المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشيطان كأنك تراه

السيد مراد سلامة

صفحة ٦ من ٩

22 ، أو جئتم ببدعة ظلما ، والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقا بعيدا ، ولئن حرتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا »2) فإذا وفقه الله لقطع هذه العقبة طلبه على: "العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر فإن ظفر فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له: الإيمان هو التصديق نفسه فلا تقدح فيه الأعمال (أي أعمال الفسوق والعصيان). وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق وهي قوله: (لا يضر مع التوحيد ذنب كما لا ينفع مع الشرك حسنة) والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه، لمناقضتها الدين، ودفعها لما بعث الله به رسوله. وصاحبها لا يتوب منها، ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها والاجتهاد على إطفاء نور السنة. وتولية من عزله الله ورسوله، وعزل من ولاه الله ورسوله، واعتبار ما رده الله ورسوله، ورد ما اعتبره، وموالاة من عاداه، ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه، ونفي ما أثبته. وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب، ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلاً و الباطل حقًا، والإلحاد في دين الله، وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم، وفتح باب تبديل الدين جملة. فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها، حتى ينسل صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين. فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر، والعميان ضالون في ظلمة العمى وَمَن لْمْ يَجْعَلِ اللْهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . فإن قطع هذه العقبة بعصمة الله أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على "العقبة الرابعة": وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقفزان وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت اللمم أو ما علمت أنها تكفر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها. 2 - البدع لابن وضاح2 /96)

عدد الصفحات ٨١

23 فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالاً منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد قال : "إياكم ومحقراتالذنوب" ثم ضرب لذلك مثلاً بقوم نزلوا بفلاة من الأرن فأعوزهم الحطب، فجعل هذا يجيء بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطبًا كثيرًا فأوقدوا نارًا وأنضجوا خبزتهم. فكذلك فإن محقرات الذنوب تتجمع على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه.(2) فإن نجا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والاستغفار وأتبع السيئة الحسنة طلبه على: "العقبة الخامسة": وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن ثم إلى ترك الواجبات. وأقل ما ينال منه: تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية، ولو عرف السعر ما فوت على نفسه شيئًا من القربات، ولكنه جاهل بالسعر. فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ومعرفة بقدر الطاعات والاستكثار منها وقلة المقام على الميناء وخطر التجارة وكرم المشتري، وقدر ما يعون به التجار فبخل بأوقاته وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح، طلبه العدو على: "العقبة السادسة": وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا ور ً ا. لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضي له. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم. والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول. فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها والتمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ومرؤوسها وسيدها ومسودها. 22 - أخرجه أحمد6/992 ، رقم11010) ،والطبراني (1/216 ، رقم6051)

عدد الصفحات ٨٢

22 فإن في الأعمال سيدًا ومسودًا ورئيسًا ومرؤوسًا وذروة ما دونها، كما في الحديث الصحيح : "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت" الحديث. وفي الحديث الآخر: "الجهاد ذروة سنام الأمر" وفي الأثر الآخر: "إن الأعمال تفاخرت فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله وكان للصدقة مزية في الفخر عليهن". ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من أولي العلم السائرين على جادة التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ذي حق حقه. فإذا نجا منها أحد لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لابد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه. وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله وظاهر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط. وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها، فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جد العدو في إغراء السفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله. فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولوا البصائر التامة، ولا شيء أحب إلى الله مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له. اهـ(2 ) 2 - مدارج السالك2 - صفحة111 ] بتصرف

عدد الصفحات ٨٣

21 الفصلالخامس دروع المقاومة وحصون الأمان من الشيطان أخي المسلم 00اختى المسلمة00بعد أن تعرفنا على حقيقة الشيطان ورأيناه رأي العين، وتعرفنا على وسائلة في إغواء بنى الإنسان، هيا لنتعرف على دروع المقاومة حصون الأمان من الشيطان الرجيم ،فقد أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في كتاب العزيز بالوسائل التي تقي المسلم من شر الشيطان الرجيم ، واخبرنا الرسول الكريم في سنته المطهرة ببعض تلك الوسائل ، وها هي بين يديك تدعوك لتتحصن بها ولتلبس لأمة الحرب ضد عدوك اللعين أولا : الاستعاذة : ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } [16] يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو البا طني كان طرِيدًا، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان(2) معنى الاستعاذة قال أبو جعفر: والاستعاذة: الاستجارة. وتأويل قول القائل: { أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } أستجيرُ با - دون غيره من سائر خلقه - من الشيطان أن يضرَّني في ديني، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي 2 - تفسير ابن كث- (ج 2 / ص226)

عدد الصفحات ٨٤

26 ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِنْ عَنِ الْجَاهِلِ } [233] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: { وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [100]{ ادفع بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَ عُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [31 -30]{ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الْذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَ اوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقْاهَا إِلا الْذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقْاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [96 - 91.](2) والاستعاذة هيالالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره أسباب الاستعاذة وأنواعها: يقول الرازي –رحمه الله الركن الخامس من أركان مباحث الاستعاذة. المطالب التي لأجلها يستعاذ. اعلم أنا قد بينا أن حاجات العبد غير متناهية، فلا خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى تحصيله، ولا شر من الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وإبطاله ، فقوله : ( أعوذ بالله ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية ، وكلها أمور غير متناهية ، ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن 2 - تفسير الطبري- (ج 2 / ص222)

عدد الصفحات ٨٥

22 تكون من باب الاعتقادات الحاصلة في القلوب ، وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في الأبدان ، أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة واعلم أن أقسام المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقاداً صواباً صحيحاً ويمكن أن يعتقد اعتقاداً فاسداً خطأ ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في العالم ، وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة ، وسبعمائة وأكثر خارج عن هذه الأمة ، فقوله : (أعوذ بالله) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها. وأما ما يتعلق بالأعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار الدينية ، ومنها ما يفيد المضار الدنيوية ، فأما المضار الدينية فكل ما نهى الله عنه في جميع أقسام التكاليف ، وضبطها كالمعتذر ، وقوله : (أعوذ بالله) يتناول كلها ، وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والأسقام والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمى ، وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية ، فقوله : (أعوذ بالله) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها. والحاصل أن قوله : (أعوذ بالله) يتناول ثلاثة أقسام ، وكل واحد منهما يجري مجرى ما لا نهاية له أولها : الجهل ؛ ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات غير متناهية ، فالعبد يستعذ بالله منها ، ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر ، وأهل البدعة على كثرتها ، وثانيها : الفسق ، ولما كانت أنواع التكاليف كثيرة جداً وكتب الأحلام محتوية عليها كان قوله : (أعوذ بالله) متناولاً لكلها ، وثالثها : المكروهات والآفات والمخافات ، ولما كانت أقسامها وأنواعها غير متناهية كان قوله : (أعوذ بالله) متناولاً لكلها ، ومن أراد أن يحيط بها فليطالع "كتب الطب" حتى يعرف في ذلك لكل واحد من الأعضاء أنواعاً من الآلام والأسقام ، ويجب على العاقل أنه إذا أراد أن يقول : (أعوذ بالله) فإنه يستحضر في ذهنه هذه الأجناس الثلاثة وتقسيم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواعها وأنواع أنواعها ، ويبالغ في ذلك التقسيم والتفصيل. ثم إذا استحضر تلك الأنواع التي لا حد لها ولا عد لها في خياله ثم عرف أن قدرة جميع الخلائق لا تفي بدفع هذه الأقسام على كثرتها فحينئذٍ يحمله طبعه وعقله على أن يلتجىء إلى القادر على دفع ما لا نهاية له من المقدورات فيقول عند ذلك : (أعوذ

عدد الصفحات ٨٦

22 بالله القادر على كل المقدورات من جميع أقسام الآفاتوالمخافات) ولنقتصر على هذا القدر من المباحث في هذا الباب والله الهادي. في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم النكتة الأولى : في قوله : (أعوذ بالله) عروج من الخلق إلى الخالق ، ومن الممكن إلى الواجب : وهذا هو الطريق المتعين في أول الأمر ، لأن في أول الأمر لا طريق إلى معرفته / إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر ، فقوله : (أعوذ) إشارة إلى الحاجة التامة ، فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة فائدة ، وقوله : (بالله) إشارة إلى الغني التام للحق ، فقول العبد (أعوذ) إقرار على نفسه بالفقر والحاجة ، وقوله : (بالله) إقرار بأمرين : أحدهما : بأن الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ، والثاني : أن غيره غير موصوف بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ، ولا معطي للخيرات إلا هو ، فعند مشاهدة هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا لفرار سر قوله : {فَفِرُّوا إِلَى اللَّه } (الذاريات60) وهذه الحالة تحصل عند قوله (أعوذ) ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقاً في نور جلال الحق شاهد قوله : (قل الله ثم ذرهم) فعند ذلك يقول : (أعوذ بالله). النكتة الثانية : أن قوله : (أعوذ بالله) اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب ، وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ، ثم من الكلمات النبوية قوله عليه الصلاة والسلام : "من عرف نفسه فقد عرف ربه" والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور عرف ربه بأنه هو القادر على كل مقدور ، ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل والعدل ، ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال. النكتة الثالثة : أن الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان ، وذلك هو الاستعاذة بالله ، إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة ، فإن كان الإقدام على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة إلى تقديم استعاذة أخرى ولزم التسلسل ، وإن كان الإقدام على الطاعة لا يحوج إلى تقديم الاستعاذة عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الإقدام على الطاعة لا يتم إلا بتقديم الاستعاذة عليها ، وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له ، وذلك ليس في وسعك

عدد الصفحات ٨٧

21 ، إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخون فيها فقل : (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). النكتة الرابعة : أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك، ثم أن أجل الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن ، لأن من قرأ القرآن ونوى به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في الطاعات ورهبته عن المحرمات؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم الطاعات ، فلا جرم كان سعى الشيطان في الصد عنه أبلغ ، وكان احتياج العبد إلى من يصونه عن شر الشيطان أشد ، فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . النكتة الخامسة : الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى : { إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً } [ فاطر1 ] مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو ، فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب ، فالمقام الأول : هو الفرار وهو قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) والمقام الثاني : وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) (2) مواطن الاستعاذة وقد ذكر الكتاب العزيز مواطن معينة يجدر بكل مسلم أن يلجأ فيها إلى ربه لجوءاً شديداً وهذه المواطن هي: 1 -الاستعاذة عند قراءة القرآن يقول تعالى :  فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .يقول ابن العربي فإن قيل: وما الفائدة في الاستعاذة من الشيطان وقت القراءة ؟ وهي: المسألة الثانية: قلنا : فائدته امتثال 2 - تفسالرازي ج 2 ص00\02

عدد الصفحات ٨٨

10 الأمر ؛ وليس للشرعيات فائدة إلا القيام ق الوفاء في امتثالها أمرا ، أو اجتنابها نهيا . وقد قيل فائدتها الاستعاذة من وساوس الشيطان عند القراءة ، كما قال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } يعني في تلاوته (2) 2- الاستعاذة عند الغضب يقول الله تعالى:  وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .- سورة الأعراف ، الآية100 عن سليمان بن صرد قال كنت جالسا مع النبي ؟ ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي ؟ إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي ؟ قال تعوذ بالله من الشيطان فقال وهل بي جنون(1) 3-الاستعاذة عند تكاثر الوساوس على العبد يقول تعالى :  إِنَّ الْذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكْرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  **يقول السعدي–رحمه الله – (ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب - تذكر من أي باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب اللّه عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر اللّه تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه. وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء، لأنها طمعت فيهم، حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن فعل الشر) (9) 2 - أحكام القرآن لابن العربي- (ج 6 / ص109) 1 - أخرجه البخار رقم9101) 9 - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص929)

عدد الصفحات ٨٩

19 4-الاستعاذة عند دخول الخلاء: فعن أنس قال : " كان نبي الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء (قال" :اللهم !إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (2) * يقول العلامه بدر الدين العي–رحمه الله -بيان استنباط الأحكام: الأول فيه الاستعاذة بالله عند إرادة الدخول في الخلاء وقد أجمع على استحبابها وسواء فيها البنيان والصحراء لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج فلو نسى التعوذ فدخل فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ وأجازه جماعة منهم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (1 ) 5-الاستعاذة عند الجماع : فعن ابن عباس يبْ لغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما ولد لم يضره "(9. ) 6-الاستعاذة عند سماع نهيق الحمار : فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً ، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان ، فإنه رأى شيطاناً( 6) 7-تعويذ الأبناء والأهل : عن بن عباس رضي الله عنهما قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"(6 ) يقول بدر الدين العيني -رحمه الله- ذكر معناه قوله:كان النبي يعوذ إخبار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله كان يدل على أنه كان يكثر التعويذ بقوله أعوذ بكلمات الله التامة إلى آخره قوله يعوذ من 2 - أخرجه البخاري6 كتاب الوضوء: 3 باب ما يقول عند الخلاء 1 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري1 /152) 9 -أخرجهأحمد (2/101 ، رقم1635) ،والبخاري (9/2231 ، رقم9203) ، ومسلم1/2060 ، رقم2696) ، وأبو داود1/163 ، رقم1212) ، والترمذي (9/602 ، رقم2031) 6 - رواه البخاري1 /162 في بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع به شعف الجبال، ومسلم رقم (1513) في الذكر، باب استحباب الدعاء عند صباح الديكة، وأبو داود رقم (6201) في الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم، والترمذي رقم9666) 6 - أخرجه أحمد2/191(1221). و"البخاري6/250 (9952)

عدد الصفحات ٩٠

12 التعويذ يقال عذت به أعوذ عوذا وعياذا ومعاذا أي لجأت إليه فالتعوذ والاستعاذة والتعويذ كلها بمعنى واحد يعني كان النبي يعوذ الحسن والحسين بقوله أعوذ بكلمات الله التامة إلى آخره ويقول لهما إن أباكما كان يعوذ بها أي بهذه الكلمات إسماعيل وإسحاق أبنيه وبين هذه الكلمات بقوله أعوذ بكلمات الله إلى آخره قوله إن أباكما أراد به إبراهيم كما ذكرنا وأضيف إليهما لأنهما من نسله قوله بكلمات الله إما باقية على عمومها فالمقصود هاهنا كل كلمة لله وإما مخصوصة بنحو المعوذتين وقال الهروي القرآن والتامة صفة لازمة إذ كل كلماته تامة وقيل المراد بالتامة الكاملة وقيل النافعة وقيل الشافية وقيل المباركة وقيل القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب وقال ابن التين التام فضلها وبركاتها قوله من كل شيطان قال الداودي يدخل فيه شياطين الإنس والجن قوله وهامة بتشديد الميم واحدة الهوام ذوات السموم وقيل كل ما له سم يقتل وأما ما لا يقتل فيقال لها سوام وقيل المراد كل نسمة تهم بسوء وقال ابن فارس الهوام حشرات الأرن وقال الهروي الهوام الحيات وكل ذي سم يقتل وقد تقع الهامة على ما يدب من الحيوان ومنه قوله لكعب بن عجرة أيؤذيك هوام رأسك أراد القمل سماها هوام لأنها تهم في الرأس وتدب قوله لامة العين اللامة هي التي تصيب بسوء وقيل اللامة الملمة وإ ا أتى بها على فاعلة للمزاوجة ويجوز أن تكون على ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون من لمه إذا جمعه وقال أبو عبيد أصلها من ألممت إلماما بالشيء نزلت به ولم يقل ملمة كأنه أراد بها ذات لمم وقال الخطابي اللامة ذات اللمم وهي كل داء مر وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ونحوه وقال الداودي هي كل عين تصيب الإنسان إذا حلت به (2) 8--عند النوم والاستيقاظ منه : فعن جابـر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أوى الرجل إلى فراشه أتاه ملك وشيطان ، فيقول الملك اختم بخير ، ويقول الشيطان اختم بشر ، فان ذكر الله ثم نام باتت الملائكة تكلؤه ، فان استيقظ قال الملك افتح بخير ، وقال الشيطان افتح بشر ، فان قال الحمد لله الذي رد على نفسي ، ولم يمتها في منامها ، ( الحمد لله الذي يمسك السماوات 2 - عمدةالقاري ج 26 ص961

عدد الصفحات ٩١

13 والأرن أن تزو) إلى آخر الآية ، ( الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرن إلا بإذنه ) ، فإن وقع من سريره فمات دخل الجنة(2) 9-التعوذ بالله عند وسوسة الشياطين والملحدين وترك الاسترسال في التفكير : ومن مواطن الاستعاذة الاستعاذة من تلك الشبة الشيطانية إلى يثيرها الشيطان الرجيم في نفس العبد، أو تلك الشبة التي يثيرها المبشرين حول القران أو الرسول أو حول أحكام الشريعة والتي ينبغي للعبد أن يتحصن منها صون الاستعاذة من تلك الشبة وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول :من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له :من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته) (1) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي فسألوه :إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال" : وقد وجدتموه؟ "قالوا :نعم، قال" :ذاك صريح الإيمان (9)". عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله : "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا :خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل :آمنت بالله(6) يقول ابن حجر–رحمه الله - رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة صدق الله ورسوله قال بن بطال في حديث أنس الإشارة إلى ذم كثرة السؤال لأنها تفضي إلى المحذور كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة بلفظ لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق الله فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت بالله وفي رواية ذاك صريح الإيمان ولعل هذا هو الذي أراد الصحابي فيما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة فقالوا يا رسول الله آنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا وانا تكلمنا به فقال أوقد وجدتموه ذاك صريح الإيمان ولابن أبي شيبة من حديث بن عباس جاء رجل إلى 2 - أخرجه النسائي ، في "عمل اليوم والليلة069 1 - أخرجهالبخاري (9/2236 ، رقم9201) ، ومسلم2/210 ، رقم296. ) 9 - أخرجه مسلم2/223 ، رقم291) ، وأبو داود6/913 ، رقم6222) ،والنسائي في الكبرى(1/250 ، رقم20600) 6 - أخرجه مسلم2/223 ، رقم296) ، وأبو داود6/192 ، رقم6512)

عدد الصفحات ٩٢

12 النبي صلى اعليه وسلم فقال إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إلى من أن أتكلم به قال الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة) ثم نقل الخطابي المراد بصريح الإيمان هو الذي يعظم في نفوسهم أن تكلموا به ويمنعهم من قبول ما يلقي الشيطان فلولا ذلك لم يتعاظم في أنفسهم حتى أنكروه وليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان بل هي من قبل الشيطان وكيده وقال الطيبي قوله نجد في أنفسنا الشيء أي القبيح نحو ما تقدم في حديث أنس وأبي هريرة وقوله يعظم أن نتكلم به أي للعلم بأنه لا يليق أن نعتقده وقوله ذاك صريح الإيمان أي علمكم بقبيح تلك الوساوس وامتناع قبولكم ووجودكم النفرة عنها دليل على خلوص إيمانكم فان الكافر يصر على ما في قلبه من المحال ولا ينفر عنه وقوله في الحديث الآخر فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر والحكمة في ذلك أن العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوس الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فان وقع شيء من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورن جة يجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت إن سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الالتجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى (واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ) الآية(2) الاستعاذة من تخبط الشيطان عند الموت عن أبي اليسر رضي الله عنه قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" :اللهم إني أعوذ بك من التردي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا (1)". ذكـــــر الله ومن تلك الحصون المنية التي لا يستطيع الشيطان أن يستورها: ذكر الله تعالى 2 - فتح الباري- ابن حجر29 - صفحة159 ) 1 - أخرجه أحمد9/615(26100) و"أبو داود2661 و"النسائي0/101 ، وفي "الكبرى5325

عدد الصفحات ٩٣

11 روى الإمام أحمد رضي الله عنه والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ويأمر بني إسرائيل أن يعلموا بها وأنه كاد أن يبطيء بها فقال له عيسى عليه السلام : إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم فقال يحي : أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب فجمع يحي الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعد على الشرف فقال : إن الله تبارك وتعالى أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن : أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وإن من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال : هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك كلهم يعجب أو يعجبه ريحه وأن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال : أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم وأمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى ،قال النبي صلي الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم فقال رجل : يارسول الله وإن صلى وصام ؟ قال وإن صلى وصام فادعوا بدعوا الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله قوله صلى الله عليه وسلم وأمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر ا (2) 2 - رواه أحمد في مسنده ح25103 والترمذي ح 2019 وقال الشي الألباني : ( صحيح ) انظرحديث رقم : 2516 في صحيح الجامع

عدد الصفحات ٩٤

16 فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجا بذكره فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وأنقبض قال ابن عباس : الشيطان جاثم على قلب أبن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله تعالى خنس وفي مسند الأمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن زياد أبن أبي زياد مولى عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل (2 ) الاستعاذة عند الرؤيا عن أبي قتادة رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" :الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره ."فقال :إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل .فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث .فما أباليها(1) وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول" :إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنها هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإ ا هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره (9)" عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" :إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه (2) 2 - أخرجه أحمد6/193(11613 و11690) 1 - أخرجه ابن أبى شيبة1/50 ، رقم13666) ،والبخاري (6/1213 ، رقم6626) ، ومسلم6/2551 ، رقم1112) ، وأبو داود6/906 ، رقم 6012) ،والترمذي (6/696 ، رقم1155) 9 - أخرجه أحمد9/0 ، رقم01322) ،والبخاري (1/1619 ، رقم1606) ،والترمذي (6/606 ، رقم9669) ، وقال : حسن صحيح غريب وأخرجه أيضًا : النسائي في الكبرى (1/119 ، رقم20513) ،

عدد الصفحات ٩٥

12 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" :إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاثة، فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس "(1) يقول المناوى رحمه ا - قال النووي : جعل ما هو علامة عل ما يضر منتسبا للشيطان مع أن الله هو خالق للرؤيا مجازا لحضوره عندها لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء . وقيل : إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف وإضافة المكروهة إلى الشيطان لأنه يرضاها ( فليستعذ بالله ) من شرها وشر الشيطان ( ولا يذكرها لأحد ) فإنه ربما فسرها تفسيرا مكروها على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك بتقدير الله ( فإنها لا تضره ) فإنه تعالى جعل فعله من التعوذ والتفل وغيره سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع البلاء . قال ابن عربي: من حافظ على ما ذكره في هذا الحديث من الاستعاذة والكتم يرى برهانه فإن كثيرا من الناس وإن استعاذ يتحدث بما رآه فأوصيك أن لا تفعل. وقال بعضهم: محصل الحديث أن الرؤيا الصالحة آدابها ثلاثة: حمد الله وأن يستبشر بها وأن يتحدث بها لمن يحب لا لغيره وآداب الحلم الرديء أربعة: التعوذ من شره وشر الشيطان. ويتفل حين ينتبه ولا يذكرها لأحد واستثنى الداودي من نوم ما يكره ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها قد تقع إنذارا كما تقع تبشيرا وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي فلا يشرع التعوذ إذا عرف أنها صادقة بدليل ما رآه المصطفى صلى الله عليه وسلم من البقر التي تنحر وثلم ذباب سيفه لكن لا يلزم من ترك التعوذ ترك التحول والصلاة فقد يكون سببا لدفع مكروه الإنذار مع حصول مقصوده على أن المنذرة قد ترجع لمعنى المبشرة 2 - أخرجه ابن أبى شيبة1/50، رقم 13666) ، وعبد بن حميد (ص923 ، رقم2065) ، ومسلم6/2551 ، رقم1111) ، وأبوداود (6/906 ، رقم 6011) 1 - أخرجه أحمد1/605 ، رقم20630) ، ومسلم6/2559 ، رقم1119) ، وأبو داود6/906 ، رقم6023) ، والترمذى6/691 ، رقم1150)

عدد الصفحات ٩٦