في حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة قال: وفيه يعني في شهر ربيع الآخر توفي أبو محمد بن وكيع الشاعر» ويلقب بالعاطس؛ بتنيس يوم الثلاثاء لسع بقین منه" . جهوده العلمية خلف ابن وكيع آثاراً علمية كثيرة» تدلّ على سعة أفق» واطلاع واسع» ودراية بفن الأدبء وخبرة بالنقد وأصوله» ومع أن كتبه تعتبر مفقودة أوفي حكم المفقودةء إل أننا نستطيع ان نحكم على منهجه في التأليف» وطريقته في الكتابة من خلال كتابه«المنصف» موضوع هذه الدراسةء وهو الأثر الباقي بين أيدينا من آثاره العلميةء فأسلوبه فيه رائق» وعبارته سهلة منقادة» ورصيده اللوي عظيم» ومحفوظه من الشعر وافر زاخر» يدل على ذكاء فطري» واستعداد للكتابة والتأليف» ووعي بقضايا النقد التي شغلت أذهان النقاد في عصره» ولا غرابة في ذلك فهو من الشعراء المرموقين المعروفين بشعرهم الرقيق المتعدد الأغراض» ومن النقاد الذين أثروا حركة النقد فى القديم » وشاركوا في معالجة قضاياها واتجاهاتهاء فكانت آراؤه محل تقدير افا عند نقاد القرن الخامس ومن والاهم» كابن رشيق القيرواني» وأسامة بن منقذ والثعالبي» وصلاح الدين الصفديء والشريشي» ويوسف البديعي» وسواهم من النقاد الذين اطلعوا على كتابه المنصف. أو على كتبه الأخرى» والتقطوا بعض ارائه» وأوردوها في سياق معالجتهم لبعض القضايا النقدية . وفي هذا الإطار سوف نحاول ذكر بعض ما توصلنا إلى معرفته من كتبه واثاره. 1 - كتاب المنصف للسارق والمسروق منه. 2 - «كتاب الإخوان()»وسماه الأستاذ الفاضل بن عاشور «النزهة() فى الإخوان» وذکر آنه توجد منه نسخة وحيدة بمكتبته نسخت سنة 463 ه. ونسبه إلى حفید وکیع بن خلف» ولکنه أخطأً حین قال: «وأحسب أن اسمه علي بن عیسی». (1) ابن العديم : بغية الطلب 283/4 مخطوط بمعهد المخطوطات العربية . (2) إيضاح المكنون 264/3 . (3) انظر ديوان بشار بن برد 221/4 لجنة التأليف. 21 | چا j= : E e خزا ل وزالوہ
عدد الصفحات ٢١والكتاب المذكور هو حقاً لابن وکیع ۽ ومما يدل على ذلك أن الأستاذ الفاضل ابن عاشور نقل لنا من هذا الكتاب نصا يقول فيه مؤلفه «حضر بشار مجلساء فقال: لا تجعلوا مجلسنا هذا شعراً کله ولا غناءًَ کله ولا حدیثاً کله» ولکن تناهبوهء فإن العيش فرصة'». وهذا النص بعينه مذكور في كتاب ابن وكيع «المنصف»”. وكتاب الإخوان هذا انتخب منه مكي بن أبي طالب کتاباً سماه «منتخب کتاب الإخوان لابن وكيع»”“وجعله في جزءين» مما يدل على أن الكتاب الأصل كبير» يقع في أكثر من ذلك . 3 «نظم الدر والعقيان» ذكره المصباحي في کتابه «آنس السمير في نوادر الفرزدق وجرير» ورقة 116 مخطوط بمعهد المخطوطات العربية. حيث قال في ترجمة أبي الأسود الدؤلي : «ذكره التنيسي في كتابه «نظم الدرّ والعقيان» في جملة الأعيان المشاهير» الذين ابتلوا بقبح الصورة الظاهرة» ورزقوا الفضل والعلم في الباطن ما غطى على قبح الصورة الظاهرة». ۵ سعره جمع شعر ابن وکيع في دیوان يقع في أربعة مجلدات على حروف المعجم . قال ابن العديم : «وديوان شعر ابن وكيع هذا أيضا عليه أربعة مجلدات على حروف المعجم“». وقال ا «ووقع إل نسخة من شعره صحيحة» ابتداً في أول الديران وقال : قال أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن وكيع» وختمه بقوله : اخر شعر أبي محمد الحسن بن على بن وكيع» ثم إنه کتب بعده: نقلته من نسخة كان في آخرها مكتوبا: نقلته من نسخة كان في اخرها بخط ابن وكيع يقول: علي بن أبی غبد الله محمد بن أحمد بن محمد الجوري(») . (1) المصدر السابق 15/1. (2) انظر ص 309 . (3) ياقوت الحموي : معجم الأدباء 175/7 نشر مرجليوث . (4) بغية الطلب ج 4 ورقة 283 مخطوط . (5) نفسه. 22 ¥ چا | “ls : EE الالو e
عدد الصفحات ٢٢لا شك بعد هذا ن شعر ابن وکیع لا يقل من حیث کثرته وتنوعه عن شعر غیره من الشعراءء الذين سعدوا ببقاء أشعارهم في متناول الدارسين والباحثين» وليس غريبا أن تشمل هذه المجلدات الأربعة التي أنشأها الشاعر على حروف المعجم معظم الأغراض والموضوعات الشعرية» ولو وقع إلينا الديوان كاملا لتغيرت نظرة كثير من النقاد في شعره وشاعريته» وبهذا نعلم أن ما جمع من شعره الا يمثل شيا البتةء ولا يعطي الصورة الحقيقية عنه وعن شعره. ومن الذين ذكروا ديوان ابن وكيع وأشاروا إليه ابن خلكان“ في وفيات الأعيان» وعبد القادر البغدادي في مقدمة كتابه النفيس خزانة الأدب حيث أدرجه ضمن الدواوين التي اعتمد عليها في تأليف كتابه المذكور. وقد قام الدكتور حسين نصّار بمجهود قيم يذكر له بكل خير» حيث جمع شيا من شعر ابن وكيع» وتتبعه في مظانه المختلفةء فوقع له من هذا ثلاث وثمانون قصيدة ومقطوعة» ضبطهاء وخرّجهاء وحققهاء وصدر هذا المجموع بمقدمة قيمة تحدّث فيها عن الشاعر» وعصره» وأسرته» وموطنه» وفنه الشعري› وأطلق على ګتابه هذا «ابن وکیع اا شاعر الزهر والخمر» وهي تسمية منصفة بلا شك فمن يرجع إلى ما بقي من شعره ير أنه مغرم بالزهر لايمل القول فيه» عاشق للخمر لا حديث له إلا عنها. ثم ظفر الأستاذ هلال ناجي بمجموعة أخرى من شعر ابن وكيع» لم يتضمنها المجموع الأول الذي صنعه الدكتور حسين نصار» فنشرها بمجلة المورد العراقية العدد الأولء المجلد الثاني سنة 1973 من ص 198 إلى ص 205 ثم ضمن هذه المجموعة نفسها كتابه «هوامش ترائية» الذي نشره بالعراق سنة 1973 . وقد اعتمد الأستاذ هلال ناجي في جمعه لشعر ابن وكيع على كتاب «قطب السرور في أوصاف الخمور» لأبي إسحاق إبراهيم المعروف بالرقيق النديم» وعلى كتاب «غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات» لعلي بن ظافر الأزدي المصري . وقد وقعت على شيء من شعره الذي لم ينشر في المجموعين اللذين أشرت (1) وفيات الأعيان 104/2 دار-ضادر. ر 2 2 ءl* رل
عدد الصفحات ٢٣إليهماء وأغلبه في المجون ووصف الخمر»ء وبين يدي الآن مجموع شعري لجامع مجهول عنوانه «عذر الخليع بشعر ابن وكيع» يحتوي قصائد ومقطوعات لم تنشر فيما نشر من شعر ابن وکیع . كما ذكر الأستاذ كارل بروكلمان أن لابن وكيع قصيدة مخطوطة في برلين“ . وریا سي نا جمح هذه الأشعار استدراكاً ما على جمعه الأستاذان الفاضلان: حسين نصار» وهلال ناجي» تعميما للنفع» وسدا للنقص» ورغبة في صنع ديوان لهذا الشاعر» يضم ما تفرق من شعره في بطون الكتب . (1) تاريخ الأدب العربي 13/2 دار المعارف. 24 E ےل :5 : م ا
عدد الصفحات ٢٤اتع و ول4 تني ورورا وکح فا إذا كانت الخصومة حول أبي تمام خحصومة حول مذهب رأى فيه كثيرون خروجاً عن النهج العربي السليم» وإفساداً للذوق» وإفراطاً في استخدام البديع» ورأى فيه اخرون غير هذا الرأيء فأعطوا صاحبه موضعه من الرتبة» وحقه من المدح - فإن الخصومة حول المتنبي لم تكن خصومة حول مذهب شعري» وإنما كانت معركة بين خصوم حاقدين» وأنصار مغالين'“. وكلا الفريقين إما ظالم لهء أو للأدب فيه . كما قال القاضي الجرجاني<. كان ابن وكيع أحد الذين أسهموا في هذا الصراع» الذي نشب حول المتنبي» ويعدّ كتابه المنصف وثيقة هامة من وثائق هذه المعركة. التي اشترك فيها عدد ضخم من الشعراءء» والنقادء والكتاب. وهي معركة تعدت فنه الشعري إلى الطعن والتجريح حيناء وإلى الثناء والإطراء حيناء حتى بدت روح المغالاة تسري فيما كتب فيهاء فتبعدها عن النقد الهادف إلى التعصّب المقيت» والهوى البغيض . وقد خصّصنا هذا الفصل للحديث عن هاتين الطائفتين» لتحديد موقف كل طائفة» وتوضيح طريقتها في الدفاع عنه أو الهجوم عليه» ونهجها في دراسة شعره والمقاييس التي احتكمت إليها. كل ذلك في إيجاز يبين القصد» ولا يخل بالمراد. (1) محمد مندور: النقد المنهجي /157 . (2) الوساطة/3 . 25 ٣ * رض 2 : EE
عدد الصفحات ٢٥أولاً : خصومه أ - خصومه في حلب طالت إقامة المتنبي في بلاط سيف الدولةء» فبلغت تسع سنين»ء أو ما يقرب من ذلك وشعره فيه امتاز بالكثرة. فالديوان يحفظ لنا من قول المتنبي في سيف الدولة نيا وثمانين قصيدة ومقطوعة» وهو مقدار ضخم» لم يجتمع فيما أظن لشاعر من الشعراء القدماء في خليفةء أو أميں» أو ملك. ومنذ أن وصلى المتنيى إلى .بلاط سيف الدولة تكتل خصومه فى شكل عصبة تناصبه العداءء ٠ ؤكان ا الحمداني ابن عم سيف الدولة قظب هذه الحركة والمحرض عليهاء «وحول أبي فراس اجتمع أبو العشائر الذي لم يغفر للمتنبي عدم إهتمامه به بعد أن أسدى إليه فضله» ومعهما رجال البلاط أمثال القاضي أبي حصین» والأمیرین : أبي محمد وأبي أحمد بن ورقاء» وابن نحالويه النحوي(» . ومهما يكن من أمر فقد ثبت المتنبي لخصومه» يدافع عن نفسه» ويزهو بشعره» ويزدري خصومه وحساده» ينال منهم› ويعرّض بهم » ولا يزداد مع الأيام إلا ودا ومحبة لدى سيف الدولةء حتى إذا كانت موقعة «خرشنة» سنة 339 ه)» وهي الموقعة التي انتصر فيها المسلمون أل الأمر» ثم انهزموا هزيمة منكرة في آخرهاء قال المتنبي قصيدته المشهورة: غَيْري باكئر هَدًا الناس ينخْيِمٌ إن فاتلوا جبنواء أو حَدَنُوا شَجِعُوا وفي هذه القصيدة كان المتنبي شديد القسوة على الجندء حين وصفهم بالجبن والخور» وشكك في فروسيتهم بقوله : ME SS E (1) طه حسين: مع المتنبي/168. 169 . (2) محمد مندور: النقد المنهجي /162 . (3) زكي المحاسني : شعر الحرب في أدب العرب/276 . (4) ديوانه شرح العكبري 221/2 . 26 . | چا س وی م ر ا
عدد الصفحات ٢٦وحين نالت سهام قوله فيها كثيراً من أشراف القوم الذين انهزموا في هذه المعركة» فوصفهم بالتخاذل والخور» كان الموقف قد تخؤل من مجرد الطعن في شعره إلى السعاية به لدى سيف الدولةء وتأليبه عليه . فالبديعي يحدثنا: أن أا فراس قال لسيف الدولة: «إن هذا المتشدق كثير الإدلال عليك. وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دینار عن ثلاث قصائد» ویمکن آن تفرق مائتی دینار على عشرین شاعرا يأتون بما هو خير من شعره»ء فتأثر سيف الدولة بهذا الکلام»٠. وحين أنشأً المتنبي قصيدته المشهورة<): اح لاه ممن قله شَبمٌ فمن يجيي وخالي علدَه سَمَُ وهي من عيون مدائحه في سيف الدولة» لم يترك أبو فراس بيتاً من أبياتها إلا عابه عليه واتهمه فيه بالسرقة» ومسخ أقوال السابقين . فلما وصل المتنبي إلى قوله فيها : ا والبيْدَاءُء تغرفني والسَيْفٌ والرُمْح والقَرْطاس. والقَلَمُ قال أبو فراس: وماذا أبقيت للأمير» إذا وصفت نفسك بالشجاعةء والفصاحة» والرياسةء والسماحة؟ تمدح نفسك بماسرقته من كلام غيرك» وتأخذ جوائز الأميرء . . . حتى إن سيف الدولة غضب من كثرة مناقشة هذه القصيدة» وكثرة دعاويه فيهاء فضربه بالدواة التي بين يديه . وخدو ران اس الدولة بدا ر :افا صاغية لخصوم المتنبي» وأنه بدأ يقبل الكلام في شاعره الأثيرء ويسمح لهم بالتجرؤ عليه ولا يحاول أن ينتصف له منهم . فقد حدث أن تكلم المتنبي في مسألة جرت بين ابن خالويه النحويء وأبي الطيب اللغوي بما يقؤي حجة أبي الطيب اللغوي» ويضعف قول ابن خالويهء ویتهمه بأنه أعجمي الأصل» لا دراية ا باللغةء مما أثار حفيظة ابن خالویه» فهجم على المتنبي» ولکمه بمفتاح فأسال دمه0). وقد كانت هذه الحادثة على مايقال (1) يوسف البديعي : الصبح المنبي 91/88 . (2) ديوانه شرح العكبري 362/3 . (4) نفسه 87 91. n ». | چا j= : E e خزا ل وزالوہ
عدد الصفحات ٢٧سبباً من أسباب فراقه لسيف الدولةء الذي أهين في مجلسه» ولم ينتصر له» لا قولاء ولا عملا. بين النامي“ والمتنبي وابن وكيع كان النامي من خواص مداح سيف الدولة» وكان عنده تلو أبي الطيب في المنزلة والرتبة. ولكن لم يلبث أن مال عنه إلى أبي الطيب» فغاظ ذلك أبا العباس النامي» ولم يجد ما يشفي غليله سوى أن ينضم إلى خصوم المتنبي المنكرين لشعره ومکانته» فکانت له معه وقائع ومعارضات في الأناشيد”). وقد استهوت العلاقة بين النامي والمتنبي الباحثين من المحدثين» فانقسموا حيالها فريقين» فريق يرى أن العلاقة بينهما قد شابتها الشوائب منذ أن أعرض سيف الدولة عنه وقدّم المتنبي عليه» ويمثل هذا الفريق سامي الكيالي› الذي قال: «وبدأت المؤامرات تحاك حوله» وبدأوا یدسون علیه» ویصورون شعره شعرا مبتذلاء أجمله مسروق» لا يستحق هذا الإكبار والإجلالء وكان في طليعة هذا النفر النامي الشاعرء وابن خالويه مؤدب سيف الدولة» وأبو فراس ابن عم( . وإلى هذا الرأي يميل الأستاذ بلاشير» والدكتور محمد مندور^ . أما الفريقق الآخر» فيرى عكس هذا الرأي» ويذهب إلى أن النامي كان في جانب المتنبي» في خصومته مع أبي فراس الحمداني . فهذا الدكتور الشكعة يقول: «فهناك الخلاف الشديد بين كل من ا فراس والمتنبي › ولكل منهما أحباء وأنصار» فالجبهة الأولى على رأسها أبو فراس» وجناحاها ابن خالويه وأبو العشائرء والجبهة الثانية زعيمها المتنبي» وجناحاها ابن جني وأبو العباس النامي »< . وأرى أن الفريق الأول أقرب إلى الحقّ والصواب» فالعلاقة بين المتنبي (1) انظر ترجمته في : وفيات الأعيان 47/1 دار صادر» الوافي بالوفيات 96/8 نشر جمعية المستشرقين الألمانية . ٠ (2) الوافي بالوفيات 98/8 . (3) سامي الكيالي : سيف الدولة وعصر الحمدانيين /124 . (4) محمد مندور: النقد المنهجي /162.ء 164. (5) الشعكة: فنون الشعر في مجتمع الحمدانيين/124 . 28 + | چا س وی م ج
عدد الصفحات ٢٨والنامي لم تكن علاقة ود وصفاءء وما كان للنامي أن يكون في صف المتنبي ویعاضده في خصومته مع أبي فراس» وهو الذي أف رسالة في عيوب شعر المتنبي ذكرها ابن وكيع في كتابه هذاء وأشار إليها في غير موضع')ء ونقل عنها نقولات كثيرة منها مثلاً قوله عندما تحدث عن قول المتنبي : إلا ت فد فاب ل ك ٠ ۲ صا إو حه مل ته «زعم أبو العباس النامي المصيصي آنه سرق هذا من بي في قوله : شاب اش وا رات الان إل من فضل شيب الفؤاد هذا یذکر قد شاب a والمتنبي یذکر أنه إن لم یشب فلقد شابت كبده من الهموم» وشيب الرأس معنىء ويمكن أن يكون غريزة أو لسن وشيب الكبد استعارة» وزاد أبو الطيب في الكلام من ذکر خضاب السلوة ونصول شیب فؤاده» وهذا يدخحل في مماثلة السارق المسروق منه في کلامه بزيادة فی المعنى ما هو من تمامه. ولولا آن أا العباس النامي ذکر أن هذا مأخوذ من هذا لکان ا عنه)(2) , لفو قا أن ابن وكيع رغم تحامله على المتنبي نراه لا يسلم للنامي يما يدعيه ويستخرجه من سرقات في شعر المتنبي» بل نراه يناقشه فيها مناقشة المناصر للمتنبي» ویردها عليه ولو کان من المعيب الذي ینکره غيره من النقاد. فاقراً مثا قول ابن وکیع ودفاعه عن بيت المتنبي : مجك إا مطل الغريم بَدَيِه َل مُا اراد كفيلا ل E ا ا ّا ا الان س وقال: أخذ هذا منه. ولا أعلم له به تعلقاً إلا بلفظ کفیلء فإِن کان ول من تكلم بكفيل أبوتمام فقد أخذ لفظه لا معنا وإلا فما يتعلق كلام أبي تمام بکلام (1) انظر مثلاً الصفحات 242ء 305 642ء 708. (2) انظر ص 242 . 29 | چا س وی 5 ر ال
عدد الصفحات ٢٩أبي الطيب في شيء أصل. ولو قال أبو العباس إن أبا الطيب أخذ هذا من قول أبي تمام : ما رال ذاك الصبْر وهو عليكم لِلموتِ في قبض النفوس وكيلا كان أقرب إلى المعنىء وهذا نقد من يساجل أبا الطيب في الشعر ويظن أنه قرنه»('. فهذه لهجة في الدفاع لم نعهدها عند ابن وكيع› فهو ينقض قول النامي ويرده بأن البيتين لا تعلق لهما ببعضهما إلا في كلمة واحدة اشتركا فيها هي كلمة (كفيل)» وذلك لا يبرر وجود السرقة مطلقأًء لأنه لا سرقة في الألفاظ المتداولة. وهذا کلام جميل حقا ولکن ابن وکیع لم يلتزم به في کتابه» واستخرج سرقات للمتنبي شبيهة بما استخرجه النامي في مثل هذا البيتء وسوف يمر بك في هذا الكتاب كثير من مثله. وسوف يأخذك العجب إذا رأيت ابن وکییع يقبل أشياء فى شعر المتنبى معيبة حقاً ومرذولة ينكرها عليه نقاد كثيرونء فتراه يدافع عنها لمجرد أن النامي أنكرها عليه. فقول المتنبي : ۶ “ 2 ر ر2 a TE ا ا يقول عنه ابن وكيع: «هذا مما أورده أبو العباس النامي المصيصي في عيوبه» فإن كان اشتهى لفظ السراويلات فلا علة لذلك إلا أنها تضم ما تضمه مما جه إا اقلت شفع لي ولا قليك خسن لقي وليس يعيب المحبوب أن يحب منه الفاسق ما خلفه ويمتنع› أو قدامه» وقد شرط الرجل العفاف. ولم يزل الشعراء يستجيزون النظر إلى الحسنء ويعفون عن غير ذلك. »۶ . فانظر كيف يتخذ ابن وكيع دفاعه عن أبي الطيّب مادة للهجوم على النامي . (1) انظر ص 642. (2) انظر ص 708. 30 ر ١ ¥ ت :8 Îz ل
عدد الصفحات ٣٠ومن المعلوم أن هذا البيت قد عيب على أبي الطيب حقاً. قال العسكري «سمعت بعض الشيوخ يقول: من الفجور ما هو أحسن من هذه العفة إذا عبر عنها بهذا اللفظ»( . ويقول ابن وكيع في بيت أبي الطيب: حف الله وآشْحَر ذا امال لن لحت حَاضت في الحْدُور العَوات «ذكر هذا أبو العباس النامي في غث كلامه» ولست أعده غثأء لأن الجمال تمدح به الملوك» وحیض العواتق شهوة لما رأین من جماله» فالمعنی صحیح والافظط فصيح › فلم صار غا( . والحق أن. هذا البيت من غث كلامه كما قال النامى . ولقد اخذه عليه نقاد آخرون منهم الحاثمي الذي قال عن هذا البيت موجهاً الخطاب للمتنبي . «أهكذا ينسب؟ فقال: أما هكذا في کتابکم؟ فکفر لعنه اله فقلت أین؟ فقال: في قوله. تعالى: فَلَمَا رأينه أكبرتة 0(4 أي حضن شهوة له واستحسااً لصورتهء فقلت: لم يقل هذا أحد من محصلي أهلى العلم ولاشهد به ثقة . ولا ننكر أن الملوك تمدح بالجمال كما قال ابن وكيع» ولكن موضع المؤاحذة. فيي البيت تعبيره: بكلمة' «حاضت» وهي رواية ابن جني » وکان في وسع ابن وكيع أن يرد على النامي بالرواية الأخرى وهي إل لحت دَابْتْ في الخُدُور العواتى»( . أفلا يحق لناء بعد هذا التحامل الذي رأيناه في أسلوب ابن وكيع وهو يناقش النامي أن نقول: إنه ليس بعيداً أن تكون هناك خصومة أخرى بين النامي (1) ديوان المعانى 268/1 . (2) انظر ورقة ص 708. (3) يوسف الآية 31. (4) الحاتمي : الرسالة الموضحة ص 13. (5) انظر شرح الواحدي ص 126 وشرح العكبري 349/2 . 31 ر ١ ¥ چ 5 Îz ل
عدد الصفحات ٣١وابن وكيع» فالمعروف أن النامي امتد به العمر حتى توفي سنة 399 ه على ماذكره أكثر الباحثين'). على أن بعضهم) ذكر أنه توفي سنة 370 ه أوسنة 371 ه وسواء أكانت وفاة النامي سنة 399 ه أو قبل ذلك فلا شك أن الرجلين تعاصرا لأننا نعرف أن ابن وکيع توفي سنة 393 ه بل وربما التقيا في بلاط سيف الدولة لأن ابن وکیع قدم حلب () ومدح بها الأمير سيف الدولة. وخلاصة القول في هذا: إن العلاقة بين المتنبي والنامي كانت علاقة خصوم ألداء أفصحت عن ذلك هذه الرسالة التي ذكرها ابن وكيع للنامي في عيوب شعر المتنبي وسرقاته» ولكن هذه الرسالة إذ تحسم الخلاف في قضية تثير قضية أخرى حول العلاقة بين النامي وابن وكيع لم يحن الوقت بعد للفصل فيها لأن المصادر لم تسعفنا بشيء» وربما تتضح الحقيقة بعد حين قد يطول أمده وقد يقصر. ب - خصومه في مصر وحین ارتحل المتنبي إلى مصر وانضم إلى شعراء بلاط کافور مدحه مه ّت وأربعين وثلاثمائة بقصيدته التي مطلعها: کی بك 5ا أن رئ الوت افا و الايا أن يكن أابا ثم توالت مدائحه حتی بلغت ثماني قصائد . دومن الخطإ أن يظن أن المتنبي قد حص كافوراً بهذه المدائح» وإنما الصواب أنه جعلها قسمة بين ثلاثة أشخاص: الأول المتنبي نفسه» حين كان يتغنى الامه وأحزانه» وحین کان یرغب إلى کافور في تحقیق آماله» ویستنجزه ما قدم من وعلد» والثانی : مف الول جين كان تة ينا وساتة ا أح ويظهر الندم على فراقه» ویعرض بالعودة إليه مرة ثالثة» والشخص الثالث والأخير هو کافور^). (1) شذرات الذهب 154/3 الكنى والألقاب 197/3ء معجم المؤلفين 100/2 الرقي . (2) وفيات الأعيان 47/1 دار صاد الوافي بالوفيات للصفدي 97/8 . (3) ابن العديم : بغية الطلب 283/4 مخطوط مصور بمعهد المخطوطات العربية . (4) طه حسين: مع المتنبي 197 298. 32 + | چا س وی م ج
عدد الصفحات ٣٢وقد أوضح الأستاذ بلاشير أن رد الفعل ضد المتنبي لم يظهر في مصر إلا ابن "“ أحمد ابن المهلبي » وعبد الله )بن أبي الجوع» وكاتم السر الجواد بن صالح( بن رشدین دیوانه تحت إرشاده . وسواء أقرأً هؤلاء ديوان المتنبي تحت إرشاده كما ذكر بلاشيرءأم لم يقرأوهءفإن الذي لا شك فيه ن علياً بن أحمد المهلبي المذكور هو أستاذ“ ابن وكيع » وقد نقل لنا عنه ابن وكيع أخباراً ومواقف حصلت له مع المتنبي . والذي لا شك فيه أيضاً أنه لم يكن على وفاق معه. قال ياقوت في ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد المهلبي هذا: «وله مع أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي قصة حدث بها أبوجعفر الجرجاني» قال: أبو الحسن المهلبي النحوي وقع بيني وبين المتنبي في قول العدواني : يا عَمْرو إلا ندع مي ومنقصتي أصربك حى تقول الهامَة اسفُوني وذلك أن المتنبي قال: إن الناس يغلطون في هذا البيت» والصواب: اشقوني من شقأت رأسه بالمشقاة وهو المشط . قال المهلبي : فقلت له: أخطأت في وجوه أحدها: أثه لم يرو كذلك» والآخر: أنه يقال شقأت بالهمزة وأيضاً: فإني أظنك لا تعرف الخبر فيه» وما كانت العرب تقوله في الهامة أنها إذا لم يثار بصاحبها لا تزال تقول اسقوني» فإِذا ثأروا به سکن كانه شرب ذلك الد( . ويروي ابن وكيع عن شيخه أبي الحسن المهلبي المذكور فيقول «حدثنا (1) توفي سنة 385 معجم الأدباء 82/5 . (2) هو عبد الله بن محمد بن أبي الجوع توفي سنة 395 بغية الوعاة 54/2. والوافي بالوفيات 17 ورقة /135. (3) معجم الأدباء 135/2 . (4) الصفدي : الوافي بالوفيات ج 20 ورقة 108 . (5) ياقوت معجم الأدباء 82/5 والصفدي» الوافي بالوفيات 108/20 . OER E ا ر U 8 م 2 زام لل
عدد الصفحات ٣٣شيخنا أبو الحسن المهلبى رحمه الله قال: حضرته فى مجلس لبعض الرؤساءء وجرت مسألة في المذكر والمؤنث. فقلت: قد يۇنڭ المذكر إذا تسبب بمؤنث» فقال: من قال هذا؟ فقلت: قال سیبویه» ویستشهد بقول مشن كما اهرت رمَاح ا اعا ر الير الات ومثل ذلك : ترق بالقول الذي فُذ اَذَه كما شرق صَذر الفاق من الدم فقال: لاأعرف هذا» ولعله مذهب البصريين» ولا أعمل على قولهم. قال: فقلت له هذا في كتاب ابن السكيت في المذكر والمؤنث فقال: ليس ذلك فيهء فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده» فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيدء ااا شا منه» فقلت: ما جلسنا للتخابر بالخطوط فانقطع في يدي» وقلت له بوا کف تو مارا افقال: مار ا 0 وهذه القصة كالقصة التي قبلها تبدو لنا موضوعة» قصد بها الطعن على المتنبي» وتسفيه رأيه» وكشف ضعفه في, العربية» وهي واقعة لا نعرف كيف نوفق بينها وبين تلك الرواية التي تقول: إِنَ الشيخ أبا علي الفارسي قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فغلى؟ فقال. له في. الحال: جلى وظربّى» قال الشيخ أبو علي الفارسي : فطالعت الكتب ثلاث ليلل على أن أجد لها ثالث فلم أنجد2. أفترى أن المتنبي الذي يعرف مثل هذه: الدقائق من اللغة يجهل مسألة تأنيث المذكر» ويعجز عن تصغير كلمة مختار؟ ولكن مهما يكن من .أمر فيبقى لتلك القصة التي أوردها ابن وكيع ولغيرها من القضص دلالتهاء وهي أن المتنبي حين نزل مصر لم يخل له الجو من الحسّاد والخصوم» والطاعنين في شعره والمشككين في علمه ومعرفته» وابن وكيع يجسد هذا الرأي فيقول: «وأنا أعلم أن الإنكار يقع في سرقته من مصرء لأنهم إذا كانوا يرغبون به عن السرقة ممن قدم عصره» وعظم في النفوس قدره» كانوا ممن قارب عصره ولم يتناقل (1) انظر ص 262 783 الصفدي» الوافي بالوفيات 108/20 . (2) يوسف البديعيء الصبح المنبي 143. 34 ا ¥ و ا
عدد الصفحات ٣٤الأدباء شعره أرغب بهء وهذه الطائفة السامية بقدرهء المفرطة في تعظيم أمرهءعرفته بعد حظوته وارتفاع صيته ورتبتهء ولم تعرفه وهو دقيق الخمولء وهو بمنزلة المجهول»ء وقد كان زمانه في هذه الحال أطول مسافة من زمانه في ارتفاع الحالء ووجود المال الذي شهر اسمهء وأبان لهم فضله وعلمه"'». وأظن أنه لم ينل شعر من النقد والأخذ والرد ما نالته كافوريات المتنبي» حيث نرى الشاعر يوحي بفكره المدح الموجه لأنصاره ومريديه بعد فساد الأمر بينه وبين كافور» فيتلقفها أكثرهم ويشيعونها زاعمين أن الشاعر كان يعْلّف مدحه لكافور بشيء من الهجاءء حتى إن بعض أنصاره المتأخرين ألف رسالة في قلب هذه الأشعار من المدح إلى الهجاء“. ومؤلف هذا الكتاب يخبرك في صراحة أنه استقى هذه الفكرة من المتنبي الت برل : «لو شئت لقلبت الكافوريات كلها إلى الهجو(. وبالرغم من أن هذا الكتاب من الكتب المتأخرة عن العصر الذي نتحدث فيه إلا أن مادة الكتاب تعكس وجهة نظر أبداها الشاعر نفسه واحتضنها تلاميذه من بعدهء فهم يروون أن ابن جني حين أنشد المتنبي قوله: وما طْرَبي لما رَأََك بنعَة .مذ كنت أرَجُو أن اراك فَاطْرَبُ أن المتنبي ضحك عندما علق ابن جني على هذا البيت بقوله: «جعلت الرجل أبازنة»0. وإذا كان أنصاره يذهبون هذا المذهب فإن خصومه يحملون ذلك كله على جهل الشاعر بأصول اللياقة في مخاطبة الملوك والأمراء. (1) انظر ص 227. (2) انظر: رسالة في قلب كافوريات المتنبي من المدح إلى الهجاء لعبد الرحمنء ابن حسام الدين المعروف بحسام زاده الرومي . (3) انظر: رسالة في قلب کافوریات المتنبي 4. (4) المصدر السابق 153 . 35 .» چا | P= 5 E
عدد الصفحات ٣٥ج- الخصومة حول المتنبي في العراق: ارتحل المتنبي عن مصر فراراً من كافور» ونزل بالكوفة» حتى إذا ضاق بها وبالحياة فيها استأنف خط السير متوجهاً إلى بغداد فنزل بها سنة 351 ه ولكن هذه لمر الا راغا ولا راسا امريد باهرا ولا يدا و اج هه ولو رجعنا قليلا إلى أيام المتبي عند سيف الدولة الوجدتاه يمدحة نة 2 ه بقصيدته التي منها هذين البيتين : إا كان تعض الاس مقا وة - في الان وتات لها وول وقد كان لهذا البيت الثاني أثره العميق في الشرق الإسلامي كله وفي بغداد خاصة. فقد ذكر هذا البيت حين وصل المتنبي إلى بغداد في اخر ا وعیب عليه فيها وفي غيرها من بلاد الشرق الإسلامي. ولا ريب أن أولي الأمر في بغداد لم ينسوا بعد تلك الأشعار التي نالهم من أذاها الشيء الكثير تعريضاً وتلميحاً وتهكماًء لذلك فلم يكد يطمئن بالشاعر المقام حتى رأينا هؤلاء القوم يتحرشون بهء ويغرون به الشعراء والأدباء لينالوا منه» فكانت تلك المناظرات التي شهدتها مجالسهم ودعوا المتنبي إليها بدعوى مناقشة أشعاره والاستماع إلى أرائهء وهم في الحقيقة يهدفون إلى التشفي منهء وقد كان الوزير المهلبي يرعى هذه المناظراتء ويذكي نارها بمشاركته فيها» بل ويحث على كتابتها ويجند الكتبة والنساخ للقيام بهذا العمل . يقول الحاتمي في الرسالة الموضحة: «ثم رأى الوزير أبو محمد الجمع بيننا في مجلس وأن يكون مراجعة الكلام ومناقلته إياه بحضرته. وأنا مورد ذلك مجلساً مجاساً على هيئته» فإن آبا محمد المهلبي رسم لإثباته کاتبین من خواص کتابه ووکد القول عليهما في الاحتراس من أن تشذ كلمة واحدة منه» فحصّلا ذلك تحصيلاً شدیدا»( . (1) مع المتنبي 348. (2) مع المتنبي 251. (3) الحاتمي» الرسالة الموضحة 97 . 36 ٣ھ رض 2 : EE
عدد الصفحات ٣٦