المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الشيطان كأنك تراه

السيد مراد سلامة

صفحة ٤ من ٩

10 الفصلالثالث: الصــــــفات الـــخـــُلــُقية أخي المسلم بعد أن عشنا مع هذه الصفات وتلك الأحوال ورأينا أن الله تعالى لم يفصل القول في صفات الشيطان الخلْقية إذ الغرن من بيان صفات اللعين هو ما يتعلق بهدفه الرئيسي الهداية للبشر، فلما تكلم سبحانه عن الصفات الخُلُقية للشيطان استطرد الحق سبحانه وتعالى في بيان تلك الصفات، والهدف من ذلك توضيح وتحديد صورة الشيطان لكل عباده حتى يعرفوا حقيقة عدوهم ، ومن ثم يجتنبوه ، ويبتعدوا عن التشبّه بأي صفة من صفاته: وهاك بيان تلك الصفات من كتاب الرحمن الصفة الأولى والثانية: الكفر والاستكبار وهما صفتان من أشر صفات ذلك اللعين ولقد وصفه الله تعالى – بهما في كتابه العزيـز يقـول تعـالى :  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلْا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَ افِرِينَ  يقول الشنقيطى–رحمه الله –في هذه الآية قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ } . لم يب هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أَو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنـه قـال لهـم ذلـك قبل خلق آدم ، فقال في الحجر : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [10-13 ] { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَر اً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَـهُ سَـاجِدِينَ } [52-51 ] لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه ، ولكنـه بينـه في مواضـع أخـر كقولـه{ قَـالَ أَنَـاْ خَيْـرٌ مِّنْـهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [عراف21 ]{ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْـجُدَ لِبَشَـرٍ خَلَقْتَـهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [99 . ] تنبيه : مثل قياس إبليس نفسه على عنصره ، الذي هو النار ، وقياسه آدم على عنصره ، الذي هو الطين ، واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم . ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه ، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى : { اسجدوا لآدَمَ } يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار . وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسَلَفُه في ذلك إبليس ، وقياس إبليس هذا لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه :

عدد الصفحات ٤٩

19 الأول : أنه فاسد الاعتبار . لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريباً الثاني : أنا لا نسلم أن النار خير من الطين ، بل الطين خير مـن النـار لأن طبيعتهـا الخفـة والطـيش والإفساد والتفريق ، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة . وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الريان الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة ، والأزهار الجميلة ، والروائح الطيبة ، تعلم أن الطين خير من النار . الثالث : أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين : فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خـير مـن آدم . لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع ، بل قد يكون الأصل رفيعـاً والفـرع وضـيعاً ، كمـا قـال الشاعر : إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا وقال الآخر :وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة(2 ) ويقول العلامة ابن عاشور–رحمه الله - والإباء الامتناع من فعل أو تلقيه . والاستكبار شدة الكبر والسين والتاء فيه للعد أي عد نفسه كبيراً مثل استعظم واستعذب الشراب أو يكون السين والتاء للمبالغة مثل استجاب واسـتقر فمعنـى اسـتكبر اتصـف بالكبر . والمعنى أنه استكبر على الله بإنكار أن يكون آدم مستحقاً لأن يسجد هو له إنكاراً عن تصميم لا عن مراجعة أو استشارة كما دلت عليه آيات أخرى مثل قوله : { قال أنا خير منـه خلقـتني مـن نـار وخلقته من طين } [21 ]ل الملائكة حـين قـالوا{ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [90 ] الحكمة ولذلك قالوا{ ونحن نسبح مدك ونقدس لك} [90 ] الجبلة التي جبل عليها أول مرة ، فاستحالت إلى جبلة أخرى على نحو ما يعـرن مـن تطـور للعاقـل حين يختل عقله وللقادر حين تشل بعض أعضائه ، ومن العلل علل جسمانية ومنها علل روحانية كمـا قال : فكنتُ كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشَلت 2 - أضواء البيان- (ج 2 / ص96)

عدد الصفحات ٥٠

12 والاستكبار التزايد في الكبر لأن السين والتاء فيه للمبالغـة لا للطلـب كمـا علمـت ، ومـن لطـائف اللغـة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجئ منها إلا بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلباً الكبر أو متكلفاً له وما هو بكبير حقاً ويحسن هنا أن نذكر قول أبي العلاء : علوتمُ فتواضعتمْ على ثقة لما تو اضع أقوام على غرر وحقيقة الكبر قال فيها حجة الإسلام في كتاب «الإحياء»الكبر خلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى اعتقاد المرء نفسه فوق التكبر عليه ، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به وبذلك ينفصل الكـبر عن العجب فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ولا يكفي أن يستعظم المرء نفسه ليكون متكبراً فإنه قـد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مماثلاً لها فـلا يتكـبر عليـه ، ولا يكفـي أن يسـتحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسـه لم يتكـبر بـل أن يـرى لنفسـه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره ، فعند هذه الاعتقـادات الثلاثـة يحصـل خلـق الكبر وهذه العقيدة تنف فيه فيحصل في نفسه اعتداد وعزة وفرح وركـون إلى مـا اعتقـد ، وعـز في نفسـه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى تلك العقيدة هو خلق الكبر (2) جزاء من اتصف بصفة الكبر والناظر في أحوال كثير من الناس يرى أن بعضهم قد اتبع ذلك المنهت الممقوت باتباع تلك السنة الشيطانية مع إخوانه فيتعالى عليهم بما آتاه الله –تعالى –من مال آو مركز مرموق ،أو حسب ، فينظر إليهم شزر مزر ويحتقرهم ، ولا يعترف قوقهم فيدعوه كل ذلك إلى الظلم وربما جره إلى الكفر بالله – سبحانه وتعالى - وعد الله عباده المؤمنين المطيعين بالجنة ، وبيّن أن هذه الجنة لا يسكنها مستكبر ، ولـذلك كـان هبـوط إبليس من ملكوت السماوات إلى دركات الأرن يقول تعالى :  قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّـرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ  - سورة الأعراف ، الآية29. أي " اهبط منه– يعني من الجنة – فليس لك أن تستكبر فيها عن طاعتي وأمري . فإن قال قائل : هل لأحد أن يتكبر في الجنـة ؟ قيـل : 2 - التحرير والتنوير- (ج 2 / ص190)

عدد الصفحات ٥١

13 إن معنى ذلك : فاهبط من الجنة فإنه لا يسكن الجنة متكبر عـن أمـر الله ، فأمـا غهـا فقـد يسـكنها المستكبر عن أمر الله ، والمستكين لطاعته " (2) أما جزاء أولئك المتكبرين في الآخرة فقد تحدث عنه سبحانه في قوله تعا إِنَّ الْذِينَ كَـذَّبُوا بِآياتِنَـا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْ جَنَّةَ حَتَّى يَلِتَ الْجَمَلُ فِي سَـمِّ الْخِيَـاطِ وَكَـذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي : " إن الذين كذبوا ججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا ، وتكبروا عن التصديق لها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبراً ، لا تفتح لأرواحهـم إذا خرجـت مـن أجسـا دهم أبواب السماء ، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل لأن أعمالهم خبيثة ... وكذلك نثيب من أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله من العذاب الأليم في الآخرة " (1) عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال * لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس"(9) يقول الإمام النووي–رحمه الله - وأما قوله صلى الله عليه و سلم لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر فقد اختلف في تأويله فذكر الخطابي فيه وجهين أحدهما أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا اذا مات عليه والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة كما قال الله تعالى{ ونزعنا ما فى صدورهم من غل} وهذان التأويلان فيهما بعد فإن هذا الحديث ورد في سياق النهى عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب بل الظاهر ما اختاره القاضي عيان وغيره من المحققين أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد يتكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة أما أولا وإما ثانيا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها 2 - انظر جامع البيان– للطبري – م 6 – ج0 – ص213 1 - تفسير الطبري- (21 /612) 9 -- أخرجه مسلم2/39 ، رقم32) ، والترمذى6/912 ، رقم2333)

عدد الصفحات ٥٢

12 وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة (2) قال الإمام المناويفي بيان أسباب الكبر و علاجه : ( واعلم أن حقيقة الكبر لا توجد في إنسان إلا أن يعتقد لنفسه مزية فوق مزيته فالكبر يستدعي مستكبرا به ومتكبرا عليه وبه ينفصل عن العجب وله أسباب وبواعث فمن أسبابه الحسب ومن بواعثه العجب والحقد والحسد ودواؤه أن يعرف نفسه ويستحضر عظمة ربه وكبرياءه ويلحظ نفسه وحقارتها وينظر إلى ما يشتمل عليه باطنه وظاهره فإن القذر يجري على جميع أجزائه فالعذرة في جميع أمعائه والبول في مثانته والمخاط في أنفه والبصاق في فيه أذنيه والدم في عروقه والصديد تحت سرته ويتردد في اليوم مرارا للخلاء ثم إنه في أول خلقته خلق من الأقذار من النطفة ودم الحيض وجرى في مجرى البول مرتين فوا عجبا له كيف يتكبر ! !. (1) عن ثوبان قال رسول الله - " من فارق الروح الجسد و هو بريء من ثلاث دخل الجنة : الكبر و الدين و الغلول "(9) وتأمل أخي المسلم حال المؤمن الخائف على نفسه من مرن الكبر فالزم نفسه التواضع لله فرفعه ا كان أبو بكر رضي الله عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب فيبيع ويشتري ومر عبد الله بن سلام رضي الله عنه وعلى رأسه حزمة حطب فقيل له : ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عز وجل ؟ ومن صفاته الجبن وخذلان أوليائه فإذا كان هذا هو حال اللعين يكفر ويتكبر، فهل لديه القوة والغلبة لإيقاع الناس في حبائلهن ولكن كيف ذلك ؟! الجواب: أن الله تعالى يخبر عباده المؤمنين بأن ذلك العدو عدو ضعيف وكيده اضعف منـه يقـول الحـق سبحانه وتعالى:  إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً  - ( سورة النساء ، الآية51 ) 2 - شرح النووي على مسلم1 /32) 1 - فيض القدير6 /126) 9 - مسند أحمد ط الرسالة95 /69) وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (5565) والحاكم1/11، والبيهقي في "السنن3/202، وفي "الشعب6660)

عدد الصفحات ٥٣

11 ويقول الطبري–رحمه الله -وكيده : " ما كاد به المؤمنين مـن تحزيبـه أوليـاءه مـن الكفـار بـالله علـى رسوله وأوليائه أهل الإيمان . فلا تهابوا أولياء الشيطان فإ ا هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهـل وهن وضعف وإ ا وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خـوف عقاب، وإ ا يقاتلون حميّة أو ح سدًا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. والمؤمنـون يقاتـل مَـن قاتـل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتـل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما لَه من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتـل علـى حـذر مـن القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف. "(2 ) ويقولالسيوطي – رحمه الله :عن ابن عباس قال : إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه { إن كيد الشيطان كان ضعيفاً } قال مجاهد : كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة . فكنـت أذكـر قـول ابـن عباس ، فأحمل عليه ، فيذهب عني(1) يقول السعدي– رحمه الله -والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُهُ مهما بلغ فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين (9). أمثلة على جبنه وخذلانه أوليائه خذلان أتباعه: هيا لنرى هذه الحقيقة رأىالعين وهو يخـذل أوليائه ويتخلى عنهم في أحلك الظروف المشهد الأول: ها هي قريش قد خرجت دها وحديدها تحاد الله ورسوله وقد زين لهم اللعين أنهم هم المنصورون وانه وليهم وسيدافع عنهم فماذا كانت النتيجة ؟ يقول تعالى:  وَإِذْ زَيَّنَ لَهـُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَا لَه ـُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَ ـارٌ لَك ـُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا ت ـَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللْهَ وَاللْهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ  سورة الأنفال ، الآية 60 2 - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر5 /113) 1 - إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا 9 - تفسير السعدي (ص205)

عدد الصفحات ٥٤

16 يقول الطبري–رحمه الله -عن السدي قال: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالـك بـن جعشـم الكنانيّ الشاعر، ثم المدلجي، فجاء علـى فـرس، فقـال للمشـركين:(لا غالـب لكـم اليـوم مـن النـاس)! فقالوا: ومن أنت؟ قال: أنا جاركم سراقة، وهؤلاء كنانة قد أتوكم! (2) **وفى هذه الآية يقول ابن كث-قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } الآية: حسَّن لهم -لعنه الله -ما جاءوا له وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر فقال: أنا جار لكم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم، سيد بني مُدْلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه، كما قال(1) تعالى عنه{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا } [210.] قال ابن جريت قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مـع المشـركين، وألقى في قلوب المشركين: أن أحدا لن يغلبكم، وإني جار لكم. فلمـا التقـوا، ونظـر الشـيطان إلى إمـداد الملائكة، { نَكَصَ عَ لَى عَقِبَيْه } قال: رجع مدبرا، وقال{ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ } الآية (9) وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا دلاهم بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن ولاه غرار المشهد الثاني :هذا المشهد لعابد أضله الشيطان وأغواه فأصبح صيد سهلا فلما وقع في فخه طلب منه الكفر بالله فلما كفر كانت النتيجة الخذلان والتخلي يقول سبحانه وتعالى –( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللْهَ رَ بَّ الْعَالَمِينَ ( 21) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظْالِمِينَ ( 25) 2 - أتى المشركين إبليس في صورة 1 - تفسير ابن كث- (ج 6 / ص59) 9 - تفسير ابن كث- (ج 6 / ص59)

عدد الصفحات ٥٥

12 قال ابن عباس في قوله تعالى: " كمثل الشيطان ": كان راهب في الفترة يقال له: برصيصا، قد تعبد صومعته سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، حتى أعيا إبليس، فجمع إبليس مردة الشياطين فقال: ألا أجد منكم من يكفيني أمر برصيصا ؟ فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي قصد النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحي، فجاء جبريل فدخل بينهما، ثم دفعه بيده حتى وقع بأقصى الهند فذلك قوله تعالى: " ذي قوة عند ذي العرش مك التكوير: 10 ] برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل من صلاته إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشره أيام، وكان يواصل العشرة أيام والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا من صلاته، رأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فندم حين لم يجبه، فقال: ما حاجتك ؟ فقال: أن أكون معك، فأتأدب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة، فقال: إني في شغل عنك، ثم أقبل على صلاته، وأقبل الأبيض أيضا على الصلاة، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده وعبادته قال له: ما حاجتك؟ فقال: أن تأذن لي فأرتفع إليك. فأذن له فأقام الأبيض معه حولا لا يفطر إلا في كل أربعين يوما يوما واحدا، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه. ثم قال الأبيض: عندي دعوات يشفي الله بها السقيم والمبتلي والمجنون، فعلمه إياها. ثم جاء إلى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. ثم تعرن لرجل فخنقه، ثم قال لأهله - وقد تصور في صورة الآدميين -: إن بصاحبكم جنونا أفأطبه ؟ قالوا نعم. فقال: لا أقوى على جنيته، ولكن اذهبوا به إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، فجاءوه فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان. ثم جعل الأبيض يفعل بالناس ذلك ويرشدهم إلى برصيصا فيعافون. فانطلق إلى جارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكا فمات واستخلف أخاه، وكان عمها ملكا في بني إسرائيل فعذبها وخنقها.

عدد الصفحات ٥٦

12 ثم جاء إليهم في صورة رجل متطبب ليعالجها فقال: إن شيطانها مارد لا يطاق، ولكن اذهبوا بها إ برصيصا فدعوها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها فبرئت، فقالوا: لا يجيبنا إلى هذا، قال: فابنوا صومعة في جانب صومعته ثم ضعوها فيها، وقولوا: هي أمانة عندك فاحتسب فيها. فسألوه ذلك فأبى، فبنوا صومعة ووضعوا فيها الجارية، فلما انفتل من صلاته عاين الجارية وما بها من الجمال فأسقط في يده، فجاءها الشيطان فخنقها فانفتل من صلاته ودعا لها فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها. وكان يكشف عنها ويتعرن بها لبرصيصا، ثم جاءه الشيطان فقال: ويحك ! واقعها، فما تجد مثلها ثم تتوب بعد ذلك. فلم يزل به حتى واقعها فحملت وظهر حملها. فقال الشيطان: ويحك ! قد افتضحت. فهل لك أن تقتلها ثم تتوب فلا تفتضح، فإن جاءوك وسألوك فقل جاءها شيطانها فذهب بها. فقتلها برصيصا ودفنها ليلا، فأخذ الشيطان طرف ثوبها حتى بقي خارجا من التراب، ورجع برصيصا إلى صلاته. ثم جاء الشيطان إلى إخوتها في المنام فقال: إن برصيصا فعل بأختكم كذا وكذا، وقتلها ودفنها في جبل كذا وكذا، فاستعظموا ذلك وقالوا لبرصيصا: ما فعلت أختنا ؟ فقال: ذهب بها شيطانها، فصدقوه وانصرفوا. ثم جاءهم الشيطان في المنام وقال: إنها مدفونة في موضع كذا وكذا، وإن طرف ردائها خارج من التراب، فانطلقوا فوجدوها، فهدموا صومعته وأنزلوه وخنقوه، وحملوه إلى الملك فأقر على نفسه فأمر بقتله. فلما صلب قال الشيطان: أتعرفني ؟ قال لا والله قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، أما اتقيت الله أما استحيت وأنت أعبد بني إسرائيل ثم لم يكفك صنيعك حتى فضحت نفسك، وأقررت عليها وفضحت أشباهك من الناس فان مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. فقال: كيف أصنع ؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة وأنجيك منهم وآخذ بأعينهم. قال: وما ذاك ؟ قال تسجد لي سجدة واحدة، فقال: أنا أفعل، فسجد له من دون الله. فقال: يا برصيصا، هذا أردت منك، كان عاقبة أمرك أن كفرت بربك، إني برئ منك، إني أخاف الله رب العالمين. (2) 2 - البداية والنهاية1 /211، وزاد المسير لابن الجوزي5 /969. تفسير القرط- (ج 20 / ص90 \95)

عدد الصفحات ٥٧

11 المشد الأخير من مشاهد الخذلان في الآخرة وهو من أعظم مشاهد الخذلان لأتباعه والتبرؤ منهم يقول تعالى واصفاً هذا المشهد  وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللْهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْ حَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلْا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُو نِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظْالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  - سورة إبراهيم ، الآية11 { إني كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } لما كشف لهم القناع بأنه لا يغني عنهم من عذاب الله شيئاً ، ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر ، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الرّبوبية ، من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة ، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكاً . ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاماً يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم: أولاً أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة م عارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها، ثم أوضح لهم: ثانياً بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بدّ للعاقل منها في قبول قول غيره، ثم أوضح: ثالثاً بأنه لم يكن منه إلاّ مجرّد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ثم نعى عليهم: رابعاً ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم؛ لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت، الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل ، ثم أوضح لهم: خامساً بأ نه لا نصر عنده ولا إغاثة ، ولا يستطيع لهم نفعاً ، ولا يدفع عنهم ضرّاً ، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة ، ثم صرح لهم: سادساً بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له ، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب (2) 2 - فتح القدير- (ج 6 / ص262)

عدد الصفحات ٥٨

60 ومن صفاته الكذب اعلم علمني الله وإياك: أن من صفات ذلك اللعين الكذب وهو من أخطر أسلحته التي يستخدمها مع بنى الإنسان وله مع ذلك السلاح خبرة قيمة منذ آدم- عليه السلام – يقول المولى –سبحانه وتعالى –( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَ ا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلْا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ( 10) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 12) فَدَلْاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 11)الأعراف ) ** يقول ابن القيم –رحمه الله -وأول كيده ومكره : أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة : أنه ناصح لهما وأنه إ ا يريد خلودهما في الجنة قال تعالى : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلْا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ( 10 ) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ 12) فَدَلْاهُمَا بِغُرُورٍ } [10 - 11] النفس والصوت الخفي وبه سمي صوت الحلي وسواسا ورجل موسوس بكسر الواو ولا يفتح فإنه لحن وإ ا قيل له : موسوس لأن نفسه توسوس إليه قال تعالى : {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } [21] وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما فإنها معصية والمعصية تهتك ستر ما ب الله وبين العبد فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة فإنه يدل على فساد في دينه قال الشاعر إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا فإن الله سبحانه أنزل لباسين : لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها ولباسا باطنا من التقوى يجمل العبد ويستره فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها ثم قال جمانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أي : إلا كراهة أن تكونا ملكين وكراهة أن تخلدا في الجنة ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها وهذا باب كيده الأعظم

عدد الصفحات ٥٩

69 الذي يدخل منه على ابن آدم فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطه ويسألها عما تحبه وتؤثره فإذا عرفه استعان بها على العبد ودخل عليه من هذا الباب وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود وهو عن طريق مقصده مصدود فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين وقال: جمانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وكان عبد الله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام ويقول لم يطمعا أن يكونا من الملائكة ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: قال يا آدم هل {أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَ } [210] فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلامأن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلا وإ ا كذبهما عدو الله وغرهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها فسموا الخمر : أم الأفراح وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة وسمو المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة فلما سماها شجرة الخلد قال : جمانها كما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد واشتهى الخلود في الجنة وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما فاجتمعت الشبهة والشهوة وساعد القدر فأخذتهما سنة الغفلة واستيقظ لهما العدو كما قيل :

عدد الصفحات ٦٠

62 واستيقظوا وأراد ا غفلتهم ... لينفذ القدر المحتوم في الأزل إلا أن هذا الجواب يعترن عليه قوله{ مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } [10] فيقال : الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله واعتذار عنه وإ ا يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين وإ ا ردد الأمر بين أمرين : أحدهما ممتنع والآخر : ممكن وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى قوله : {إِلْا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } [10] لكما من الناصح12 ] فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: أحدها: تأكيده بالقسم الثاني: تأكيده بإن الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص أي نصيحتي مختصة بكما وفائدتها إليكما لا إلي الرابع: إتيانه باسم الفاعل على الثبوت واللزوم دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي ليس أمرا عارضا الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير وأنا واحد منهم كما تقول لمن تأمره بشيء: كل أحد معي على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به سعى نحوها حتى تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا وورث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءوه : { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللْهِ } [2] وبأن وبلام التأكيد)(2) وكذلك قوله سبحانه{وَيَحْلِفُونَ بِاللْهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ } [61 ] 2 - إغاثة اللهفان2 - صفحة226 \222 ]

عدد الصفحات ٦١

63 اللعنوالرجم يقول الدكتور وائل عمر في كتابه "الشيطان خطواته و غاياته ": اللعن والرجم : صــفتان اكتســبهما أبــو الشــياطين إبلــيس لمــا عصــى ربــه اســتكباراً وكفــراً بعــدم الســجود لآدم ، وهمــا متلاصقتـان في المعنى فكلاهما تعني الطرد والرمي والإبعاد . أما اللعين " فأصل اللعن : الإبعاد ، وهو في العرف إبعـاد مقـترن بسـخط وغضـب " (2) ، وأمـا الرجم والرجيم : " فأصل الرجم : الرمي بقول كان أو بفعـل ومـن الـرجم بالقـ ـول قـ ـول أبـي إبـراهيم صلوات الله عليه :  لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ  (1) وقد يجوز أن يكـون قيـل للشـيطان : رجـيم ، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته ، ورجمه بالشهب الثواقب " (9) ، " والرجيم : المرجوم ، صُـرِف مـن مفعـول إلى فعيل ، وهو : المشتوم ، كذلك قال جماعة من أهل التأويل " (6) . وقد وردت هاتان الصفتـان في مواضع كثيرة بلفظيهما وبألفاظ مقاربة كلهـا تـدل علـى العيـ ـب والـنقص والنفي والطرد من رحمة الله ، ومن تلك الألفاظ المتقاربـ ـة : الـذأم ، والـدحر ، يقـول تعـالى :  قَـالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً ...  (5) " ومذءوماً أي : مذوماً ، وال ذأم : العيب بتخفيـف المـيم ، قـال ابن زيد : مذؤوماً ومذوماً سواء ، يقال ذأمته وذممته وذُمْته بمعنى واحد ، وقال مجاهد : المذؤوم المنعي ، والمعنيان متقاربان ، والمدحور : المبعد المطرود ، وأصله : " الدفع " (6) . وقد ركزت الآيات القرآنية على بيان لعنة ورجم إبليسوطرده من رحمـة الله ، بتلـك الألفـاظ المختلفـة التي ذكرنا ، أما لعنة ورجم أتباعه فبديهيٌّ بالاتباع له وإن كان ق ـد ورد لعـن الشيطان بشـكل عـ ـام في آيات قلائل أمثال قوله تعالى  فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  (0) . بعض اللطائف حول الآيات 2 - المحرر الوجيز– لابن عطية – ج 1 – ص226 1 - سورة مريم ، الآية61 9 - جامع البيان– للطبري – م2 – ج2 – ص11 6 - المرجع السابق– م 0 – ج26 – ص61 6 - سورة الأعراف ، الآية 20 1 - الجامع لآيات الأحكام– للقرطبي – ج 5 – ص251 5 - سورة النحل ، الآية30

عدد الصفحات ٦٢

62 ورد لعن إبليس في آيتين متشابهتين باختلاف حرف واحد وذلك في سورتي الحجر و ص ، ففي الحجر قال تعالى :  وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ  (1) ، وفي سورة ص يقول وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِـي إِلَـى يَوْمِ الدِّينِ  (2) ففي آية الحجر جاء اللعن مطلقاً دون تقييد ، وفي ص جاء مضافاً إلى رب العزة سبحانه وتعالى وفي ذلك يقول أبو السعود : " وتقييـدها بالإضافـ ـة مـع إطلاقهـا في قولـه تعـالى :  وَإِنَّ عَلَيْـكَ اللَّعْنَةَ  لما أن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين أيضاً من جهته تعالى ، وأنهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى وإبعاده من الرحمة إلى يوم الدين "(3) . الطغيان ومجاوزة الحد ونتيجة لهـذا الطـرد الربـاني للمسـتكبرين المتعـالين ، زاد بعـض المعانـدين في عِنْـدِهِم ، وجـاوز بعـض المستكبرين في غيّهم ، وطغى أتباع إبليس في الأرن ، وتجبروا بغ ير الحق كفراً وعناداً وتحـدياً سـخيفاً لرب العزة  لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً  (4) فكانت النتيجـة أن سمـى ا طغاتهم بالطاغوت ، أي : المتجاوز للحد في العصيان والضلال والإضلال لغيره ، يقـول تعـالى :  كَـ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى  (5 )" أي لَيتجاوز الحد في المعصية واتباع هوى النفس ويستكبر عن ربه عز وجل (6) وهذا في حق شياطين الإنس الذين تفوقوا على شياطين الجن في هذه الصفة بالذات دون غيرها ولذلك ترى القرآن حين يتحدث عن الطغيان يورده في معـرن الحـد يث عـن الإنـس ، فهـ ـذا عليه لعنة الله يصفه الحق سبحانه وتعالى بالطغيان  اذْهَبْ إِلَى فِرْعـ ـَوْنَ إِنَّـهُ طَغَـى  (0) " وطغـى معنـاه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد " (8) . وفي معرن الحديث عن بني إسرائيل يحذرهم الله من الطغيان وتجـاوز الحـد يقـول تعـا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَ دْ هَوَى  (9) 2 - سورة الحجر ، الآية96 1 - سورة ص ، الآية50 9 - إرشاد العقل السليم– لأبي السعود – ج 5 – ص195 6 - سورة الإسراء ، الآية11 6 - سورة العلق ، الآية1 1 - روح المعاني– للألوسي – ج 21 – ص911 5 - سورة طه ، الآية16 0 - الجامع لآيات الأحكام– للقرطبي – ج 22 – ص231 3 - سورة طه ، الآية02

عدد الصفحات ٦٣

61 " أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصـوا ، لأن الطغيان هو التجاوز إلى ما لا يجوز . وقيل : المعنى : أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا شكر المنعم بها عليكم "(1) . وقد توعد الله سبحانه وتعالى الطغاة بالعذاب الشديد في الآخرة بالخلود في جنهم فَأَمَّا مَـنْ طَغَـى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى  (2) "أي عتا عن أمر ربه فعصاه ولم يطعه بأداء فرائضه واجتناب نواهيه " (3). الضعف أمام الحق بعـد هذا العرن المخيف للشيطان المتكبر اللعين الطاغية العاصي المجرم ، يطمئن الله عباده المتمسـكين بالحق بأن هذا الشيطان على كل ما أوتي من طغيان ، ضعيف أمـام الحـق لا يسـتطيعه ولا يقـدر علـى أتباعه المتمسكين به مهما أوتي من كيد ومكر وخداع يقول الحق سبحانه وتعـالى :  إِنَّ كَيْـدَ الشَّـيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً  (4) وكيده : " ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسـوله وأوليائـه أهل الإيمان . فلا تهابوا أولياء الشيطان فإ ا هم حزبه وأنصاره ، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف " (5) . وقـد بيّن تعالى بشكل لا يقب ـل الريب أن الباطـل زاهـق لا محالة وأنه لا يستطيع هزيمة الحق ، بـل لا يستطيع أن يفعل شيئاً في هذه الدنيا بدون إرادة الله يقول تعالى :  وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَـا يُعِيـدُ  (6) " والباطل : إبليس ، أيما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه " (0) ، وهذا الباطل الذي هو إبليس وجنده زهوق أمام الحق كما أخبرنا ربنا في قوله  وَقُـلْ جَ ـاءَ الْح ـَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقـاً  (8) قال قتادة : " الحق : القرآن ، وزهق الباطل : هلك ، وهو الشيطان" (9) . 2 - المرجع السابق– ج 22 – ص190 1 - سورة النازاعات ، الآية95 - 93 9 - أيسر التفاس– لأبي بكر الجزائري – ج 6 – ص123 6 - سورة النساء ، الآية51 6 - جامع البيان– للطبري – م 6 – ج6 – ص119 1 - سورة سبأ ، الآية63 0 - جامع البيان– للطبري – م 21 – ج11 – ص213 0 - سورة الإسراء ، الآية02 3 - جامع البيان- للطبري – م 3 – ج6 – ص250

عدد الصفحات ٦٤