168 المنطقة المعتمة لكن مع نضج من كان يستهدفهم، اكتشف أساليب لكشف المتسللين وصدهم، تماما مثلما كان البنتاغون وسلاح الجو قد توصلا في العقد الماضي إلى طرائق لاكتشاف وصد اختراقات الخصوم، ومجرمي السيبرانية، والمشاغبين النازعين للأذى. كلما كان قراصنة في برمجيات (17)الحاسوب والجواسيس يكتشفون أوجه ضعف وثغرات أمنية وأجهزة الحاسوب، كان المصنعون يعملون جاهدين لسد الثغرات، الأمر الذي كان يحفّز قراصنة الحاسوب والجواسيس على البحث عن أوجه ضعف وثغرات أمنية جديدة، وهكذا كان السباق يتصاعد. بينما كان هذا السباق بين القرصنة والترميم لتصحيح الثغرات الأمنية وسدها آخذا في التصاعد، بدأ الممارسون لكلا نوعي الفنون، في جميع أنحاء العالم، بإيلاء أهمية كبيرة لـ ، تلك الفجوات التي لم يكن zero-day vulnerabilities« أحد قد اكتشفها بعد، فضلا عن رتقها وإصلاحها. في العقد اللاحق، كانت ستنطلق جنت في بعض الحالات ثروات صغيرة من العثور ع (18)شركات خاصة الضعف الفورية متباينة، ومن جنسيات مختلفة. كان هذا القنص لـ بعضا من العقول الأكثر حنكة في الرياضيات، في وكالة الأمن القومي وغيرها من الجماعات السيبرانية، في الولايات المتحدة وخارجها. ذات مرة، في أواخر التسعينيات من القرن العشرين، اكتشف ريتشارد ، وهو محلل دفاع شبكة الحاسوب في قاعدة كيلي Richard Bejtlichبيجليك routerالجوية، اكتشف إحدى ، وكان ذلك اكتشافا نادرا. اتصل بيجليك هاتفيا Ciscoالذي تنتجه شركة سيسكو بأحد التقنيين في شركة سيسكو، وأبلغه بالمشكلة، فأصلحها ممثل الشركة على وجه السرعة. بعد بضعة أيام، فخورا ببراعته وصنيعه الحسن، روى بيجليك القصة لمحلل كان يعمل في قاعدة كيلي الجوية في الجانب الهجومي. لم يكن المحلل مسرورا، وقال متمتما، وهو متحفز ويحدق بحدة في بيجليك
عدد الصفحات ١٦٣169 الولوج المُصَمَّم وفقا للحاجة كان التلميح واضحا، إذا كان بيجليك قد أخبر المحللين في الجانب الهجومي بشأن ذلك العيب، فربما كان باستطاعتهم استغلاله في اختراق الشبكات الأجنبية التي كانت تستخدم مخدم سيسكو. الآن فات الأوان، بفضل اتصال بيجليك الهاتفي، صُححت الثغرة وعولجت، وأُغلقت البوابة. بينما كانت وكالة الأمن القومي تولي مزيدا من الاهتمام لاكتشاف واستغلال أوجه الضعف والثغرات الأمنية، برزت فئة جديدة من العمليات السيبرانية. Computerفي السابق، كانت هناك و Network Defense (CND) ؛ الآن أصبح هناك أيضاComputer Network Attack (CNA) .Computer Network Exploitation (CNE)الحاسوب كان القانونية والتشغيلية )العملياتية(، وكان هايدن يعرف ذلك، وهو كان حساسا تجاه الضرورات القانونية ويراعي التفاصيل القانونية الدقيقة ومحدودية ما تسمح به من مرونة ومجال للمناورة. كان المعنى التقني للمصطلح مباشرا وصريحا، وهو استخدام الحاسوب لاستغلال أوجه الضعف والثغرات الأمنية في شبكات الخصم، والاستفادة بها للولوج إلى تلك الشبكات من أجل كسب مزيد من المعلومات الاستخباراتية عنهم. لكن كانت هناك طريقتان للنظر إ إي(. كان يمكن أن تكون خط المجابهة لـ استنادا إلى منطق مُفاده أن أفضل طريقة للدفاع عن الشبكة هي معرفة ما لدى الخصم من خطط للهجوم، الأمر الذي كان يتطلب الولوج إلى شبكته. أو أن ينظر إ الحاسوب وتحديد نقاط ضعفها من أجل .(٭)العصور القديمة( لهجوم أمريكي، في حالة نشوب الحرب ( انبثقت من٭) Counter-Computer Network»C-CNE« ، وهي النفاذ إلى شبكات أحد الخصوم من أجل مراقبته وهو ينفذ إلى شبكاتناExploitation
عدد الصفحات ١٦٤170 المنطقة المعتمة كان مفهوم في صهر الهجوم السيبراني مع الدفاع السيبراني ليتعذر تمييز أي منهما؛ وبينما كان هايدن قد أعرب عن المفهوم بأسلوب كان يناسب أجندته، فإنه لم يخترعه. بالأحرى، كان المفهوم يعكس جانبا متأصلا في شبكات الحاسوب الحديثة ذاتها. من ناحية، لم يكن جمع المعلومات الاستخباراتية في العصور السابقة. في أثناء الحرب الباردة، كانت طائرات تجسس أمريكية تنفذ عبر الحدود الروسية لإجبار الضباط السوفييت على تشغيل أجهزة الرادار لديهم، ومن ثم تتكشف معلومات بشأن ما لديهم من أنظمة دفاع جوي. كانت طواقم الغواصات تتنصت على الكابلات تحت الماء بالقرب من الموانئ الروسية لاعتراض الاتصالات البحرية السوفييتية، واكتشاف نسق عملياتها. كان لهذا أيضا غرض مزدوج، هو تعزيز الدفاعات ضد أي عدوان سوفييتي محتمل، وإعداد ساحة المعركة )أو المجال الجوي والمحيطات( لهجوم أمريكي. لكن من ناحية أخرى، فإن مبادرة مختلفة كلية، إذ إنه كان يعرض المجتمع بأسره لأخطار ومخاوف المغامرات العسكرية على نحو لم يكن في الإمكان تخيله قبل بضعة عقود. حينما كان المسؤولون في سلاح الجو أو في وكالة الأمن القومي يتجاهلون إبلاغ شركة مايكروسوفت )أو سيسكو أو غوغل أو إنتل أو أي شركات أخرى( بشأن أوجه الضعف والثغرات الأمنية في برمجياتها، وحينما كانوا يتركون فجوة من دون أن تُسد حتى يستطيعوا استغلال الثغرة الأمنية في أنظمة الحاسوب الروسية، أو الصينية، أو الإيرانية، أو التي لدى بعض الخصوم الآخرين؛ فإنهم بذلك كانوا أيضا يدعون المواطنين الأمريكيين معرضين إلى ذات الاستغلال، سواء من دوائر استخبارات أو مجرمين سيبرانيين، أو جواسيس أجانب، أو إرهابيين يتصادف أنهم أيضا عرفوا بشأن الفجوة التي لم تُسد. كان هذا توترا جديدا في الحياة الأمريكية، ليس فقط بين حرية الفرد والأمن القومي )لقد كان ذلك موجودا دائما بدرجات متفاوتة(، ولكن أيضا بين مختلف طبقات ومفاهيم الأمن. في أثناء إجراءات الحفاظ على الشبكات العسكرية أكثر أمنا في مواجهة الاعتداء، كان المحاربون السيبرانيون يجعلون الشبكات المدنية )غير العسكرية( والتجارية أقل أمانا في مواجهة ذات الأنواع من الاعتداء.
عدد الصفحات ١٦٥171 الولوج المُصَمَّم وفقا للحاجة تلك التوترات، وما أثارته من قضايا، تجاوزت حدود دواوين الجهاز الإداري للأمن القومي. لم يكن أحد يستطيع فضها سوى القادة السياسيين. مع اقتراب القرن الحادي والعشرين، كانت إدارة كلينتون قد بدأت استيعاب تعقيدات الموضوع، . كان هناك Dick Clarkeلاسيما في أثناء الحشد المحموم لمصلحة ديك كلارك المتعلق بحماية البنية PDD-63 »-63تقرير مارش، متبوعا بـالتوجيه National Planالأساسية الحرجة، و ، واستحداث مراكز لتشارك وتحليل for Information Systems Protection المعلومات، وهي منتديات كانت الحكومة من خلالها تستطيع العمل مع الشركات الخاصة لاستنباط أساليب لتأمين ما لديها من أصول ضد الهجمات السيبرانية. ، وكما كان يحدث عادة حينما يتغير 2000ثم جاءت انتخابات نوفمبر من العام الحزب في البيت الأبيض، توقف تماما كل هذا الزخم. حينما وصل جورج دبليو بوش ، 2001 يناير من العام20 ومعاونوه إلى السلطةGeorge W . Bush)الابن تأجج ما كانوا يخفونه من ازدراء واحتقار لأسلافهم مصحوبا بضغينة وغل على نحو أكثر من المعتاد، بسبب الفضيحة الجنسية والطعن في صدق الشهادة التي شوهت الفترة الثانية من ولاية كلينتون، والتي تفاقمت بسبب العواقب المريرة للانتخابات في مواجهة نائبه، آل جور، والتي انتهت بفوز بوش فقط بعد أن أوقفت المحكمة العليا إعادة فرز الأصوات في ولاية فلوريدا. ألقى بوش بالكثير من مبادرات كلينتون، من بينها تلك التي لها علاقة بالأمن السيبراني. ظل كلارك، مهندس تلك السياسات، باقيا في البيت الأبيض، واحتفظ بمنصب « بات جليا أن بوش لم يكن يهتم بشأن أي من هذه القضايا، وكذلك كان نائبه ديك مستشار الرئيس Condoleezza Rice أو كوندوليزا رايسDick Cheneyتشيني للأمن القومي. في عهد كلينتون، كان كلارك يتمتع بمكانة أمين مجلس الوزراء، حتى إن لم يكن ذلك على نحو رسمي، وكان يشارك في اجتماعات مجلس الأمن القومي - الذي كان يحضره وزراء الدفاع، والخارجية، والخزانة، وغيرها من الوزارات - حينما كانوا يناقشون القضايا التي كان يتولاها. سلبته رايس ذلك الامتياز. لم يفسر كلارك هذه الخطوة على أنها إهانة شخصية فقط، بل على أنها انتقاص من شأن قضاياه.
عدد الصفحات ١٦٦172 المنطقة المعتمة ، حذَّر كلارك وجورج (19)في أثناء الأشهر القليلة الأولى من فترة ولاية بوش ، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وهو أيضا من بقايا George Tenetتينيت نظام كلينتون، الرئيس مرارا وتكرارا بشأن الخطر الوشيك المتمثل في اعتداء على أمريكا سيشنه أسامة بن لادن. لكن بوش نحى تلك التحذيرات جانبا. كان بوش ومستشاروه المقربون أكثر قلقا بشأن تهديدات صواريخ من روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وكان على رأس أولوياتهم إلغاء معاهدة الحد من المنظومات المضادة للقذائف التسيارية )الباليستية( التي مضى عليها ثلاثون عاما، وهي الاتفاقية السوفييتية الأمريكية التي كانت تمثل علامة بارزة في الحد من التسلح، ومن ثم كان سيمكنهم بناء نظام دفاع صاروخي. )في يوم هجمات الحادي ، كان من المخطط أن تلقي رايس خطابا بشأن التهديدات (20)عشر من سبتم الرئيسية التي تواجه البر، لم تكن مسودة الخطاب تتضمن ما يشير إلى بن لادن أو تنظيم القاعدة(. ، قدم كلارك استقالته. كان كلارك هو كبير مستشاري 2001في يونيو من العام البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب، ومع ذلك لم يكن أحد يهتم بالإرهاب أو به. فوجئت رايس، وألحت عليه وحثته على ألا يغادر. خضع كلارك، موافقا على البقاء ولكن فقط إذا اقتصرت مسؤولياته على الأمن السيبراني، ومنحه هيئة موظفين خاصة به )في نهاية المطاف بلغ عددهم ثمانية عشر(، والسماح له بتشكيل وإدارة مجلس سيبراني مشترك بين الوكالات. وافقت رايس، لأنها من ناحية لم تكن تعبأ كثيرا بشأن السيبرانية، وكانت ترى منحه هذا الامتياز على أنه وسيلة لإبقاء كلارك موجودا مع إبقائه بعيدا عن القضايا التي تقع في دائرة اهتماماتها. مع ذلك، كانت رايس في حاجة إلى وقت لتجد بديلا لموضع مكافحة الإرهاب الشاغر، لذلك وافق كلارك على البقاء في هذا المنصب حتى الأول من أكتوبر. حينما صدمت الطائرات المخطوفة مركز التجارة العالمي ومقر البنتاغون، كان كلارك قبل رحيله لايزال لديه بضعة أسابيع باعتباره مسؤولا عن مكافحة الإرهاب. كان بوش في فلوريدا، وعلى عجل أُخذ تشيني إلى مخبأ تحت الأرض؛ واعتياديا، جلس كلارك في غرفة العمليات بوصفه مديرا للأزمة، يدير المؤتمرات الهاتفية المشتركة بين الوكالات، وينسّق، وفي بعض الحالات يوجّه، رد الحكومة وتحركها.
عدد الصفحات ١٦٧173 الولوج المُصَمَّم وفقا للحاجة عززت التجربة مكانته بعض الشيء، ليس بالقدر الكافي للسماح له بالعودة إلى اجتماعات كبار المسؤولين، ولكن بما يكفي لأن يبدأ قليل من الاهتمام بالأمن السيبراني. على الرغم من ذلك، أحجمت رايس حينما اقترح كلارك تجديد الخطة القومية لحماية نظم المعلومات، التي كان قد كتبها إلى كلينتون في العام الأخير من فترته الرئاسية. تذكرت رايس على نحو غير واضح أن الخطة كانت تضع معايير إلزامية للقطاع الخاص، وأن ذلك سيكون شيئا بغيضا بالنسبة إلى الرئيس بوش. في الواقع، وبقدر ما كان كلارك يتمنى أن تكون كذلك، فإن الخطة في إصدارها المعدل، بعد أن اضطر كلارك إلى التخلي عن اقتراحه الخاص بالشبكة الفدرالية لكشف التسلل، لم تكن تدعو إلا إلى التعاون بين القطاعين العام والخاص، مع وجود الشركات في موضع القيادة. لكن كلارك كان يجاري رايس، متفقا معها على أن خطة كلينتون كانت معيبة إلى حد كبير، وأنه كان يرغب في إعادة كتابتها على ، (21)نحو جذري. دعته رايس يعد مسودة لأمر تنفيذي يدعو إلى خطة جديدة سبتمبر. طوال الأشهر القليلة اللاحقة، مضى 30ووقع بوش على الأمر التنفيذي كلارك وبعض موظفيه في طريقهم، وعملوا على أن يعقد البيت الأبيض ، ونيويورك Bostonعامة سيبرانية San، وسان فرانسيسكوAtlanta، وأتلانتاPhiladelphia، وفيلادلفياNew York ،Austin، وأوسPortland، وبورتلاندLos Angeles، ولوس أنجلوسFrancisco ودعوا إليها خبراء محليين، ومسؤولين تنفيذيين في الشركات، ومديري تكنولوجيا المعلومات، ومسؤولي إنفاذ القانون. كان كلارك يبدأ الجلسات بتعليق متواضع. كان يقول، بعضكم انتقد خطة كلينتون لأنه لم يكن لكم أي إسهام فيها. واستطرد كلارك: الآن كانت إدارة بوش تكتب خطة جديدة، والرئيس يريد منكم، أنتم الأناس المتأثرين بمحتواها، يريد منكم أن تكتبوا الملاحق التي تتناول قطاعكم للبنية الأساسية الحرجة. في بعض المدن، كان بعض الخبراء والمديرين التنفيذيين بالفعل يقدمون أفكارا، وكان قطاع الاتصالات متحمسا على نحو خاص. بيد أن واقع الأمر تمثل في أن كلارك لم يكن مهتما بأفكارهم. مع ذلك، فهو كان يرغب في إذابة معارضتهم. كان المغزى الأساسي والوحيد من التمثيليات المسرحية في
عدد الصفحات ١٦٨174 المنطقة المعتمة اللقاءات العامة في دور البلدية، هو الحصول على تأييدهم من أجل استمالتهم نحو (22)الاعتقاد بأنه كان لديهم ما يقدمونه حيال التقرير. وكما تبين، فإن المسودة النهائية - وهي وثيقة مؤلفة من ستين صفحة كانت تسمى ، التي وقّعها e National Strategy to Secure Cyberspaceالفضاء السيبرا - كانت تحتوي على مزيد من المقاطع 2003 فبراير من العام14الرئيس بوش التي تتملق الصناعة وتذعن لها، وكانت تعهد إلى وزارة الأمن الداخلي الجديدة ببعض من مسؤولية تأمين الفضاء السيبراني غير العسكري. لكن بخلاف ذلك، فإن الصياغة اللغوية المتعلقة بأوجه الضعف والثغرات الأمنية لأجهزة الحاسوب، جاءت مباشرة من تقرير مارش، وكانت الأفكار بشأن ما يجب فعله حيال ذلك مطابقة تقريبا للخطة التي كان كلارك قد كتبها إلى كلينتون. وضعت الوثيقة إطارا عن الكيفية التي سيكون عليها التعامل مع الأمن السيبراني على مدار الأعوام القليلة اللاحقة، وكذلك محدودية مقدرة الحكومة على أن تتكفل بالأمر برمته، في ضوء معارضة الصناعة للمعايير الإلزامية وأوجه قصور الجهاز الإداري والتقني في وزارة الأمن الداخلي )مشكلة كانت ستصير جلية قريبا(. لم ينتظر كلارك ليجابه المعارك السياسية المتعلقة بتنقيح الخطة الجديدة مارس، أمر بوش بغزو العراق. في أثناء الحشد استعدادا للحرب، 19وإنفاذها كان كلارك قد دفع بحجة مُفادها أن الحرب كانت ستحول الاهتمام والموارد عن المعركة ضد بن لادن وتنظيم القاعدة. حالما تأكد بدء تروس آلة الحرب في الحركة، استقال كلارك محتجا. لكن بعد بضعة أعوام من الغزو، وبينما كانت الحرب تنتقل من التحرير إلى الاحتلال، والعدو يتحول من صدام حسين إلى صفيف متباين من المتمردين، كان المحاربون السيبرانيون الأولى باعتبارهم قوة مهمة لا يستهان بها، بل حتى قوة حاسمة.
عدد الصفحات ١٦٩175 حروب سيبرانية John )1(حينمــا تولى الجنرال جون أبي زيد زمام القيادة المركزية للولايات المتحدة Abizaid ، مشرفا على العمليات 2003 يوليو من العام7 في العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا، كانت القيادة السياسية في واشنطن تظن أن الحرب في العراق قد انتهت. أخيرا، كان الجيش العراقي قد دُحر، وكان صدام حسين قد لاذ بالفرار، وكان النظام البعثي قد انهار. لكن أبي زيد كان يعرف أن الحرب كانت قد بدأت، وكان حائرا لأن الرئيس بوش وكبار مسؤوليه لم يستوعبوا طبيعة تلك الحرب، ولم يمنحوه الأدوات اللازمة لخوضها. كانت السيبرانية هي إحدى تلك الأدوات. تدرج أبي زيد في سلم المناصب في صفوف الجيش الميداني (القوات البرية) في سلاح المشاة المحمولة جوا، وبعثات الأمم المتحدة لحفظ حروب سيبرانية « الحبل يتسللون إلى العراق عبر سورية، وقراءة نصوص محادثاتهم الهاتفية التي تُضاهى مع خرائط تبين مواقعهم بدقة 9
عدد الصفحات ١٧٠176 المنطقة المعتمة السلام، ووظائف المراتب العليا في البنتاغون. لكن في بدايات حياته المهنية عاش أ زيد تجربة غير تقليدية. في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، بعد خدمته القصيرة، أُسنِدت إليهGrenadaقائد سرية في معركة الجيش الميدا ، مفتونا بتقارير بشأن Max Thurmanالجيش الميداني الجنرال ماكس ثورمان أبحاث الجيش السوفييتي في مجال الاستشعار من بعد والتجارب النفسية. إنها لم تسفِر عن شيء، لكنها جعلت أبي زيد يتعرض لفكرة أنه من الممكن أن تكون الحرب أكثر من مجرد رصاصات وقنابل. Johnفي منصبه اللاحق مساعدا تنفيذيا للجنرال جون شاليكاشفي ، رئيس الهيئة المشتركة لرؤساء الأركان، رافق أبي زيد رئيسه ذات Shalikashvili . هناك أدركوا أن غرفهم بها أجهزة تنصت، فأعدّMoscowمرة في رحلة إلى موسكو طاقم العاملين خياما صغيرة حتى يتمكنوا من مناقشة أعمالهم الرسمية بعيدا عن ، بوصفه قائدا مساعدا للفرقة Bosniaتنصت الروس. في وقت لاحق في البوسنة الأولى المدرعة، علِم أبي زيد أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تطلق طائرات ، وهو كان على عِلم بقلق مسؤولي Sarajevoاستطلاع من دون طيار فوق سراييفو استخبارات الولايات المتحدة على الأرض، من احتمال أن يسيطر الروس على إحدى الطائرات من خلال اختراق وصلة الاتصالات الخاصة بها. ، حينما رُقِّي أبي زيد ليصير مدير هيئة الأركان المشتركة 2001بحلول العام في البنتاغون، كانت خطط وبرامج الأمن السيبراني ووسائل الحرب السيبرانية في أوج ازدهارها. وضعته وظيفته وسط المهاترات والخلافات الشائكة والمكائد داخل فروع القوات المسلحة، وبين بعضها وبعض؛ لذلك، كان أبي زيد يعرف جيدا التوترات بين القائمين بالعمليات والجواسيس في مختلف مناحي المجال السيبراني. في حالة نشوب الحرب كان مسؤولو العمليات، وبشكل رئيسي في الفروع العسكرية، سيرغبون في استخدام المعلومات الاستخباراتية التي يُحصَل عليها بالأساليب السيبرانية. أما الجواسيس، بشكل أساسي في وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية، فكانوا يرون المعلومات الاستخباراتية على أنها في حد ذاتها حيوية وبالغة الأهمية، وكانوا يخشون أن استخدامها كان سيعني فقدانها،
عدد الصفحات ١٧١177 حروب سيبرانية لأن العدو كان سيعرف أننا كنا نخترق شبكاته، لذا كانوا سيغيرون رموز شفرتهم أو سيقيمون موانع جديدة. فهم أبي زيد هذا التوتر - إنه كان عنصرا طبيعيا في السياسات العسكرية - لكن أبي زيد كان في الأساس رجل عمليات. ذهب أبي زيد بجولة إرشادية القومي تستطيع تحقيقها، وكان يعتقد أنه سيكون من الجنون إنكار فضلهم على الجنود الأمريكيين في المعركة. في الفترة التي سبقت غزو العراق كان أبي زيد قد أصبح نائبا لرئيس القيادة المركزية، طار أبي زيد إلى مقر القيادة الفضائية العمل المشترك لعمليات شبكة الحاسوب الهجوم والدفاع السيبراني في وقت الحرب. لقد هاله مدى الصعوبة الإدارية التي كانت ستواجه حشد أي نوع من الحملات الهجومية السيبرانية؛ لشيء واحد، كانت أدوات الهجوم السيبراني والتجسس السيبراني تكتنفها السرية إلى درجة أنه حتى وجودها لا يعرف به سوى عدد من القادة العسكريين. ، رئيس James D. Bryanسأل أبي زيد الميجور جنرال (اللواء) جيمس د. بريان فريق العمل المشترك، كيف كان سيحصل على معلومات استخباراتية من حواسيب تنظيم القاعدة لتصل إلى أيدي الجنود الأمريكيين في أفغانستان. تتبع بريان التسلسل القيادي المتشابك الملتوي، من القيادة الفضائية إلى جماعة من الجنرالات في البنتاغون، وصولا إلى نائب وزير الدفاع، ثم وزير الدفاع، إلى مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وفي نهاية المطاف إلى الرئيس. حينما يكون الطلب قد تخطى كل هذه الحواجز، من المحتمل أن حاجة الجنود إلى المعلومات الاستخباراتية ستكون قد انتفت، وربما تكون الحرب ذاتها انتهت. مارس أمر بوش بغزو العراق. بعد مضي ثلاثة أسابيع، وبعد هجوم 19 في مدرع خاطف عبر الصحراء من جهة الكويت، سقطت بغداد. في يوم عيد العمال (الأول من مايو)، وبعد ثلاثة أسابيع من الإطاحة وقف الرئيس بوش على سطح ، أسفل لافتة كتب Abraham Lincolnحاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن )، وأعلن انتهاء العمليات Mission Accomplishedعليها القتالية الرئيسية. لكن في وقت لاحق من ذلك الشهر، أصدر الحاكم الأمريكي،
عدد الصفحات ١٧٢178 المنطقة المعتمة ، توجيهين: تسريح الجيش العراقي، وحرمان أعضاء حزبL. Paul Bremerبول بريمر البعث من تولي السلطة. أدت تلك الأوامر إلى شعور السكان السنة بالامتعاض الشديد، لدرجة أنه مع تولي أبي زيد منصب قائد القيادة المركزية، اندلع عصيان مستعر غاضب ضد الحكومة العراقية الجديدة التي يقودها الشيعة وضد حُماتها الأمريكيين. سمِع أبي زيد بشأن الكم الهائل من المعلومات الاستخباراتية الآتية من العراق: Globalاعتراضات اتصالات، وبيانات نظام تحديد المواقع (نظام التموضع العالمي من هواتف المتمردين الجوالة، وصور أقمار Positioning System )GPS( اصطناعية للجهاديين السنة يتدفقون عبر الحدود السورية؛ لكن لم يكن هناك أحد يجمع تلك العناصر معا، فضلا عن إدراجها ودمجها في خطة عسكرية. كان أبي زيد يرغب في أن يدخل إلى تلك الاعتراضات ويرسل إلى المتمردين رسائل مزيفة، موجها إياهم إلى موقع معين، حيث ستكون قوات العمليات الخاصة الأمريكية راقدة في انتظارهم لتقتلهم وتقضي عليهم. لكنه كان بحاجة إلى تعاون وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية لتجدل هذه المعلومات الاستخباراتية معا، وكان بحاجة إلى موافقة القيادة السياسية على استخدامها باعتبارها إحدى الأدوات الهجومية. في تلك اللحظة لم يكن لديه أي منهما. لم تكن الأجهزة الإدارية الراسخة وكانوا يعرفون أن العالم، بمن في ذلك الروس والصينيون، كان يراقب المشهد، وهم لم يرغبوا في تبديد أفضل ما لديهم من تقنيات جمع المعلومات الاستخبارية في حرب يرى الكثيرون أنها غير ضرورية. في الوقت نفسه فإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لم يكن ليعترف بوجود تمرد. (كان رامسفيلد قديما بما يكفي 2(Donald Rumsfeld - من أيام حرب فيتنام - لأن يعرف أن هزيمة التمرد تتطلب استراتيجية مضادة للتمرد، التي بدورها كانت ستتطلب ترك عشرات الآلاف من جنود الولايات المتحدة في العراق طوال أعوام، وربما عقود، في حين لم يكن يريد سوى الدخول، والخروج، والانتقال إلى طرد الطاغية التالي الذي يقف في طريق الهيمنة الأمريكية على ما بعد الحرب الباردة). بسبب الإحباط وخيبة الأمل تحول أبي زيد إلى جنرال ذي نجمة واحدة . كان الاثنان قد تخرجا Keith Alexanderيدعى كيث ألكسندر
عدد الصفحات ١٧٣179 حروب سيبرانية ،1973 يفصل بينهما عام واحد – تخرج أبي زيد في العام)٭(West Pointبوينت وبعد ذلك بنحو عشرين عاما، كانا قد التقيا مجددا 1974-وألكسندر في العام فترة وجيزة في أثناء تدريب قيادة الكتيبة في إيطاليا. كان ألكسندر قد أصبح Fortمسؤولا عن ، وهي مركز استخبارات الإشارة (سيجينت) Virginia بولاية فيرجينيا Belvoir ألف ضابط استطلاع منتشرين في كل أرجاء11الخاص بالقوات البرية، يحوي العالم، كان في حد ذاته وكالة أمن قومي مصغرة، ولكن تُوجَّه صراحة إلى مهام الجيش الميداني. ربما كان بمقدور ألكسندر أن يساعد أبي زيد على إضفاء لمحة عملياتية على البيانات الاستخباراتية. كان أبي زيد قد جاء إلى الرجل المناسب. كان ألكسندر بمنزلة مرشد تقني. في السابق الكهربائية وقسم الفيزياء. في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، بولاية كاليفورنيا Montereyالدراسات العليا البحرية ، بنى ألكسندر حاسوبا خاصا به، واستحدث برنامجا لتعليم أفراد California الجيش الميداني كيفية التحول من بطاقات الفهرسة المكتوبة بخط اليد إلى قواعد البيانات المؤللة. بعد تخرجه بوقت قصير عُ ، حيث أمضى أول Arizona بولاية أريزوناFort Huachuca« في عطلة لنهاية الأسبوع في حِفظ المواصفات الفنية لجميع حواسيب الجيش الميداني، ثم أعد خطة رئيسية لجميع أنظمة البيانات المتعلقة بالاستخبارات ووسائل الحرب الإلكترونية. في أثناء الاستعداد لعملية - قاد ألكسندر إحدى الجماعات في الفرقة الأولى المدرعة1991العام ، ووصَّل مجموعة من أجهزة الحاسوب سلكيا معا Texasهود ليمكنها معالجة البيانات على نحو أكثر كفاءة. وبدلا من الاعتماد على المخرجات : هي الأكاديمية العسكرية الأمريكية، وتسمى West Point« )٭( المنطقة التي توجد بها في ولاية نيويورك، وهي مؤسسة فدرالية أمريكية تختص بتدريس العلوم العسكرية للرجال والنساء على حد سواء، ومدة الدراسة بها أربع سنوات، وهي الأقدم بين الأكاديميات العسكرية الأمريكية الخمس؛ .1802إذ تأسست في العام
عدد الصفحات ١٧٤180 المنطقة المعتمة المطبوعة والفهرسة اليدوية، كان بإمكان المحللين ومخططي الحرب في البنتاغون الوصول إلى البيانات التي خُزِّنت، وفرزها وفقا لاحتياجاتهم. قبل أن يتولى ألكسندر منصبه القيادي الحا الاستخبارات في القيادة المركزية. وقد أخبر أبي زيد بشأن طفرة التطورات التقنية على الساحة، وأبرزها الأدوات التي يمكن أن تعترض الإشارات الصادرة عن رقائق الهواتف الجوالة، إما مباشرة أو من خلال عقد التبديل في شبكة الاتصالات الجوالة، مما يسمح لفرق استخبارات الإشارة بتتبع موقع مقات الشمالية الغربية لباكستان أو المتمردين في العراق - حتى إن كانت هواتفهم مغلقة. كان هذا سلاحا جديدا في الترسانة السيبرانية، ولم يكن أحد قد استغل إمكاناته بعد، فضلا عن وضع إجراءات لتشارك إحدى الدوائر ما لديها من معلومات استخباراتية مع دوائر أخرى، أو مع قادة في الميدان. كان أبي زيد حريصا على أن يمضي أسلوب التشارك هذا قدما. على الرغم من أن القيادة المركزية كانت تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، وأفغانستان، والدول المجاورة لهما، فإن مقرها الرئيسي كان في ؛ لذلك، كان أبي زيد يذهب في رحلات Florida بولاية فلوريداTampaمدينة تامبا . بحلول شهر أغسطس، بعد شهر واحد من تولي Washingtonمتكررة إلى واشنطن أبي زيد منصبه قائدا لها، كانت المعلومات الاستخباراتية بشأن المتمردين تتدفق إ الأجانب الذين يتسللون إلى العراق عبر الحدود السورية، وقراءة نصوص محادثاتهم الهاتفية التي تُضَاهَى مع خرائط تبين مواقعهم بدقة. كان أبي زيد يرغب في أن يمنح الجنودَ الأمريكيين إمكانية الوصول إلى هذه المعلومات الاستخباراتية، حتى يمكنهم استخدامها في ساحة المعركة. بحلول ذلك الوقت كان كيث ألكسندر قد رُقِّي ليشغل منصب نائب رئيس أركان الجيش الميداني لشؤون الاستخبارات داخل البنتاغون، لذلك تعاون هو وأبي زيد في العمل على القضايا الجوهرية والسياسات الإدارية. وجدا داعما مثاليا في ، رئيس قيادة العمليات الخاصة Stanley McChrystalالجنرال ستانلي ماكريستال المشتركة. إذا شق هذا الكنز الجديد من المعلومات الاستخباراتية طريقه إلى القوات
عدد الصفحات ١٧٥181 حروب سيبرانية الموجودة في الميدان فإن جنود الظل (الطابور الخامس) في قيادة العمليات الخاصة المشتركة سيكونون هم أول جنود يحصلون عليها ويستخدمونها، وكان ماكريستال جنديا شجاعا مِقداما، حريصا على تحقيق ذلك. أدخل الثلاثة وجهة نظرهم إلى البنتاغون ودوائر الاستخبارات، لكن العقبة الرئيسية كانت رامسفيلد، الذي كان لايزال يرفض اعتبار الثوار العراقيين متمردين. ، رتّب أبي زيد لاجتماع مع الرئيس بوش 2004في نهاية المطاف، في يناير من العام حيث قدم له مسوغات إطلاق العمليات الهجومية السيبرانية ضد المتمردين. طلب بوش من مستشاره للأمن القومي، كوندوليزا رايس، وضع الموضوع على جدول أعمال اجتماع مجلس الأمن القومي المقبل. حينما طُرِح الموضوع بعد عدة أيام لاحقة، أسقطه نواب دوائر الاستخبارات بحجة قديمة، وهي أن الاعتراضات كانت تقدم معلومات ممتازة بشأن المتمردين، والهجوم على مصدر المعلومات كان من شأنه تنبيههم لأنهم كانوا يتعرضون للاختراق (هم وأعداء آخرون محتملون ربما يكونون قيد المراقبة)، الأمر الذي سيدفعهم إلى تغيير رموز شفرتهم، أو إلقاء هواتفهم الجوالة، مما يؤدي إلى خسارة استخباراتية جسيمة. في أثناء ذلك كان المتمردون العراقيون يزدادون قوة، وكانت أمريكا تخسر الحرب، وبدأ بوش يفقد صبره. مذعورا من المقاومة لمناهج جديدة، ومتشككا في أن جيشا خارجيا كان يمكنه تصحيح الأمور في العراق بأي طريقة، تحرك أبي زيد نحو الرأي القائل إنه كان على الولايات المتحدة أن تبدأ في الخروج، بدلا من مضاعفة جهودها. لكن الأمور بدأت تتغير بعد ذلك. بعد أن ضاق رامسفيلد ذرعا واستاء من كل كبار جنرالات الجيش الميداني تخطى قائمة المرشحين لمنصب رئيس هيئة أركان Peter Schoomakerالجيش الميداني الشاغر، واستدعى الجنرال بيتر سكووميكر من التقاعد. كان سكووميكر قد أمضى معظم حياته المهنية في القوات الخاصة، وكانت تلك صفعة أخرى على وجه الجيش الميداني الاعتيادي. (كان الجنرال نورمان شوارتسكوف ، بطل عاصفة الصحراء، قد تحدث إلى الكثير من أقرانه Norman Schwarzkopf حينما كان يتهكم على القوات الخاصة بوصفهم
عدد الصفحات ١٧٦182 المنطقة المعتمة عن السيطرة). أخبره ماكريستال، الذي كان قد عرف سكووميكر منذ وقت طويل وكان يبجله ويحترمه، أخبره بالأفكار التي كان هو، وأبي زيد، وألكسندر قد جاهدوا لتمريرها. وجد الرئيس الجديد تلك الأفكار جذابة، لكنه أدرك أنهم كانوا بحاجة كان مايك 2005إلى مناصر رفيع المستوى في الأوساط الاستخباراتية. في بداية العام هايدن يقترب من نهاية فترة ولايته مديرا لوكالة الأمن القومي التي على نحو استثنائي طالت إلى ستة أعوام. حث سكووميكر رامسفيلد على أن يحل ألكسندر محل هايدن. منذ أن كان ضابط من الجيش الميداني قد )3(كانت سبعة عشر عاما قد مرت تولى إدارة وكالة الأمن القومي. عبر تاريخ الوكالة الذي يمتد إلى خمسة وثلاثين عاما، لم يتول إداراتها من جنرالات الجيش الميداني سوى ثلاثة فقط، مقارنة بسبعة جنرالات من سلاح الجو، وخمسة أدميرالات من سلاح البحرية. كان هذا النمط قد عكس، وعزز، ممانعة الوكالة لتشارك المعلومات الاستخباراتية مع القادة الميدانيين الذين يخوضون لكن حينذاك كانت الولايات المتحدة تخوض حربا صغيرة، اعتبرها الرئيس الحالي أمرا جللا. كالعادة كان الجيش الميداني هو الذي يتحمل العبء الأكبر من الضحايا، وخطط ألكسندر لاستخدام منصبه الجديد للمساعدة على قلب النزاع وتبديل الأمر. كان ماكريستال قد حقق بالفعل طفرات وإنجازات غير مسبوقة في جمع مسارات المعلومات الاستخباراتية المتباينة وجدْلِها معا. وكان قد تولى رئاسة . وفي الشهر نفسه، وقّع 2003العمليات الخاصة المشتركة أمرا تنفيذيا يخول قيادة العمليات الخاصة المشتركة تنفيذ عمل )4(رامسفيلد عسكري ضد تنظيم الرئيس أو إخطار الكونغرس. لكن ماكريستال وجد نفسه غير قادر على تنفيذ الكثير مع هذا التسريب للقوة الكبرى، إذ كان رؤساء الأركان في البنتاغون معزولين عن قيادات العمليات القتالية، وكان قادة العمليات القتالية معزولين عن دوائر الاستخبارات. كان ماكريستال يرى تنظيم تعززها روابطها وعلاقاتها بالخلايا الأخرى. كان الأمر سيتطلب شبكة لمحاربة شبكة، وشرع ماكريستال في بناء شبكته الخاصة، وتواصل مع وكالة الاستخبارات المركزية،
عدد الصفحات ١٧٧183 حروب سيبرانية ومكاتب الاستخبارات المنفصلة في الفروع العسكرية، والوكالة القومية للاستخبارات الجغرافية المكانية (الجيومكانية)، وضباط الاستخبارات في القيادة المركزية. استحثهم على إبرام اتفاقيات لتشارك البيانات، وصور الأقمار الاصطناعية، والطائرات من دون طيار، واعتراضات الهاتف الجوال، وعمليات التنصت على خطوط الهاتف الأرضي. (حينما أعادت إدارة بوش بناء نظام الهاتف العراقي بعد الإطاحة بـ لوكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي بالدخول لوضع بعض الأجهزة). لكن لتحقيق ذلك – لصهر كل هذه المعلومات في قاعدة بيانات مترابطة ومتناسقة وتحويلها إلى سلاح هجومي – كان ماكريستال يحتاج أيضا إلى الأدوات التحليلية وتكنولوجيا المراقبة الموجودة لدى وكالة الأمن القومي. هنا جاء دور ألكسندر. حينما تولى كيث ألكسندر رئاسة ، تنحى سلفه مايك هايدن غاضبا ومكتويا بنيران الريبة.2005 يدير) 5(قبل ذلك ببضعة أعوام، حينما كان ألكسندر الجيش الميدا صراع مطرد من أجل النفوذ والسلطة، مخلِّفا هايدن بمرارة في حلقه، وبدنا مقشعرا ومرتعدا من الريبة بشأن كل وجهة ونشاط للرجل الجديد المسؤول. منذ اللحظة التي تولى فيها ألكسندر القيادة تحويل المكان من مركز إداري، مكلف على نحو ضيق بتقديم استخبارات الإشارة إلى وحدات الجيش الميداني، وخاضع لكل من رئيس أركان الجيش الميداني ومدير وكالة الأمن القومي؛ إلى قيادة ند مماثِلة، تشارك في العمليات، لاسيما في الحرب على الإرهاب. في منصبه السابق رئيسا لاستخبارات القيادة المركزية كان ألكسندر قد ساعد على تطوير أدوات تحليلية جديدة عالجت كميات هائلة من البيانات، وحللت محارفها بحثا عن أنماط وعلاقات. فكر ألكسندر في أن تقنية تتبع روابط الهاتف والبريد الإلكترو يمكن أن تساعد على تعقب الإرهابيين وكشف شبكاتهم. كان يمكن أن تكون بمنزلة مدخل لألكسندر إلى الفئة العليا في عالم الاستخبارات.
عدد الصفحات ١٧٨