68 وَعَنْ هِلاَلٍ قَالَ كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللََِّّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّ ارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا حَدَّثَنَا: فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْحَا ئِطُ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَ لِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ لاَ وَاللََِّّ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ . فوائد الحديث : 1- قوله: "مسنما" أي مرتفعا، زاد أبو نعيم في المستخرج "وقبر أبي بكر وعمر كذلك" واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي وبه جزم الماوردي وآخرون. وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنما، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمة اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء" زاد الحاكم "فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. الحديث الثاني : 1392 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَد ثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِي ِ قَالَ "رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ يَا عَبْدَ اللََِّّ بْنَ عُمَرَ اذْهَ بْ إِلَى أُم ِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا فَقُلْ يَقْ رَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلأوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَل ِمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَا ِلاَ فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِن ِ ي لاَ أَ عْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاَءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُف ِيَ رَسُولُ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنْ
عدد الصفحات ٤٦٢69 اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَ عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُ شْرَى اللََِّّ كَانَ لَكَ مِنْ الْقَدَمِ فِي الإِسْلاَمِ مَا قَدْ عَلِ مْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُل ِهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا أَ نْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَ نْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِ نْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللََِّّ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَ نْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ" فوائد الحديث : 1- قال ابن التين: قول عائشة في قصة عمر "كنت أريده لنفسي" يدل على أنه لم يبق ما يسع إلا موضع قبر واحد، فهو يغاير قولها عند وفاتها لا تدفني عندهم فإنه يشعر بأنه بقي من البيت موضع للدفن. والجمع بينهما أنها كانت أولا تظن أنه لا يسع إلا قبرا واحدا فلما دفن ظهر لها أن هناك وسعا لقبر آخر. 2- قال ابن بطال: إنما استأذنها عمر لأن الموضع كان بيتها وكان لها فيه حق، وكان لها أن تؤثر به على نفسها فآثرت عمر. 3- فيه الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعا في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير. 4- في قول عمر "قل يستأذن عمر فإن أذنت" أن من وعد عدة جاز له الرجوع فيها ولا يلزم بالوفاء. 5- فيه أن من بعث رسولا في حاجة مهمة أن له أن يسأل الرسول قبل وصو له إليه ولا يعد ذلك من قلة الصبر بل من الحرص على الخير. 97 - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَب ِ الأَمْوَاتِ الحديث الأول : 1393 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" وَرَوَاهُ عَبْدُ اللََِّّ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ عَنْ الأَعْمَشِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ الأَعْمَشِ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْ نُ أَبِي عَدِي ٍ عَنْ شُعْبَةَ فوائد الحديث :
عدد الصفحات ٤٦٣70 1- قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا. والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير وبالشر "وجبت، وأنتم شهداء الله في الأرض" ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. 2- قال القرطبي في الكلام على حديث: "وجبت" يحتمل أجوبة، الأول أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق، أو كان منافقا. ثانيها يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها يكون النهي العام متأخرا فيكون ناسخا، وهذا ضعيف. 3- قال ابن رشيد ما محصله: أن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين، أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. 4- استدل به على منع سب الأموات مطلقا، وقد تقدم أن عمومه مخصوص، وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساويهم للتحذير منهم والتنفير عنهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا. انتهى كتاب الجنائز 24- كتاب الزكاة 1 - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللَِّّ تَعَالَى الحديث الأول : 1397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْ نِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ ضِيَ اللََُّّ عَنْهُ "أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَالَ تَعْبُدُ اللَََّّ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَ ةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَد ِي
عدد الصفحات ٤٦٤71 الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا فَلَمَّا وَلَّى قال ال نبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" حَدَّثَنَا مُسَدَّ دٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنْ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَ ا فوائد الحديث : 1- قوله: " وتقيم الصلاة المكتوية وتؤدي الزكاة المفروضة" قيل: فرق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها زكاة وليست مفروضة. 2- قوله فيه "وتصوم رمضان" لم يذكر الحج لأنه كان حينئذ حاجا ولعله ذكره له فاختصره 3- قال القرطبي: في هذا الحديث -وكذا حديث طلحة في قصة الأعرابي وغيرهما - دلالة على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصا في دينه، فإن كان تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا، يعني لورود الوعيد عليه حيث قال صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما. وا نما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها ووجوب العقاب على الترك ونفيه. 4- قال القرطبي : ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت عليهم . 3 - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ الحديث الأول : 1402 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الز ِنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَ عْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَأْتِي الإِبِ لُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَ قَالَ وَمِنْ حَق ِهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى
عدد الصفحات ٤٦٥72 الْمَاءِ قَالَ وَلاَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلاَ يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْ مِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللََِّّ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ" فوائد الحديث : 1- قوله"على خير ما كانت " أي من العظم والسمن ومن الكثرة ، لأنها تكون عنده على حالات مختلفة ، فتأتي على أكملها ، ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها . 2- قوله" إذا هو لم يعط فيها حقها" أي لم يؤد زكاتها . 3- قوله" قال : ومن حقها أن تحلب على الماء "بحاء مهملة ، أي لمن يحضرها من المساكين ، وا نما خص الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل وأرفق بالماشية ؛ وذكره الداودي بالجيم ، وفسره بالإحضار إلى المصدق ؛ وتعقبه ابن دحية ، وجزم بأنه تصحيف . 4- فيه أن في المال حقا سوى الزكاة الحديث الثاني : 1403- حدثناعلي بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا "لا يحسبن الذين يبخلون " فوائد الحديث : 1- قوله" له زبيبتان " تثنية زبيبة بفتح الزاي وموحدتين ، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين ، يقال : تكلم حتى زبد شدقاه ، أي خرج الزبد منهما ، وقيل : هما النكتتان السوداوان فوق عينيه ، وقيل : نقطتان يكتنفان فاه ، وقيل : هما في حلقه بمنزلة زنمتي العنز ، وقيل : لحمتان على رأسه مثل القرنين ، وقيل : نابان يخرجان من فيه . 2- قوله بلهزمتيه " بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاي مكسورة ، وقد فسر في الحديث بالشدقين ، وفي الصحاح : هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين . وفي الجامع : هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان . 3- قوله" ثم يقول : أنا مالك ، أنا كنزك " وفائدة هذا القول الحسرة والزيادة في التعذيب حيث لا ينفعه الندم ، وفيه نوع من التهكم .
عدد الصفحات ٤٦٦73 4- في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة ، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير ، وقيل : إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : نزلت فيمن له قرابة لا يصلهم ، قاله مسروق . 5- في هذين الحديثين: تقوية لقول من قال : المراد بالتطويق في الآية الحقيقة ، خلافا لمن قال : إن معناه سيطوقون الإثم . 4 - باب مَا أُد ِيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْز الحديث الأول : 1404 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللََِّّ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُمَا فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللََِّّ {ينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللََِّّ لَمْ يُؤَد ِ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَ عَلَهَا اللََُّّ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ" فوائد الحديث :
عدد الصفحات ٤٦٧74 1- قوله: "من كنزها فلم يؤد زكاتها" أفرد الضمير إما على سبيل تأويل الأموال، أو عودا إلى الفضة لأن الانتفاع بها أكثر أو كان وجودها في زمنهم أكثر من الذهب، أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب، والحام ل على ذلك رعاية لفظ القرآن حيث قال: { جملة وافية. وقيل: المعنى ولا ينفقونها، والذهب كذلك، وهو كقول الشاعر وا ني وقيار بها لغريب أي وقيار كذلك. 2- قوله: "إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز -وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به- كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها. 3- قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: " هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع" الحديث الثاني : 1406 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ "مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَر ٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا قَالَ كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللََِّّ فَقُلْتُ نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ فَكَانَ بَيْنِ ي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ يَشْكُونِي فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَ انَ فَقَ الَ لِي إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِ عْتُ وَأَطَعْتُ" فوائد الحديث : 1- قوله: "بالربذة" بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة، نزل به أبو ذر في عهد عثمان ومات به . 2- قد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره. نعم أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على
عدد الصفحات ٤٦٨75 غيره من مذهبه المذكور فاختار الربذة، وقد كان يغدو إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه، وفيه قصة له في التيمم. 3- قوله: "كنت بالشام" يعني بدمشق، ومعاوية إذ ذاك عامل عثمان عليها. وقد بين السبب في سكناه الشام ما أخرجه أ بو يعلى من طريق أخرى عن زيد بن وهب "حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بلغ البناء - أي بالمدينة سلعا ترتحل إلى الشام ؛ فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فسكنت بها" فذكر الحديث نحوه. 4- فيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب. 5- فيه ملاطفة الأئمة للعلماء، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره، وعثمان لم يحنق على أبي ذر مع كونه كان مخالفا له في تأويله. 6- فيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة 7- فيه الترغيب في الطاعة لأولي الأمر . 8- فيه أمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة 9- فيه جواز الاختلاف في الاجتهاد 10- فيه الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وا ن أدى ذلك إلى فراق الوطن 11- فيه تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم، ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة، ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه لأن كلا منهما كان مجتهدا. الحديث الثالث : 1407 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَ نْ أَبِي الْعَلاَءِ عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ جَلَسْتُ ح و حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاَءِ بْنُ الش ِخ ِيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَ دَّثَهُمْ قَالَ "جَلَسْتُ إِلَى مَلإ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالث ِيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ بَش ِرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّ مَ
عدد الصفحات ٤٦٩76 ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَ دْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لاَ أَدْرِ ي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ لاَ أُرَى الْقَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ قَالَ إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا" فوائد الحديث : 1- قوله: "نغض" بضم النون وسكون المعجمة بعدها ضاد معجمة: العظم الدقيق الذي على طرف الكتف أو على أعلى الكتف، قال الخطابي: هو الشاخص منه، وأصل النغض الحرك ة فسمي ذلك الموضع نغضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان. 2- قوله: "إنهم لا يعقلون شيئا" بين وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: "إنما يجمعون الدنيا 5 - باب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَق ِهِ الحديث الأول : 1409 - حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن إسماعيل قال حدثني قيس عنبن مسعود رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا حسد لا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" فوائد الحديث : 1- هذا الحديث من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة . 2- قال الزين بن المنير: في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال وبذله في الصحة والخروج عنه بالكلية في وجوه البر، ما لم يؤد إلى حرمان الوارث ونحو ذلك مما منع منه الشرع. 8 - بابالصَّدَقَةِ مِنْ كَسْب طَي ِب لقوله ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون الحديث الأول :
عدد الصفحات ٤٧٠77 1410- حدثناعبد الله بن منير سمع أبا النضر حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب وا ن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" تابعه سليمان عن ابن دينار، وقال ورقاء عن ابن دينار عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه مسلم بن أبي مريم وزيد بن أسلم وسهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . فوائد الحديث : 1- قال القرطبي : أصل الطيب المستلذ بالطبع ، ثم أطلق على المطلق بالشرع وهو الحلال ، وأما قول المصنف " لقوله تعالى : ويربي الصدقات "بعد قوله : "الصدقة من كسب طيب " فقد اعترضه ابن التين وغيره بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب ، بل الأمر على عكس ذلك ، فإن الصدقة من الكسب الطيب سبب لتكثير الأجر . 2- قال ابن التين: وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى : أنفقوا من طيبات ما كسبتم . 3- قال ابن بطال: لما كانت الآية مشتملة على أن الربا يمحقه الله لأنه حرام ، دل ذلك على أن الصدقة التي تتقبل لا تكون من جنس الممحوق . 4- قال الكرماني : لفظ " الصدقات " وا ن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره ، لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة السياق ، نحو : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون . 5- قوله" بعدل تمرة " أي بقيمتها ، لأنه بالفتح المثل ، وبالكسر الحمل بكسر المهملة ، هذا قول الجمهور ، وقال الفراء :بالفتح المثل من غير جنسه ، وبالكسر من جنسه ، وقيل : بالفتح مثله في القيمة ، وبالكسر في النظر ؛ وأنكر البصريون هذه التفرقة ، وقال الكسائي :هما بمعنى كما أن لفظ المثل لا يختلف ؛ وضبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح . 6- قال القرطبي : وا نما لا يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق ، وهو ممنوع من التصرف فيه ، والمتصدق به متصرف فيه ، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورا منهيا من وجه واحد ، وهو محال . 7- قوله" فلوه " بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو ، وهو المهر لأنه يفلى أي : يفطم ، وقيل : هو كل فطيم من ذات حافر ، والجمع أفلاء كعدو وأعداء؛ وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة ، ولأن الصدقة نتاج العمل ، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان
عدد الصفحات ٤٧١78 فطيما ، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال ، وكذلك عمل ابن آدم- لا سيما الصدقة - فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل . 8- قال المازري : هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه فكنى عن قبول الصدقة باليمين ، وعن تضعيف أجرها بالتربية . 9- قال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين ، ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا ، واستعير للقبول لقول القائل : " تلقاها عرابة ب اليمين " أي هو مؤهل للمجد والشرف ، وليس المراد بها الجارحة ، وقيل : عبر باليمين عن جهة القبول ، إذ الشمال بضده . وقيل : المراد يمين الذي تدفع إليه الصدقة ، وأضافها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة في يمين الآخذ لله تعالى . وقيل : المراد سرع ة القبول ، وقيل : حسنه . 10- قال ابن بازهذه التأويلات ليس لها وجه ، والصواب إجراء الحديث على ظاهره ، وليس في ذلك بحمد الله محذور عند أهل السنة والجماعة لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته ، وا ثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات ، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه . وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه ، وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها وانظر ما يأتي من كلام الإمام الترمذي يتضح لك ما ذكرته آنفا ، والله الموفق . 11- قال الزين بن المنير :الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات ، أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه ، لا أن التناول كالتناول المعهو د ، ولا أن المتناول به جارحة . 12- قال الترمذي في جامعه : قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة نؤمن بهذه الأحاديث ، ولا نتوهم فيها تشبيها ولا نقول كيف ، هكذا روي عن مالك ، وابن عيينة ، وابن المبارك وغيرهم ، وأنكرت الجهمية هذه الروايات . انتهى . 9 - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّد ِ الحديث الأول :
عدد الصفحات ٤٧٢79 1413 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللََِّّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُ و مُجَاهِدٍ حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ يَقُولُ "كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ فَق ال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَ كَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لاَ تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْ اللََِّّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أُوتِكَ مَالاً فَلَيَقُولَنَّ بَلَى ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَ سُولاً فَلَيَقُولَنَّ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَلَوْ بِشِق ِ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِ مَةٍ طَي ِبَةٍ" فوائد الحديث : 1- قال ابن التين: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى حين تخرج الأرض بركاتها حتى تشبع الرمانة أهل البيت ولا يبقى في الأرض كافر. 10 - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِق ِ تَمْرَة وَالْقَلِيلِ مِنْ الصَّدَقَةِ الحديث الأول : 1415 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللََِّّ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللََِّّ الْبَصْرِيُّ حَد ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ ا لصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا مُرَائِي وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا إِنَّ اللَََّّ لَغَ نِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا فَنَزَلَتْدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فوائد الحديث : 1- قوله: "عن سليمان" هو الأعمش، وأبو مسعود هو الأنصاري البدري 2- قوله: "كنا نحامل" أي نحمل على ظهورنا بالأجرة، يقال حاملت بمعنى حملت كسافرت وقال الخطابي: يريد نتكلف الحمل بالأجرة لن كتسب ما نتصدق به، ويؤيده قوله في الرواية الثانية التي بعد هذه حيث قال: "انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل" أي يطلب الحمل بالأجرة. 3- قوله: "فجاء رجل فتصدق بشيء كثير هو عبد الرحمن بن عوف كما سيأتي في التفسير، والشيء المذكور كان ثمانية آلاف أو أربعة آلاف.
عدد الصفحات ٤٧٣80 4- قوله: "وجاء رجل" هو أبو عقيل بفتح العين كما سيأتي في التفسير، ونذكر هناك إن شاء الله تعالى الاختلاف في اسمه واسم أبيه ومن وقع له ذلك أيضا من الصحابة كأبي خيثمة، وأن الصاع إنما حصل لأبي عقيل لكونه أجر نفسه على النزح من البئر بالحبل. 5- قوله: "فقالوا" سمي من اللامزين في "مغازي الواقدي "معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام. الحديث الثاني : 1416 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِي ِ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ "كَانَ رَسُولُ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِ لَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ وَا ِنَّ لِبَعْضِهِمْ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ" فوائد الحديث : 1- قوله: "وا ن لبعضهم اليوم لمائة ألف" زاد في التفسير "كأنه يعرض بنفسه" وأشار بذلك إلى ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من قلة الشيء، وا لى ما صاروا إليه بعده من التوسع لكثرة الفتوح، ومع ذلك فكانوا في العهد الأول يتصدقون بما يجدون ولو جهدوا، والذين أشار إليهم آخرا بخلاف ذلك. 2- "تنبيه": وقع بخط مغلطاي في شرحه "وا ن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف" وهو تصحيف الحديث الثالث 1417 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللََِّّ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللََِّّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِق ِ تَمْرَةٍ" فوائد الحديث : 1- فيه الحث على الصدقة بما قل وما جل 2- فيه أنه لا يحتقر ما يتصدق به 3- أن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار. الحديث الرابع :
عدد الصفحات ٤٧٤81 1418 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللََِّّ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِي ِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْ دُ اللََِّّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا قَالَ تْ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُ مَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: " مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ" فوائد الحديث : 1- سيأتي في الأدب من وجه آخر عن الزهري بسنده، وفيه التقييد بالإحسان ولفظه: "من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار" 2- فيه شدة حرص عائشة على الصدقة امتثالا لوصيته صلى الله عليه وسلم لها حيث قال يرجع من عندك سائل ولو بشق تمرة" رواه البزار من حديث أبي هريرة. 11 - باب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وقوله الحديث الأول : 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَ احِدِ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا /أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهُ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَ سُولَ اللََِّّ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ" فوائد الحديث : 1- قال الزين بن المنير ما ملخصه: مناسبة الآي ة للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل واشتغالا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية. والمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة كما أشار إليه في آخره بقوله: "ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم" ، ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية. والله أعلم.
عدد الصفحات ٤٧٥82 2- قوله: "جاء رجل" لم أقف على تسميت ه، ويحتمل أن يكون أبا ذر، ففي مسند أحمد عنه أنه سأل أي الصدقة أفضل، لكن في الجواب "جهد من مقل أوسر إلى فقير" وكذا روى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أبا ذر سأل فأجيب. 3- قوله: " وأنت صحيح شحيح" في الوصايا " وأنت صحيح حريص" قال صاحب المنتهى الشح بخل مع حرص. 4- قال الخطابي: فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سيمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر، وأحد الأمرين للموصي والثالث للوارث لأنه إذ ا شاء أبطله. 5- قال الكرماني: ويحتمل أن يكون الثالث للموصي أيضا لخروجه عن الاستقلال بالتصرف فيما يشاء فلذلك نقص ثوابه عن حال الصحة. 6- قال ابن بطال وغيره: لما كان الشح غالبا في الصحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره. باب الحديث الأول : 1420 –حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِي ِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللََُّّ عَنْهَا "أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُ لْنَ لِلنَّبِي ِ صَلَّى اللََُّّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ وَكَانَ تْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ" فوائد الحديث : 1- قوله: "أطولهن يدا" في رواية عفان "ذراعا "وهي تعين أنهن فهمن من لفظ اليد الجارحة 2- قوله: "فعلمنا بعد" أي لما ماتت أول نسائه به لحوقا 3- قال ابن بطال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا إلخ، ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدمة المصرح فيها بأن الضمير لسودة. وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أول من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك من روايته عن الواقدي، قال: ويقويه رواية عائشة بنت طلحة.
عدد الصفحات ٤٧٦83 4- قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي فإنه فسره وقال: لحوق سودة به من أعلام النبوة. وكل ذلك وهم، وا نما هي زينب، فإنها كانت أطولهن يدا بالعطاء كما رواه مسلم من طريق عائش ة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: "فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل وتتصدق" انتهى. وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له. 5- قد جمع بعضهم بين الروايتين فقال الطيبي: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب، وكانت سودة أولهن موتا. قلت: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد عند ابن حبان أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة، ثم هو مع ذلك إنما يتأتى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر، وجزم الذهبي في "التاريخ الكبير" بأنها ماتت في آخر خلافة عمر. وقال ابن سيد الناس: أنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطال كما تقدم. ويمكن الجواب بأن النقل مقيد بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. و أما على قول الواقدي الذي تقدم فلا يصح. وقد تقدم عن ابن بطال أن الضمير في قوله: "فكانت" لزينب وذكرت ما يعكر عليه، لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر، فلما لم يطلع على قصة زينب وكونها أول الأزواج لحوقا به جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عيينة عن فراس كما قرأت بخط ابن رشيد أنه قرأه بخط أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عيينة هذه . 6- قال ابن رشيد: والدليل على أن عائشة لا تعني سودة قولها: "فعلمنا بعد" إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار مع أنه يصلح أن يكون المعنى فعلمنا بعد أن المخبر عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع ويبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعين ال حمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره كقوله تعالى: { 7- قال الزين بن المنير: وجه الجمع أن قولها "فعلمنا بعد" يشعر إشعارا قويا أنهن حملن طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرا خلاف ما اعتقدنه أولا، وقد انحصر الثاني في زينب للاتفاق على أنها أولهن موتا فتعين أن تكون هي المرادة. وكذلك بقية الضمائر بعد قوله: "فكانت" واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى.
عدد الصفحات ٤٧٧