المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشيطان كأنك تراه

السيد مراد سلامة

صفحة ٥ من ٩

66 الفصل الثالث أعــــمـــــالـــــــــه أخي المسلم 00 أختي المسلمة بعد أن تعرفنا في الصفحات الماضية على صفات الشيطانالخَ لْقية وأحواله وصفاته الـــخـــُلــُقية، ورأينا الشيطان رأى العين في تلك الصفات، هيا لنتعرف على ب عض أعماله التي يها به ف هحتى لا نتشب -صلى الله عليه وسلم-خلال كتاب الله وسنة رسولهيقوم بها وذلك من الخمر والميسر وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَا نِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلْ كُمْ تُفْلِحُونَ ( 30) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللْهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 32)}المائدة30-32 ) فهذه أخطر الأعمال ال يقو بها لإغواء بنى آدم وللعلماء في تفسير هذه الآية كلام بليغ يكشف ذلك المخطط الشيطاني يقول ابن عطية –رحمه الله – (ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إ ا يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر ، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل ، حتى ربما بقي المقمور حزيناً فقيراً فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة ، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء ، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً »،وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو ، و { البغضاء} تنقض عري الدين وتهدم عماد الحماية ، وكذلك أيضاً يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات ، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك ، وفي قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا

عدد الصفحات ٦٥

62 ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه{ وأطيعوا} وكرر{ أطيعوا} في ذكر الرسول تأكيداً ، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إ ا على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب سب ما يعصى أو يطاع (2 ) ويقول الإمام الرازى–رحمه الله - وقوله { مِنْ عَمَلِ الشيطان } وهذا أيضاً مكمل لكونه رجساً لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [10 ] الخبيث لقوله { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ } [11 ] فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه . قال تعا{ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } [26 ]ن الوصف قال { فاجتنبوه} أي كونوا جانباً منه ، والهاء عائدة إلى ماذا - فيه وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ، فكان الأمر بالاجتناب متناولاً للكل . الثاني : أنها عائدة إلى المضاف المحذوف ، كأنه قيل : إ ا شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال : { رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ا واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولاً في الخمر ثم في الميسر : أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب ، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء ، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة ، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء . 2 - ارر الوجيز - (ج 1 / ص990)

عدد الصفحات ٦٦

62 وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجالإجحاف بأرباب الأموال ، لأن من صار مغلوباً في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالباً فيه ، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيراً مسكيناً ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذي ن كانوا غالبين له فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس ، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن ، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية . قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال : { يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر } [30 ] في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإ ا ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر ، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر . أما النوع الثاني : من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر : المفاسد المتعلقة بالدين ، وهو قوله تعالى : { وَيَ صُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } فنقول : أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر ا فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى ، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك ، لأنه إن كان غالباً صار استغراقه في لذة الغلبة مانعاً من أن يخطر بباله شيء سواه ، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة . فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني ، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلاً وهذا يقدح في صحة هذا التعليل) قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة . ولما بيّن تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين .

عدد الصفحات ٦٧

61 قال تعا{ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } رويأنه لما نزل قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [69 ] بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً ، فلما نزلت هذه الآية قال عمر : انتهينا يا رب واعلم أن هذا وإن كان استفهاماً في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ، وإ ا حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الإقرار بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } جارياً مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقروناً بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء . واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه: أحدها : تصدير الجملة بإ ال ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر ، فكأنه تعالى قال : لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : « شارب الخمر كعابد الوثن» وثالثها : أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر للوجوب ، ورابعها: أنه قال: { لَعَلْكُمْ تُفْلِحُو نَ } جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة وخامسها: أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين ، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الإعران عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة . وسادسها : قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ م نتَهُونَ } وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ. وسابعها: أنه تعالى قال بعد ذلك وَأَطِيعُواْ اللْهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلْيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

عدد الصفحات ٦٨

20 وَأَطِيعُواْ اللْهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فظاهره أن المراد وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر وقوله وَ احْذَرُواْ أي احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف و ثامنها: قوله:{فَإِن تَوَلْيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف وأعرن فيه عن حكم الله وبيانه يعني أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ والإعذار والإنذار فأما ما وراء ذلك من عقاب من خالف هذا التكليف وأعرن عنه فذاك إلى الله تعالى ولا شك أنه تهديد شديد فصار كل واحد من هذه الوجوه الصمانية دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً في تحريم الخمر (2). وهكذاواضح الإمام الرازي –رحمه الله-بيان الحكمة من جعل هذه الأشياء الثلاثة من اعمل الشيطان فالواجب على المسلم أن يبتعد عنها لأنها مفتاح كل شر وما سلك طريقها إنسان إلا كان عاقبة أمره خسرا ومن أعماله الطعن والطعن هو أول عمل يقوم به إبليس مع الإنسان عند أول خروج له إلى هذه الدنيا إعلاما منه لبداية المعركـة مـع هـذا المولـود الجديد عن أبى هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:«كل بنى آدم يطعن الشيطانفي جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب »(1) يقول ابن حجر–رحمه الله - قال القرطبي هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [91 ] ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى ووقع في رواية معمر عن الزهري عند مسلم إلا نخسه الشيطان بنون وخاء معجمة ثم مهملة قوله فيستهل صارخا من مس الشيطان في رواية معمر المذكورة من 2 - تفسير الرازي- (ج 1 / ص\265 261) 1 - أخرجهالبخاري (9/2231 ، رقم9221. )

عدد الصفحات ٦٩

29 نخسه الشيطان أي سبب صراخ الصبي أول ما يولد الألم من مس الشيطان إياه والاستهلال الصياح قوله غير مريم وابنها تقدم في باب إبليس بذكر عيسى خاصة فيحتمل أن يكون هذا بالنسبة إلى المس وذاك بالنسبة إلى الطعن في الجنب ويحتمل أن يكون ذاك قبل الإعلام بما زاد وفيه بعد لأنه حديث واحد وقد رواه خلاس عن أبي هريرة بلفظ كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه حين ولد غير عيسى وأمه جعل الله دون الطعنة حجابا فأصاب الحجاب ولم يصبها والذي يظهر أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر والزيادة من الحافظ مقبولة وأما قول بعضهم يحتمل أن يكون من العطف التفسيري والمقصود الابن كقولك أعجبني زيد وكرمه فهو تعسف شديد (2) النجاة من طعنالشيطان: فإن قلت: وهل يستطيع المسلم النجاة من طعن الشيطان عند الولادة ؟ الجواب: نعم لقد أرشدنا النبي - -عباس رضي الله عنهما عن - -قال ( أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره الشيطان) متفق عليه )1()الْمَعْنَى لَمْ يُسَلْط عَلَيْهِ مِنْ أَجْل ( - رحمه الله -يقول ابن حجر وهذا أدب من آداب النبوة وهدى من هديه صلى الله عليه وسلم –ينبغ على الآباء ألا يغفلو ا عنه عندما يأتي أحدهم زوجته حتى يحفظ الله ما يتولد عن ذلك اللقاء 1 ومن أعماله السرقة ومن أعماله التي يقوم بها السرقة فهو لص محترف لديه في فن السرقة طرق شتى ولقد حدث طرف من ذلك في عهد النبوة مع إلى هريرة –رضى الله عنه-وهو أيضا يسرق من صلاة العبد 2 - فتح الباري لابن حجر- (ج 20 / ص192) 1 - فتح الباري لابن حجر- (ج 26 / ص666)

عدد الصفحات ٧٠

22 عائشة رضي الله عنها " :سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال:" هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة أحدكم.")(2) يقول بدر الدين العينى–رحمه الله - قوله هو اختلاس وهو الاختطاف بسرعة وفي النهاية لابن الأثير الاختلاس افتعال من الخلسة وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة قوله يختلس الشيطان 00والمعنى أن المصلي إذا التفت يمينا أو شما يظفر به الشيطان في ذلك الوقت ويشغله عن العبادة فربما يسهو أو يغلط لعدم حضور قلبه باشتغاله بغير المقصود ولما كان هذا الفعل غير مرضي عنه نسب إلى الشيطان وعن هذا قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة وقال الطيبي: المعنى من التفت ذهب عنه الخشوع فاستعير لذهابه اختلاس الشيطان تصويرا لقبح تلك الفعلة أن المصلي مستغرق في مناجاة ربه وأنه تعالى يقبل عليه والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه وقال ابن بزيزة أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاعا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه وتعالى ثم أن الإجماع على أن الكراهية فيه للتنزيه وقال المتولي من الشافعية أنه حرام وقال الحكم من تأمل من عن يمينه أو شماله في الصلاة حتى يعرفه فليست له صلاة وقال أبو ثور إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته وإذا التفت عن يمينه أو شماله مضى في صلاته ورخص فيه طائفة فقال ابن سيرين رأيت أنس بن مالك يشرف إلى الشيء في صلاته ينظر إليه وقال معاوية بن قرة قيل لابن عمران ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك ولم يلتفت قال لكنا نتحرك ونلتفت وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالا وكان ابن مغفل يفعله وقال مالك الالتفات لا يقطع الصلاة وهو قول الكوفيين وقول عطاء والأوزاعي وقال ابن القاسم(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :وكلني رسول الله - فظ زكاة رمضان فأتاني آت -فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله قال إني محتاج وعلي عيال 2 - صحيح البخاري- (ص: 116) 1 -) عمدة القاري6 - صفحة920 ]

عدد الصفحات ٧١

23 ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ) . قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال ( أما إنه قد كذبك وسيعود ) . فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنه سيعود ) . فرصدته فجاء الحثو من الطعام فأخذته فقلت أيرفعنك إلى رسول - قال دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله - ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك ) . قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال ( أما إنه كذبك وسيعود ) . فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود ثم تعود قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هو ؟ قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { ا لا إله إلا هو الحي القيوم } . حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله - ( ما فعل أسيرك البارحة ) . قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ( ما هي ) . قلت قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } . وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح- وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) . قال لا قال ( ذاك شيطان(2) يقول بدر الدين العي–رحمه الله - ذكر ما يستفاد منه: فيه أن السارق لا يقطع في مجاعة وأنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام وفيه أن الكذوب قد يصدق مع الندرة وفيه علامات النبوة لقوله ما فعل أسيرك البارحة وفيه تفسير لقوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ( الأعراف 51 ) يعني الشياطين إن المراد بذلك ما هم عليه من خلقهم الروحانية فإذا 2 -سبق تخريجه

عدد الصفحات ٧٢

22 استحضروا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم كما شخص الشيطان لأبي هريرة في صورة سارق وفيه أن الجن يأكلون الطعام وهو موافق لقوله سألوني الزاد وقال ابن التين وفي شعر العرب أنهم لا يأكلون وفيه ظهور الجن وتكلمهم بكلام الإنس وفيه قبول عذر السارق وفيه وعيد أبي هريرة برفعه إليه وخدعة الشيطان وفيه في الثالثة بلاغ في الأعذار وفيه فضل آية الكرسي وفيه أن للشيطان نصيبا ممن ترك ذكر الله تعالى عند المنام وفيه أن من أقيم في حفظ شيء يسمى وكيلا وفيه أن الجن تسرق وتخدع وفيه جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها وفيه جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه(2) ومن أعمالهنسيان الاستحواذ يقول الإمام ابن القيم :"خلق ابن آدم من الأرن وروحه في ملكوت السماء وقرن بينهما فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وجدت روحه خفة وراحة فتاقت ألي الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثة من ألم مفارقتها وانقطاعها من عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب." ومتى تظهر عتامة الطين الذي خلق منه الإنسان ؟ ومتى ترى الإنسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء ؟ ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء ؟ ترى ذلك كله عندما الشيطان ينسى هذا الإنسان العنصر الآخر الذي خلق منه " نفخة من روح 2 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري21 /260)

عدد الصفحات ٧٣

21 ا." "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله." ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره ويسعى عدو الله سعيا حثيثا لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله حتى يحيله إلى طينة يابسة لا حياة فيها وذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أعماله العقد عن أبي هريرة  قال قال رسول ا يعقد الشيطان علـى قافيـة رأس أحـدكم ثـلاث عقـد إذا نـام يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توضـأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده فأصبح نشيطًا طيـب الـنفس وإلا أصـبح خبيـث الـنفس كسـلان( 2 ) متفق عليه يقول ابن عبد البر –رحمه الله -والله أعلم كيف يعقد الشيطان رأس ابن آدم قيل إنها كعقد السحر من قول الله النفاثات في العقد وهذا لا يقف على حقيقته احد والقافية مؤخر الرأس وهـو القـذال وقافيـة كل شيء آخره ومنه قيل لنبينا صلى الله عليه وسلم المقفى لأنـه آخـر الأنبيـاء ومـن هـذا أخـذت قـوافي الشعر لأنها أواخر الأبيات والمعني عندي والله أعلم في هذا الحديث أن الشيطان ينوم المرء ويزيـده ثقـلا وكسلا بسعيه وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه إلا عباد الله المخلصين وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان وكذلك الوضوء والصلاة ويحتمل أن يكون الذكر للوضوء والصلاة لما فيهم(1) ويقول ابن حجر–رحمه الله – مبينا أقوال العلماء فى معنى العقد وقد اختلف في هذه العقد فقيل هو على الحقيقه وأنه كما يعقد الساحر من يسحره وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور عند ذلك ومنه قوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية 2 - أخرجه مالك2/251 ، رقم616) ، وأحمد1/169 ، رقم5901) ،والبخاري (2/909 ، رقم2032) ، ومسلم2/690 ، رقم551) 1 - التمهيد23 - صفحة66

عدد الصفحات ٧٤

26 الرأس نفسها وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر ويؤيده ما ورد في بعض طرقه أن على رأس كل ادمي حبلا ففي رواية بن ماجة ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد ولأحمد من طريق الحسن عن أبي هريرة بلفظ إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير ولابن خزيمة وبن حبان من حديث جابر مرفوعا ما من ذكر ولا أنثى الا على رأسه جرير معقود حين يرقد الحديث وفي الثواب لادم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه والجرير بفتح الجيم هو الحبل وفهم بعضهم من هذا أن العقد لازمة ويرده التصريح بأنها تنحل بالصلاة فيلزم إعادة عقدها فابهم فاعله في حديث جابر وفسر في حديث غيره وقيل هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم وقيل المراد به عقد القلب وتصميمه على الشيء كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة فيتأخر عن القيام وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به وقيل العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور ومنه عقدت فلانا عن امرأته أي منعته عنها أو عن تثقيله عليه النوم كأنه قد شد عليه شدادا وقال بعضهم المراد بالعقد الثلاث الأكل والشرب والنوم لأن من أكثر الأكل والشرب كثر نومه واستبعده المحب الطبري لأن الحديث يقتضي أن العقد تقع عند النوم فهي غيره(2) والذي يترجح لدى من هذه الأقوال أن العقد حقيقة لا مجاز ومن أعماله الوسوسة: ومن أعماله التي يضل بها كثير من الناس الوسوسة التي تدع المرء سيرا لذلك الشيطان يقول سبحانه {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ 2) مَلِكِ النَّاسِ 1) إِلَهِ النَّاسِ 9) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (6) الْذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ 6) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ 1)} **يقول الأمام الثعلقوله عز وجل : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إله الناس مِن شَرِّ الوسواس الخناس } :{ الوسواس} : اسم مِنْ أسماء الشيطانِ ، وقولُه { الخناس 2 - فتح الباري لابن حجر9 /16)

عدد الصفحات ٧٥

22 } معناه : الرَّاجِعُ على عَقِبِهِ المُسْتَتِرُ أحياناً ، فإذَا ذكر العَبْدُ اللْه تعالى وتعوَّذ ، تذكْر فأبْصَرَ؛ كما قال تعالى : { إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف . . . } [102 ] قال النوَوِيُّ «2: » قال بعضُ العلماءِ: يُسْتَحَبُّ قَول: لا إله إلا اللْهِ لِمَنِ ابتلي بالوَسْوَسَةِ في الوضوءِ والصلاةِ وشِبْهِهِمَا فإن الشيطان إذا سمع الذِّكرَ، خَنَسَ، أي: تأخَّر وبَعُدَ، و «لا إله إلا اللْهُ »رَأْسُ الذِّكْرِ ولذلك اختار السَّادَةُ الجِ لْةُ مِنْ صَفْوة هذه الأمة أهْلُ تربيةِ السَّالكين وتأدِيبِ المُرِيدِينَ - قَوْلَ «لا إله إلا اللْه »لأَهْلِ الخَلْوَةِ -، وأمَرُوهم بالمداومة علَيْهَا، وقالوا: أنْفَعُ علاجٍ في دَفْعِ الوسوسةِ الإقبالُ على ذِكْرِ اللْه تعالى والإكْثَارُ منْه، وقال السَّ يِّدُ الجليلُ أحْمَدُ بْنُ أبي الحوارِيِّ: شَكَوْتُ إلى أبي سُلَيْمَانَ الدَّرَانِيِّ الوَسْوَاسَ، فقال: إذا أَرَدت أَنْ ينقطعَ عَنْكَ، فَأَيَّ وَقْتٍ أحْسَسْتَ به، فافرح، فإنك إذا فَرِحْتَ به، انقطع عنك لأنه ليْسَ شيءٌ أبْغَضُ إلى الشيطانِ مِنْ سرورِ المؤ من، وإن اغتممت بِه، زَادَكَ، ت: وهذا مما يؤيِّد ما قاله بَعْضُ الأئمة أنَّ الوسواس إ ا يبتلى به مَنْ كَمُلَ إيمانه فإن اللِّصَّ لا يقصدُ بيتاً خَرباً. انتهى، ت: ورأيتُ في «مختصر الطبري»نَحْوَ هذا وقوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ يعني: الشياطينَ، ويظهر أنْ يَكُونَ قولُهُ: وَالنَّاسِ يراد به: مَنْ يُوَسْوِسُ بخدعة مِنَ الشَّرِّ، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كَالشَّيْطان، قال أحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الداوديُّ: وعن ابن جُرَيْتٍ: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قَالَ: «إنهما وَسْوَاسَانِ، فَوَسْوَاسٌ من الجِنَّة، ووَسْوَ اسٌ مِنْ نَفْسِ الإنسان»انتهى، وفي الحديث الصحيح، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ: «قل هو الله أحد»، و«قل أعوذ برب الفلق»، و «قل أعوذ برب الناس»ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما من رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما" )(2 ) . يقول سيد قطب–رحمه الله - 2 - تفسير الثعالبي - (ج 6 / ص131)

عدد الصفحات ٧٦

22 الاستعاذة في هذه السورة برب الناس، ملك الناس، إله الناس. والمستعاذ منه هو: شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس . والاستعاذة بالرب، الملك، الإله ، تستحضر من صفات الله سبحانه ما به يدفع الشر عامة ، وشر الوسواس الخناس خاصة . فالرب هو المربي والموجه والراعي والحامي . والملك هو المالك الحاكم المتصرف . والإله هو المستعلي المستولي المتسلط . . وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتدسس إلى الصدور . . وهي لا تعرف كيف تدفعه لأنه مستور . والله رب كل شيء ، وملك كل شيء ، وإله كل شيء . ولكن تخصيص ذكر الناس هنا يجعلهم يحسون بالقرب في موقف العياذ والاحتماء . والله برحمة منه يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته إلى العياذ به والالتجاء إليه ، مع استحضار معاني صفاته هذه ، من شر خفي الدبيب ، لا قبل لهم بدفعه إلا بعون من الرب الملك الإله . فهو يأخذهم من حيث لا يشعرون ، ويأتيهم من حيث لا يحتسبون . والوسوسة : الصوت الخفي . والخنوس : الاختباء والرجوع . والخناس هو الذي من طبعه كثرة الخنوس . وقد أطلق النص الصفة أولاً : { الوسواس الخناس} . . وحدد عمله{ الذي يوسوس صدور الناس } . ثم حدد ماهيته{ من الجنة والناس} . . وهذا الترتيب يثير في الحس اليقظة والتلفت والانتباه لتبين حقيقة الوسواس الخناس بعد إطلاق صفته في أول الكلام؛ ولإدراك طريقة فعله التي يتحقق بها شره ، تأهبا لدفعه أو مراقبته! والنفس حين تعرف بعد هذا التشويق والإيقاظ أن الوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس خفية وسراً ، وأنه هو الجنة الخافية ، وهو كذلك الناس الذين يتدسسون إلى الصدور تدسس الجنة ، ويوسوسون وسوسة الشياطين . . النفس حين تعرف هذا تتأهب للدفاع ، وقد عرفت المكمن والمدخل والطريق! ووسوسة الجنة نحن لا ندري كيف تتم ، ولكنا نجد آثارها في واقع النفوس وواقع الحياة . ونعرف أن المعركة بين آدم وإبليس قديمة قديمة؛ وأن الشيطان قد أعلنها حرباً تنبثق من

عدد الصفحات ٧٧

21 خليقة الشر فيه ، ومن كبريائه وحسده وحقده على الإنسان! وأنه قد استصدر بها من الله إذناً ، فأذن فيها سبحانه لحكمة يراها! ولم يترك الإنسان فيها مجرداً من العدة . فقد جعل له من الإيمان جُنة ، وجعل له من الذكر عدة ، وجعل له من الاستعاذة سلاحاً . . فإذا أغفل الإنسان جنته وعدته وسلاحه فهو إذن وحده الملوم! عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا غفل وسوس »وأما الناس فنحن نعرف عن وسوستهم الشيء الكثير(2) الفصل الرابع أهداف الحرب الشيطانية 2 - في ظلال القرآن- (ج 0 / ص296)

عدد الصفحات ٧٨

20 بعد أن تعرفنا على بعض أعمال الشيطان الرجيم هيا لنقرأ في هذه الصفحات بعض الأهداف الشيطانية ،فقد وضع الشيطان لنفسهاجندة عمل لابد أن يحقق بعضا منها لذا وجب على كل من يرجوا النجاة من كيده وأهدافه أن يتعرف عليها ويعلم خطرها وضررها عليه من باب قول الشاعر عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه&& و من لا يعرف الخير من الشر يقع فيه وقال ابن القيم رحمه الله: [ "العقبة الأولى عقبة الكفر بالله ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح. فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على *قلت (أبو همام ) :فهذه أغلى أماني الشيطان ولقد ظفر بكثير من الخلق في هذه العقبة الدليل على ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْ مِنِينَ ( 209)( سورة يوسف ويقوا (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللْهِ إِلْا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 201)0(سورة يوسف ويقول –سبحانه وتعالى (إِلْا الْذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ داود أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَ غْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ( 16)( سورة :ص16 )فمن خلال تلك الآيات تبين لنا كيف نجح الرجيم في إغواء كثير من بنى آدم ،فالحذر من شره ولا يغتر العبد بصلاته وعمله ولا يأمن على أيمانه وليحذر عدوه ويهتف فيقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك "العقبة الثانية" :يقول ابن القيم وهي عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله، من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئًا.

عدد الصفحات ٧٩

29 والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن اخرى، كما قال بعضهم؛ تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعيشون في بلاد الإسلام، تضت منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى. وقال شيخنا: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة. فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بالحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب، فإن سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل ويبغوه الغوائل وقالوا: مبدع محدث، قلت (أبو همام) والناظر في أحوال كثير من المتعبد على غير علم يجد أن الشيطان الرجيم قد ظفر بهم في هذه العقبة ،عن حارثة بن مضرب : إن الناس نودي فيهم بعد نومة أنه من صلى في المسجد الأعظم دخل الجنة ، فانطلق النساء والرجال حتى امتلأ المسجد قياما يصلون . قال أبو إسحاق : إن أمي وجدتي فيهم ، فأتي ابن مسعود فقيل له : أدرك الناس ، فقال : ما لهم ؟ قيل : نودي فيهم بعد نومة أنه من صلى في المسجد الأعظم دخل الجنة ، فخرج ابن مسعود يشير بثوبه : ويلكم اخرجوا لا تعذبوا ، إ ا هي نفخة من الشيطان ، إنه لم ينزل كتابا بعد نبيكم ، ولا ينزل بعد نبيكم ، فخرجوا(2) عن عبد الواحد بن صبرة قال : بلغ ابن مسعود أن عمرو بن عتبة في أصحاب له بنوا مسجدا بظهر الكوفة ، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم . ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحا معلوما ويهللون ويكبرون ، قال : فلبس برنسا ، ثم انطلق فجلس إليهم ، فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه ثم قال : أنا أبو عبد الرحمن ، ثم قال : لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ، أو لقد جئتم ببدعة ظلما . قال : فقال عمرو بن عتبة : نستغفر الله ، ثلاث مرات ، ثم قال رجل من بني تميم : والله ما فضلنا أصحاب محمد علما ، ولا جئنا ببدعة ظلما ، ولكنا قوم نذكر ربنا ، فقال : «بلى والذي نفس ابن مسعود بيده ، لقد فضلتم أصحاب محمد علما 2 -- اتباع السنن واجتناب البدع المؤلف : ضياء الدين المقدسي ص2

عدد الصفحات ٨٠