المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فوائد واستدلالات فتح الباري، كتاب الوحي، كتاب الأذان

راضي بن مبارك الشمري

صفحة ٤٨ من ٥٠

112 الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة، فهذه ال طرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة. 2- قال ابن المنذر: يؤخذ منه أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل. 3- اتفقوا على أن من يئس من الوصول وجاز له أن يحل فتمادى على إحرامه ثم أمكنه أن يصل أن عليه أن يمضي إلى البيت ليتم نسكه. 4- قال المهلب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: "ولم يتبين لهم أنهم يحلون" أن المرأة التي تعرف أوان حيضها والمريض الذي يعرف أوان حماه بالعادة ف يهما إذا أفطرا في رمضان مثلا في أول النهار ثم ينكشف الأمر بالحيض والحمى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلق قبل أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرف اه بالعادة فيجب القضاء عليهما لذلك. 5- قوله: "فأنزل الله الفدية" قال عياض: ظاهره أن النزول بعد الحكم، وفي رواية عبد الله بن معقل أن النزول قبل الحكم، قال، فيحتمل أن يكون حكم عليه بالكفارة بوحي لا يتلى ثم نزل القرآن ببيان ذلك. 6- فيه أن السنة مبينة لمجمل الكتابلإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنة. 7- فيه تحريم حلق الرأس على المحرم 8- فيه الرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع 9- فيه تلطف الكبير بأصحابه وعن ايته بأحوالهم وتفقده لهم . 10- فيه إذا رأى ببعض أتباعه ضررا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه 11- استنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره. 12- قال الشافعي والجمهور: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتج لهم الق رطبي بقوله في حديث كعب "أو اذبح نسكا" قال: فهذا يدل على أنه ليس بهدي، قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء. قلت: لا دلالة فيه إذ لا يلزم تسميتها نسكا أو نسيكة أن لا تسمى هديا أو لا تعطي حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديا في الباب الأخير حيث قال: "أو تهدي شاة"وفي رواية مسلم: "واهد هديا" وفي رواية للطبري "هل لك هدي؟ قلت: لا أجد" فظهر أن ذلك من تصرف الرواة. 13- استدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين

عدد الصفحات ٧٥٠

113 14- قال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء. 15- قال الشافعي وأبي حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم. 16- استدل به على أن الحج على التراخي لأن حديث كعب دل على أن نزول قوله تعالى . تم ولله الحمد والمنة كتاب المحصر

عدد الصفحات ٧٥١

114 بسم الله الرحمن الرحيم 28-كتاب جزاء الصيد 5 - باب لاَ يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصهيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلًَلُ الحديث الأول : 1824- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَ وْهَبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللََِّّ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُ وا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَ ةَ فَقَالَ خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُ رِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا وَقَالُوا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللََِّّ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُ ونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ : " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا" قَالُوا لاَ قَالَ :" فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" فوائد الحديث : 1- أشار المصنف إلى تحريم ذلك، ولم يتعرض لوجوب الجزاء في ذلك . 2- اختلف العلماء في وجوب الجزاء على المحرم إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، فقال الكوفيون وأحمد وا سحاق: يضمن المحرم ذلك. وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه كما لو دل الحلال حلالا على قتل صيد في الحرم، قالوا: ولا حجة في حديث الباب، لأن السؤ ال عن الإعانة والإشارة إنما وقع ليبين لهم هل يحل لهم أك له أو لا؟ ولم يتعرض لذكر الجزاء، واحتج الموفق بأنه قول علي وابن عباس ولا نعلم لهما مخالفا من الصحابة. وأجيب بأنه اختلف فيه على ابن عباس، وفي ثبوته عن علي نظر، ولأن القاتل انفرد بقتله باختياره مع انفصال الدال عنه فصار كمن دل محرما أو صائما على امرأة فوطئها فإنه يأثم بالدلالة ولا يلزمه كفارة ولا يفطر بذلك. 3- قوله: "قال فكلوا ما بقي من لحمها" صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب، لأنها وقعت جوابا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال، ولم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحمها . 4- فيه أن تمنى المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامه

عدد الصفحات ٧٥٢

115 5- فيه أن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالىيْدُ الْبَر ِ 6- فيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق 7- قال عياض: عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي قتادة ذلك تطييبا لقلب من أكل منه بيانا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم . 8- فيه تسمية الفرس، وألحق المصنف به الحمار فترجم له في الجهاد 9- قال ابن العربي: قالوا تجوز التسمية لما لا يعقل، وا ن كان لا يتفطن له ولا يجيب إذا نودي 10- فيه إمساك نصيب الرفيق الغائب 11- فيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة 12- فيه استعمال الطليعة في الغزو 13- فيه تبليغ السلام عن قرب وعن بعد . 14- ليس فيه دلالة على جواز ترك رد السلام ممن بلغه لأنه يحتمل أن يكون وقع وليس في الخبر ما ينفيه. 15- فيه أن عقر الصيد ذكاته 16- فيه جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم 17- قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته. 18- فيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: "فلم يعب ذلك علينا "وكأن الآكل تمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ. 19- فيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة 20- فيه ركض الفرس في الاصطياد 21- فيه التصيد في الأماكن الوعرة . 22- فيه الاستعانة بالفارس 23- فيه حمل الزاد في السفر 24- فيه الرفق بالأصحاب والرفقاء في السير . 25- فيه استعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل. 26- فيه جواز سوق الفرس للحاجةوالرفق به مع ذلك لقوله: "وأسير شأوا" . 27- فيه نزول المسافر وقت القائلة 28- فيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله: "إنما هي طعمة أطعمكموها

عدد الصفحات ٧٥٣

116 29- "تكملة" لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه فقتله دفعا فيجوز، ولا ضمان عليه. 6 - باب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِحِمَاراا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ الحديث الأول : 1825- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللََِّّ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللََِّّ بْنِ عَبْدِ اللََِّّ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللََِّّ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّ عْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِي ِ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ : " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ " . فوائد الحديث : 1- فيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحا موهمة . 2- قال الشافعي في "الأم" : إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي وا ن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له. 3- قال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه له، فمن قال أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا حيا، ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا، قال ويحتمل أنه أهداه له حيا فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات. 4- قال النووي: ترجم البخاري بكون الحمار حيا، وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطل لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح. انتهى. وا ذا تأملت ما تقدم لم يحسن إطلاقه بطلان التأويل المذكور ولا سيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في "الأم" : حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار. 5- استدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقا لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرما فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قو ل علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وا سحاق لحديث الصعب هذا . 6- قال ابن المنير في الحاشية: حديث الصعب يشكل على مالك لأنه يقول: ما صيد من أجل المحرم يحرم على المحرم وعلى غير المحرم، فيمكن أن يقال قوله: "فرده عليه" لا يستلزم

عدد الصفحات ٧٥٤

117 أنه أباح له أكله، بل يجوز أن يكون أمره بإرساله إن كان حيا وطرحه إن كان مذبوحا فإن السكوت عن الحكم لا يدل على الحكم بضده، وتعقب بأنه وقت البيان فلو لم يجز له الانتفاع به لم يرده عليه أصلا إذ لا اختصاص له به. 7- فيه الحكم بالعلامة لقوله: "فلما رأى ما في وجهي 8- فيه جواز رد الهدية لعلة، وترجم له المصنف "من رد الهدية لعلة" . 9- فيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبا لقلب المهدي 10- فيه أن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول 11- فيه أن قدرته على تملكها لا تصيره مالكا لها 12- فيه أن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد 7 - باب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ ال دهوَاب ِ الحديث الأول : 1829- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَاب ِ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" فوائد الحديث : 1- قوله: "خمس" التقييد بالخمس وا ن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: "أربع" وفي بعض طرقها بلفظ: "ست" فأما طريق أربع فأخرجها مسلم من طريق القاسم عنها فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في "المستخرج" من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها فأثبتها وزاد الحية . 2- قوله: "من الدواب" بتشديد الموحدة، جمع دابة وهو ما دب من الحيوان. وقد أخرج بعضهم منها الطير لقوله تعالىبِجَنَاحَيْهِ الآية، وهذا الحديث يرد عليه، فإنه ذكر في الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله تعالى وَكَأَي ِنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَ هَا "وخلق الدواب يوم الخميس"ولم يفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف.

عدد الصفحات ٧٥٥

118 3- قال النووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب. 4- قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية في وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. وقوله تعالى عن أمر ربه ه عن طاعة ر به، فهو خروج مخصوص. 5- زعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا ش عرهم فاسق، يعني بالمعنى الشرعي ، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل في حل أكله لقوله تعالىهِلَّ لِغَيْ رِ اللََِّّ بِهِ وقوله بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع . 6- قوله: "يقتل في الحرم" يؤخذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحل من باب الأولى، وقد وقع ذكر الحل صريحا عند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن عروة بلفظ: "يقتلن في الحل والحرم" . 7- قوله: "الغراب" زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم: "الأبقع" وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزي مة قد صرح باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح لأنها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس وقد شذ بذلك. وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح، وفي جميع هذا التعليل نظر، أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم ، وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ وهو كذلك هنا. 8- قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل 9- اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع.

عدد الصفحات ٧٥٦

119 10- قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء قال في محرم كسر قرن غراب فقال: إن أدماه فعليه الجزاء وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا، انتهى. ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. 11- عند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيد جواز قتلهما بأن يبتدئا بالأذى، وهل يختص ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاس - لا فرق وفاقا للجمهور . 12- قوله: "والفأر" لم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتله ا المحرم أخ رجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. 13- قوله: "والكلب العقور" واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورا مفهوم أو لا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة. وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فقتله الأسد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، واحتج بقوله تعالىا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَل ِبِينَ فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح عقور. 14- استدل به على جواز قتل من لجأ إلى الحرم ممن وجب عليه القتل لأن إباحة قتل هذه الأشياء معلل بالفسق والقاتل فاسق فيقتل بل هو أولى . الحديث الثاني 1831- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لِلْ وَزَغِ فُوَيْسِ قٌ" وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ" فوائد الحديث : 1- قوله: "قال للوزغ فويسق" اللام بمعنى عن، والمعنى أنه سماه فويسقا، وهو تصغير تحقير مبالغة في الذم.

عدد الصفحات ٧٥٧

120 2- قوله: "ولم أسمعه أمر بقتله" هو مقول عن عائشة والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، وقضية تسميته إياه فويسقا أن يكون قتله مباحا، وكونها لم تسمعه لا يدل على منع ذلك فقد سمعه غيرها كما سيأتي في بدء الخلق عن سعد بن أبي وقاص وغيره . 3- نقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وا ن قتله يتصدق لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. 4- روى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله وهذا يفهم توقف قتله على أذاه. 8 - باب لاَ يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ الحديث الأول : 1832- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِي ِ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِي ِ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَد ِثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَ يْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّ مَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَََّّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللََُّّ وَلَمْ يُحَر ِمْهَا النَّاسُ فَلاَ يَ حِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالِلَِّّ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَ يْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَََّّ أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَا ِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَلْيُبَل ِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَقِيلَ لأَِبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ لَكَ عَ مْرٌو قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ وَلاَ فَارًّا بِخُرْبَةٍ" خُرْبَ ةٌ: بَلِيَّةٌ . فوائد الحديث : 1- ذكر الطبري القصة عن مشايخه فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد واليا علي المدينة من قبل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين، وقيل قدمها في رمضان منها وهي السنة التي ولى فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير من بيعته وأقام بمكة، فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشا وأمر عليهم عمرو بن الزبير وكان معاديا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته ثم أرسله إلى قتال أخ يه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شريح فذكر القصة، فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة فهزموهم وأسر عمرو بن الزبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممن اتهم بالميل إلى أخيه فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك الضرب.

عدد الصفحات ٧٥٨

121 2- قوله: "أيها الأمير" يستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبولهم النصيحة . 3- فيه أن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه . 4- قوله: "سمعته أذناي الخ" فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه 5- قوله: "ووعاه قلبي" تحقيق لفهمه وتثبته 6- قوله: "وأبصرته عيناي" زيادة في تحقيق ذلك وأن سماعه منه ليس اعتمادا على الصوت فقط بل مع المشاهدة . 7- قوله: "حين تكلم به "أي بالقولالمذكور. 8- قوله: "ووعاه قلبي" يؤخذ منه أن العقل محله القلب. 9- قوله: "إنه حمد الله" يؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة . 10- قال القرطبي: معناه أن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب ينسب لأحد ولا لأحد فيه مدخل قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله: "ولم يحرمها الناس" والمراد بقوله ولم يحرمها الناس أن تحريمها ثابت بالشرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية كما حرموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. 11- قوله: "فلا يحل الخ" فيه تلبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه. 12- تعلق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو ال ذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه وليس فيه نفي ذلك عن غيره. 13- قال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهييج، نحو قوله تعالى فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحل لأحد مطلقا لم يحصل منه هذا الغرض وا ن أفاد التحريم. 14- استدل به على تحريم القتل والقتال بمكة 15- قوله"ولا يعضد بها شجرة" أي لا يقطع ، قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون "يعضد" بضم الضاد ، وقال لنا ابن الخشاب هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله الآلة التي يقطع بها.

عدد الصفحات ٧٥٩

122 16- قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه والجمهور عل ى الجواز. 17- قال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. 18- اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. 19- احتج الطبري بالقياس على جزاء الصيد، وتعقبه ابن القصار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئا من شجر الحل ولا قائل به. 20- قال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما ، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور كما سيأتي في حديث ابن عباس بعد باب بلفظ: "ولا يعضد شوكه". 21- قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشجر بغير صنع آدمي ولا بما يسقط من الورق نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافا. 22- قوله: "فليبلغ الشاهد الغائب" قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد، لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذي لزم السامع سواء، وا لا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة. 23- قوله: "لا يعيذ" بالذال المعجمة أى لا يجير ولا يعصم 24- قوله: "ولا فارا" بالفاء وتثقيل الراء أي هاربا، والمراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرا بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل وفي تخصيصه العموم بلا مستند . 25- أغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور، ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح فقل ت لعمرو قد كنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وا نما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة. 26- قال ابن بطال أيضا: ليس قول عمرو جوابا لأبي شريح، لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحد عليه في الحرم، فإن أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة ونصب الحرب عليها فأحسن في استدلاله

عدد الصفحات ٧٦٠

123 بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله. وتعقبه الطيبي بأنه لم يحد في جوابه، وا نما أجاب بما يقتضي القول بالموجب كأنه قال له: صح سماعك وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه - قلت- الحافظ ابن حجر - لكنها دعوى من عمرو بغير دليل، لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارا منه حتى يصح جواب عمرو، نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة يعني مغلولا فامتنع ابن الزبير و عاذ بالحرم فكان يقال له بذلك عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد ولهذا صدر كلامه بقوله: "إن الحرم لا يعيذ عاصيا " . 27- فيه جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضى ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك 28- فيه إنكار العالم على الحاكم ما يغيره من أمر الدين والموعظة بلطف وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لم يستطع باليد . 29- فيه وقوع التأكيد في الكلام البليغ 30- فيه جواز المجادلة في الأمور الدينية 31- فيه جواز النسخ 32- فيه أن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة على مجتهد 33- فيه الخروج عن عهدة التبليغ والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بدا من ذلك. 34- تمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة 35- قال النووي: تأول من قال فتحت صلحا بأن القتال كان جائزا له لو فعله لكن لم يحتج إليه، وتعقب بأنه خلاف الواقع . 9 - باب: لاَ يُنَفهرُ صَيْدُ الْحَرَمِ الحديث الأول : 1833- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَ ضِيَ اللََُّّ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَََّّ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لأَِ حَدٍ قَبْلِي وَلاَ تَحِلُّ لأَِحَدٍ بَعْدِي وَا ِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَ ا وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَر ِفٍ " وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللََِّّ إِ لاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ : " إِلاَّ الإِذْخِرَ " وَعَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ يُنَح ِيَهُ مِنْ الظ ِل ِ يَنْزِلُ مَكَانَهُ فوائد الحديث : 1- قال النووي: يحرم التنفير- وهو الإزع اج - عن موضعه، فإن نفره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وا لا فلا.

عدد الصفحات ٧٦١

124 2- قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى 10- باب لا يحل القتال بمكة الحديث الأول : 1834- حدثناعثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة "لا هجرة ولكن جهاد ونية وا ذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وا نه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها" قال العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم قال قال إلا الإذخر فوائد الحديث : 1- قوله : "ولكن جهاد ونية" المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها إذ صارت دار إسلام ، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه ، وفسره بقوله : ( فإذا استنفرتم فانفروا ) أي : إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا . 2- تضمن الحديث بشارة من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن مكة تستمر دار إسلام . 3- قوله" وهو حرام بحرمة الله " استدل به على تحريم القتل والقتال بالحرم ، فأما القتل فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها ، وخص الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم ، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي ، واحتج بعضهم بقتل ابن خطل بها ، ولا حجة فيه ؛ لأن ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم . 4- زعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقا ، ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء . 5- قال أبو حنيفة :لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره ، لكن لا يجالس ولا يكلم ، ويوعظ ويذكر حتى يخرج . وقال أبو يوسف :يخرج مضطرا إلى الحل ، وفعله ابن الزبير ، وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس "من أصاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع ". 6- عن مالكوالشافعي :يجوز إقامة الحد مطلقا فيها ؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن ، وأما القتال فقال الماوردي :من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها ، فلو بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز ، وا ن لم يمكن إلا

عدد الصفحات ٧٦٢

125 بالقتال فقال الجمهور : يقاتلون ؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى فيجوز إضاعتها، وقال آخرون : لا يجوز قتالهم ، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة ، قال النووي : والأول نص عليه الشافعي ، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق ، بخلاف ما لو تحصن الكفار في بلد فإنه يجوز قتالهم على كل وجه . وعن الشافعي قول آخر بالتحريم اختاره القفال وجزم به في " شرح التلخيص " وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية . 7- قال الطبري :من أتى حدا في الحل واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه ، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره ويضيق عليه حتى يذعن للطاعة ومال ابن العربي إلى هذا . 8- قال القرطبي :ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه - صلى الله عليه وسلم - بالقتال ؛ لاعتذاره عما أبيح له من ذلك ، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال والقتل ؛ لصدهم عن المسجد الحرام وا خراجهم أهله منه وكفرهم ، وهذا الذي فهمه أبو شريح كما تقدم ، وقال به غير واحد من أهل العلم . 9- قال ابن دقيق العيد :يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دال على أن المأذون للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيه لم يؤذن لغيره فيه ، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال لا القتال الخاص بما يعم كالمنجنيق ، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضا فسياق الحديث يدل على أن التحر يم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها ، وذلك لا يختص بما يستأصل . 10- استدل به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم . 11- قال القرطبي :معنى قوله " حرمه الله " أي : يحرم على غير المحرم دخوله حتى يحرم ، ويجري هذا مجرى قوله تعالى "حرمت عليكم أمهاتكم" أي : وطؤهن ، و "حرمت عليكم الميتة" أي : أكلها ، فعرف الاستعمال يدل على تعيين المحذوف . قال : وقد دل على صحة هذا المعنى اعتذاره عن دخوله مكة غير محرم مقاتلا بقوله : " لم تحل لي إلا ساعة من نهار " الحديث ، قال : وبهذا أخذ مالك والشافعي في أحد قوليهما ، ومن تبعهما في ذلك ، فقالوا :لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما ، إلا إذا كان ممن يكثر التكرار . 12- قوله" ولا يختلى خلاها " وذكر ابن التين أنه وقع في رواية القابسي بالمد ، وهو الرطب من الن بات ، واختلاؤه قط عه واحتشاشه . 13- استدل به على تحريم رعيه لكونه أشد من الاحتشاش ، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطبري . 14- قالالشافعي :لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس ، بخلاف الاحتشاش فإنه المنهي عنه ، فلا يتعدى ذلك إلى غيره .

عدد الصفحات ٧٦٣

126 15- في تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه ، وهو أصح الوجهين للشافعية ؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت . 16- قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش ، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة " ولا يحتش حشيشها " . 17- قال ابن قدامة : وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلائه . 18- قوله" إلا الإذخر " والإذخر : نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق ، ينبت في السهل والحزن ، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار ، قال : والذي بمكة أجوده ، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلا من الحلفاء في الوقود ، ولهذا قال العباس" فإنه لقينهم" وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون ، أي : الحداد . 19- قال الطبري :القين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه . 20- استدل به على جواز النسخ قبل الفعل وليس بواضح . 21- استدل به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه ، ومذهب الجمهور اشتراط الاتصال إما لفظا وا ما حكما ؛ لجواز الفصل بالتنفس مثلا ، وقد اشتهر عن ابن عباس الجواز مطلقا ، ويمكن أن يحتج له بظاهر هذه القصة . وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يقول : " إلا الإذخر " فشغله العباس بكلامه ، فوصل كلامه بكلام نفسه فقال : إلا الإذخر ، وقد قال ابن مالك :يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متصلا بالمستثنى منه . 22- اختلف أهل العلم : هل كان قوله - صلى الله عليه وسلم "إلا الإذخر " باجتهاد أو وحي؟ وقيل : كأن الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا ، وقيل : أوحى إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله . 23- قال الطبري :ساغ للعباس أن يستثني الإذخر ؛ لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء ، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده ، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر ، وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام ، وليس ما قاله بلازم بل في تقريره - صلى الله عليه وسلم - للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العام . 24- حكى ابن بطال عن المهلب أن الاستثناء هنا للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة ، وقد بين العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه . وتعقبه ابن المنير بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه ، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحققت ضرورته إليه ، والإجماع على أنه مباح مطلقا بغير قيد الضرورة . انتهى .

عدد الصفحات ٧٦٤

127 ويحتمل أن يكون مراد المهلب بأن أصل إباحته كانت للضرورة وسببها ، لا أنه يريد أنه مقيد بها . 25- قال ابن المنير :والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة ، وترخيص النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تبليغا عن الله إما بطر يق الإلهام أو بطريق الوحي ، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم . 26- في الحديث بيان خصوصية النبي- صلى الله عليه وسلم - بما ذكر في الحديث. 27- فيهجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية ، والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد . 28- فيهعظيم منزلة العباس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - . 29- فيهعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه . 30- فيه رفع وجوب الهجرة عن مكة إلى المدينة ، وا بقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة . 31- أن الجهاد يشترط أن يقصد به الإخلاص ووجوب النفير مع الأئمة . 11 - باب الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ الحديث الأول : 1836- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْ مَنِ الأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَ حْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ . فوائد الحديث : 1- قوله: "عن علقمة بن أبي علقمة" في رواية النسائي من طريق محمد بن خالد عن سليمان "أخبرني علقمة" واسم أبي علقمة بلال، وهو مدني تابعي صغير سمع أنسا ، وهو علقمة بن أم علقمة واسمها مرجانة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. 2- قوله: "بلحي جمل" بفتح اللام وحكى كسرها وسكون المهملة وبفتح الجيم والميم: موضع بطريق مكة، وقد وقع مبينا في رواية إسماعيل المذكورة "بلحي حمل من طريق مكة "ذكر البكري في معجمه في رسم العقيق قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم، يعني الماضي في التيمم.

عدد الصفحات ٧٦٥