184 المنطقة المعتمة لكن ألكسندر كان يحتاج إلى تغذية برمجيته بالبيانات، وكانت البيانات لدى وكالة الأمن القومي. طلب ألكسندر من هايدن أن يتشارك البيانات، لكن هايدن خذله ورفض. كانت قواعد البيانات هي جواهر التاج بالنسبة إلى الوكالة، وهي نتاج عقود من الاستثمارات في تكنولوجيا جمع البيانات، والحواسيب، والثروة البشرية. لكن ممانعة هايدن لم تكن مسألة حماية الحِمى والنفوذ فقط. طوال أعوام كانت دوائر استخبارات أخرى قد سعت إلى الوصول إلى قاعدة بيانات للمضي في جدول الأعمال الخاصة بهم. لكن تحليل استخبارات الإشارة كان تخصصا مقصورا على فئة قليلة، كان يمكن أن يتولد من البيانات الخام استنتاجات خاطئة، أو حتى خطيرة، إذا وضعت في أيد غير مدربة، وما كان ألكسندر يريد فعله بالبيانات وكالة الأمن القومي - كان على نحو خاص عرضة لهذا الجنوح. إن المصادفات لا تكون دليلا على السببية، نقطة اتصال مشتركة - على سبيل المثال، رقم هاتف تصادف أن اتصل به بضعة أشخاص مشتبه فيهم - لا يكون دليلا على وجود شبكة، فضلا على كونها مؤامرة. كان لدى ، قبل عامين من وصول ألكسندر، كان سلفه، 1999العلاقات المهلهلة. في العام ، قد أنشأ مكتبا خاصا أطلق Robert Noonanالميجور جنرال (اللواء) روبرت نونان عليه اسم « حاسوبي أن يكتشف تلقائيا أنماطا في البيانات على الإنترنت - تحديدا أنماطا تدل ع نفاذ أجنبي غريب إلى برامج البحث والتطوير الأمريكية. كان آرت موني، مساعد وزير الدفاع لشؤون القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات، قد موَّل التجربة، وحينما تم الانتهاء منها، ذهب هو وجون هامري، نائب وزير الدفاع، إ كبيرة من الصور والرسوم البيانية، التي تبين الرئيس كلينتون، ووزير الدفاع السابق ، الرئيس التنفيذي لشركة Bill Gates، وبيل غيتس William Perryوليام بيري
عدد الصفحات ١٧٩185 حروب سيبرانية مايكروسوفت، ومعهم مسؤولون صينيون، بدا أن الاستنتاج كان أن الصين قد تغلغلت في أعلى مستويات الحكومة والصناعة الأمريكية. كان هامري غاضبا مستاء، لاسيما أن الإحاطة كانت قد عُرضت بالفعل لعدد من الجمهوريين في الكونغرس. حاول نونان أن يدافع عن البرنامج قائلا إنه لم يقصد به تحليلا استخباراتيا، بل نوعا من مشروعات معرض العلوم الذي يظهر إمكانات التكنولوجيا. لم يجد هامري الأمر مسليا ولم يرقه، وأغلق المشروع. كان مهندس المشروع والمصمم الرئيسي له هو كبير مستشاري التكنولوجيا في ، حاد، James Heath« واثق بنفسه، انطوائي جدا (حينما كان يتحدث مع الزملاء، لم يكن فقط يطأطئ رأسه ناظرا إلى أحذيتهم، بل كان يطأطئ رأسه ناظرا إلى حذائه هو)، كان هيث big dataمتعصبا بشأن إمكانات تتبع الروابط والعلاقات في البيانات الضخمة - على وجه التحديد - ما كان سيطلق عليه في وقت لاحق .metadata ربما كان نقد هامري اللاذع يعني نهاية الحياة المهنية للبعض، لكن هيث بقي ، 2001في مكانه، وحينما تولى ألكسندر قيادة تبدلت حظوظه. كان كل منهما قد عرف الآخر منذ منتصف التسعينيات من القرن للاستخبارات العسكرية في 525العشرين، حينما كان ألكسندر قائد اللواء الرقم ، وكان هيث هو مستشاره North Carolina« العلمي. حتى ذلك الحين، كانا يعملان على برمجيات )، وكان ألكسندر معجبا بفطنة هيث وعقليته المتفردة. كان data visualization( زملاء هيث في العمل، حتى المقربون منه، يشيرون إليه على أنه الذي يخص ألكسندر. إحدى مخاوف مايك هايدن بشأن طلب ألكسندر بيانات وكالة الأمن القومي الخام، كانت أن هيث هو الذي كان سيعمل على البيانات. كان هذا سببا آخر لرفض هايدن الطلب. لكن ألكسندر كافح وقاوم. كان لطيفا معسول اللسان، ووسيما جذابا، وحتى فكها يتمتع بروح الدعابة بأسلوب أخرق يخفي طموحه العدواني، شن حملة
عدد الصفحات ١٨٠186 المنطقة المعتمة ضغط كبيرة لكسب التأييد ليحصل على البيانات. كان ألكسندر يخبر أي شخص، وكل شخص لديه أي سلطة أو نفوذ، لاسي هو وفريقه يحدث تغييرا، لكن مايكل هايدن كان يعيق التقدم ويحجب البيانات لأسباب تسلطية ضيقة الأفق. بطبيعة الحال، كان لهايدن اتصالاته الخاصة، وبدأ يسمع تقارير بشأن مكائد جنرال الجيش الميداني (القوات البرية) ذي النجمتين هذا. حتى إن أحد مصادره أخبره بأن ألكسندر كان يطرق الأبواب في وزارة العدل، ويسأل عن السبيل إلى « المشتبه فيهم، والجواسيس داخل حدود الولايات المتحدة. كانت هذه هي منطقة وكالة الأمن القومي، ولم يكن لدى أي أحد آخر أي شأن - قانوني أو سياسي أو غير ذلك - لأن يتحرى عنها أو يحوم حولها. ، the Nike swooshبدأ هايدن يشير إلى ألكسندر على أنه على غرار رمز العلامة التجارية للأحذية الرياضية (خط مقوس يتلاشى)، والذي كان ، وكان هايدن يرى أن هذا هو مختصر ملائم Just do itيحمل شعار للطريقة التي كان ألكسندر يعمل بها. ، الذي لم يكن يروقه هايدن كثيرا، وكان )6(لكن ألكسندر حاز ثقة رامسفيلد يستحسن ذريعة أن وكالة الأمن القومي كانت بطيئة جدا. من خلال مراقبته وضع ترتيبا 2001التلميحات والقرائن، توقع هايدن ما سيحدث. وفي يونيو من العام لتشارك قواعد بيانات معينة مع كان ألكسندر يرتاب في أن هايدن لم يكن يعطيه كل البيانات الجيدة، وكان هايدن يرتاب في أن ألكسندر لم يكن ينزع بيانات معلومات الأمريكيين الشخصية - الذين لم .)٭(يكن هناك مفر من أن تتصيدهم المراقبة - كما يقتضي القانون من أن ألكسندر ربما لا يتعامل مع بيانات )7() من المفارقات التي تدعو إلى السخرية أنه بينما كان هايدن يشكو٭( وكالة الأمن القومي بأسلوب قانوني صارم، فإن هايدن كان ينفذ برنامج مراقبة محليا مريبا من الناحية القانونية، للتنقيب في قاعدة البيانات ذاتها التي لدى وكالة الأمن القومي، بما في ذلك المحادثات الهاتفية والنشاط على الإنترنت Stellarلمواطنين أمريكيين. برر هايدن هذا البرنامج، الذي أُطلق عليه اسم رمزي هو ستيلار ويند )، على اعتبار أنه كان صحيحا؛ لأن الرئيس بوش كان هو الذي أمر به، واعتبره محامو وزارة العدل مشروعا.Wind
عدد الصفحات ١٨١187 حروب سيبرانية في نهاية المطاف، فإن الأدوات التحليلية التي كان قد أثنى عليها ألكسندر وهيث كثيرا لم تظهر زوايا جديدة، ولم تكشف عن أي إرهابيين. فشل هايدن وألكسندر في سبتمبر.11الكشف عن علامات لهجمات وبعد أربعة أعوام من الحادي عشر من سبتمبر، وعقب فترة وجيزة - بوصفه الضابط الأعلى لاستخبارات الجيش الميداني في البنتاغون - استولى ألكسندر على الق علميا له. خلال الأشهر الأولى من توليه المنصب، لم يكن لدى ألكسندر وقت للمضي قدما في أجندته الخاصة بالبيانات الواصفة. كانت الحرب في العراق على رأس الأولويات؛ إذ كانت تعني له تخفيف القيود التقليدية عن موجودات وكالة الأمن القومي، ووضع فرق استخبارات الإشارة (سيجينت) في اتصال دائم بالقادة على الأرض، وتكليف صفوة مخترقي الحاسوب (تاو - تي إيه أوو) بمهمة التعامل مع الاحتياجات المحددة والمصممة وفقا لمتطلبات القوات الخاصة التابعة للجنرال ماكريستال في قتالهم ضد المتمردين. كان يجب على ألكسندر أيضا إصلاح بعض العطب داخل وكالة الأمن القومي. Williamقبل أسبوع من وصول ألكسندر إ ، نائب هايدن طوال الأعوام الخمسة السابقة، مشروعBlack ، وهو المشروع العملاق الذي كانت الوكالة تقوم به من خلال التعهيد،Trailblazer لرصد واعتراض وتمحيص (غربلة) الاتصالات من الشبكة العالمية الرقمية من موازنة الوكالة )8( مليار دولار 1.2كان مشروع منذ بداية العقد، وكان قد ثبت أنه كارثة؛ إذ إنه كان منبعا لسوء إدارة المؤسسة، وتجاوزات في التكاليف، وكما رآه ألكسندر بصورة أدق، كان خطأ مفاهيميا فادحا. ) مترابطا ومتداخلا في قطعة monolithic systemلقد كان نظاما أحاديا جامدا واحدة، جرى بناؤه مرتكزا على حواسيب ضخمة لالتقاط ومعالجة طوفان البيانات الرقمية. كانت المشكلة هي أن التصميم كان بسيطا جدا. كانت القوة الحسابية المفرطة تحقق نجاحا في حقبة استخبارات الإشارات التماثلية (التناظرية)، حينما كانت المحادثة برمتها، أو إرسال الفاكس، ينساب عبر السلك ذاته، أو عبر دفقة
عدد الصفحات ١٨٢188 المنطقة المعتمة راديوية (لاسلكية). لكن البيانات الرقمية كانت تتدفق عبر الفضاء السيبرا في حزم، تنفصل إلى شذرات صغيرة جدا، كل شذرة كانت تسلك أسرع طريق ممكن قبل إعادة التجميع عند الوجهة المقصودة. لم يعد يكفي جمع الإشارات من المستشعرات (أجهزة الاستشعار) في الميدان، ثم بعد ذلك معالجة البيانات في المقر؛ إذ كانت هناك إشارات كثيرة جدا، تتسابق بسرعة كبيرة عبر العديد من المخدمات والشبكات. لم يكن ممكنا إلا إلى حد معين فقط، قبل أن تغمره بحار من البيانات. كان ينبغي Trailblazer أن تقوم المستشعرات بمعالجة المعلومات، ودمجها مع التغذية من المستشعرات الأخرى، آنيا في الوقت الحقيقي. من ثم، كانت مهمة ألكسندر الأولى هي الاستعاضة عن أخرى، استحداث منهج جديد كلية لاستخبارات الإشارة يناسب العصر الرقمي. كان أسلافه في العقد الماضي قد واجهوا التحدي ذاته، وإن كان على نحو أقل إلحاحا. كان كين مينهيان يمتلك الرؤية، لكنه كان يفتقر إلى المهارات الإدارية، وكان لدى مايك هايدن الفطنة والحنكة الإدارية، لكنه انصاع للدراية التقنية المفترضة في المقاولين (المتعهدين) الخارجيين، الذين قادوه إلى المجهول عبر طريق مكلف. كان ألكسندر هو أول مدير لوكالة الأمن القومي يدرك أن التكنولوجيا هي مركز المؤسسة، وكان يمكنه التحدث مع رجال عمليات استخبارات الإشارة، ومخترقي الحاسوب في « المعلومات إنه كان عاشقا للحاسوب ومهووسا به أكثر منه سياسيا مخضرما. كان يقضي ساعات منبطحا على الأرض مع رفاقه المهرة العاشقين للحاسوب، يناقش المشكلات، والنهج والحلول الممكنة، إلى حد أن كبار مساعديه نصبوا مزيدا من الحواسيب في مكتبه في الطابق الثامن من البناية، لكي يستطيع العمل على الألغاز التقنية المحببة إليه، من دون قضاء كثير من الوقت بعيدا عن جداول الأعمال والقضايا الأوسع نطاقا التي كان لزاما عليه التصدي لها ومعالجتها باعتباره مديرا. كان لدى ألكسندر قدرات تقنية ومقدرة على التحدث مع التقنيين بلغة مشتركة. نتيجة لذلك، وفي غضون أشهر، ابتكر هو وفريقه الخطوط المفاهيمية العريضة
عدد الصفحات ١٨٣189 حروب سيبرانية لنظام جديد؛ وفي غضون عام، أطلقوا المراحل الأولى من برنامج جديد أطلقوا عليه .Turbulenceاسم بدلا من نظام مفرد، . من جهة، )9(يحاول تنفيذ كل شيء، كان كانت النظم المختلفة بمنزلة دعم احتياطي أو نهج بديل، في حالة إخفاق الأنظمة الأخرى، أو حدوث تحول تكنولوجي كبير. على نحو أكثر تحديدا، كان كل من تلك النظم يقسم الشبكة إلى شرائح من نواح مختلفة. كانت بعض الأجزاء تعترض الإشارات من الأقمار الاصطناعية، والموجات الميكرووية، وكابلات الاتصالات؛ وأجزاء أخرى كانت تلاحق الهواتف الجوالة؛ والبعض الآخر كان يتنصت على شبكة الإنترنت ليلاحق حركة البيانات عبرها على مستوى حزم البيانات، اللبنة الأساسية للإنترنت ذاتها، وكانت إما تتعقب الحزم من منبعها، وإما ترقد على خط الاتصالات الرئيسي لحركة البيانات على الإنترنت (عادة بالتعاون مع كبار مزودي خدمات الإنترنت)، للكشف عن حزمة مستهدفة، ثم تنبيه مخترقي الحاسوب الولوج المصمم وفقا للحاجة لم تكن حنكة ألكسندر التقنية فقط هي التي جعلت برنامج بل كان أيضا ما قد حدث في الأعوام القليلة السابقة، من تقدم هائل في معالجة البيانات وتخزينها وفهرستها. تولى ألكسندر القيادة ذاتها التي تقاربت فيها رغباته مع الواقع في عالم الحواسيب. على مدى العقد الذي أعقب ذلك، بينما كان برنامج ، Turbineالنضج، ويتفرع إلى برامج متخصصة (أطلق عليها أسماء، مثل ، QuantumTheory، و Turmoilو )، كان XKeyscore، و QuantumInsertو برنامج بعض، مما كان سيجعل الأجيال السابقة من استخبارات الإشارات تبدو عتيقة وغير متقنة الصنع مقارنة بها. كان برنامج يستند إليها برنامج
عدد الصفحات ١٨٤190 المنطقة المعتمة الذي كان - إلى حد بعيد - أكثر دقة، ومصمما خصيصا ليكون أكثر ملاءمة للبحث عن معلومات نوعية محددة، ومقولبا بإحكام أكثر وفقا للمسارات الفعلية للاتصالات الرقمية الحديثة من حزم وتدفقات. ولأن الاعتراضات كانت تتم في داخل الشبكة، فإنه كان من الممكن تتبع الهدف على الفور، آنيا في الوقت الحقيقي. في المراحل الأولى من برنامج المفاهيم التقنية ذاتها، متضمنا بعض أفراد من الفريق التقني ذاته، لكن تركيزه كان منصبا على منطقة جغرافية محددة. كان البرنامج يدعى ، وكانت Real Time Regional Gateway )RTRG(الإقليمية مهمته الأولى هي مطاردة المتمردين في العراق. ، 2007 في أوائل العام)10(بدأت David Petraeusتقريبا في الوقت نفسه الذي تولى فيه الجنرال ديفيد بترايوس قيادة قوات الولايات المتحدة في العراق، وإصدار الرئيس بوش أمرا ينص ع مفاجئة عاما، لقد كانا زميلي دراسة بين ضباط الجيش الميداني، وكانا قد جددا علاقاتهما بعد ذلك بأعوام، باعتبارهما من قادة الألوية القتال في بغداد، كونا بطبيعتهما فريقا؛ إذ كان بترايوس يرغب في أن يكسب الحرب من خلال تنشيط تقنيات مكافحة التمرد، وكان ألكسندر حريصا على أن يجرف موارد وكالة الأمن القومي لمساعدته. كان أكبر تهديد للجنود الأمريكيين في العراق هو العبوات الناسفة التي تُغرَس على جوانب الطرق. كان فيض المعلومات الاستخباراتية، بشأن مفجري القنابل ومواقعهم، ينهمر على حواسيب وكالة الأمن القومي، من اعتراضات الهواتف الجوالة، والصور التي تلتقطها طائرات الاستطلاع المسيرة من دون طيار، والأقمار الاصطناعية، وعدد وافر لا حصر له من المصادر الأخرى. لكن الأمر كان يستغرق ست عشرة ساعة حتى تصل البيانات إلى البنتاغون، ثم إ العودة إلى مراكز الاستخبارات في بغداد، ثم إلى الجنود في الميدان؛ وكان ذلك وقتا طويلا جدا، إذ إن المتمردين حينئذ يكونون قد انتقلوا بالفعل إلى مكان آخر.
عدد الصفحات ١٨٥191 حروب سيبرانية اقترح ألكسندر الاستغناء عن الوسطاء ووضع أجهزة ومحللي وكالة الأمن القومي داخل العراق. وافق بترايوس. بداية، أسسا مكانا لمشغل يكون بمنزلة وكالة أمن قومي مصغرة، في حظيرة طائرات أسمنتية تحت حراسة مشددة في قاعدة شمال بغداد. بعد فترة وجيزة كان بعض المحللين يخرجون في دوريات مع القوات المقاتلة، ويجمعون البيانات ويعالجونها في أثناء تحركهم. على مدار الأعوام القليلة التي تلت ذلك، جرى نشر ستة آلاف مسؤول من وكالة الأمن القومي في العراق، ولاحقا في أفغانستان؛ قتل منهم اثنان وعشرون، معظمهم بفعل العبوات الناسفة التي كانت تغرس على جانبي الطريق، حينما يكونون هم في الخارج مع القوات. لكن جهودهم كان لها تأثير؛ ففي الأشهر القليلة الأولى، تقلصت الفترة الزمنية الفاصلة بين جمع المعلومات الاستخباراتية والعمل عليها من ست عشرة ساعة إلى دقيقة واحدة. بحلول شهر أبريل، كانت القوات الخاصة تستخدم هذا الكنز من المعلومات الاستخباراتية؛ ليس فقط لاصطياد المتمردين، لكن أيضا للتحفظ على حواسيبهم المختزن داخلها رسائل بريد إلكتروني، وأرقام هواتف، وأسماء مستخدمين، وكلمات مرور تخص متمردين آخرين، بمن في ذلك قادة تنظيم القاعدة، المادة الأساس لصلب أحلام عظماء التجسس الجدد. أخيرا، أصبح لدى ألكسندر وماكريستال مقومات الحملة السيبرانية الهجومية التي كانا قد ناقشاها مع جون أبي زيد، قبل ذلك بأربعة أعوام. كانت فرق وكالة الأمن القومي في قاعدة تجسس. كانوا يعترضون رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمتمردين؛ في بعض الحالات كانوا لا يرصدون سوى الرسائل المتبادلة لاكتساب معلومات استخباراتية جديدة؛ في حالات أخرى كانوا يحقنون برمجيات خبيثة لإيقاف تشغيل مخدمات المتمردين؛ وفي حالات أخرى كثيرة كانوا يرسلون إلى المتمردين رسائل بريد إلكتروني وهمية مصطنعة، يأمرونهم فيها بالالتقاء في وقت معين، في مكان محدد، حيث تكون القوات الخاصة الأمريكية مختبئة في انتظارهم لقتلهم والقضاء عليهم. ، التي تحققت بفضل )11( وحده، فإن تلك النوعيات من العمليات2007في العام مساعدة وكالة الأمن القومي، أدت إلى قتل نحو أربعة آلاف من المتمردين العراقيين.
عدد الصفحات ١٨٦192 المنطقة المعتمة ، ولم يقصد منه أن يكون كذلك، كانت الفكرة) 12(لم يكن التأثير حاسما ساحقا هي إعطاء فرصة لالتقاط الأنفاس، منطقة أمن، للفصائل السياسية في العراق لتسوية خلافاتهم، وتكوين دولة موحدة من دون قلق بشأن العبوات الناسفة التي تنفجر كل يوم. كانت المشكلة هي أن الفصيل الحاكم، لم يرغب في تسوية خلافاته مع الفصائل المتناحرة في الأوساط الأخرى... وهكذا، بعد مغادرة القوات الأمريكية، تجدد القتال الطائفي. كان عاما محوريا، شهد إخمادا هائلا للعنف؛ وترويض معظم 2007لكن العام المليشيات النشطة، أو استسلامها، أو استقطابها. كانت استراتيجية بترايوس لمكافحة التمرد لها علاقة بهذا الأمر، مثلما كان للأمر الذي أصدره بوش بخصوص المفاجئة « لم تكن في وسائل الحرب السيبرانية الهجومية. ، بعد منتصف الليل مباشرة، حلقت أربع طائرات مقاتلة )13( سبتم 6 في في شرقي سورية، فوق مفاعل نووي كان يجري بناؤه15إسرائيلية من طراز إف بمساعدة علماء من كوريا الشمالية، وهدمته بوابل من القنابل والقذائف الموجهة بالليزر. صعق الرئيس السوري بشار الأسد لدرجة أنه لم يصدر أي احتجاج علني، فالتظاهر بأنه لم يحدث أي شيء أفضل من الاعتراف بمثل هذه الغارة الناجحة. الإسرائيليون أيضا لم يذكروا شيئا. كان الأسد حائرا. في فبراير السابق، كان جنرالاته قد نصبوا بطاريات دفاع جوي روسية جديدة، وكانت الطواقم تتدرب عليها منذ ذلك الحين، وبسبب التوترات في هضبة الجولان، كانت الطواقم في الخدمة في ليلة الهجوم؛ غير أنهم لم يبلغوا عن أي طائرات ظهرت على شاشات الرادار الخاصة بهم. تمكن الإسرائيليون من تنفيذ الهجوم الذي أطلق عليه الاسم الرمزي ، 8200؛ لأنه - قبل الموعد المحدد - كانت الوحدةOperation Orchardالبستان وهي مكتبهم السري لوسائل الحرب السيبرانية، قد اخترقت نظام رادار الدفاع بذلك الاختراق باستخدام برنامج حاسوبي 8200الجوي السوري. قامت الوحدة
عدد الصفحات ١٨٧193 حروب سيبرانية ، طوره مكتب سري تابع لسلاح الجو الأمريكي يدعى )14(Suterيسمى . لم يعطلBig Safari« البيانات التي تربط الرادار بشاشات مشغلي الرادار. في الوقت ذاته، اخترق يستطيع رؤية 8200إشارة الفيديو الخاصة بالشاشات، بحيث كان طاقم الوحدة ما يشاهده مشغلو الرادار. إذا سار كل شيء على ما يرام، فإنهم كانوا سيشاهدون شاشات خالية من الأهداف، وسارت الأمور كلها على ما يرام. هذا الأمر يعود بنا إلى الحملة التي شُنت في البلقان، قبل ذلك بعشرة أعوام، »39حينما خدعت الوحدة المعلومات في وكالة الاستخبارات المركزية قيادة الدفاع الجوي الصربي، عن طريق الدخول في خطوط الاتصالات الخاصة بها، وأرسلت بيانات خاطئة كاذبة إلى شاشات الرادار الخاصة بها. وكانت الحملة الصربية لها جذورها التي تعود إلى قبل ذلك بخمسة أعوام، في الخطة التي حلم بتحقيقها محترفو استخدام برمجية الاتصال الهاتفي السيبرانية في سان أنطونيو، لتحقيق مفاجأة جوية في غزو هايتي (الذي أُوقِف في نهاية الأمر) عن طريق التشويش على كل هواتف الجزيرة. كانت الحملة الصربية وحملة هايتي حالتين كلاسيكيتين تقليديتين لوسائل حرب المعلومات في العصر ما قبل الرقمي، حينما كانت القوات المسلحة لكثير من الدول تدير اتصالاتها عبر خطوط الهاتف التجارية العمومية. استغلت تنامي الاعتماد على شبكات الحاسب، مثلما فعلت عملية وكالة الأمن القومي - قيادة العمليات الخاصة المشتركة في العراق - كانت هايتي والبلقان هما تجارب لوسائل الحرب السيبرانية الأولية (البدئية)، أما في العراق فإنهما وسمتا البداية الحقيقية. ، اندلعت أعمال 2007 أبريل27،)15(قبل ذلك بأربعة أشهر ونصف الشهر ، أصغر الجمهوريات Estonia، عاصمة إستونيا Tallinnشغب في مدينة تال السوفييتية الثلاث المطلة على بحر البلطيق، وأكثرها ميلا إلى الغرب، وتقع جنوب فنلندا مباشرة. كان شعب إستونيا قد استاء من حكم موسكو الذي دام منذ بداية الحرب العالمية الثانية، حينما بدأ الاحتلال. حينما سيطر ميخائيل غورباتشوف
عدد الصفحات ١٨٨194 المنطقة المعتمة على الكرملين، وخفف من قبضته التي دامت نحو نصفMikhail Gorbachev قرن، قاد شعب إستونيا التمرد من أجل الاستقلال الذي ساد المنطقة، مما ساعد ع السلطة Vladimir Putinانهيار الاتحاد السوفييتي. حينما اعتلى فلاديمير بوت في مطلع القرن الحادي والعشرين، إثر موجة من الاستياء والحنين إلى أيام القوة العظمى، ازدادت حدة التوترات مجددا. بدأت أعمال الشغب حينما رفض رئيس إستونيا، تحت ضغط من، قانونا كان سيزيل كل النصب التذكارية التي ظهرت خلال أعوام الاحتلال السوفييتي، بما في ذلك تمثال برونزي ضخم لأحد جنود الجيش الأحمر. خرج الآلاف من شعب إستونيا إلى الشوارع احتجاجا، منقضين على التمثال البرونزي في محاولة لإسقاطه بأنفسهم، لم يواجه كل هذا إلا بالأقلية الإثنية الروسية في البلدة الذين هبوا لصد الهجوم، معتبرين أن الاحتجاج هو إهانة للتضحيات التي قدمها الوطن الأم في زمن الحرب. تدخلت الشرطة ونقلت التمثال إلى مكان آخر، لكن المعارك في الشوارع استمرت، وعند تلك المرحلة تدخل بوتين، ليس بالقوات العسكرية، كما كان أسلافه ربما قد يفعلون، ولكن بهجمة من آحاد وأصفار. مليون مواطن، هم من بين الأكثر 1.3كان مواطنو إستونيا البالغ تعدادهم تقدما من الناحية الرقمية على كوكب الأرض؛ إذ إن نسبة كبيرة منهم كانوا موصولين بالإنترنت، وكانوا يعتمدون على خدمات النطاق الترددي العريض أكثر من سكان أي بلد آخر. في اليوم التالي لاضطرابات ليلة البرونز - كما كان يطلق عليها - تعرض مواطنو إستونيا لهجوم سيبراني عات، جرى غمر شبكاتهم ومخدماتهم بفيض غزير من البيانات، مما أدى إلى إيقاف تشغيلها. وبخلاف معظم هجمات حجب الخدمة التي كانت تميل إلى أن تسبب بعض الضرر مرة واحدة وغير متكررة، كان هذا الهجوم مستمرا ومتتابعا في ثلاث موجات منفصلة، مصحوبا بإصابات من برمجيات خبيثة ضارة تنتشر من حاسوب إلى آخر، عبر الأمة الصغيرة، في كل مناحي الحياة. طوال ثلاثة أسابيع، وبشكل متقطع طوال شهر كامل، لم يتمكن العديد من مواطني إستونيا من استخدام حواسيبهم فقط، ولكن هواتفهم، وحساباتهم البنكية، وبطاقات الائتمان، إذ إن كل شيء كان مرتبطا بشبكة أو بأخرى - البرلمان، ووزارات الحكومة، ووسائل الإعلام، والمتاجر، والسجلات العامة، والاتصالات العسكرية - كان كل ذلك ينهار.
عدد الصفحات ١٨٩195 حروب سيبرانية طلبت إستونيا المساعدة بصفتها عضوا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بموجب المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي التي تلزم الدول الأعضاء بالتعامل مع الاعتداء على إحداها على أنه اعتداء على الجميع. لكن الحلفاء كانوا متشككين. هل كان هذا اعتداء بهذا المعنى؟ هل كان عملا من أعمال الحرب؟ بقي السؤال مفتوحا من دون إجابة، ولم يَجرِ إرسال أي قوات. غير أن خبراء الحاسوب في الغرب هبوا - بمبادرة منهم - للدفاع عن إستونيا؛ إذ انضموا إلى الحركة الكبيرة لقراصنة الحاسوب الأخلاقيين المهرة (ذوي القبعات البيضاء) داخل إستونيا وساعدوهم. استخدموا مجموعة متنوعة من التقنيات العريقة، وتتبعوا العديد من المتسللين وطردوهم؛ مما خفف من الآثار التي كانت ستنشب لو أن حكومة تالين كانت هي المورد الوحيد للمقاومة والدفاع. نفى مسؤولو الكرملين ضلوعهم في الهجوم، ولم يستطع الغربيون العثور على أدلة قاطعة تشير إلى وجود متهم واحد. ومن بين أسباب كثيرة، كان أحدها هو إحجامهم عن اعتبار الهجمات السيبرانية سببا للاحتجاج وإنفاذ المادة الخامسة. كان تحديد مصدر الهجوم السيبراني مسألة صعبة بطبيعتها، وأيا كان من ابتدأ هذا الهجوم، فإنه كان قد غطى آثار مساراته بيد خبيرة وأسلوب ينم عن احترافية وإتقان. مع ذلك، تعقب خبراء التحليل الجنائي التعليمات البرمجية (الكود) للبرمجيات الخبيثة، . ردا على ذلك، ألقت سلطات الكرملين )٭(وأرجعوها إلى لوحة مفاتيح سيريلية nationalist youthالقبض على عضو واحد من ، وألزمته Ours، وهي الكلمة الروسية لـorganization )Nashi( بدفع غرامة تعادل ألف دولار، وأعلنت أن الجريمة قد جرى حلها. لكن لم يصدق أحد أن مواطنا متواضعا بمفرده، أو مجموعة خاصة صغيرة، كان يمكن أن تجد، فضلا عن كونها تخترق، بعض مواقع الإنترنت الإستونية الحيوية التي كان قد جرى تعطيلها جميعا دفعة واحدة في الوقت نفسه، ولمثل هذه الفترة الطويلة. اتضح أن الضربات السيبرانية في إستونيا كانت بمنزلة تدريب نهائي (بروفة نهائية) لحملة عسكرية منسقة، فبعد مرور ما يزيد قليلا على العام، أطلقت ) هي الأبجدية التي أبتكرتها الإمبراطورية البلغارية في القرون الوسطى٭(
عدد الصفحات ١٩٠196 المنطقة المعتمة روسيا عمليات جوية، وبرية، وبحرية، وسيبرانية متزامنة ضد جورجيا، الجمهورية السوفييتية السابقة. منذ نهاية الحرب الباردة، سادت توترات بين موسكو وحكومة جورجيا المستقلة وأبخازيا South Ossetia (مقاطعات) أوسيتيا الجنوبية)٭(حديثا بشأن أوبلاستات الصغيرتين، هي رسميا جزء من جورجيا، ولكنها تكتظ بسكان من أصل Abkhazia قرية تسخينفا )16(، قصف الانفصاليون في أوسيتيا 2008 أغسطس 1رو الجورجية. في ليلتي السابع والثامن من شهر أغسطس، حُشِد جنود Tskhinvali جورجيا، وقُمِع الانفصاليون، واستُعيدت البلدة في غضون ساعات قليلة. في اليوم التالي، تحت ذريعة مدعومة بضربات جوية وحصار بحري على طول الساحل. في اللحظة ذاتها التي عبرت فيها الدبابات والطائرات خط حدود أوسيتيا الجنوبية، جرى اختراق أربعة وخمسين موقع ويب خاصة بجورجيا - مواقع ويب ذات صلة بوسائل الإعلام، والشؤون المالية، والوزارات الحكومية، والشرطة، والقوات المسلحة - وأُعيد توجيهها، هي وكامل خدمة الإنترنت في الدولة، إلى مخدمات روسية، قامت بإغلاقها. لم يستطع مواطنو جورجيا الوصول إلى معلومات بشأن ما الذي كان يحدث؛ وواجه الضباط في جورجيا صعوبة في إرسال الأوامر إلى قواتهم؛ وواجه السياسيون في جورجيا فترات تأخير طويلة عند محاولتهم التواصل مع بقية العالم. نتيجة لذلك، كانت قنوات الدعاية الروسية هي أول من عرض على العالم نسخة موسكو من الأحداث. كانت حالة كلاسيكية نموذجية لما كان في يوم من الأيام يسمى وسائل حرب المعلومات، أو وسائل الحرب المضادة للقيادة والسيطرة؛ وهي حملة لإرباك، أو بلبلة، أو تضليل العدو؛ ومن ثم إضعاف، أو تأخير، أو تدمير قدرته على صد هجوم عسكري. أيضا، سرق قراصنة الحاسوب من بعض مواقع الإنترنت مواد منحتهم معلومات استخباراتية ذات فائدة بشأن جيش جورجيا - عملياته، وتحركاته، والبيانات الصادرة عنه - مما كان يمكن القوات الروسية من التفوق عليهم بسرعة أكبر. « )٭( وتعد من أكثر الكيانات شيوعا في روسيا الاتحادية
عدد الصفحات ١٩١197 حروب سيبرانية كما هي الحال مع إستونيا، نفى المتحدثون باسم الكرملين إطلاق الهجمات السيبرانية، على الرغم من أن التوقيت الذي جرى تنسيقه بدقة بالغة مع الأشكال الأخرى للهجمات أشاع شكوكا بالغة بشأن ادعاءاتهم بالبراءة. بعد أربعة أيام من القتال، انسحب جيش جورجيا. بعد مضي فترة وجيزة، أقر البرلمان الروسي رسميا أن أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا هما ولايتان مستقلتان. اعترضت جورجيا على هذا الوضع، ومعها جزء كبير من بقية العالم، كانوا يرون الجيوب (الأماكن المحصورة) على أنها أراض جورجية محتلة، لكن لم يكن هناك الكثير مما يمكنهم فعله حيال ذلك. وحتى أغسطس من العام 2007في أثناء الستة عشر شهرا ما بين أبريل من العام ، حينما اخترقت أمريكا البريد الإلكتروني للمتمردين العراقيين، وخدعت إسرائيل 2008 الدفاعات الجوية السورية، وغمرت روسيا مخدمات إستونيا وجورجيا، شهد العا بزوغ فجر حقبة جديدة في وسائل الحرب السيبرانية - استيفاء لإنجاز عشر سنوات من الدراسات، وتجارب نماذج المحاكاة، واختبار أولي في صربيا في بداية العقد. كانت عملية إستونيا هي طعن في الإكراه والقسر السياسي، وعلى الرغم من أنها فشلت في هذا السياق، إذ إنه في النهاية نُقِل تمثال جندي الجيش الأحمر من وسط مدينة تالين إلى مقابر عسكرية على مشارف المدينة. كانت العمليات الثلاث الأخرى ناجحة، لكن دور السيبرانية في كل منها كان تكتيكيا، وعاملا مساعدا للعمليات العسكرية التقليدية، تماما مثلما كان دور الرادار، وتكنولوجيا التخفي، والتدابير الإلكترونية المضادة في صراعات سابقة. كذلك، ربما لم تكن آثارها لتدوم طويلا إذا كانت الصراعات استمرت فترة أطول، كان من المرجح أن الدول المستهدفة ستجد أساليب لإبعاد، أو تشتيت، أو تعطيل الهجمات السيبرانية، تماما مثلما فعل شعب إستونيا بمساعدة حلفاء الغرب. حتى في الحرب التي استمرت أربعة أيام في أوسيتيا الجنوبية، تمكنت جورجيا من إعادة توجيه بعض مخدماتها إلى دول غربية، وتصفية بعض التسللات الروسية. تطور الهجوم السيبراني إلى حرب سيبرانية ذات اتجاهين، مع تكتيكات ومناورات مرتجلة. كانت وسائل حرب المعلومات في كل تجسيداتها، على مر القرون، مثل المقامرة، وكان المردود منها يستمر فترة وجيزة؛ وفي أفضل الأحوال فترة لا تكفي إلا لأن يعبر
عدد الصفحات ١٩٢198 المنطقة المعتمة الجواسيس، أو القوات، أو السفن، أو الطائرات أحد الحدود من دون أن يجري كشفها، أو لإعاقة واعتراض رسالة حاسمة، أو إرسالها واستقبالها. أحد الأسئلة التي بقيت بشأن هذا الفصل الأخير في عصر الإنترنت، كان عما إذا كانت الآحاد والأصفار التي تئز عبر الفضاء الإلكتروني قادمة من الجانب الآخر من العالم، تستطيع أن تلحق ضررا ماديا بأصول دولة ما. كانت الفقرات الأكثر مدعاة للقلق في تقرير شبكات الطاقة الكهربائية، وخطوط أنابيب النفط والغاز، والسدود، والسكك الحديد، ومحطات المياه، وغيرها من أجزاء البنية الأساسية الحيوية بالغة الأهمية في الدولة، التي جميعها يتزايد التحكم فيها من خلال حواسيب تعمل باستخدام أنظمة تجارية. حذرت الدراسات من أن عملاء الاستخبارات الأجنبية، أو عصابات الجريمة المنظمة، أو الأناركيين (مثيري الفوضى) الشريرين كان في إمكانهم إيقاف تشغيل هذه الأنظمة وإسقاطها بالهجمات السيبرانية من أي مكان على كوكب الأرض. بعض التدريبات المصنفة على أنها سرية، بما في ذلك مرحلة المحاكاة لمناورة تدريب افترضت وجود مثل هذه الهجمات. لكن هل كانت السيناريوهات معقولة ومقبولة؟ هل كان يمكن حقيقة لقرصان حاسوب ماهر أن يدمر شيئا ماديا؟ تجربة أُطلق 2007 مارس4للإجابة عن ذلك السؤال، أجرت وزارة الطاقة .)17(Aurora Generator Testعليها اسم Michaelأدار الاختبار ضابط استخبارات بحري متقاعد يدعى مايكل أسانتي سبتمبر بفترة وجيزة، كُلِّف أسانتي بمركز حماية البنية 11. بعد هجماتAssante الأساسية التابع لمكتب التحقيقات الفدرالي الذي كان قد أُنشئ في أعقاب هجوم « للشبكات العسكرية الأمريكية. وبينما كان تركيز معظم محللي المركز منصبا ع فيروسات الإنترنت، كان أسانتي يفحص قابلية تأثر أنظمة التحكم المؤللة التي تدير شبكات الطاقة الكهربائية، وخطوط الأنابيب، وغيرها من البنى الأساسية الحرجة التي كانت قد ورد تصنيفها في تقرير بعد ذلك ببضعة أعوام تقاعد أسانتي من سلاح البحرية، وذهب للعمل نائب رئيس وكبير مسؤولي الأمن في شركة الطاقة الكهربائية الأمريكية، التي كانت توصل
عدد الصفحات ١٩٣199 حروب سيبرانية الكهرباء إلى ملايين العملاء في جميع أنحاء الجنوب، والغرب الأوسط، ووسط الأطلسي. أثار أسانتي تلك المسائل عدة مرات مع زملائه من التنفيذيين. ردا على ذلك، كان زملاؤه قد أقروا بأنه كان من الممكن أن يخترق أحد نظام التحكم ويتسبب في انقطاع التيار الكهربائي، لكنهم أضافوا أن الضرر سيكون قصير الأجل، إذ إن أحد التقنيين كان سيستبدل قاطع الدائرة، وستعود الأضواء. لكن أسانتي كان يهز رأسه. في السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي، كان أسانتي قد تحدث مع مهندسي الحماية والمراقبة، صفوة المتخصصين، الذين ذكروه بأن قواطع الدوائر الكهربائية هي مثل المصاهر (الصمامات)، وظيفتها هي حماية المكونات باهظة التكلفة، مثل مولدات الطاقة، التي كان استبدالها أصعب بكثير، ويستغرق وقتا أطول. من المرجح أن مخترقا شريرا لم يكن ليتوقف عند تفجير قاطع الدائرة الكهربائية، إذ كان سيتمادى لإتلاف المولد أو تدميره. أخيرا اقتنعوا بأن هذا ربما يمثل مشكلة، أوفده رؤساء أسانتي إ ، وهو مِرفق أبحاث فدرالي على مساحة Idaho National Laboratoryالقومي ميلا مربعا في صحراء البراري، خارج شلالات أيداهو، لدراسة القضايا بمزيد 890 من التعمق. بداية، أجرى أسانتي تحليلات رياضية، ثم اختبارات منضدية لنماذج مصغرة، وأخيرا أعد تجربة واقعية. كانت وزارة الأمن الداخلي قد اضطلعت أخيرا بمشروع بشأن أخطار الفضاء السيبراني الأكثر إثارة للقلق، لذا وافق مديروها على المساعدة في تمويل التجربة. ميغاوات، 2.25كان الهدف من اختبار أورورا هو مولد طاقة كهربائية بقدرة يزن سبعة وعشرين طنا، مثبتا داخل إحدى غرف الفحص في المختبر. بإشارة من واشنطن، حيث كان المسؤولون يراقبون الاختبار على شاشة فيديو، لم يكتب أحد التقنيين سوى واحد وعشرين سطرا من التعليمات البرمجية الخبيثة إلى مُرحِّل رقمي جرى توصيله بالمولد. فتحت التعليمات البرمجية قاطع الدائرة في digital relay نظام حماية المولد، ثم أغلقته قبل أن يستجيب النظام، مما جعل عملياته خارج ، وطارت بعض أجزائه. بعد ذلك ببضع )18(المزامنة. على نحو فوري تقريبا، اهتز المولد ثوان اهتز مجددا، ثم نفث دخانا أبيض وسحابة ضخمة من الدخان الأسود. كانت الماكينة ميتة.
عدد الصفحات ١٩٤