بالمظلة. قيل له اجذب الخيط لتنفتح المظلة على ارتفاع 300 متر، ولكنه نسي .. نسي فلم يتذكر إلا على ارتفاع 25 مترًا . قال لنفسه: لا مشكلة .. سوف أثب هذه الأمتار القليلة» ..! وراحت تضحك والسعال يشخشخ في صدرها.. كل لفافات التبغ بالداخل تريد التحرر، ثم قالت:

عدد الصفحات ٢٧٢

272 «هذا ما حدث معي.. قلت لنفسي إن ما بقى فترة قصيرة جدًا .. فلأتحملها إذن » .. ثم قطعت خيط الكانافاه وقالت: «لكن الفرصة اليوم قد جاءتني لأعنى بك.. لأقدمن لك خدمة العمر .. لسوف تحمد الله على أنني زوجتك» ودفنت لفافة التبغ في المطفأة ثم نهضت تاركة رائحة الغرفة خلفها لا تطاق .. ** جرس الباب يدق في إلحاح … ثم صوت زوجته تصيح: ـ«أنا قادمة» تدفع شحوم جسدها وتقود ردفيها نحو الباب وهي تلهث كديناصور من العصر الباليوزي. يمكنه أن يراها تمشي كبطة بسبب آلام قدميها. يسمع صوت الباب ينفتح .. هذا حادث فريد من نوعه لأن

عدد الصفحات ٢٧٣